PDA

View Full Version : مراجع : تعريف الملكية - الدرس الثامن عشر (الجزء الثانى)



marwa.kotb
16-04-2013, 03:34 PM
ع3:
أقسام الملكية
ج1:
النظـــــام الاقــــتــــصادي في الإســــــلام، لمسفر بن علي القحطاني.
الملكية المزدوجة:
ونقصد بها: الملكية الخاصة التي يختص الفرد بتملكها دون غيره، والملكية العامة هي الملك المشاع لأفراد المجتمع. والاقتصاد الإسلامي يقوم على تلك الملكيتين في آن واحد. ويحقق التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ويعترف بهاتين المصلحتين طالما لم يكن ثمة تعارض بينهم، وكان التوفيق بينهما ممكن. أما لو حصل التعارض فإن الإسلام يقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد. ومن الأدلة على ذلك:
1- قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يبيع حاضر لبادٍ))، يعني: أن يكون له سمسارًا فيرفع السعر على الناس بأعلى مما لو باع البادي بنفسه.
2- قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تلقوا الركبان)) فالمتلقي سيشتري بسعر أقل وسيبيع الناس بسعر أعلى، وهو فرد قد حرم الناس من الشراء من الركبان أنفسهم بسعر أقل.
3- أجاز بعض الفقهاء إخراج الطعام من يد محتكره قهرًا وبيعه على الناس.
وسنبين مجالات كل نوع وأهميته فيما يلي:
أولًا: الملكية الجماعية:
مجالات الملكية الجماعية ومصادرها:
1- الأوقاف الخيرية:
والوقف معناه:" تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة". وهذه المنفعة لا يختص فرد بملكيتها، بل هي عامة لكل من يستحق الوقف. واشترط الفقهاء أن يكون على فعل معروف كبناء المساجد ورعاية العلم وأهله، وعمل المستشفيات، والنفقة على المحتاجين وما ينفع الناس.
2- الحمى:
وهو: أن يحمي الإمام جزءًا من الأرض الموات المباحة لمصلحة المسلمين دون أن تختص بفرد معين منهم. فالحمى ينقل الأرض الموات لأن تكون ملكًا للمسلمين تخدم مصالحهم. ودليله: حمى النبي -صلى الله عليه وسلم- أرض النقيع في المدينة وجعلها لخيل المسلمين.
ومن الأدلة أيضًا: أن أبا بكر حمى أرض الربذة وكذا عمر.
3- الحاجات الأساسية: كالماء والكلأ والنار:
فهذه الأمور مملوكة لجميع الناس لا يجوز لفرد أن يمتلكها دونهم؛ لأنها حاجات ضرورية وجدت دون مجهود يقدمه الفرد لاستخراجه، فلا يستأثر بها أحد دون الآخرين.
فإذا نزل المسلمون بأرض، فلهم أن يرعوا إنعامهم من النبات الذي أخرجه الله -عز وجل- وكذا يردوا الماء الذي فيه والذي لا دخل للإنسان في استخراجه والعمل على إنشائه.
ودليله: حديث أبيض بن حمال لما وفد على النبي -صلى الله عليه وسلم- استقطعه الملح فقطع له. فلما ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما اقتطعت له، إنما اقتطعته الماء العدّ. قال: فانتزعه منه.
4- المعادن:
هي ما أودعه الله في هذه الأرض من مواد برية وبحرية ظاهرة أو باطنه؛ لينتفع بها الناس من حديد ونحاس وبترول وذهب وفضه وملح وغير ذلك.
ولا خلافَ بين الفقهاء في أن المعادن إذا ظهرت في أرض ليست مملوكة لأحد تكون ملكًا للدولة،: أي: تدخل في ملكية الأمة العامة.
وقد يثور الخلاف إذا ظهرت هذه المعادن في أرض مملوكة ملكية خاصة، والراجح ما ذهب إليه المالكية في أن ما يعثر عليه من معدن يكون ملكًا لبيت مال الدولة تنفقه على مصالح المسلمين؛ قياسًا على المنافع العامة وحاجة جميع الناس إليه.
5- الزكاة:
وهي: الحق المالي الواجب لطائفة مخصوصة في زمن مخصوص. وهي من المصادر الأساسية للملكية العامة، حيث أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: ((تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم)) فهو يدخل في نطاق الملكية العامة وبالأخص لأهل الحاجات المنصوص ذكرهم في الآية : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
6- الجزية:
وهي الأموال التي تؤخذ من البالغين من رجال أهل الذمة والمجوس مقابل ما يتمتعون به من حقوق. وهي في مقابل عدم أخذ الزكاة من مالهم. وهي لا تجب إلا مرة في السنة، ويراعى فيها العدل والرحمة وعدم تكليفهم فوق طاقتهم.
7- الخراج:
وهو المال الذي يُجبى ويؤتى به لأوقات محددة من الأراضي التي ظهر عليها المسلمون من الكفار، أو تركوها في أيديهم بعد مصالحهتم عليه. والأراضي المملوكة لغير المسلمين لا يؤخذ منها زكاة، فاكتفي بالخراج بدلًا من ذلك.
8- خمس الغنائم:
تقسم الأموال التي تغنم من الكفار إلى خمسة أقسام. واحد من هذه الأقسام يقسّم على من في الآية: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}، وهو ما يسمى بـ"خمس الغنائم". يدل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أخذ وبرة من جنب بعير فقال: أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس. والخمس مردود عليكم.
9- الأموال التي لا مالك له:
الأموال التي لا يعرف أصحابها كتركة من لا وارث له. أو لا يرثه إلا أحد الزوجين، فإن ما يتبقى يكون لبيت مال المسلمين. وكذلك الودائع والأموال السائبة التي لا يعرف مالكه. ويلحق بها أموال الرشوة فإنها تخرج عن ملك الراشي وترد إلى بيت المال، ولا يأخذها المرتشي كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ابن اللتبية فإنه لم يأمره برد الهدايا إلى أهلها.
