PDA

View Full Version : مراجع:لا عبرة بالظن البين خطؤه...الدرس التاسع ...!!!



amira.salah
25-03-2013, 01:49 AM
ع1:
لا عبرة بالظن البين خطؤه
ج1:
الأشباه والنظائر، للسيوطي.
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ:
مِنْ فُرُوعِهَا: لَوْ ظَنَّ الْمُكَلَّفُ، فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، تَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ، ثُمَّ عَاشَ وَفَعَلَهُ: فَأَدَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ.
أَوْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ، فَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ.
أَوْ طَهَارَةَ الْمَاءِ، فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ بَانَ نَجَاسَتُهُ.
أَوْ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ رَجُلٌ قَارِئٌ، فَبَانَ كَافِرًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ أُمِّيًّا.
أَوْ بَقَاءَ اللَّيْلِ، أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ.
أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، فَبَانَ خِلَافُهُ، أَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَبَانَ خِلَافُهُ، أَوْ بَانَ أَنَّ هُنَاكَ خَنْدَقًا، أَوْ اسْتَنَابَ عَلَى الْحَجّ، ظَانًّا أَنَّهُ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَبَرِئَ: لَمْ يَجُزْ فِي الصُّوَر كُلِّهَا.
فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى الْبَائِنِ ظَانًّا حَمْلَهَا، فَبَانَتْ حَائِلًا: اسْتَرَدَّ.
وَشَبَّهَهُ الرَّافِعِيُّ: بِمَا إذَا ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ.
وَمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَى ظَنِّ إعْسَارِهِ، ثُمَّ بَانَ يَسَارُهُ، وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا، قُطِعَ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مَالًا يَظُنّهُ مِلْكَهُ، أَوْ مِلْكَ أَبِيهِ، فَلَا قَطْعَ، كَمَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً يَظُنّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ، وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ: مِنْهَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُتَطَهِّرًا، فَبَانَ حَدَثُهُ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ.
وَلَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ رَكْبًا، فَظَنَّ أَنَّ مَعَهُمْ مَاءً: تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ.
وَلَوْ خَاطَبَ امْرَأَتَهُ بِالطَّلَاقِ، وَهُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً، أَوْ عَبْدَهُ بِالْعِتْقِ، وَهُوَ يَظُنّهُ لِغَيْرِهِ؛ نَفَذَ.
وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيٌّ أَجْنَبِيَّةً حُرَّة يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ الرَّقِيقَةَ: فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا، تَعْتَدُّ بِقُرْأَيْنِ، اعْتِبَارًا بِظَنِّهِ، أَوْ أَمَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ لِذَلِكَ.
ع1:
لا عبرة بالظن البين خطؤه
ج2:
غمز عيون البصائر، لأحمد بن محمد الحنفي الحموي.
الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ:
1- لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ:
صَرَّحَ بِهَا أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي مَوَاضِعَ:
2- مِنْهَا: فِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ قَالُوا: لَوْ ظَنَّ أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ ضَاقَ فَصَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ بَطَلَ الْفَجْرُ؛ فَإِذَا بَطَلَ يَنْظُرُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ثُمَّ يُعِيدُ الْفَجْرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَعَةٌ يُعِيدُ الْفَجْرَ فَقَطْ.
وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ.
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ: لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ إلَخْ.
أَقُولُ: مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَوْ سَلَّمَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ أَتَمَّ ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ بَنَى مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ فَجْرٌ أَوْ تَرْوِيحَةٌ أَوْ جُمُعَةٌ أَوْ مُسَافِرٌ ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَبِنْ لِأَنَّهُ سَلَّمَ وَهُوَ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إلَّا رَكْعَتَيْنِ.
وَفِي رَوْضَةِ النَّاطِفِيِّ يَبْنِي فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَلَوْ اسْتَخْلَفَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ أَحْدَثَ ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ، اسْتَقْبَلَ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَلَا يُتَحَمَّلُ إلَّا بِعُذْرٍ يَعْنِي وَالظَّنُّ الْبَيِّنُ خَطَؤُهُ لَيْسَ عُذْرًا لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ.
كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ.
قَوْلُهُ: مِنْهَا فِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ قَالُوا لَوْ ظَنَّ إلَخْ.
أَقُولُ: وَمِنْهَا مَا فِي الْمُلْتَقَطِ اقْتَدَى بِزَيْدٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ عَمْرٌو لَا يَجُوزُ، وَمِنْهَا وَهُوَ فِيهِ أَيْضًا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ رَعَفَ فَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَاءً وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ.. انتهى.
وَالْفَرْعُ الثَّانِي يَتَرَاءَى أَنَّهُ مِمَّا خَرَجَ عَنْ الْقَاعِدَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ.
وَمِنْهَا: لَوْ ظَنَّ الْمَاءَ نَجِسًا فَتَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَاهِرٌ جَازَ وُضُوءُهُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ ظَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ غَيْرَ مَصْرِفٍ لِلزَّكَاةِ فَدَفَعَ لَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَّ أَنَّهُ مَصْرِفٌ أَجْزَأَهُ اتِّفَاقًا.
وَخَرَجَتْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: لَوْ ظَنَّهُ مَصْرِفًا لِلزَّكَاةِ فَدَفَعَ لَهُ.
4- ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ ابْنُهُ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُمَا.
5- خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ.
6- أَوْ حَرْبِيٌّ لَمْ يُجْزِهِ اتِّفَاقًا.
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ: وَخَرَجَتْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ إلَخْ.
أَقُولُ: يُزَادُ عَلَى تِلْكَ الْمَسَائِلِ مَا فِي الْمُلْتَقَطِ: لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ يَظُنُّهُ زَيْدًا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ ابْنُهُ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُمَا.
لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ. فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا إيَّاكَ أَرَدْتُ فَخَاصَمْتُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: ((لَكَ مَا نَوَيْت يَا زَيْدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ)).
قَوْلُهُ: خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إلَخْ.
فَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ لِأَنَّ خَطَأَهُ قَدْ ظَهَرَ بِيَقِينٍ فَصَارَ كَمَا إذَا تَوَضَّأَ بِمَاءٍ أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ.
قَوْلُهُ: أَوْ حَرْبِيٌّ لَمْ يُجْزِهِ اتِّفَاقًا، عَبَّرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ بِالْكَافِرِ فَشَمَلَ الذِّمِّيَّ وَالْحَرْبِيَّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِمَا فِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ نَجِسٌ فَظَهَرَ أَنَّهُ طَاهِرٌ أَعَادَ.
7- الثَّالِثَةُ: لَوْ صَلَّى وَعِنْدَهُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ.
الرَّابِعَةُ: صَلَّى الْفَرْضَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ فَظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَخَلَ لَمْ يُجْزِهِ فِيهِمَا، وَهِيَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَالثَّالِثَةُ: تَقْتَضِي أَنْ تُحْمَلَ مَسْأَلَةُ الْخُلَاصَةِ سَابِقًا عَلَى مَا إذَا لَمْ يُصَلِّ، أَمَّا إذَا صَلَّى فَإِنَّهُ يُعِيدُ.
8- فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِبَارُ لِمَا ظَنَّهُ الْمُكَلَّفُ لَا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
9- وَعَلَى عَكْسِهِ الِاعْتِبَارُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَلَوْ صَلَّى وَعِنْدَهُ أَنَّ الثَّوْبَ طَاهِرٌ أَوْ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ دَخَلَ أَوْ أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ فَبَانَ خِلَافُهُ أَعَادَ.
وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَعِنْدَهُ أَنَّهَا غَيْرُ مَحَلٍّ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا مَحَلٌّ أَوْ عَكْسُهُ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَقَالُوا فِي الْحُدُودِ: لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ ظَانًّا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ 10 - وَلَوْ كَانَ أَعْمًى.
إلَّا إذَا نَادَاهَا فَأَجَابَتْهُ.
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ: الثَّانِيَةُ لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ نَجِسٌ إلَخْ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يُنْظَرُ هَذَا مَعَ مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي السِّرَاجِ وَعِبَارَتُهُ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي ظَنِّهِ أَنَّ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَصَلَّى ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَقَلُّ لَوْ لَمْ تَكُنْ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ.. انتهى.
أَقُولُ: وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لِمُوَافَقَتِهِ لِلْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي صَلَاتِهِ مَعَ ظَنِّهِ النَّجَاسَةَ هَلْ جَائِزٌ أَوْ حَرَامٌ؟
قَوْلُهُ: فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِبَارُ لِمَا ظَنَّهُ الْمُكَلَّفُ إلَخْ.
قَدْ وَقَعَ الِاسْتِفْتَاءُ عَمَّا لَوْ أَجَّرَ دَارًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا وَقْفٌ عَلَيْهِ وَكَانَ نَاظِرًا فَظَهَرَ بَعْدَ مُدَّةٍ بُطْلَانُ الْوَقْفِ لِكَوْنِ الْوَاقِفِ شَرَطَ فِيهِ الْبَيْعَ بِلَفْظِهِ، لِأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكًا لَهُ بِالْوِرَاثَةِ مِنْ الْوَاقِفِ حَيْثُ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ هَلْ الْعِبْرَةُ لِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ أَوْ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَأَجَبْتُ بِأَنَّ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ اعْتِبَارُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَتَبْقَى الْإِجَارَةُ وَلَا تُفْسَخُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَارِثٌ غَيْرَهُ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ مَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ غَيْرُ مُنَافٍ لِإِبْقَاءِ الْإِجَارَةِ وَعَدَمِ فَسْخِهَا كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ، هَذَا وَفِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ مَا نَصُّهُ لَوْ أَجَّرَ أَرْضًا يَظُنُّهَا مِلْكَهُ فَبَانَ أَنَّهَا وَقْفٌ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ النَّاظِرُ فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْجِهَةِ فِي هَذَا لَا يَضُرُّ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ.. انتهى.
وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا أَجَبْنَا بِهِ.
