PDA

View Full Version : مراجع الدرس الثانى :التذوق الأدبي لهذه القصيدة



hanan.taha
08-04-2013, 02:40 PM
ع1:
التذوق الأدبي لهذه القصيدة
ج1:

من أعلام الشعر وروائعه في العصر الحديث، لحسن عبد السلام.

في قول البارودي:

ردوا عليَّ الصبا منْ عصريَ الخالي َ...........................
الأمر في "ردو" ليس على حقيقته، وإنما المراد به التمني؛ لأن إعادة الصبا أمر مستحيل، وهذا
التمني يدل على اعتزاز الشاعر بماضيه وتحسره عليه. وقد أكد هذا الاعتزاز بالماضي الإضافة إلى ياء
المتكلم في قوله "عصري" فقد كان له عصر مجيد خاص به.

..................................... َهَلْ يَعُودُ سَوَادُ اللِّمَةِ الْبَالِي؟
الاستفهام هنا ليس حقيقيًّا، وإنّما المراد به النفي، وهو يومئ بالحسرة والحزن على ما فات من الصبا
والشباب.
وسواد اللمة: كناية عن القوة والفتوة، ووصف السواد بالبالي: يفيد تغير الحال وبلوغ الشاعر مرحلة
الشيخوخة والعجز.
في قوله:
ماضٍ منَ العيش، ما لاحتْ مخائلهُ في صفحةِ الفكرْ إلاَّ هاجَ بالبالي؟
التنكير في "ماض" للتعظيم، وأسلوب القصر يدل على شدة تعلقه بهذا الماضي فكلما لاحت في
نفسه ذكرياته ثارت أشواقه واشتد حنينه، وفي صفحة الفكر، استعارة مكنية تجسم ظهور ذكريات
الماضي وصوره في نفس الشاعر.
في البيت "11":
لا عيبَ فيَّ سوى حريةٍ ملكتْ أعنتي عنْ قبولِ الذلَّ بالمالِ
تأكيد للمدح بما يشبه الذم، وفي "حرية ملك أعتني" استعارة حيث صور الحرية شخصًا يتحكم، وصور
الشاعر خاضعًا لها، ودلت على أنه دائم التمسك بمطالب الحرية والكرامة.
في قوله:
بَلَوْتُ دَهْرِي؛ فَمَا أَحْمَدْتُ سِيرتَهُ في سابقٍ من لياليهِ، وَلاَ تالِ
أتى بالفعل "بلوت" لإفادة أنه جرب الأيام وعرفها، وأن حكمه على الدهر صادق وإضافة الدهر إلى ياء
المتكلم توحي بالأسَى، وكأن للشاعر دهرًا خاصًّا به لم يجد فيه شيئًا محمودًا، وفي هذا البيت
مبالغة.
وفي قوله:

حَلَبْتُ شَطْرَيْهِ مِنْ يُسْرٍ، وَمَعْسُرَة وَذُقْتُ طَعْمَيْهِ مِنْ خِصْبٍ، وَإِمْحَالِ
استعارة مكنية صورت الدهر ناقة تحلب، وصورته طعامًا يذاق وهو تأكيد لِمَا جاء في البيت السابق في
قوله "بلوت" لكن ذكر اليسر والخصب في هذا البيت ينقض ما عبر عنه في البيت السابق بقوله:

.................. فَمَا أَحْمَدْتُ في سابقٍ من لياليهِ، وَلاَ تالِ
في قوله:
فاليومَ لا رسني طوعُ القيادِ، ولاَ قَلْبِي إِلَى زَهْرَةِ الدُّنْيَا بِمَيَّالِ
استعارة تصور الشاعر أبيًّا لا يسهل اقتيادُه، ولا يغريه شيء من متاع الدنيا وزهرتها.

وَأَيْنَ أُدْرِكُ مَا أَبْغِيهِ مِنْ وَطَرٍ وَالصدقُ في الدهرِ أعيا كلَّ محتالِ؟
الاستفهام يفيد استبعاد إدراك مراده، والشطر الثاني جاء تعليلًا لما أفاده الشطر الأول.
في قوله:

أبيتُ منفردًا في رأس شاهقة مثلَ القطاميَّ فوقَ المربأ العالي
تشبيه، يشبه الشاعر فيه نفسه منفردًا بالصغر الذي لا يسكن إلا ققم الجبال، وهذا التشبيه يدل
على اعتزاز الشاعر بنفسه حتى في أوقات الشدة.
في قوله:

.......................... ........ يَرْسُمُها نَقَّاشُ آمالِي
استعارة.
ع2:
الرأي النقدي في هذه القصيدة
ج1:
من الأدب الحديث في ميزان النقد، لطه أبو كريشة.