10- العشور المأخوذة من مال الحربيين:
فإذا دخل إلينا تاجر حربي بأمان أُخَِذَ منه العُشر عن كل مال للتجارة وجعل في بيت مال المسلمين.
دليله أن عمر كُتِبَ إليه في أناس من أهل الحرب يدخلون أرض الإسلام فيقيمون. فكتب إليهم: إن أقاموا ستة أشهر فخذ منهم العشر وإن أقاموا سنة، فخذ منهم نصف العشر. وكذلك أهل منبج لما أرادوا أن يدخلوا أرض العرب للتجارة كتبوا إلى عمر يعرضون عليه الدخول فشاور الصحابة، فأجمعوا على أن يأخذوا منهم العشر.
من أهداف الملكية الجماعية:
1- استحقاق جميع الناس الثروة العامة ذات المنافع المشتركة سواء من الحاجات الضرورية أم غيره، والتوسعة على عامة المسلمين. فالماء والكلأ والنار والملح من الأشياء التي تقوم حياة البشر عليها فإذا احتكرها أي أحد استطاع أن يتحكم في مصير الناس.
2- تأمين نفقات الدولة: فالدولة ترعى الحقوق وتقوم بالواجبات وتسد الثغور وتجهز الجيوش، وتقوم بما يسد حاجات الضعفاء واليتامى والمساكين، وكذلك الأمن والتعليم والعلاج وكافة الخدمات العامة، ولا يمكن أن تقوم الدولة بهذه الجهود المباركة إلاّ من خلال هذه الأموال العامة.
3- تشجيع الأعمال الخيرية والتوسعة على المحتاجين من المسلمين. فالوقف والزكاة كانت إسهامة مباركة لسد حاجات المجتمع وتمويل الأعمال الخيرية، كالمساجد والمدارس والمكتبات والمستشفيات وغيره.
4- استغلال الثروات على أحسن وجه لصالح البشرية، ولا سيما المشروعات التي يعجز الأفراد أو الشركات عن القيام بها إما لعدم تحقق الإمكانيات أو تكاليفها الباهظة، كبناء المواني وإقامة المدن الصناعية واستغلال الأراضي الشاسعة للزراعة وغيره، ولكن عندما يكون لبيت مال الدولة مصادر تثريه تجعله قادرًا على القيام بهذه المشاريع العظيمة.
ثانيًا: الملكية الخاصة:
مجالات الملكية الخاصة ومصادرها:
1-البيع والشراء:
ودليله قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}، وقوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)).
2- العمل بأجر للآخرين:
فقد جاءت النصوص المرغبة بالعمل الخاص والكسب المباح كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أكل أحد طعـامًا خيرًا من أن يأكل من عمـل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده)) ولحديث: ((نهى عن استئجار الأجير حتى يتبين له أجره)).
3- الزراعة:
وهي من مصادر الملكية الخاصة وقد رغب الشرع فيها كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}.
ولحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)). ولحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)). قال الإمام الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة.. والأرجـح عندي أن أطيبها الزراعة. لعموم نفعـها وتحقيقها التوكل على الله.
4- إحياء الموات:
نعني بالموات الأرض الميتة الداثرة المنفكة عن الاختصاصات وعن ملك معصوم. ودليلها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له)).
وشروط إحياء الموات:
أ) أن لا تكون الأرض ملكًا لأحد من المسلمين أو غيرهم.
ب) أن لا تكون داخل البلد.
ج) أن لا تكون من المرافق العامة كالمنتزهات أو المسايل.
د) أن يتحقق فيها إحياء الأرض في مده أقصاها ثلاث سنين، إما بعمل حائط منيع أو إجراء الماء أو غرس الشجر.
هـ) أهلية المحي بأن يكون قادرًا على إحياء الأرض.
و) إذن الإمام، وهذا شرط عند أبى حنيفة، واشترطه مالك إذا كانت الأرض قريبة من البلد.
5- الصناعة والاحتراف:
حث الإسلام على الصناعة وأخبر النـبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أن زكـريا كان نجارًا)) وقد ثبت أن أصحاب رسول الله -صلى عليه وسلم -كانوا عمال أنفسهم. أي: أنهم أهل حرفة وعمل.
6- الاحتطاب:
وكل ما يمكن حيازته وليس ملكًا لأحد يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)).
7- الصيد:
ومعناه: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مملوك ولا مقدور عليه بآلة معتبرة بقصد الاصطياد، ويدل على إباحته: قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}، وقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ}.
8- إقطاع السلطان وجوائزه.
9- الجعل على عمل معلوم والسبق.
10- قبول الهبة والعطية والهدية.
11- اللقطة.
12- الوصايا والإرث.
13- المهر والصداق.
14- ما يأخذه المحتاج من أموال الزكاة والصدقة.
15- ما يؤخذ من النفقة الواجبة كالزوجة تأخذ من زوجها والولد من والده...
من أهداف الملكية الخاصة:
1-إثراء التعاون الدولي عن طريق الأفراد والمؤسسات غير الحكومية، وذلك بتعبئة الأفراد للعمل على تنمية البلاد زراعيًّا وصناعيًّا، وإشعارهم بدورهم المهم في عمارة الأرض. وفي ذلك مصالح عظيمة للفرد والمجتمع.
2- تحقيق الخير والرفاهية للأفراد والنفع العام للمجتمع عن طريق المنافسة العادلة بين المنتجين.
3- عدم إشغال الدولة بأمور إنتاجية يتمكن الأفراد من تحقيقه.
4- إشباع غريزة حب المال وتوظيفها في المجال الذي فطرها الله عليه.
ع3:
أقسام الملكية
ج2:
معالم الاقتصاد الإسلامي، لناصر بن محمد الأحمد.