قَوْلُهُ: وَعَلَى عَكْسِهِ الِاعْتِبَارُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَخْ.
يَعْنِي لَا لِمَا ظَنَّهُ الْمُكَلَّفُ وَظَهَرَ خَطَؤُهُ أَقُولُ: هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ.
بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَ هَذِهِ الْفُرُوعَ هُنَاكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا مَفْرُوضٌ فِيمَا خَرَجَ عَنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ.
(10) قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ أَعْمًى إلَّا إذَا نَادَاهَا فَأَجَابَتْهُ، بِالْقَوْلِ بِأَنْ قَالَتْ: أَنَا زَوْجَتُكَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
قَالَ فِي الْبِنَايَةِ: لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَقُلْ وَأَجَابَتْهُ بِالْفِعْلِ حِينَ دَعَا الْأَعْمَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ فَأَجَابَتْهُ غَيْرُهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا يُحَدُّ.
أَمَّا إذَا قَالَتْ أَنَا فُلَانَةُ عِنْدَ إجَابَتِهَا فَلَا يُحَدُّ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ.
11- وَلَوْ أَقَرَّ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ظَانًّا الْوُقُوعَ بِإِفْتَاءِ الْمُفْتِي فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ لَمْ يَقَعْ كَمَا فِي "الْقُنْيَةِ".
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَرَّ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ظَانًّا الْوُقُوعَ إلَى قَوْلِهِ لَمْ يَقَعْ إلَخْ.
أَيْ دَيَّانَةً أَمَّا قَضَاءً فَيَقَعُ كَمَا فِي "الْقُنْيَةِ" لِإِقْرَارِهِ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَتَبَيَّنُ خِلَافُهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي أَفْتَى غَيْرَ مَا هُوَ فِي الْمَذْهَبِ، فَأَفْتَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُفْتِيَ أَفْتَى أَوَّلًا بِالْوُقُوعِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ، ثُمَّ أَفْتَى بَعْدَ التَّثَبُّتِ بِعَدَمِهِ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا فِي "جامع الفصولين": تَكَلَّمَتْ فَقَالَ: هَذَا كُفْرٌ.
وَحُرِّمَتْ عَلَيَّ بِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، فَعَنْ النَّسَفِيِّ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى آخَرَ مَالًا حَقًّا فِي شَيْءٍ فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَالُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْحَقُّ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ ذَلِكَ الْمَالِ.
وَلَوْ أَكَلَ ظَنَّهُ لَيْلًا فَبَانَ أَنَّهُ بَعْدَ الطُّلُوعِ قَضَى بِلَا تَكْفِيرٍ، وَلَوْ ظَنَّ الْغُرُوبَ فَأَكَلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَقَاءُ النَّهَارِ قَضَى.
وَقَالُوا: لَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ فَبَانَ خِلَافُهُ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّ شَرْطَهَا حُضُورُ الْعَدُوِّ.
وَقَالُوا: لَوْ اسْتَنَابَ الْمَرِيضُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ ظَانًّا أَنَّهُ لَا يَعِيشُ ثُمَّ صَحَّ أَدَّاهُ بِنَفْسِهِ.
12- وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَبَانَ خِلَافُهُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى.
الشَّرْحُ:
(12) قَوْلُهُ: وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَبَانَ خِلَافُهُ إلَخْ.
قِيلَ: مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ: أَبُو الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا نَفَقَةَ لَهَا إذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي النَّفَقَةَ وَظَنَّ الزَّوْجُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَفَرَضَ الزَّوْجُ لَهَا النَّفَقَةَ لَا تَجِبُ، وَالْفَرْضُ بَاطِلٌ، وَفِي شَرْحِ "الْوَهْبَانِيَّةِ" لِابْنِ الشِّحْنَةِ: مَنْ دَفَعَ شَيْئًا لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ إلَّا إذَا دَفَعَهُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ وَاسْتَهْلَكَ الْقَابِضُ قِيلَ: يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ كِتَاب الْكَفَالَةِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ لَا يَسْتَرِدُّ مِنْ الْفَقِيرِ مَا قَبَضَ اسْتَهْلَكَ ذَلِكَ أَوْ لَا.. انتهى.
أَقُولُ: فِي الْوُرُودِ نَظَرٌ فِي كَوْنِ الْمَدْفُوعِ مَدْفُوعًا عَلَى جِهَةِ الْهِبَةِ تَأَمُّلٌ فَتَدَبَّرْهُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ قَالَ لِرَجُلٍ: لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إنْ حَلَفْتَ أَنَّهَا لَكَ عَلَيَّ أَدَّيْتُهَا إلَيْكَ فَحَلَفَ فَأَدَّاهَا إلَيْهِ هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ إنْ دَفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطْنَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ.
وَلَوْ خَاطَبَ امْرَأَتَهُ بِالطَّلَاقِ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَبَانَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ طَلُقَتْ وَكَذَا الْعَتَاقُ.
ع1:
لا عبرة بالظن البين خطؤه
ج3:
شرح القواعد الفقهية، للزرقا.
القاعدة الحادية والسبعون المادة 72: لا عبرة بالظن البين خطؤه:
أولًا: الشرح:
لا عبرة أي لا اكتراث ولا مبالاة بالظن البين خطؤه؛ بل يلغى ويجعل كأن لم يكن سواء أكان الخطأ ظاهرًا ومبينًا للحال أو كان خفيًّا ثم ظهر بعد كما سيتضح من الفروع الآتية.
ثانيًا: التطبيق:
مما فرع على هذه القاعدة:
(أ) ما لو أقر بالطلاق بناء على إفتاء المفتي له بالوقوع، ثم تبين عدمه لم يقع ديانة.
(ب) ومنه: ما لو تكلمت زوجته فقال هذا كفر وحرمت علي، ثم تبين أن ذلك اللفظ ليس بكفر لا تحرم.
(ج) ومنه: ما لو ادعى أن له عليه دينًا أو حقًا فصالحه عنه على بدل ثم تبين أن الدين لم يكن عليه أو أن الحق لم يكن ثابتًا كان له أن يسترد البدل ولكن يشترط في ذلك أن يكون الصلح لا عن إقرار وأن يكون تبين عدم ثبوت الدين أو الحق بغير إقرار المدعي قبل الصلح بأنه لا حق له قبله فلو كان الصلح عن إقرار أو أثبت المدعى عليه أن المدعي كان أقر قبل العقد الصلح أنه ليس له على المدعى عليه دين أو حق فإنه لا يبطل الصلح ولا يسترد المدعي عليه البدل لأنه يحتمل أنه لم يكن موجودًا عند الإقرار ثم وجد بعده وصولح عنه فلينظر في المحل الذي حررنا فيه هذا الحكم من شرح القواعد هو مذكور في شرح القاعدة الرابعة اليقين لا يزول بالشك.
(د) ومنه: ما لو ظن أن للآخر عليه دينًا فقضاه إياه ثم تبين له عدمه رجع بما دفع.
(هـ) ومنه: ما لو دفع نفقة فرضها القاضي عليه ثم تبين عدم وجوبها رجع بها.
(و) ومنه: ما لو ادعى عليه ألفًا مثلًا فقال المدعى عليه للمدعي إن حلفت أنها لك علي أديتها لك فحلف فأداها له المدعى عليه ظنًا منه أنها لزمته بحلف المدعي استردها منه.
(ز) ومنه: ما لو أتلف مال غيره يظنه ماله ضمنه "ر المادة 914 من المجلة".
(ح) ومنه: قول الفقهاء المشهور: كل من دفع ما ليس بواجب عليه على ظن وجوبه فله استرداده قائمًا أو استرداد مثله أو قيمته هالكًا، كما لو دفع الأصيل الدين بعد أن دفعه وكيله أو كفيله وهو لا يعلم فإنه يسترده، وكذا لو دفع الوكيل أو الكفيل وكان الأصيل قد دفع فإنه يسترد وكذا لو دفع الكفيل الدين ثم تبين له فساد الكفالة فإنه يرجع بما دفع وذلك كما لو كان لاثنين على آخر دين مشترك فكفل أحدهما لصاحبه نصيبه من الدين لم تجز تلك الكفالة فلو دفع نصيب صاحبه فإنه يرجع عليه "ر الفصل 30 من "جامع الفصولين" صفحة 72" وكذا لو كفل وكيل البيع الثمن لموكله لم تجز تلك الكفالة فلو دفع الثمن لموكله رجع عليه به "ر الفصل 30 من "جامع الفصولين" صفحة 73" وأما إذا لم يكن الدفع على ظن الوجوب بل كان تبرعًا بأن كان على وجه الهبة أو الصدقة فلا رجوع إلا في الهبة إذا كان الموهوب قائمًا بشروطه ولو كان الدفع على سبيل التمليك كان وديعة فيسترد.
(ط) ومما يتفرع عليها: ما لو دفع القصار إلى المالك ثوب غيره فأخذه على ظن أنه له ضمن لما مر "أي من أنه أخذ ثوبًا بلا أمر ربه" والجهل فيه ليس بعذر "ر جامع الفصولين الفصل الثالث والثلاثين من بحث ضمان القصار المجلد الثاني صفحة 182" وكذا ما في المحل المذكور عقب ما تقدم طلب ثوبه من قصار فقال دفعت ثوبك إلى رجل ظننت أنه ثوبه ضمن القصار كثيابي حمام سلم إليه رجل ثيابه ليحفظها فقال الثيابي خرج رجل ولبس ثيابك فظننت أنها له ضمن.
ثالثًا: المستثنى
يستثنى من هذه القاعدة:
- ما لو دخل رجل الحمام وقال للحمامي احفظ الثياب فخرج ولم يجد ثيابه فقال الحمامي إني رأيت أحدًا رفع ثيابك إلا أني ظننت أن الرافع أنت لا يضمن إذ لم يترك الحفظ لما ظن أن الرافع هو "ر جامع الفصولين الفصل 33 في أحكام ضمان الحمامي والثيابي-ملخصًا" لكنه ذكر بعد ذلك أن الضمان هو الأصح فيكون عدم الضمان على مقابله "ر صفحة 187 من "جامع الفصولين".