ينظر الناقد الأدبي عند تحليله لقصيدة ما إلى عناصرها التي تتكون منها، وهذه العناصر هي العاطفة،
والأفكار، واللغة والخيال، ولكل عنصر من هذه العناصر مقاييسه التي من خلالها يحكم الناقد عليه،
ويصدِر بعد ذلك حكمه على القصيدة.
والعاطفة الغالبة في قصيدة البارودي هي عاطفة الشكوى والتحسر، وهي ناتجة عن تجربة عاشها
الشاعر وأحس بألمها في أعماقه، وقد تمثلت تجربته في أنه عانَى مرارة الوحدة والإهمال والنفي
والإبعاد بعد أن كان ملء السمع والبصر، يُشار إليه بالبنان، فهو الفارس الشجاع، والقائد المطاع
، والشاعر المبدع، وهو سليل المجد والسؤدد، ربيب الجاه
والسلطان، لكأن هذه الأحوال جميعًا تغيرت وتبدلت أدبرت عنه الدنيا، وانفض عنه الناس، وذهبت قوته
وشبابه، وأبعد عن وطنه وأهله واجتمعت عليه المحن والآلام.
إنها الحسرة المرة إذن والشكوى من الدهر والناس، لكن الشاعر لم يسلم نفسه إلى الحزن واليأس
ليعصفا به، وحاول أن يتماسك في محنته، وأن يسموَ فوق آلامه، فلجأ إلا مآثره وماضيه يستمد منهما
ما يقويه ويعزيه.
وقد توافر الصدق النفسي والواقعي لهذه التجربة فجاءت العاطفة صادقة لا تزييف فيها ولا ادعاء،
وجاءت مطردة لا تناقض فيها ولا اضطراب ومحور التجربة يبدو في قول البارودي:

لا في "سرنديبَ" لي إلفٌ أجاذبهُ فضلَ الحديثِ، وَلاَ خلٌّ؛ فيرعى لي
أبيتُ منفردًا في رأس شاهقة مثلَ القطاميَّ فوقَ المربأ العالي
شَوْقٌ، وَنَأْيٌ، وَتَبْرِيحٌ، وَمَعْتَبَةٌ يا للحمية منْ غدري وإهمالي
والأفكار التي استدعتها عاطفة الشاعر في هذه القصيدة جاءت من جهتين أو مصدرين:
المصدر الأول: هو الواقع المؤلم الذي عاشه الشاعر في المنفَى بعيدًا غريبًا، والمعاني المستمدة
من هذا المصدر تدور كلها حول وصف الضعف والألم والسخط ولوم الدهر والناس، تجد ذلك في قوله
مثلًا:

أصبحتُ لا أستطيعُ الثوبَ أسحبهُ وَقَدْ أَكُونُ وَضَافِي الدِرْعِ سِرْبَالِي
وَلاَ تكادُ يدي تجري شبا قلمي وَكَانَ طَوْعَ بَنَانِي كُلُّ عَسَّالِ
والمصدر الثاني هو الماضي العزيز الذي قال عنه:

ماضٍ منَ العيش، ما لاحتْ مخائلهُ في صفحةِ الفكرْ إلاَّ هاجَ بالبالي؟
ومن هذا المصدر استمد الشاعر معاني التبصر والسلوى والاعتزاز بما اتصف به من المحامد.
والأفكار التي تضمنتها القصيدة واضحة لا غموضَ فيها ولا تعقيد ولا إيهام، وهي مع وضوحها بعيدة عن
السطحية التي لا تثير التأمل ولا تنمي الفكر.
ولا نستطيع أن ندعي للشاعر معنى جديدًا أو فكرة مبتكرة؛ لأن معاني الشكوى والحنين والفخر توارد
عليها الشعراء في كل العصور.
وحسب الشاعر أنّه عبر عن هذه الأفكار مصبوغة بإحساسه ومرتبطة بعاطفته وتجربته.
أما خيال الشاعر فهو أداته التي يلبس بواستطها أفكاره ومشاعره صورًا تجسدها أو تشخصها،
وتظهرها في معرض يثير العواطف والأذهان، حيث تتضح الفكرة أو تبدو العاطفة من خلال تشبيه أو
استعارة أو غير ذلك من ألوان التصوير الخيالي.
والصور التخييلية في هذه القصيدة متناثرة في أجزائها، والخيال الذي أنتجها خيال قريب غير جامح،
ولهذا جاءت الصور مقبولة ولا غرابةَ فيها ولا استبعاد.
من ذلك مثلًا: صورة الماضي تلوح في صفحة الفكر، وصورة الحرية التي تصرف الأعنة، وكلتاهما
استعارة.
ومن ذلك أيضًا تشبيه نفسه بالقطامى، وتشبيهه هيئة بهيئة فرخ طير بين أدعال. إلى آخر هذه
الصورة.
وأما اللغة التي صاغ بها البارودي أفكاره وحملها مشاعره وعرض من خلالها صورة فهي لغة فصيحة
في ألفاظها صحيحة في تراكيبها، بليغة في أساليبها، بريئة من العيوب التي تخل بفصاحة الكلمة
والكلام.
وقد أحسن البارودي توظيفَ الألفاظ والجمل والأساليب، وأفاد من أسرار التنكر والتعريف والتقديم
والتأخير والحذف والذكر، والفصل والوصل، والإنشاء والخبر.
وقد نحس بغرابة بعض الألفاظ وهي غرابة نسبية وتختلف باختلاف الثقافة والبيئة، كما في هذه
الكلمات: "أقبالي - آسال - أوشال - الشكير - النبع - الضال".
والسمة الغالبة على الألفاظ هي سمة الوضوح، والسمة الغالبة على التراكيب والجمل والأساليب
هي السلامة والوضوح أيضًا، فلا غرابةَ ولا تعقيد ولا التواء.
وطريقة الباردوي في التعبير والتصوير متأثرة بطريقة القدماء، والسبب في ذلك هو أنّه تمثل الشعر
القديم وحذَا حذوه في خطته لإحياء الشعر العربي في عصره.