الملكية في الاقتصاد الإسلامي:
أولًا: المِلْكِيَّة المزْدَوِجَة:
الاقتصاد الإسلامي له موقفه المتميز، فهو لا يتفق من الاقتصاد الرأسمالي في اعتبار الملكية الخاصة هي الأصل أو القاعدة، والملكية العامة هي الاستثناء، ولا يتفق كذلك مع الاقتصاد الاشتراكي في النظر إلى الملكية العامة على أنها الأساس أو القاعدة، والملكية الخاصة هي الاستثناء، ولكن يأخذ بكلا النوعين من الملكية في وقت واحد كأصل وليس كاستثناء.
فالاقتصاد الإسلامي منذ البداية يقر الملكية الفردية، ويقر كذلك الملكية الجماعية، ويجعل لكل منهما مجالها الخاص الذي تعمل فيه.
فالاقتصاد الرأسمالي رغم قيامه على الملكية الفردية، وكراهيته للملكية الجماعية، إلا أنه إزاء طغيان الملكية الفردية وعزوفها عن القيام بالمشروعات الأساسية اللازمة للاقتصاد القومي، فقد اضطر إلى الأخذ بفكرة الملكية العامة في صورة تأميم بعض المشروعات الخاصة، أو قيام الدولة ابتداءً ببعض المشروعات الاقتصادية التي يعزف عنها الأفراد، وخير شاهد على ذلك عمليات التأميم والتدخل في النشاط الاقتصادي التي لجأت إليها الدول الرأسمالية منذ السنوات السابقة على الحرب العالمية الأولى.
كذلك فإن الاقتصاد الاشتراكي إزاء تدهور الإنتاج كمًّا ونوعًا، واقتناع المسئولين عن هذا الاقتصاد بأن ذلك راجع بصفة أساسية إلى إلغاء الملكية الفردية بضرورة الاعتراف بالملكية الفردية.
الملكية في الاقتصاد الإسلامي مقيدة:
سواء أكانت ملكية خاصة أو ملكية عامة فهي ليست مطلقة، بل هي مقيدة بقيود ترجع إلى تحقيق مصلحة الجماعة، وإلى منع الضرر، الأمر الذي ينتهي بالملكية إلى أن تصبح وظيفة اجتماعية.
فالذي يتتبع نصوص الكتاب يجد أن الأصل في الأموال جميعها بكل أشكالها وأنواعها أنها ملك لله تعالى: {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}، وقال سبحانه: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}.
وإذا كان المال كله لله، فإن يد البشر عليه هي يد استخلاف، أي: أن البشر خلفاء عن الله في استعمال هذا المال والتصرف فيه، كما قال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}.
فالإنسان ما هو إلا وكيل أو موظف يعمل في ملك الله لخير المجتمع الإسلامي كله. وإذا لم يلتزم الإنسان المستخلف بأوامر الله ونهيه في المال الذي تحت يده، فإن الجزاء هو استبداله بمن هو أصلح منه، قال الله تعالى: {هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}. وقد ضرب لنا الحق -تبارك وتعالى- مثلًا لهذا الاستبدال في قصة قارون فقال -عز وجل-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ}.
ما هي المِلْكِيَّة الخاصَّةْ في الاقتصاد الإسلامي؟:
هي حكم شرعي مقدر يعطي الإنسان حق الاختصاص في امتلاك العين، أو منفعتها وحق التصرف بها من غير مانع.
ينظر الإسلام للإنسان على أنه مخلوق له دوافعه الفطرية وغرائزه الاجتماعية، وأن من بين هذه الدوافع والغرائز غريزة التملك وحب المال، قال تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}، وقال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغَى واديًا ثالثًا)) رواه مسلم، ومن هنا كان موقف الإسلام من الملكية هو موقف المعترف بها لا المنكر لها، موقف المحترم لها لا المهدر لها. ولكن الإسلام حين اعترف بهذه الملكية واحترمها لم يكتف بهذا القدر، ولم يقف عنده بل تجاوزه إلى تنظيم هذه الملكية.
واحترام الإسلام للملكية يبدو واضحًا في احترام المال في الآتي:
أولًا: أن الشريعة جعلته من مقاصدها الخمسة التي يجب الحفاظ عليها ورعايتها، وهذه المقاصد هي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
ثانيًا: أن الشريعة نهت عن الاعتداء على هذا المال بأي نوع من أنواع الاعتداء، ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)).
- فحرمت أكل أموال الناس بالباطل قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}.
- وحرمت السرقة ووضعت الجزاء الرادع لها، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا}.
- وحرمت شريعة الإسلام غصب المال، يقول الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه-: ((مَن ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين)).
أهداف الملكية الخاصة:
1- إثراء التعاون عن طريق الأفراد والمؤسسات غير الحكومية: إن الملكية الخاصة لتجعل الأفراد يعملون بكل جد، وتضحية في سبيل تحقيق ما يعود عليهم من خير ونفع.
2- تحقيق الخير والرفاهية والنفع العام عن طريق المنافسة العادلة بين المنتجين: المنافسة العادلة بين المنتجين مطلب مهم في الحياة الاقتصادية، ففي القطاع الزراعي -مثلًا- يتنافس المنتجون فيما بينهم على تحسين إنتاجهم، وهذا يسري في القطاع الصناعي وفي القطاعات الاقتصادية الأخرى.
3- عدم إشغال الدولة بأمور إنتاجية يمكن الأفراد من تحقيقها: الدولة يجب أن تتفرغ للمهام الكبيرة، كإعداد العدة، ونشر التعليم والخدمات الصحية.
إن انشغال الدولة بإنتاج الصناعات اليسيرة، وتسويقها أو بفتح محلات لبيع لعب الأطفال، أو الكماليات سيشغل المسئولين عن متابعة أمور أكثر أهمية.
4- إشباع غريزة حب المال: فغريزة حب التملك من الغرائز الأصلية في النفس البشرية، فالرغبة في التملك هي سر الحركة في الحياة، فلو خمدت هذه الرغبة في أي كائن حي لما سعى ولما عمل، ولجمد مع الجماد.
مجالات الملكية الخاصة:
1- البيع:
وهذا معروف عن طريق البيع والشراء يكون الاكتساب والتملك.