تنبيه:
خرج عن هذه القاعدة مسألة وهي ما إذا اشترى منقولًا فجاء آخر وطلبه بالشفعة وظن المشتري أن الشفعة تجري في المنقول فدفعه له وقبض منه الثمن ثم علم أن الشفعة لا تجري في المنقول لا يملك استرداده وانعقد بيعًا بالتعاطي.
ع2:
الممتنع عادة كالممتنع حقيقة
ج1:
شرح القواعد الفقهية، للزرقا.
القاعدة السابعة والثلاثون المادة 38: الممتنع عادة كالممتنع حقيقة:
أولًا: الشرح:
الممتنع عادة كالممتنع حقيقة، فكما أن الممتنع حقيقة لا تسمع الدعوى به ولا تقام البينة عليه للتيقن بكذب مدعيه كقوله لمن لا يولد مثله لمثله هذا ابني، فكذلك الممتنع عادة كدعوى معروف بالفقر على آخر أموالًا جسيمة لم يعهد عنه أنه أصاب مثلها بإرث أو بغيره.
ثانيًا: التطبيق:
وكدعوى المدعي إقرار المدعى عليه بعد أن طالت الخصومة بينهما، وكدعوى القريب أو أحد الزوجين ملك ما باعه وسلمه الآخر باطلاعه أو أن له فيه حصة.
وكدعوى الأجنبي على المشتري أن المبيع ملكه، أو أن له فيه حصة بعدما رآه يتصرف في المبيع تصرف الملاك في أملاكهم بالهدم أو البناء أو الغراس، وكدعوى الولد الذي في عائلة أبيه وصنعتهما واحدة أن المال الذي تحت يد والده ملكه أو له فيه حصة.
وكدعوى المتولي أو الوصي أنه أنفق أموالًا عظيمة كذبه فيها الظاهر على الوقف أو اليتيم فكل ذلك وكذا تكذيب التواتر لا تسمع الدعوى بشيء منه ولا تقام البينة عليه.
تنبيه يجب التيقظ له:
وهو أن الظاهر أن الممتنع حقيقة كدعوى بنوة أو أبوة من لا يولد مثله لمثله يستقل الحاكم برد الدعوى فيه بدون حاجة إلى سؤال الخصم عنها ويستبد به ولا حاجة إلى أن يدفع الخصم بأنها ممتنعة حقيقة وأنها لا تسمع إذ لا فائدة في سؤاله عنها لأنه لو أقر لا ينفذ إقراره؛ لأن شرط نفوذ الإقرار على المقر إمكان تصور صحته "ر الأشباه والنظائر من الإقرار" ولا يتصور صحة ذلك، ويلحق به دعوى المتولي أو الوصي أنه أنفق على عقار الوقف أو على اليتيم أو عقاره مبلغًا يكذبه فيه الظاهر، فإن الحاكم يستبد بردها من غير أن يسأل الخصم عنها إن كان هناك خصومة، ولا يقبل قوله ولا يمينه إن كان ذلك أثناء محاسبته له؛ إذ لا فائدة في سؤال الخصم عنها؛ لأن السؤال إنما يكون رجاء الاعتراف وهو لا يملك الاعتراف على الوقف أو اليتيم بذلك فيردها، بخلاف بقية المسائل المفرعة على المادة فإن الظاهر أن الحاكم لا يردها ابتداء بل يسأل الخصم عنها فإن دافع بأنها لا تسمع لامتناعها عادة ردها حينئذ، وذلك لأن الخصم لو أقر بالمدعى به لدى الحاكم، والحالة هذه نفذ عليه خصوصًا أن في بعضها لا بد من إقامة المدعى عليه البينة على المدعي بما يفيد امتناع مدعاة عادة كقرابته له، واطلاعه على بيعه العين المدعى بها، وكاطلاعه على الشراء، وعلى تصرف المشترى زمانًا تصرف الملاك، وككون الولد في عائلة أبيه وإن صنعتهما واحدة، وككون المدعي معروفًا بالفقر، وإقامة البينة لا تكون إلا بعد سؤال الحاكم له عن الدعوى ومدافعته بذلك.
ع3:
القاعدة الرابعة: لا ضرر ولا ضرار
ج1:
القاعدة الذهبية في المعاملات الإسلامية لا ضرر ولا ضرار، لابن رجب.
بسم الله الرحمن الرحيم.
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لاَ ضَررَ ولا ضِرار)) حديث حسن.
رواه ابن ماجه والدارقطني، وغيرهما مسندًا.
ورواه مالك في "الموطأ"عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلا، فأسقط أبا سعيد.
وله طرق يقوي بعضها ببعض.
حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه.
إنما خرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة حدثنا الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا ضَررَ ولا ضِرار، مَن ضَارَّ، ضَرَّه اللهُ، وَمَن شَاقَّ، شقَّ اللهُ عليه)).
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم".
وقال البيهقي. "تفرد به عثمان عن الدراوردي".
وخرجه مالك في "الموطأ" عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا.
قال ابن عبد البر: "لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث".
قال: "ولا يسند من وجه صحيح".
ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي موصولا.
والدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ولا يعبأ به، ولا شك في تقديم قول مالك على قوله.
وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ: "لم يصح حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) مسندًا".
وأما ابن ماجه فخرجه من رواية فضيل بن سليمان. حدثنا موسى بن عقبة حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى أن: ((لا ضَررَ ولا ضِرَار)).
وهذا من جملة صحيفة تروى بهذا الإسناد، وهي منقطعة مأخوذة من كتاب، قاله ابن المدينى، وأبو زرعة، وغيرهما.
وإسحاق بن يحيى قيل: هو أبن طلحة، وهو ضعيف، لم يسمع من عبادة، قاله أبو زرعة، وابن أبي حاتم، والدارقطني في موضع.
وقيل: إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يسمع أيضا. من عبادة قاله الدارقطني - أيضا.
وذكره ابن عدي في كتابه "الضعفاء" وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة.
وقيل: إن موسى بن عقبة لم يسمع منه، وإنما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه، وأبو عياش لا يعرف.
وخرجه ابن ماجه أيضًا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ضررَ ولا ضِرارَ)).
وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون.
وخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة به وإبراهيم ضعفه. جماعة.
وروايات داود عن عكرمة مناكير.
وخرج الدارقطني من حديث الواقدي حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا ضررَ ولا ضِرَار)).
والواقدي متروك، وشيخه مختلف في تضعيفه.
وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضًا عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها.
وخرج الطبراني أيضًا من رواية محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا ضَررَ وَلا ضِرار في الإِسلام)).
وهذا إسناد مقارب، وهو غريب.
لكن خرجه أبو داود في "المراسيل" من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع مرسلا، وهو أصح.
وخرج الدارقطني من رواية أبي بكر بن عياش قال: أراه عن ابن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا ضَرَر ولا ضَروُرةَ، ولا يَمنَعَنَّ أَحَدُكم جَارَه أَن يَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى حَائِطِه)).
وهذا الإسناد فيه شك.
وابن عطاء، هو يعقوب، وهو ضعيف.
وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا ضَررَ ولا ضِرَارَ)).
قال ابن عبد البر: "إسناده غير صحيح".
قلت: كثير هذا، يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه: "هو أصح حديث في الباب".
وحسن حديثه إبراهيم بن المنذر الحزامي، وقال: "هو خير من مراسيل ابن المسيب".
وكذلك حسنه ابن أبي عاصم.
وترك حديثه آخرون، منهم الإمام أحمد، وغيره.
فهذا ما حضرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب.
وقد ذكر الشيخ - رحمه الله - أن بعض طرقه يقوى ببعض، وهو كما قال.
وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزنى: "إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف قويت".
وقال الشافعي في المرسل: "إنه إذا أسند من وجه آخر أو أرسله من يأخذ العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول فإنه يقبل".
وقال الجوزجانى: "إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع".
يعني لا يقنع برواياته، وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار، استعمل، واكتفي به.
هذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه.
وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لاَ ضَررَ ولاَ ضِرَارَ)).
وقال أبو عمرو بن الصلاح: "هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوى، الحديث، ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به".
وقول أبي داود: "إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها، يشعر بكونه غير ضعيف. والله أعلم.
وفي المعنى أيضًا حديث أبي صرمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن ضارَّ، ضَارَّ الله به، وَمَن شَاقَّ، شَاقَّ الله عليه)).
خرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذى: "حسن غريب".
وخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَلعُونٌ مَن ضَارَّ مُؤمِنًا أَو مَكَر بِه)).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرار)) هذه الرواية الصحيحة: ((ضرار)) بغير همزة وروى: ((إضرار)) بالهمزة، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه، والدارقطني، بل وفي بعض نسخ "الموطأ".
وقد أثبت بعضهم هذه الرواية وقال: يقال: "ضر وأضر بمعنى، وأنكرها آخرون، وقالوا: "لا صحة لها".
واختلفوا هل بين اللفظين -أعني الضرر والضرار- فرق أم لا؟:
1 - فمنهم من قال: "هما بمعنى واحد، على وجه التأكيد".
والمشهور أن بينهما فرقًا.
2 - ثم قيل: "إن الضرر: هو الاسم، والضرار: الفعل"، فالمعنى: "أن الضرر نفسه، منتف في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق، كذلك".
3 - وقيل: "الضرر: أن يدخل على غيره ضررًا، بما ينتفع هو به، والضرار: أن يدخل على غيره ضررًا، "بما لا ينتفع هو به"، كمن منع مالًا يضره، ويتضرر به الممنوع".
ورجح هذا القول طائفة منهم: ابن عبد البر، وابن الصلاح.
4 - وقيل: "الضرر: أن يضر بمن لا يضره، والضرار. أن يضر بمن قد أضر به، على وجه غير جائز".
وبكل حال، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما نفى الضرر والضرار، بغير حق.
فأما إدخال الضرر على أحد بحق:
أ - إما لكونه تعدى حدود الله، فيعاقب بقدر جريمته.
ب - أو كونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم، مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعا.
وإنما المراد، إلحاق الضرر بغير حق، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه.
وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع:
منها: في الوصية قال تعالى: {مِن بَعدِ وَصَيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَو دَينٍ غَيرَ مُضَارّ}.
وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المرفوع: ((إِنَّ العَبدَ لَيَعمَلُ بِطَاعَةِ الله -عز وجل- سِتّينَ سنَة ثمَّ يَحضُرُهُ المَوتُ فيضارّ في الوَصِيَّةِ، فَيَدخُل النَّارَ، ثُمَّ تلا: {تِلكَ حُدُودُ الله} إلى قوله: {وَمَن يَعصِ الله وَرَسُولَهُ وَيتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدخِلهُ نارًا خالِدًا فِيهَا})).
وخرجه الترمذي وغيره بمعناه.
وقال ابن عباس: "الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلا هذه الآية".
والإضرار في الوصية:
أ - تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه.
ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ الله قَد أَعطى كُلَّ ذِي حَقًّ، حقّه، فَلا وَصَّيةَ لِوارثٍ)).
ب - وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث، فتنقص حقوق الورثة، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الثُلُثُ، والثلثُ كَثِير)).
ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث، لم ينفذ ما وصى به إلا بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد.
وأما إن قصد المضارة بالوصية، لأجنبي بالثلث، فإنه يأثم بقصده المضارة.
وهل ترد وصيته، إذا ثبت ذلك بإقراره أم لا؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها ترد، وقيل: إنه قياس مذهب أحمد.
ومنها: الرجعة في النكاح:
قال تعالى: {فَأَمسِكُوهُنَّ بَمَعرُوف أَو سَرَّحُوهُنَّ بِمعرُوٍف * وَلاَ تُمسِكُوهُنَّ ضِرارًَا لِتَعتَدُوا * وَمَن يَفعل ذَلِكَ فَقد ظَلَمَ نَفسَهُ}. وقال تعالى: {وَبُعُولَتُهنَّ أَحَقُّ بِرَدَّهِنَّ في ذَلِك إِن أَرَادُوا إِصلاَحًا}.
فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة، فإنه يأثم بذلك.
وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث، يطلق الرجل امرأته ثم يتركها حتى تقارب انقضاء عدتها ثم يراجعها ثم يطلقها، ويفعل ذلك أبدًا بغير نهاية، فيدع المرأة لا مطلقة ولا ممسكة، فأبطل الله ذلك، وحصر الطلاق في ثلاث مرات.
وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها ثم طلقها من غير مسيس، إن قصد بذلك مضارتها، بتطويل العدة، لم تستأنف العدة، وبنت على ما مضى منها، وإن لم يقصد ذلك، استأنفت عدة جديدة.
وقيل: تبني مطلقا، وهو قول عطاء وقتادة والشافعي في القديم وأحمد في رواية.
وقيل: تستأنف مطلقًا، وهو قول الأكثرين منهم أبو قلابة، والزهري، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعى، في الجديد وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبو عبيد، وغيرهم.
ومنها في الإيلاء، فإن الله جعل مدة الإيلاء للمولى أربعة أشهر، إذا حلف الرجل على امتناع وطء زوجته، فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطء كان ذلك توبته، وإن أصر على الامتناع لم يمكن من ذلك.
ثم فيه قولان للسلف والخلف:
1 - أحدهما: أنها تطلق علية بمضي هذه المدة.
2 - والثاني: أن يوقف، فإن فاء وإلا أمر بالطلاق.
ولو ترك الوطء لقصد إضرار بغير يمين مدة أربعة أشهر، فقال كثير من أصحابنا: "حكمه حكم المولى في ذلك"، وقالوا هو ظاهر كلام أحمد.
وكذا قال جماعة منهم: "إنه إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذر، ثم طلبت الفرقة، فرق بينهما، بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب.
واختلفوا هل يعتبر لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر؟، ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير عذر، فإنه يفسخ نكاحه مع اختلافهم في تقدير المدة.
ولو طال السفر من غير عذر، وطلبت امرأته قدومه، فأبى، فقال مالك وأحمد وإسحاق: "يفرق الحاكم بينهما".
وقدره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضي سنتين.
ومنها في الرضاع: قال تعالى: {لاَ تُضَارَّ وَالِدةٌ بِولِدهَا وَلا مَولُودٌ لَهُ بِولَدِه}.
قال مجاهد في قوله تعالى: {لا تُضَارَّ وَالِدةٌ بِوَلِدهَا}: "لا يمنع أمه أن ترضعه، ليحزنها بذلك".
وقال عطاء، وقتادة، والزهرى، وسفيان، والسدي، وغيرهم: "إذا رضيت بما يرضي به غيرها، فهي أحق به".
وهذا هو المنصوص عن أحمد، ولو كانت الأم في حبال الزوج.
وقيل: إن كانت في حبال الزوج، فله منعها من إرضاعه إلا أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها، وهو قول الشافعي، وبعض أصحابنا.
لكن إنما يجوز ذلك، إذا كان قصد الزوج به توفير الزوجة للاستمتاع لا مجرد إدخال الضرر عليها.
وقوله تعالى: {وَلاَ مَولودٌ لَهُ بِوَلَدِه} يدخل فيه أن المطلقة إذا طلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها، لزم الأب إجابتها إلى ذلك.
وسواء وجد غيرها أو لم يوجد، هذا منصوص الإمام أحمد.
فإن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كثيرة، ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل، لم يلزم الأب إجابتها إلى ما طلبت لأنها تقصد المضارة، وقد نص عليه الإمام أحمد - أيضًا.
ومنها: في البيع وقد ورد النهي عن بيع المضطر، خرجه أبو داود من حديث علي بن أبي طالب أنه خطب الناس فقال: ((سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك، قال الله: {ولاَ تَنسَوُا الفَضلَ بَينكُم}، ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع المضطر)).
وخرجه الإسماعيلي وزاد فيه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِن كَانَ عِندكَ خَيرٌ تعودُ به عَلَى أَخيِكَ وَإلاّ فلا تزيده هلاَكًا إِلى هلاَكِه)).
وخرجه أبو يعلى الموصلي بمعناه من حديث حذيفة مرفوعا - أيضا وقال عبد الله بن معقل: "بيع الضرورة ربا".
قال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر فكرهه، فقيل له: كيف هو؟ قال يجيئك وهو محتاج، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين.
وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك.
وإن كان المشتري مسترسلًا لا يحسن أن يماكس - فباعه بغبن كثير لم يجز أيضًا.
قال أحمد: الخلابة: الخداع، وهو أن يغبنه فيما لا يتغابن الناس في مثله، ببيعه ما يساوي درهما بخمسة.
ومذهب مالك وأحمد أنه يثبت له خيار الفسخ بذلك.
ولو كان محتاجًا إلى نقد، فلم يجد من يقرضه، فاشترى سلعة بثمن إلى أجل في ذمته، ومقصوده بيع تلك السلعة، ليأخذ ثمنها فهذا فيه قولان للسلف.
ورخص أحمد فيه في رواية، وقال في رواية: أخشى أن يكون مضطرا.
فإن باع السلعة من بائعها له، فأكثر السلف على تحريم ذلك، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم.
ومن أنواع الضرر في البيوع التفريق بين الوالدة وولدها في البيع، فإن كان صغيرا حرم بالاتفاق.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((مَن فَرَّقَ بين الوالدةِ وَوَلِدهَا، فَرَّقَ اللهُ بينه وبين أَحَبَّتِه يومَ القِيامة)).
فإن رضيت الأم بذلك، ففي جوازه اختلاف.
ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدًّا، وإنما ذكرنا هذا على وجه المثال.
والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح:
أ - مثل أن يتصرف في ملكه، بما فيه مصلحة له، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره. أو.
ب - يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرا له، فيتضرر الممنوع بذلك.
من حقوق الجار في دين الله.
فأما الأول، وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره.
أ - فإن كان على غير الوجه المعتاد: مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف، فيحترق ما يليه، فإنه متعد بذلك، وعليه الضمان.
ب - وإن كان على الوجه المعتاد، ففيه للعلماء قولان مشهوران:
أحدهما: لا يمنع من ذلك، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما.
والثاني: المنع، وهو قول أحمد، ووافقه مالك في بعض الصور.
فمن صور ذلك:
1 - أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره.
2 - أو يبنى بناء عاليا يشرف على جاره ولا يستره، فإنه يلزم بستره.
نص عليه أحمد، ووافقه طائفة من أصحاب الشافعى.
قال الروياني منهم في كتاب "الحلية": "يجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التعنت، وقصد الفساد".
قال: "وكذلك القول في إطالة البناء، ومنع الشمس والقمر".
وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا حديثا طويلا في حق الجار، وفيه: ((ولا يستطيل بالبناء، فيحجب عنه الريح إلا بإذنه)).
3 - ومنها: أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره، فيذهب مأوها، فإنها تطم في ظاهر مذهب مالك وأحمد.
4 - وخرج أبو داود في "المراسيل" من حديث أبي قلابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُضارُّوا في الحَفر))، وذلك أن يحفر الرجل إلى جنب الرجل ليذهب بمائة.
4 - ومنها: أن يحدث بملكه ما يضر بملك جاره من هز أو دق ونحوهما.
فإنه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وهو أحد الوجوه للشافعية.
وكذا إذا كان يضر بالسكان، كما له رائحة خبيثة ونحو ذلك.
5 - ومنها: أن يكون له ملك في أرض غيره، ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه، فإنه يجبر على إزالته ليندفع به ضرر الدخول.
خرج أبو داود في "سننه" من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنه حدث عن سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله، فيتأذى به، ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبي فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: "فَهبه لَه، وَلكَ كَذا وكَذا" أمر رغبه فيه فأبى، فقال: "أَنتَ مُضَارُّ"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للأنصارى: ((اذهَب فَاقلع نَخلَهُ)).