2- العمل بأجر عند الآخرين:
جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده)) رواه البخاري، وجاء أيضًا عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، فقال الصحابة: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) رواه البخاري.
3- الزراعة:
قال النووي: أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب؛ لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي، وللدواب.
قال ابن حجر: "وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى".
4- إحياء الأرض الموات:
ودليل مشروعيته قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له)) رواه أبو داود بإسناد حسن.
شروط الإحياء:
أ- أن لا تكون الأرض ملكًا لأحد مسلم أو ذمي.
ب- أن لا تكون داخل البلد.
ج- أن لا تكون من المرافق العامة: كالمتنـزهات والمسايل.
د- أن يتحقق إحياء الأرض في مدة أقصاها ثلاث سنين مِن وضع يده عليها؛ إذ إن التحجير لا يكفي وحده لاكتساب الملكية.
ويحصل الإحياء إما بعمل حائط منيع، أو إجراء ماء لا تزرع إلا به، أو بغرس شجر، أو بحفر بئر فيها فوصل إلى الماء.
والتحجير سبب للملكية خلال السنوات الثلاث فالمحجر أو ورثته أحق به من غيرهم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه غيره فهو أحق به)) رواه أبو داود.
هـ- أهلية المحيي: بأن يكون قادرًا على إحياء الموات.
و- إذن الإمام: وهذا شرط عند أبي حنيفة، وخالف في ذلك الإمام أحمد والشافعي.
5- الصناعة والاحتراف.
6- الاحتطاب:
هو جمع الحطب مما لم يكن مملوكًا لأحد، ويدخل في الملكية الخاصة إذا تمت حيازته عندئذ يتصرف به انتفاعًا، وبيعًا، ويأخذ ثمنه.
7- استخراج ما في باطن الأرض من المعادن: التي لا تدخل في الملكية العامة بشرط أن يكون جامدًا؛ لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها.
8- الصيد:
أجمع العلماء على إباحة الصيد والأكل منه بشروطه، والصيد إذا تمت حيازته ثبت تملكه، وصح بيعه، وشراؤه.
9- إقطاع السلطان وجوائزه:
وهو إعطاء الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك، ومما يدل على مشروعيته: "أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أقطع للزبير أرضًا من أموال بني النضير" رواه البخاري.
كما لا يصح له أن يقطع مرافق المسلمين العامة كالحدائق، والطرقات والأسواق، والمساجد، والمدارس، والمستشفيات، وفجاج منى، ومزدلفة وعرفات مما تتعلق به مصلحة للمسلمين.
10- الجعل على عمل معلوم والسبق:
الجعالة هي جعل مال معلوم لمن يعمل له عملًا مباحًا، ودليل جوازه قول الله تعالى: {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ}، وأجاز الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخذ الجعل على الرقية بأم القرآن.
11- قبول الهبة والعطية والهدية:
وتعني التمليك في الحياة بغير عوض.
12- اللقطة:
هي المال الضائع من صاحبه يلتقطه غيره، فمن وجد لقطة لا يحل له التصرف بها إلا بعد تعريفها سنة في الأسواق، وأبواب المساجد والجوامع، ولا تدخل في الملك إلا بعد تمام التعريف، ويزول بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها إن تعذر ردها.
13- الوصايا:
وهي التبرع بالمال بعد الموت. قال تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}.
14- الإرث:
انتقال المال إلى وارث معين بعد وفاة مورثه.
15- المهر والصداق:
وهو ما تأخذه المرأة عوضًا عن نكاحها. قال تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}.
16- ما يأخذه المحتاج من أموال الزكاة والصدقة:
وهم الأصناف الثمانية.
17- ما يؤخذ من النفقة الواجبة:
من وجب بذل النفقة له استحقها وصارت من ملكه وحق له التصرف بها، بشرط أن يقبضها.
تقييد الملكية الخاصة:
قيد الإسلام حرية التصرف في الملكية الخاصة بقيود تكفل عدم الإضرار بحقوق الآخرين وبالصالح العام، فالملكية شأنها شأن الحقوق جميعًا في الإسلام، وإن تقررت لجلب مصلحة إلا أنها مقيدة بعدم الضرر؛ لأن الضرر اعتداء، والاعتداء منهي عنه بنص القرآن الكريم.
ومن هذه التطبيقات ما تقرره الشريعة الإسلامية من وجوب الحجر على السفيه والمجنون؛ لأنهما لا يحسنان التصرف، ويخشى أن يبددا ثروتهما، فيؤدي ذلك إلى الإضرار بورثتهما وبالصالح العام، ومنه كذلك نظام الشفعة.
المِلْكِيّة العَامَّة في الإسلام:
وهي حكم شرعي مقدر في العين، أو المنفعة، يقتضي تمكين الناس عامة، أو من يخصص منهم لمصلحة معينة حق الانتفاع بالمملوك.
يقصد بالملكية العامة أن يكون المال مخصصًا للمنفعة العامة، أي منفعة جماعة المسلمين، ويشمل هذا النوع من الملكية عادة المرافق الأساسية في الدولة كالطرقات ومجاري الأنهار وغيرها.
أهدافها:
(1) استحقاق جميع الناس الثروة العامة ذات المنافع المشتركة، سواء من الحاجات الضرورية، أم غيرها، والتوسعة على عامة المسلمين، ودليله قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((المسلمون شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار))، وتقرير مثل هذه حماية للمصلحة الجماعية، حتى لا تضارَّ الجماعة بامتلاك فرد قد يحبس عن الناس منافعها، أو يقتر عليها فيها.
ولتقرير هذا الاتجاه حمى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أرض النقيع وجعلها لخيل المسلمين، وحمى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أرض الربذة وجعل كلأها لفقراء المسلمين.