وقد روي عن أبي جعفر مرسلًا.
قال أحمد - في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا الحديث -: كل ما كان على هذه الجهة، وفيه ضرر يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلا أجبره السلطان، ولا يضر بأخيه في ذلك، وفيه مرفق له.
وخرج أبو بكر الخلال من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سليط بن قيس عن أبيه: "أن رجلًا من الأنصار كانت في حائطه نخلة لرجل آخر، فكان صاحب النخلة لا يريمها غدوة وعشية، فشق ذلك على صاحب الحائط، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لصاحب النخلة: ((خُذ مِنه نخلةً مِمَّا يلي الحائِطَ مكَان نخلتِك، قال: لا واللهِ، قال: فَخُذ منه ثِنتين، قَال: لاَ واللهِ. قَالَ فهبها له قَالَ لاَ واللهِ، قالَ: فردد عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَأَبَى، فَأَمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَن يُعطيَه نخلةً مَكَانَ نخلتِه)).
وخرج أبو داود في "المراسيل" من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال: "كَانَت لأبي لُبابة عَذقٌ في حائِط رَجُلٍ، فَكَلَّمه، فقال: إِنَّك تطأُ حَائِطي إلى عذقك، فَأَنا أُعطِيك مِثله في حَائِطِك، وَأَخرِجه عَني، فَأَبَى عَلَيه، فَكَلّم النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه فَقَال: ((يا أَبا لُبابة! خُذ مِثلَ عَذقِك، فَحزهَا إلى مَالِك، واكفُف عن صَاحبِكَ مَا يَكرَهُ))، فَقَال: مَا أَنَا بِفَاعِل، فَقَال: ((اذهَب فاَخرج لَهُ مِثلَ عَذقِه إلى حَائِطه، ثُمَّ اضرب فوقَ ذَلك بِجِدَارٍ، فإنَّهُ لا ضَرَرَ في الإِسلامِ وَلا ضِرارَ)).
ففي هذا الحديث والذي قبله إجباره على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضرر في شركه، وهذا مثل إيجاب الشفعة لدفع ضرر الشريك الطارئ.
ويستدل بذلك أيضًا على وجوب العمارة على الشريك الممتنع من العمارة، وعلى إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة.
وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر عن أبيه مرفوعا: ((لا تعضية في الميراث إلا ما احتمل القسم)).
وأبو بكر هو ابن عمرو بن حزم، قال الإمام أحمد: والحديث حينئذ مرسل، والتعضية هي القسمة.
ومتى تعذرت القسمة لكون المقسوم يتضرر بقسمته، وطلب أحد الشريكين البيع، أجبر الآخر وقسم الثمن، نص عليه أحمد، وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة.
المسلم بين كرم الإيمان والحرص على ملكه.
وأما الثاني، وهو منع الجار من الانتفاع بملكه والارتفاق به.
فإن كان ذلك يضر بمن انتفع بملكه، فله المنع، كمن له جدار واه، لا يحتمل أن يطرح عليه خشب.
وأما إن لم يضر به، فهل يجب عليه التمكين ويحرم عليه الامتناع أم لا؟
فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك من التصرف في ملكه وإن أضر بجاره، قال هنا: للجار المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه.
ومن قال هناك بالمنع، فاختلفوا ههنا على قولين:
أحدهما: المنع ههنا، وهو قول مالك.
والثاني: أنه لا يجوز المنع، وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار جاره، ووافقه الشافعي في القديم، وإسحاق وأبو ثور وداود وابن المنذر وعبد الملك بن حبيب المالكي، وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يمنعنَّ أَحَدُكُم جَارَه أَن يغرِز خَشَبه علَى جِدَارِه)) قال أبو هريرة: "مَا لِي أَرَاكُم عَنها مُعرضِين؟ وَاللهِ! لأرمِينَّ بِها بَينَ أَكتَافِكُم".
وقضى عمر بن خطاب -رضي الله عنه- على محمد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه، وقال: "لتمرنَّ بِه وَلو علَى بَطِنك".
وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد، ومذهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قنى في باطن أرضه، نقله عنه حرب الكرمانى.
ومما ينهي عن منعه للضرر، منع الماء والكلأ.
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة: رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تَمنعُوا فَضلَ المَاءِ، لِتَمنعُوا بِه الكَلأَ)).
وفي "سنن أبي داود" أن رجلا قال: يا نبي الله، ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: ((الماء)) قال: يا نبي الله، ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: ((المِلحُ)) قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((أَن تَفعلَ الخيرَ خَيرٌ لَك)).
وفيها أيضًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلاثةٍ، في المَاءِ وَالنَّارِ وَالكَلأِ)).
وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقًا، سواء قيل: إن الماء ملك لمالك أرضه أم لا.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم.
2 - والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانًا، بغير عوض للشرب، وسقي البهائم، وسقي الزرع.
ومذهب أبي حنيفة والشافعى: لا يجب بذله للزرع.
3 - واختلفوا: هل يجب بذله -مطلقًا- وإذا كان بقرب الكلأ، وكان منعه مفضيًا إلى منع الكلأ؟
على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعى، وفي كلام أحمد ما يدل على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ.
4 - وأما مالك فلا يجب عنده، بذل فضل الماء، الذي يملك منبعه ومجراه إلا للمضطر، كالمحاز في الأوعية.
وإنما يجب -عنده- بذل فضل الماء الذي لا يملك.
5 - وعند الشافعي حكم الكلأ -كذلك- يجوز منع فضله إلا في أرض الموات، ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد: أنه لا يمنع فضل الكلأ مطلقا.
6 - ومنهم من قال: لا يمنع أحد الماء والكلأ إلا أهل الثغور خاصة، وهو قول الأوزاعي.
لأن أهل الثغور، إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم، لم يقدروا أن يتحولوا من مكانه، من وراء بيضة الإسلام وأهله.
7 - وأما النهي عن منع النار:
أ - فحمله طائفة من الفقهاء، على النهي عن الاقتباس منها، دون أعيان الجمر.
ب - ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار، وهو بعيد.
ج - ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها بها، لمن يستدفئ بها، أو ينضج عليها طعامًا ونحوه، لم يبعد.
8 - وأما الملح، فلعله يحمل على منع أخذه من المعادن المباحة، فإن الملح من المعادن الظاهرة، لا يملك بالإحياء ولا بالإقطاع، نص عليه أحمد.
وفى: "سنن أبي داود"، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقطع رجلًا الملح، فقيل له: يَا رَسولَ اللهِ: إِنَّه بِمَنزِلةِ المَاءِ العِدِّ، فانتَزَعهُ مِنه".
ومما يدخل في عموم قوله -صلى الله عليه وسلم- ((لا ضَررَ)): أن الله عز وجل لم يكلف عباده فعل ما يضرهم البتة.
فإن ما يأمرهم به، هو عين الصلاح لدينهم ودنياهم، ومانهاهم عنه، هو عين فساد دينهم ودنياهم.
لكنه لم يأمر عباده بشئ، هو ضار لهم في أبدانهم أيضًا، ولهذا:
أ - أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيجعلَ عَليكُم مِن حَرَج}.
ب - وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.
ت - وأسقط اجتناب محظورات الإحرام، كالحلق ونحوه، عمن كان مريضًا، أو أذى من رأسه، وأمر بالفدية.
وفي "المسند" عن ابن عباس قال: "قِيلَ لِرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: أَىُّ الأَديَانِ أَحَبُّ إِلى الله؟ قاَل: ((الحنيفيَّةُ السَّمحةُ)).
ومن حديث عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إِنِّي أُرسِلتُ بِحنيِفَّيٍة سَمحة)).
ومن هذا المعنى ما في "الصحيحين" عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا يمشي، قيل له: إِنّه نَذَر أن يحجّ مَاشِيًا، فقال: ((إنَّ الله لغني عن مشيه فليركب)).
وفي رواية: ((إِنَّ اللهَ لَغَنى، عَن تَعذِيبِ هَذَا نفسَهُ)).
وفى: "السنن" عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ الله لاَ يَصنعُ بِشقاءِ أخُتِكَ شَيئًا فَلتركَب)).
وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيًا:
أ - فمنهم من قال: لا يلزمه المشي، وله الركوب بكل حال.
وهو رواية عن الأوزاعي وأحمد.
وقال أحمد: يصوم ثلاثة أيام.
وقال الأوزاعي: عليه كفارة يمين.
ب - والمشهور أنه يلزمه ذلك، إن أطاقه.
فإن عجز عنه:
1 - فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي الشافعي.
2 - وقيل: عليه مع ذلك كفارة يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية.
3 - وقيل: عليه دم، قاله طائفة من السلف منهم عطاء ومجاهد والليث والحسن وأحمد في رواية.
4 - وقيل: يتصدق بكراء ما ركب، روي عن الأوزاعي وحكاه عن عطاء.
5 - وروي عن عطاء: يتصدق بقدر نفقته عند البيت.
6 - وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم: لا يجزيه الركوب بل يحج من قابل، فيمشي ما ركب، ويركب ما مشي.
وزاد بعضهم: وعليه هدي، وهو قول مالك، إذا كان ما ركبه كثيرا.
ومما يدخل في عمومه أيضًا أن من عليه دين، لا يطالب به مع إعساره، بل ينظر إلى حال إيساره، قال تعالى: {وإن كَانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظِرةٌ إِلى ميسَرَة}.
وعلى هذا قول جمهور العلماء خلافا لشريح في قوله: "إنَّ الآيةَ مُختَصةٌ بِديُونِ الرِّبَا في الجَاهِليّة".
والجمهور أخذوا باللفظ العام.
ولا يكلف المدين أن يقضى، مما عليه في خروجه من ملكه ضرر، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه، وخادمه كذلك.
ولا ما يحتاج إلى التجارة به، لنفقته ونفقة عياله، هذا مذهب الإمام أحمد - رحمه الله تعالى.
ع3:
القاعدة الرابعة: لا ضرر ولا ضرار
ج2:
شرح القواعد الفقهية، للزرقا.
القاعدة الثامنة عشرة: المادة 19: لا ضرر ولا ضرار:
أولًا: الشرح:
أي لا فعل ضرر ولا ضرار بأحد في ديننا، أي لا يجوز شرعًا لأحد أن يلحق بآخر ضررًا ولا ضرارًا، وقد سيق ذلك بأسلوب نفي الجنس ليكون أبلغ في النهي والزجر.
هذه القاعدة لفظ حديث شريف حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما عن أبي سعيد الخدري وابن عباس وعبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنهم- مسندًا ومالك في الموطأ مرسلًا.
والضرار "بكسر الضاد" من ضره وضاره بمعنى وهو خلاف النفع كذا قاله الجوهري فيكون الثاني على هذا تأكيدًا للأول، لكن المشهور أن بينهما فرقًا فحمل اللفظ على التأسيس أولى من التأكيد، واختلف في الفرق على أقوال ذكرها ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النووية أحسنها: أن معنى الأول: إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا، ومعنى الثاني: إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة له لكن من غير تقييد بقيد الاعتداء بالمثل والانتصار للحق، وهذا أليق بلفظ الضرار؛ إذ الفعال مصدر قياسي لفاعل الذي يدل على المشاركة.
القاعدة مقيدة إجماعًا بغير ما أذن به الشرع من الضرر كالقصاص والحدود وسائر العقوبات والتعازير؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح على أنها لم تشرع في الحقيقة إلا لدفع الضرر أيضًا.
ذكرت المجلة ثلاث قواعد بشأن الضرر هي أصول بالنسبة لغيرها "الأولى" للنهي عن إيقاعه وهي هذه و"الثانية" لوجوب إزالته إذا وقع وهي القاعدة التي تليها و"الثالثة" لبيان أن إزالته إذا لم تمكن تمامًا فبقدر ما يمكن وهي القاعدة الحادية والثلاثون، وما عداهن مما ذكر بشأن الضرر كالقاعدة السابعة والخامسة والعشرين وما بعدها إلى نهاية الثلاثين فليست أصولًا بل هي ما بين تقييد لغيرها كالسابعة فإنها قيد لما قبلها وقد تقدم الكلام عليها أو تكميل لهذه الثلاثة الأصول وسيأتي الكلام عليها كلها إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: التطبيق:
يتفرع على هذه القاعدة كثير من أبواب الفقه مما كانت مشروعيته توقيًا من وقوع الضرر فمن ذلك:
(أ) اتخاذ السجون ثم جعلها على صورة مضجرة لا يمكن فيها المسجون من بسط فراش ولا غطاء ولا من التكسب ولا يمكن أحد من الدخول عليه للاستئناس، وهو وإن كان أسلم العقوبات فهو من العقوبات العظيمة ومقرون بالعذاب الأليم في قوله سبحانه وتعالى في سورة يوسف: {إِلَّا أَن يُّسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيم} فإن من يعلم من الدعار وأهل الفساد أن مثل هذا السجن واقف له بالمرصاد يرتدع ويكف أذاه عن الناس، على أن منفعة السجن ليست مقصورة على ردع الدعار بل هناك أيضًا منفعة أخرى وهي وقاية المجرم من إضرار الحاكم به إذا عاقبه في وقت غضبه من جرمه فإن الحاكم ممنوع شرعًا من معاقبة المجرم وقت غضبه منه لئلا يجاوز في عقوبته الحد الكافي لزجره بل يرفعه إلى الحبس ريثما يسكن غضبه فيعاقبه حينئذ بما يستحقه.
(ب) ومن ذلك: بعض الخيارات كخيار الرؤية وخيار الشرط؛ فإن الأول شرع لدفع الضرر عن المشتري بدخول ما لا يلائمه في ملكه والثاني شرع للحاجة إلى التروي لئلا يقع في ضرر الغبن.
(ج) ومن ذلك: أنواع الحجر فإنها شرعت توقيًا من وقوع الضرر العائد تارة لذات المحجور وتارة لغيره فإن من وجب حجره إذا ترك بدون حجر قد يضر بنفسه وقد يضر بغيره كما هو ظاهر.
(د) ومنها: الشفعة فإنها شرعت توقيًا من ضرر جار السوء.
(هـ) ومنها: جبر الشريك على العمارة إذا أباها في ثلاثة محلات وهي ما إذا كان وصي يتيم أو متولي وقف وعند ضرورة تعذر القسمة فإنه شرع توقيًا من تضرر الصغير والوقف والشريك من تداعي العقار للخراب.
(و) ومنها: ما لو باع لآخر ما يتسارع إليه الفساد وغاب المشتري قبل قبضه وقبل نقد الثمن فأبطأ فللبائع بيعه لغيره توقيًا من تضرره بفساده ولا يرجع على المشتري بشيء لو نقص الثمن الثاني عن الأول "ر رد المحتار من كتاب البيوع متفرقات".
(ز) ومنها: حبس الموسر إذا امتنع عن الإنفاق على أولاده أو قريبه المحرم وجواز ضربه في الحبس إذا أصر على الامتناع توقيًا من وقوع الضرر بأولاده أو قريبه الفقراء ببقائهم بلا نفقة "ر الأشباه والنظائر لابن نجيم باب القضاء".
(ح) ومنها: ما لو أعار أرضًا للزراعة أو آجرها لها فزرعها المستعير أو المستأجر ثم رجع المعير أو انتهت مدة الإجارة قبل أن يستحصد الزرع فإنها تترك في يد المستعير أو المستأجر بأجر المثل إلى أن يستحصد الزرع "ر الدر المختار وحاشيته رد المحتار كتاب العارية" وذلك توقيًا من تضرره بقلع الزرع وهو بقل.
(ط) ومنها: ما لو حدث للظئر أثناء مدة الإجارة عذر يسوغ لها فسخ الإجارة وكان الصغير لم يعد يأخذ ثدي غيرها ولم يستغن بالطعام فإنها تمنع من فسخها توقيًا من حصول ضرر للصغير "ر الدر المختار من كتاب الإجارة الإجارة الفاسدة عن الفتاوى التتارخانية".
(ي) ومنها: ما صرح به في كثير من الكتب من أنه لو انتهت مدة إجارة الظئر والصغير لا يأخذ ثدي غيرها ولم يستغن بالطعام فإنها تجبر على إرضاعه بأجر المثل توقيًا من تضرر الصغير.
(ك) ومنها: مشروعية الخيار للبائع في فسخ البيع إذا كان يتضرر في غير ما باعه كما لو باع جذعًا مثلًا من سقف أو باع حصة شائعة من زرع مملوك له غير مستحصد فإن له الخيار في فسخ البيع في الأولى لأنه بقلع الجذع يتضرر في غير ما باعه وهو بقية السقف وكذلك له الخيار في الثانية إذا طالبه المشتري بالقسمة قبل استحصاد الزرع توقيًا من تضرره فيما لم يبعه وهو بقية الزرع إذ لا تمكن القسمة إلا بعد قلع الكل "ر الدر المختار وحاشيته رد المحتار من أوائل كتاب الشركة ومن البيع الفاسد".
(ل) ومنها: جواز كسر الدراهم النبهرجة أي المصنوعة من غير الفضة إذا دفعها لأحد عما عليه أو دفعها له لينظر إليها فكسرها الآخذ فلا شيء عليه بل قالوا نعم ما صنع لأن في بقائها ضررًا على العوام إذ قد تقع تلك الدراهم في أيدي من يدلس بها عليهم "ر الدر المختار وحاشيته رد المحتار من آخر كتاب البيوع متفرقات".
(م) ومنها: ما لو ثبت الحق على المدعى عليه بالبينة وبإقراره وقضي.
عليه فإنه يعتبر قضاءً بالإقرار لأنه أقوى لكن إذا كان في اعتباره قضاءً بالبينة تحرز عن إيقاع ضرر بالمدعى عليه فحينئذٍ يعتبر القضاء مستندًا إلى البينة وذلك كما إذا استحق المبيع من يد المشتري بإقراره وبالبينة وقضي عليه فإنه يعتبر القضاء مستندًا إلى البينة لا إلى الإقرار إذ في اعتباره قضاءً عليه بالإقرار إيقاع ضرر به وهو عدم تمكنه من الرجوع على بائعه بالثمن لأن الإقرار حجة قاصرة لا يتعدى إلى البائع بخلاف البينة فإنه حجة متعدية فإذا اعتبر القضاء مستندًا إليها يتمكن المشتري من الرجوع على بائعه بالثمن ولا يتضرر ومثل دعوى الاستحقاق دعوى الرد بالعيب القديم إذا أقيمت على المشتري من المشترى منه وثبت قدم العيب بإقراره وبالبينة فإنه يعتبر القضاء عليه والحالة هذه قضاءً بالبينة تحرزًا عن الإضرار به ليتمكن من رده على البائع الأول "ر الدر المختار وحاشيته رد المحتار كتاب الدعوى من باب الاستحقاق".
(ن) ومنها: ما لو اشترى شيئًا فآجره ثم اطلع على عيب قديم فيه فله نقض الإجارة ليرده بالعيب "ر رد المحتار كتاب البيوع من خيار العيب عند قول المتن كما لا يرجع لو باع المشتري الثوب وقال بعده بخلاف رهنه من غيره فإنه يرده بعد فكه انتهى" وكأن الفرق بين الرهن والإجارة هو أن الإجارة تفسخ بالأعذار وهذا منها بخلاف الرهن ثم رأيته في الفصل المكمل الثلاثين من "جامع الفصولين" صفحة 49 معللًا بهذا.
(س) ومنها: ما لو أعار شيئًا ليرهنه المستعير فرهنه بدين عليه ثم أراد المعير استرداده فله أن يدفع الدين للمرتهن ويأخذ العين المرهونة ولا يعد متبرعًا بل يرجع بما دفع على الراهن المستعير وكذلك ما لو رهن الأب بدين عليه مال ولده الصغير الذي تحت ولايته فبلغ الصغير فله أن يقضي دين أبيه ويفك الرهن ولا يكون متبرعًا بل يرجع على أبيه بجميع ما قضاه عنه "ر بدائع الصنائع للكاساني أوائل الرهن صفحة 135".