(2) تأمين نفقات الدولة: الدولة ترعى الحقوق، وتقوم بالواجبات، وتسد الثغور، وتجهز الجيوش، وتقوم بحاجة الضعفاء، واليتامى، والمساكين، وتؤمن للناس الأمن، والتعليم، والعلاج، وكافة الخدمات العامة، والمتنوعة، وهي لا تتمكن من هذا إلا إذا كان لبيت المال دخل ثابت ومستقر كالزكاة، والجزية، والخراج وخمس الغنائم، والأموال التي لا مالك لها، واستثمارات الملكية العامة.
وكمثال على أهمية الملكية العامة ذات المردود المالي ما روي عن عمر -رضي الله عنه- في أرض العراق.
3) تشجيع الأعمال الخيرية والتوسعة على المحتاجين من المسلمين: ومن هذه الأعمال الوقف الذي يراد به وجه الله، ولقد أدى الوقف الخيري دورًا كبيرًا في مجتمعنا الإسلامي على المدى البعيد والقريب، وما زالت آثاره العظيمة باقية حتى اليوم، فقد كانت أموال الوقف هي الممولة للمساجد والمدارس، والمكتبات العامة، والمستشفيات، والرعاية باللقطاء والمقعدين، والعجزة، والأيتام، والمساجين، وغير ذلك.
مجال الملكية العامة ومصادرها:
1- الأوقاف الخيرية:
واشترط الفقهاء أن يكون على فعل معروف أو بر، وإلا فهو باطل، والوقف الصحيح يزول عنه ملك الواقف، ويصير ملكًا جماعيًّا.
2- الحمى:
وهو أن يحمي الإمام جزءًا من الأرض الموات المباحة لمصلحة المسلمين دون أن تختص بفرد معين منهم، وبذلك تصبح هذه الأرض مملوكة ملكية عامة، ويمتنع أن تصبح كلها أو بعضها محلًا للملكية الخاصة.
وفي دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حمى -عليه الصلاة والسلام- أرض النقيع وجعلها لخيل المسلمين، وحمى عمر بن الخطاب أرضًا بالربذة، وجعل كلأها لفقراء المسلمين ترعى فيها ماشيتهم ومنع منها الأغنياء.
عندما تم فتح العراق والشام طالب المحاربون قسمة أراضي هذه البلاد عليهم؛ تطبيقًا لحكم الغنائم، ورأى أمير المؤمنين عمر أن هذه الأراضي لا تأخذ حكم الغنائم، وبالتالي لا توزع على المحاربين، وإنما تبقى بأيدي أهلها وأيديهم عليها ليست يد ملك، ولكنها يد اختصاص، أي: أنهم يملكون المنفعة في نظير الخراج ولا يملكون الرقبة.
تكون الأرض للأمة -أي: جماعة المسلمين- وفي بيان الأسباب التي بنى عليها رأيه قال: "لو قسمت الأرض لم يبقَ لمن بعدكم شيء، فكيف بمن يأتي من المسلمين، فيجدون الأرض قد انقسمت وورثت عن الآباء وحيزت، ما هذا برأي، وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام و العراق".
وهذا الرأي الذي وفق الله عمر إليه يتفق مع أحدث المبادئ في علم المالية العامة، وهو المبدأ القائل بأن مالية الدولة يجب أن تعتمد على مورد ثابت ومتجدد سنويًّا، فمثل هذا المورد هو الذي يحقق الاستقرار الاقتصادي للدولة ويمكنها من التخطيط بنجاح لاقتصادها.
3- الحاجات الأساسية كالماء والكلأ والنار:
لأنها حاجات ضرورية وجدت دون مجهود يقدمه الفرد لاستخراجها، قال -عليه الصلاة والسلام-: ((المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلأ والنار))، وأضاف في حديث آخر: ((الملح)) أخرجه أحمد وأبو داود.
والناظر في هذه الأشياء الأربعة يجد أنه يجمع بينها أنها من الأشياء التي كانت ضرورية لجميع الناس في عهد الرسول -عليه الصلاة والسلام- وأنه لا يتوقف وجودها ولا الانتفاع بها على مجهود خاص.
وإذا كانت الضرورات في حياة الناس تختلف باختلاف الزمان وباختلاف المجتمعات، فإنه لا يوجد ما يمنع من أن يقاس على هذه الأشياء الأربعة أشياء أخرى تتوافر فيها صفاتها، وهذا ما فعله الأئمة المجتهدون في الأمة الإسلامية عندما قاسوا على هذه الأشياء أمورًا أخرى من أهمها المعادن سواء أكانت صلبة أم سائلة والنفط "البترول" والقار والكبريت والياقوت وأشياء أخرى كثيرة كمشارع الماء، وطرقات المسلمين، وحدائقهم، وجميع ما خصص للمرافق العامة من مدارس، ومساجد.
4- المعادن:
ما أودع الله في هذه الأرض من مواد برية، وبحرية ظاهرة أو باطنة لينتفع بها الناس من حديد، ونحاس، وبترول، وذهب، وفضة، وملح، وغير ذلك وتكون ملكية المعادن جماعية إذا وجدت في أرض ليست مملوكة لأحد، أو كانت ظاهرة على باطن الأرض.
5- الزكاة:
إن الزكاة لتعد من المصادر الثابتة لبيت مال المسلمين؛ إذ يتجدد منها العطاء المستمر في كل عام مشاركة من الأغنياء للدولة المسلمة في تحملها أعباء الحياة من تأليف القلوب، وتثبيتها على الإسلام والولاء له، ولأهله، ومساعدتها كذلك على أداء الفريضة المحكمة الباقية إلى يوم الدين، وهي الجهاد، لإعلاء الدين وتشجيع الغارمين في سبيل الله.
6- الجزية:
وهي الأموال التي تؤخذ من البالغين من رجال أهل الذمة، والمجوس، إذ أن أمواله لا زكاة عليها، وإذا أسلم سقطت عنه وأخذت منه الزكاة.
والجزية مصدر من مصادر الملكية العامة، وهي لا تجب إلا مرة في السنة مراعًى فيها العدل، وهي غير مقدرة، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان.