(ع) ومنها: ما لو باع المؤجر المأجور من أجنبي بإذن المستأجر وغاب البائع فأدى المشتري من الثمن بدل الإجارة للمستأجر ليسلم له المستأجر المبيع لا يكون المشتري متبرعًا "ر جامع الفصولين الفصل الثامن عشر برمز الذخيرة" وعلله بأنه مضطر للأداء في حال غيبته لتخليص ملكه كمصير الرهن ثم نقل بعده عن العدة أنه يكون متبرعًا لكنه لم يضع المسألة في حال غيبة البائع بل أطلقها عن التقييد بغيبة أو حضور وهو بإطلاقه يخالف الكلام الذخيرة إلا أن يحمل كلام العدة على حالة حضور البائع فيرتفع التخالف.
(ف) ومنها: أن المستأجر إذا وجد بالمأجور عيبًا قديمًا أو حدث فيه عيب وهو في يده فإنه يستقل بفسخ الإجارة إذا أراد بلا حاجة إلى رضا المؤجر أو قضاء القاضي سواء في ذلك أكان قبل القبض للمأجور أم بعده "ر جامع الفصولين الفصل الخامس والعشرين صفحة 339 بالمعنى" وجه استقلال المستأجر بالفسخ مطلقًا أنه لو كلف انتظار رضا المؤجر أو قضاء القاضي لتضرر بجريان الأجرة عليه أثناء ذلك.
(ص) ومنها: لو أمر غيره بشراء شيء معلوم بألف مثلًا فشراه ولم يقبضه ولم يدفع الثمن إلى البائع حتى أعطى الآخر الثمن للمأمور ليدفعه إلى البائع فأتلف المأمور الثمن وهو معسر فللبائع أن يحبس المبيع إلى أن يأخذ الثمن فإذا دفع الآمر الثمن إلى البائع كان عليه أن يسلمه المبيع وللآمر أن يرجع على المأمور بالثمن لأنه مضطر في قضائه فهو كمصير الرهن "ر جامع الفصولين أوائل الفصل السابع عشر صفحة 229 ملخصًا".
(ق) ومنها: ما لو اشترى اثنان شيئًا قيميًا وغاب أحدهما فللحاضر دفع كل ثمنه وقبضه وحبسه عن شريكه إذا حضر حتى ينقد له ثمن حصته لأنه مضطر ويجبر البائع على قبول كل الثمن من الحاضر ودفع كل المبيع له "ر الدر المختار وحاشيته رد المحتار من كتاب البيوع متفرقات" فتجويزهم قضاء دين الراهن والبائع بلا أمره وإثباتهم حق الرجوع للمعير والصغير والمشتري في هذه الصور إنما كان لدفع ضرر حبس ملكه عنه.
(ر) ومنها: ما لو استقرض بالمرابحة إلى أجل معلوم ثم حل الدين بموت المديون أو وفاة المديون قبل حلول الأجل فليس للدائن من المرابحة إلا بقدر ما مضى من الأيام "ر الدر المختار وحاشيته رد المحتار كتاب البيوع آخر باب التصرف في المبيع والثمن".
(ش) ومنها: إبطال إقرار ذي اليد لشخص ثالث بالعين المدعى بها قبل الحكم بعد أن أقام المدعي شاهدًا واحدًا أو شاهدين وكذا إبطالهم بيعه العين المدعى بها من شخص ثالث بعد أن برهن عليه المدعي قبل أن يحكم له "ر ما سيأتي في الكلام على المادة 79 نقلًا عن "جامع الفصولين" الفصل الثالث" وذلك دفعًا لضرر هذا الإقرار وضرر هذا البيع من ذي اليد على المدعى.
(ت) ومنها: ما لو أحدث الغاصب في العين المغصوبة ما يقطع حق المالك في استردادها كما إذا كان المغصوب كرباسًا فقطعه وخاطه ثوبًا أو كان حديدًا فصنعه سلاحًا مثلًا أو كان نحاسًا فصنعه آنية ثم مات الغاصب أو حجر عليه وكان له غرماء فإن المالك يجعل أحق بالعين المغصوبة من سائر الغرماء حتى يأخذ منها حقه وهذه العين المحبوسة لحق المغصوب منه إذا هلكت قبل أن يستوفي منها حقه تكون مضمونة على الغاصب ولا تكون مضمونة بهذا الهلاك على المغصوب منه ضمان الرهن وإن كانت محبوسة لحقه كل ذلك دفعًا للضرر عن المغصوب منه فقد قال صاحب "جامع الفصولين" ما لفظه وفي كل موضع ينقطع حق المالك فالمالك أحق بذلك الشيء من الغرماء حتى يأخذ حقه فلو ضاع فهو من مال غاصبه ولم يكن كرهن "ر جامع الفصولين الفصل الثالث والثلاثين صفحة 134 برمز الذخيرة".
(ث) ومنها: ما لو قال لآخر بايع فلانًا ما بعته فعلي كان كفيلًا بثمن ما يبيعه إياه ولكن له أن يرجع عن هذه الكفالة قبل أن يبايعه فإذا قال للمكفول له رجعت عن كفالتي بطلت "ر رد المحتار كتاب الكفالة عند قول المصنف ما غصبك فلان فعلي" وذلك دفعًا لما عساه يلحقه من الضرر من هذه الكفالة إذ المرء لا يجبر على تحمل الضرر وإن رضي به وليس في رجوعه قبل المبايعة ضرر على المكفول له.
(خ) ومنها: أن الوكيل بشراء شيء معين لا يملك أن يشتريه لنفسه من غير أن يعلم الموكل بأنه يريد أن يشتريه لنفسه كما ذكروه في الوكالة فمنعهم له عن شرائه لنفسه إنما كان دفعًا للضرر عن الموكل إذ عساه أن يتضرر من عدم الحصول على مقصوده ليسد حاجته.
(ذ) ومنها: منعهم شراء الحبوب وإخراجها من بلدة يضر بأهلها فقد قال صاحب "جامع الفصولين" وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى لو أن أعرابًا قدموا الكوفة وأرادوا أن يمتاروا منها ويضر ذلك بأهلها أمنعهم عنه ألا يرى أن أهل البلدة يمنعون عن الشراء للحكرة فهذا أولى.
(ض) ومنها: أنهم لم يجوزوا شهادة العدو على عدوه إذا كانت العداوة دنيوية "ر المادة 1702 من المجلة" وأوجبوا فسخ حكم الحاكم إذا كان بين المحكوم عليه والحاكم أو بينه وبين ابنه أو بينه وبين أبويه عداوة دنيوية بينة فقد قال في معين الحكام الثالث إن كان قيامه لعداوة بينه وبينه أي بينه وبين القاضي أو بينه وبين ابنه أو بينه وبين الأبوين وجب الفسخ "ر معين الحكام فصل في قيام المحكوم عليه بطلب فسخ الحكم" وقال في معين الحكام أيضًا في أوائل الركن الخامس المقضي عليه ولا يحكم على عدوه كما لا تجوز شهادته عليه في رواية.
وما أحسن هذا في زماننا كل ذلك لئلا يصل إلى المشهود عليه أو المحكوم عليه ضرر من هذه العداوة لأنها تحمل الشاهد على المجازفة في شهادته عليه وتحمل الحاكم على التحامل عليه إلا من رحم الله وقليل ماهم.
وقد نقل في لسان الحكام في نوع فيمن تقبل شهادته ومن لا تقبل عن شارح المنظومة الوهبانية أنه توقف في جواز قضاء القاضي على عدوه وقال لم أقف على هذا في كتب أصحابنا ثم بحث أنه إذا كان قضى عليه بعلمه فينبغي أن لا ينفذ وإن بشهادة العدول وبمحضر من الناس فينبغي أن يجوز انتهى والمنقول في المذهب عدم الجواز بلا تفصيل كما ذكرناه ولا عبرة بالبحث إذا خالف المنقول.
(ظ) ومنها: أن المعروفين بالدعارة والفساد يستدام حبسهم حتى تظهر توبتهم "ر أحد فصول القسم الثالث من الكتاب في القضاء بالسياسة الشرعية من معين الحكام صفحة 215 و218 نقلًا عن الخلاصة" فقد جوزوا إدامة حبسهم إلى أن تظهر عليهم علامة التوبة من غير أن يثبت عليهم بالقضاء بطريقه الشرعي ما يوجب ذلك بعد أن كانت دعارتهم مستفيضة معروفة دفعًا لضررهم عن العباد ولو أنيط ذلك بثبوته عليهم بطريقه الشرعي لملؤوا الدنيا فسادًا لندرة ثبوته عليهم بالبينة أو بإقرارهم.
(غ) ومنها: أن المدعي إذا انكشف للحاكم أنه مبطل في دعواه فإنه يؤدبه وأقل ذلك الحبس ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد "ر الفصل الثاني من القسم الثالث من معين الحكام المذكور" والظاهر أن مرادهم بالمبطل في دعواه من تعمد البطل فيها لا كل من ظهر أن الحق في جانب خصمه.
"غ أ" ومنها عدم تصحيحهم عزل الوكيل ببيع الرهن فيما لو وكله ببيعه وإيفاء الدين من ثمنه إذا لم يؤد الدين عند حلول الأجل وعدم تصحيحهم عزل وكيل الخصومة إذا كان توكيله بطلب المدعي عند إرادة المدعى عليه السفر لأن عزل الوكيل في هاتين الصورتين يضر بحق المرتهن في الأولى وبحق المدعي في الثانية كما نصوا عليه في الرهن والوكالة.
ومثل هاتين الصورتين ما لو اشترى شيئًا بخيار للمشتري وأخذ وكيلًا من البائع ليرد عليه المبيع بحكم الخيار إذا غاب البائع فإنه يظهر من كلامهم في باب خيار الشرط أنه لا يملك الموكل عزله في هذه الحالة لأن عزله يضر بالمشتري.