7- الخراج:
وهو المال الذي يجبى، ويؤتَى به لأوقات محددة من الأرض التي ظهر عليها المسلمون من الكفار، أو تركوها في أيديهم بعد مصالحتهم عليها.
والأرض المملوكة لغير المسلمين لا يؤخذ منها زكاة، فاكتفي بالخراج بدلًا من ذلك.
8- خمس الغنائم:
ويلحق به خمس ما يعثر عليه في باطن الأرض من المعادن، والركاز، سواء أكان جزءًا من الأرض أم مدفونًا في باطنها بفعل الإنسان، وهو غير مملوك لأحد، أُخذ خمسه لبيت مال المسلمين، ويترك أربعة أخماسه لواجده.
9- الأموال التي لا مالك لها:
مثل تركة من لا وارث له، والودائع والأموال السائبة التي لا يعرف مالكوها، ويلحق بذلك الأموال التي دفعت عن طريق الرشوة؛ إذ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر ابن اللتبية برد الهدايا إلى أربابها.
10- استثمار الملكية العامة:
ما تقوم به الدولة من استثمارات متنوعة في المجال الصناعي كصناعة الحديد والصلب، والأسلحة، أو ما يشتق من البترول، والاستثمار في المجال الزراعي، أو الخطوط الجوية أو السكك الحديدية أو المشاركة في أسهم الشركات العالمية من خلال أنشطتها المختلفة، فما يستثمر منها أو يباع فنتاجه لبيت مال المسلمين.
11- العشور المأخوذة من مال الحربيين:
إذا دخل إلينا تاجر حربي بأمان أخذ منه العشر عن كل مال للتجارة وجعل في بيت مال المسلمين.
تقييد الملكية العامة:
والملكية العامة شأنها شأن الملكية الخاصة مقيدة بقيود الشريعة، ومن ثم لا تملك الحكومة الإسلامية إنفاق هذه الأموال في غير وجوهها المبينة شرعًا، فعلى سبيل المثال فإن الحكومة الإسلامية لا تملك إنفاق حصيلة الزكاة إلا في مصارفها التي حددتها الآية.
ويجوز لولي الأمر أن يخصص الملكية الجماعية، ويقيد الانتفاع بها لفئة مخصوصة إذا اقتضى ذلك الصالح العام، وقد فعل ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين احتجز جانبًا من أرض الكلأ المبـاحة للجميـع في منطقة "النقيع" وجعلها خاصة لخيل الجيش وإبله.
وخلاصة الأمر في ذلك: أن الملكية العامة شأنها شأن الملكية الخاصة مقيدة وليست مطلقة.
ع4:
أهم التكليفات الشرعية الواردة على الملكية في النظام الإسلامي
ج1:
الموسوعة الفقهية الكويتية، لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت.

القيود الواردة على استعمال الملك:
وضعت الشّريعة قيودًا على الملك من حيث الاستعمال، فأوجبت على المالك:
أ- أن لا يكون مبذّرًا مسرفًا، ولا مقتّرًا بخيلًا، قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}، وقال سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}.
والآيات والأحاديث في هذا المجال كثيرة تدل على حرمة الإسراف والتّبذير وتضييع المال بدون فائدة حتّى في مجال الأكل، يقول محمّد بن حسن الشّيباني: ثمّ الحاصل أنّه يحرم على المرء فيما اكتسبه من الحلال الإفساد، والسّرف، والتّقتير... ثمّ السّرف في الطّعام أنواع: ومنه الاستكثار في المباحات والألوان.
ب- ألّا يستعمل المالك ما حرّمه الشّرع، ومن ذلك حرمة لبس الحرير للرّجال واستعمال الذّهب لهم واستعمال أواني الذّهب والفضّة للرّجال والنّساء.
ج- وجوب الاستنماء في الجملة وعدم تعطيل الأموال حتّى تؤدّي دورها في التّداول والتّعمير، تدل على ذلك الآيات والأحاديث الكثيرة الّتي تطالب بالعمل والتّجارة والصّناعة والزّراعة بصيغ الأوامر، ومنها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}، وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} ومن الأحاديث قول النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-: ((من ولي يتيمًا له مال فليتّجر فيه ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة)).
كما صرّح الفقهاء بأنّ ما لا تتم مصالح الأمّة إلّا به فهو واجب على الكفاية، ونصوا على أنّ الحرف والصّنائع والتّجارة المحتاج إليها من فروض الكفايات؛ لأنّ قيام الدنيا بها، وقيام الدّين يتوقّف على أمر الدنيا، حتّى لو امتنع الخلق منه أثموا، وكانوا ساعين في إهلاك أنفسهم، لكنّ النفوس مجبولة على القيام به، فلا تحتاج إلى حث عليها وترغيب فيها. وقال محمّد بن الحسن الشّيباني: ثمّ المذهب عند جمهور الفقهاء أنّ الكسب بقدر ما لا بدّ منه فريضة.
د- عدم الإضرار بالفرد والمجتمع: اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز للشّخص في استعماله ملكه أن يقصد الإضرار بالغير، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ضرر ولا ضرار)) وهذا يدل على عدم جواز الإضرار بأحد لا في ماله، ولا في نفسه ولا في عرضه.
ع4:
أهم التكليفات الشرعية الواردة على الملكية في النظام الإسلامي
ج2:
الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ، لوَهْبَة الزُّحَيْلِيّ.

وظيفة المال، وحق الملكية الفردية والقيود الواردة عليه في الإسلام:
المال في الحقيقة لله سبحانه وتعالى كما قال: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ}، والناس جميعًا عباد الله ، فهم شركاء في توزيع المال، سواء تمثّل هذا المال في سلعة اقتصادية أو في سلعة حرة، وتملك الإنسان للمال يعتبر تملكًا مجازيًّا، أي: إنه مؤتمن على المال ومستخلف فيه ونائب أو خليفة عن الله فيه لقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}.
ويترتب على هذا التصور للمال واستخلاف الإنسان فيه، أو وكالته عليه أنه يجب التقيد بأوامر الله تعالى، في التملك حسبما يريد صاحب الملك الحقيقي. والناس على السواء لهم حق في تملك خيرات الأرض، والمال ليس غاية مقصودة لذاتها، وإنما هو وسيلة للانتفاع بالمنافع وتأمين الحاجات، وإذا كانت الخلافة عن الله في المال للجماعة، فإن الملكية الخاصة تعتبر أسلوبًا من أساليب قيام الجماعة بمهمتها في الخلافة، وإن لها صفة اجتماعية، لا صفة حق مطلق وسيطرة واستبداد. وللجماعة حق مراقبة ذوي الملكيات الخاصة لاستخدامها في سبيل الصالح العام، فيعتبر صاحب المال حينئذ مسئولًا أمام الله عن ماله، ومسئولًا أمام الجماعة أيضًا.
وليس المال مقياسًا للاحترام والتعظيم، ولا لاحتكار النفوذ ، فمن قواعد فقهنا: "مَن عظم غنيًّا لماله وغناه فقد كفر".
بهذه النظرة الإسلامية إلى المال بأنه وسيلة لا غاية مقصودة لذاتها، ولا للتجميع والتكديس، يدق الإسلام أول معول في هدم الرأسمالية الظالمة.
وأما حق الملكية في الإسلام فهو نزعة فطرية وحق شخصي أقرته الشريعة وصانته الديانات السماوية، لقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.
وقال النبي -صلّى الله عليه وسلم-: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم))، ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))، ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)).
إلا أن هذا الحق الشخصي مقيد بقيود كثيرة -ستذكر قريبًا- ومن أهمها عدم جواز الإضرار بالغير، مما يدل على أن لحق الملكية الفردية في تقدير الإسلام صفتين مزدوجتين: صفة الفردية وصفة الجماعية العامة في وقت واحد.
أما الصفة الفردية: فلأن الحق ليس في أصله وظيفة، بل هو ميزة تمنح صاحبها الحق في الانتفاع بثمرات ملكه والتصرف فيه، ولكن لا تعتبر هذه الملكية الخاصة هي الأصل العام الذي يسمح للأفراد وحدهم بتملك أموال الثروة في البلاد وبحسب النشاط والظروف، وإن الملكية العامة أمر استثنائي تقتضيه الظروف الاجتماعية، كما هو مقرر في النظام الرأسمالي. وعلى هذا فلا يمكن أن يعتبر المجتمع الإسلامي مجتمعًا رأسماليًّا، وإن اعترف بالملكية الخاصة.
وأما صفة الحق الجماعية العامة: فتتجلى في تقييد حق الملكية الخاصة بمنع اتخاذها سبيلًا إلى الإضرار بالآخرين، وأنه يمكن أن تقوم ملكيات عامة للجماعة أو الدولة، كالحمى والوقف والأموال العامة بجوار الملكية الخاصة. وعلى هذا فلا يعتبر النظام الإسلامي وإن أخذ بنظام الملكية العامة أو ملكية الدولة لبعض الثروات ورؤوس الأموال متطابقًا مع النظام الاشتراكي الذي يعتبر الملكية الجماعية هي المبدأ العام، ومع هذا فإن الحمى الذي قرره عمر -رضي الله عنه- إنما كان "تأميمه" صريحًا وبدون مقابل، فقد كانت الأرض التي حماها مملوكة لبني ثعلبة، فلما اعترضوا عليه قال: إنه فعل ذلك في سبيل الله.
والخلاصة: إن حق الملكية في الإسلام حق مزدوج يقوم على ركيزتين: الصفة الفردية والصفة الجماعية، وإن الملكية نوعان: ملكية خاصة وملكية عامة. ويكون لحق الملكية الفردية وظيفة اجتماعية، يوجه الحق بمقتضاها نحو البر والخير والصالح العام،وليس هو بذاته وظيفة اجتماعية يمنحها المجتمع له ويقبل الزوال؛ لأن هذا المعنى يؤدي في النتيجة إلى إلغاء فكرة الحق من أصلها.
وأما القيود الواردة على الملكية الفردية في الإسلام فهي كثيرة:
منها قيود سلبية ومنها قيود إيجابية. أما القيود الإيجابية فسأذكرها في بحث وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية ومبدأ تدخل الدولة.
وأما القيود السلبية فهي ما يأتي:
1- منع الإضرار بالآخرين:
إن حق الفرد في التملك أو الانتفاع بالملك ينظر إليه في الإسلام على أن الفرد عضو في الجماعة المستخلفة عن الله في الأموال، فلا يصح بداهة أن يكون التملك أو استعمال الملك طريقًا للإضرار بالجماعة، أو أن يكون مصدر قلق أو اضطراب ومنازعة وسيطرة، لذا فإن المالك يمنع أثناء استعمال ماله من إضرار غيره، لقول الرسول -صلّى الله عليه وسلم-: ((لا ضرر ولا ضرار))، فلا يصح اعتبار المال وسيلة ضارة أو طريقًا للتسلط والإيذاء، سواء أكان الضرر خاصًّا أم عامًّا.
2- عدم جواز تنمية المال بالوسائل غير المشروعة:
أوجب الإسلام استثمار المال وتنميته بالطرق المشروعة من زراعة وصناعة وتجارة ونحوها، وحرم كل الوسائل التي لا تتفق مع الإنسانية الحقة الرحيمة مما هو جاثم في بلدان الحضارة المادية والرأسمالية الغاشمة. وأخطرها الربا أو الفائدة، والقمار، والغش، والاحتكار والتدليس، وبذلك هدم الإسلام صرح الرأسمالية التي يمتص فيها الغني دماء الفقراء والطبقة العاملة، كما أنه قضى على مفاسد الرأسمالية والملكية الفردية، كما يظهر فيما يلي:
أما الربا فقد شن الإسلام عليه حربًا شعواءَ لا هوادةَ فيها لاستئصاله من جذوره مهما كانت أشكاله، سواء أكان في القروض الاستهلاكية والإنتاجية، أم في عقود المبادلات الأخرى التي يتفق فيها على بيع سلعة بسلعة من النوع نفسه الذي يعتبر من الأقوات الضرورية أو السلع الأساسية للمجتمع كالحبوب والأقطان والمعادن، قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}.