"غ ب" ومنها: ما لو كانت الفلوس النافقة ثمنًا في البيع أو كانت قرضًا فغلت أو رخصت بعد عقد البيع أو بعد دفع مبلغ القرض فعند أبي يوسف تجب عليه قيمتها يوم عقد البيع ويوم دفع مبلغ القرض "ر رد المحتار من أوائل كتاب البيوع عند قول المتن وصح بثمن حال ومؤجل إلى معلوم وبخلاف جنسه" ونقل هناك ترجيحه عن الكثيرين فقد أوجبوا قيمة الفلوس النافقة يوم البيع وقيمتها يوم دفع القرض في صورة ما إذا غلت دفعًا للضرر عن المشتري والمستقرض وأوجبوا قيمتها كذلك في صورة ما إذا كسدت أو رخصت دفعًا للضرر عن البائع والمقرض.
هذا والذي يظهر أن الورق النقدي المسمى الآن بالورق السوري الرائج في بلادنا الآن ونظيره الرائج في البلاد الأخرى هو معتبر من الفلوس النافقة وما قيل فيها من الأحكام السابقة يقال فيه لأن الفلوس النافقة هي ما كان متخذًا من غير النقدين -الذهب والفضة- وجرى الاصطلاح على استعماله استعمال النقدين والورق المذكور من هذا القبيل ومن يدعي تخصيص الفلوس النافقة بالمتخذ من المعادن فعليه البيان.
تنبيه:
إن ما نقلناه من أحكام الفلوس النافقة عن رد المحتار قد ذكره كما ترى في صورتي البيع والقرض ولا يخفى أن الثمن في البيع والمبلغ المدفوع في القرض يثبتان في ذمة المشتري والمستقرض وهما من المضمونات والحكم فيها هو ما نقلناه.
أما لو كانت الفلوس النافقة معقودًا عليها ومدفوعة في عقد تعتبر فيه أمانة في يد القابض كالمضاربة فإن رب المال إذا أراد استرداد رأس ماله من المضارب فله أن يسترد مثله لا غير من غير أن ينظر إلى غلاء أو رخص وله أن يقاسم المضارب مال المضاربة ويأخذ منه بقيمة رأس ماله وتعتبر فيه القيمة يوم القسمة لا يوم الدفع فقد نقل في كتاب المضاربة من رد المحتار قبيل المتفرقات عن القنية ما لفظه أعطاه دنانير مضاربة ثم أراد القسمة له أن يستوفي دنانير وله أن يأخذ من المال بقيمتها وتعتبر بقيمتها يوم القسمة لا يوم الدفع انتهى وما ذكره من الحكم في الدنانير يجري نظيره في الفلوس النافقة بالأولى فلا تعتبر قيمتها يوم الدفع إذا غلت أو رخصت، وذلك لأن مال المضاربة أمانة في يد المضارب ويده عليه كيد رب المال فهو بمنزلة ما لو كان رأس المال باقيًا بعينه تحت يده فلا يلزمه إلا رده بذاته من غير نظر إلى غلاء أو رخص وحيث صار بالصرف المأذون به عروضًا فلا يلزمه إلا رد مثله إن اختار رب المال ذلك وإن أراد القسمة مع المضارب يأخذ بقيمته يوم القسمة لا يوم الدفع إذ بالدفع له لم يثبت في ذمته ولم يدخل في ضمانه.
وقد ذكر السرخسي في المبسوط في الجزء الثاني والعشرين منه من باب المضاربة بالعروض صفحة 34 فيما لو دفع رجل إلى آخر فلوسًا مضاربة بالنصف فاشترى المضارب بها ثوبًا ودفعها وقبض الثوب ثم كسدت فالمضاربة جائزة على حالها "واحترز بقوله ثم كسدت عما إذا كسدت قبل الشراء فقد قدم في المبسوط من الباب المذكور أنها لو كسدت قبل الشراء فسدت المضاربة" فإذا باع الثوب بدراهم أو عرض فهو على المضاربة فإن ربح وأرادوا القسمة أخذ رب المال قيمة فلوسه يوم كسدت لأنه لا بد من رد رأس المال إليه ورأس المال كان فلوسًا رائجة وهي للحال كاسدة فقد تعذر رد مثل رأس المال وقد تحقق هذا التعذر يوم الكساد فتعتبر قيمتها في ذلك الوقت انتهى ملخصًا وقد نقله في متفرقات المضاربة في الفتاوى الهندية بأخصر من هذا.
فقد اعتبر قيمة الفلوس يوم الكساد ولم يعتبر قيمتها يوم العقد ولا يوم الدفع كما في البيع والقرض وقول المبسوط فقد تعذر رد مثل رأس المال يفيد أنه لو أمكن رد مثله بأن بقيت الفلوس رائجة يرد مثلها فقط من غير نظر إلى غلاء أو رخص.
وقد صارت هذه القضية حادثة الفتوى وسئلت عنها فأفتيت فيها بذلك.
مستندًا إلى النقلين المذكورين وعلمت أن غيري ممن سئلوا أفتوا برد قيمتها يوم العقد في المضاربة بغير تفرقة بين المضمونات والأمانات بينما النقل هو ما ذكرته والله المرشد للصواب.
واستقصاء ما يمكن تفريعه على هذه القاعدة من المسائل تنقطع الآمال دون الوصول إليه وفيما ذكرناه من التفاريع مستوضح لذي لب.
تنبيه:
إن تفسير لفظة ((ولا ضرار)) بالمعنى السابق الذي ذكرناه في صدر الكلام على المادة هو بمعنى قول المجلة في المادة 921 ليس للمظلوم أن يظلم غيره وهو بإطلاقه شامل للظالم أيضًا فليس للمظلوم أن يظلمه أصلًا بل له أن يتخلص من ظلمه ويأخذ الحق منه ويسعى وراء ردعه عن الظلم بما يكفي رادعًا لأمثاله عن المعاودة كما يعلم ذلك من مراجعة أحكام التعزير أما ما زاد على ذلك فلا يجوز قال الله تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ولهذا لم يجوز الشرع لأحد الاعتداء على حق أحد ولو كان غاصبًا فلو غصب أرضًا مثلًا وزرعها فجاء ربها، فإما أن يكون الزرع قد نبت أو لا وإذا كان نبت فإما أن يكون قد استحصد أو لا فإن كان نبت واستحصد فهو للغاصب وللمالك أن يرجع بنقصان أرضه وإن كان نبت ولم يستحصد فللمالك أن يأمر الغاصب بقلعه وتفريغ ملكه فإن أبى يقلعه بنفسه أو يرفع الأمر للحاكم ليقلعه وإن كان لم ينبت فالمالك مخير إن شاء تركها حتى ينبت فيأمره بقلعه وإن شاء أعطاه ما زاد البذر في الأرض فتقوم مبذورة ببذر يجب قلعه إذا نبت وتقوم غير مبذورة فيعطى فصل ما بينهما وهو الأصح وعن أبي يوسف أنه يعطيه مثل بذره ورجح بعلامة المختار "ر جامع الفصولين وحاشيته للرملي الفصل الثاني والثلاثين صفحة 100 - 101" والظاهر أنه في صورة ما إذا كان الزرع لم ينبت بعد واختار المالك تركها إلى أن ينبت فإنها تترك بأجر المثل لا مجانًا وهو داخل تحت قول صاحب "جامع الفصولين" في المحل المذكور برمز الواقعات.
قال أبو يوسف -رحمه الله-: لو غصب أرضًا وزرعها ولم تنبت حتى جاء ربها فهو مخير لو شاء ترك بذره فيها بأجر المثل ولو شاء ضمن البذر للغاصب، انتهى. فانظر كيف حفظ الشرع حق الغاصب ولم يتساهل فيه؛ بل أوجب له ما زاد بذره في قيمة الأرض على ما هو الأصح أو أوجب له مثل بذره على ما هو المختار مع كونه ألقاه باختياره في أرض الغير بلا حق يسوغ له ذلك وذلك لأن فعله هذا لا يخرج البذر عن كونه ملكًا له محترمًا وإذا كان كذلك فلا يجوز ظلمه بتفويته عليه بلا عوض وذلك غير مناف لوجوب ردعه عن ظلمه بما يكفي زاجرًا له عن العود إلى مثله.
وكذلك لو غصب ثوبًا فصبغه فالمالك مخير بين ترك الثوب له وأخذ قيمته منه غير مصبوغ وبين أخذه مصبوغًا ويعطي للغاصب ما زاد الصبغ فيه "ر الدر المختار من كتاب الغصب والمادة 898 من المجلة".
هذا، وكما لم يجوز الشارع ظلم الغاصب بتفويت ملكه عليه لم يجوز مجاوزة الحد في تضمينه غير ما تناوله فعله وورد عليه مباشرة ولذا كانت زوائد المغصوب أمانة لا تضمن بدون تعدٍ أو منع لها عن المالك فلو غصب بقرة مثلًا فولدت عنده فهلك ولدها في يده بلا تعد ولا منع له عن المالك أو غصب كرمًا مثلًا فأثمر في يده ثم هلك الثمر كذلك في يده بلا تعدٍ ولا منع له عن المالك يهلك أمانة؛ لأنه لم يرد عليه الغصب مباشرة "ر الدر المختار وغيره في كتاب الغصب".
وكذلك لو أتلفه لغيره مثليًّا ثم التقيا في بلد آخر قيمة المتلف من المثلي فيه أكثر من قيمته في بلد الغصب فالغاصب مخير بين إعطاء مثله وإعطاء قيمته المعتبرة في بلد الغصب ما لم يرض المالك بتأخير المطالبة بالمثل إلى بلد الغصب "ر جامع الفصولين الفصل الثالث والثلاثين صفحة 130" فلم يوجب الشرع المثل في الصورة المذكورة على الغاصب حتمًا؛ بل خيره وسوغ له دفع القيمة مع أن المثلي مضمون بمثله ولم يجوز إضراره وإن كان ظالمًا ولذا يشترط في دعوى غصب المثلي غير النقدين ذكر مكان الغصب ليعلم هل للمدعي حق المطالبة "ر جامع الفصولين المحل السابق".