ومن المعلوم: أن مهاجمة الربا في الإسلام دليل على محاربة مختلف أشكال النظم الرأسمالية التي تتحكم فيها مصالح المرابين، وذلك حتى يكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا متراحمًا ومتعاونًا على الخير، لا يستغل القوي فيه حاجة الضعيف، ولا تتكون فيه طبقة تعيش على حساب رأسمالها دون بذل جهد من عمل ولا كسب، أو دون أن تتعرض هذه الفئة كبقية المشروعات الاقتصادية لاحتمالات الربح أو الخسارة.
وأما القمار بمختلف أنواعه ومنه اليانصيب فقد حرمه الإسلام؛ لأنه مرض فتاك خبيث يهدد طاقة الإنسان الجسدية والفكرية من دون فائدة مشروعة، ويعوِّد الإنسان على الخمول والكسل؛ لأنه محاولة للتوصل إلى كسب بلا جهد ولا عمل، وفضلًا عن ذلك فإنه يولّد بين الناس أحقادًا عميقةً الجذور، ويثير شرارات نارية من المنازعات والاختلافات التي لا تنتهي ذيولها، حتى وصفه القرآن الكريم بأنه رجس من عمل الشيطان.
وأما الغش في المعاملات: فهو ممنوع منعًا مطلقًا لقوله -صلّى الله عليه وسلم-: ((من غشنا فليس منا)) إذ يهدم الثقة بين المتعاملين، ويجعل الحياة التجارية في اضطراب. ويشمل الغش كل أنواع الخلابة -أي: خديعة المشتري- من خيانة -كذب في مقدار الثمن-.. وتناجش -إيهام الغير برغبة الشراء، إغراءً له بها- وتغرير -إغراء بوسيلة كاذبة للترغيب في العقد- وتدليس العيب -كتمان عيب خفي في المعقود عليه- وغبن فاحش -وهو الإضرار بما يعادل نصف عشر القيمة في المنقولات والعشر في الحيوان، والخمس في العقارات- ومن صور الغبن: حالة تلقي الركبان، أي: تلقي ابن المدينة قوافل الباعة الواردة من القرَى والبوادي، وشراؤها بأقل من سعر السوق بغبن فاحش.
وأما الاحتكار: فقد حرمه الإسلام تحريمًا عامًّا في كل ما يضرُّ بالناس حبسه ومنعه، وبخاصة السلع الغذائية وضروريات الناس الاستهلاكية؛ لقوله -صلّى الله عليه وسلم-: ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون))؛ لأن الاحتكار أمر لصيق بتنظيم السوق، ولأن فيه من المخاطر التي يعاني منها النظام الرأسمالي، والسبب في تحريم الاحتكار أمر واضح، وهو منع استغلال المحتكر للمستهلكين بمغالاته في الثمن، ومنع السلعة أحيانًا من السوق لقوله -صلّى الله عليه وسلم-: ((مَن احتكر طعامًا يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله ورسوله)).
وهكذا حرَّم الإسلام كل أوجه الكسب غير المشروع مثل ما ذكر، ونحوه من الرشوة والاختلاس وابتزاز أموال الغير بالباطل واستغلال الحاكم أو الموظف لمنصبه؛ ليقتنص أموال الناس ظلمًا وعدوانًا. والقصد من تحريم ذلك هو دفع الإنسان إلى العمل وإبعاده عن البطالة والكسل. وبهذا كله أوصد الإسلام الباب أمام تضخم الثروات؛ لأن الطرق غير المشروعة تؤدي عادة إلى ربح عظيم. قال -عليه الصلاة والسلام-: ((الدنيا خضرة حلوة، مَن اكتسب فيها مالًا من حِلّه، وأنفقه في حقه، أثابه الله عليه، وأورده جنته، ومن اكتسب فيها مالًا من غير حِلّه، وأنفقه في غير حقه، أحله الله دار الهوان، ورب متخوض في مال الله ورسوله، له النار يوم القيامة)).
3- منع الإسراف والتقتير:
أوجب الإسلام الاعتدال في النفقة لقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}، فلا يكون التقتير مقبولًا؛ لِمَا يترتب عليه من اكتناز الثروات الضخمة الذي يحول بدوره دون توفر نشاط تداول الأموال، الذي هو أمر ضروري لانتعاش الحياة الاقتصادية في كل مجتمع، فحبس المال تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين الإنتاج وتهيئة وسائل العمل للعاملين، قال الله -سبحانه وتعالى-: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
وكذلك يحرم الإسلام الإسرافَ وتبذيرَ الأموال من دون وجه مشروع أو يؤدي إلى الضرر ولو في سبيل الخير، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، فالتبذير طريق الفقر الذي يصبح به المبذر في النهاية عالة على المجتمع، مما ينذر بمخاطر اجتماعية سيئة، فضلًا عن أن التبذير سبيل لغرس الأحقاد والبغضاء بين الناس والمحرومين، وهكذا أوضح الإسلام مبدأ سياسة الاعتدال في الاستهلاك والادخار، فقال الله سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.
4- ليس المال سبيلًا إلى الجاه والسلطان:
حظر الإسلام على أرباب الأموال استخدامها في هضم الحقوق عن طريق الرشوة أو للتوصل إلى منصب سياسي أو جاه أو وظيفة ليس أهلًا لها، قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، وفي هذا إيصاد الباب أمام ما تفعله التكتلات الاحتكارية والشركات العالمية في التأثير على السياسة الداخلية والخارجية في الدول الرأسمالية.
5- توزيع المال بعد الوفاة مقيّدٌ بنظام الإرث:
ليس المرء حرًّا بالتصرف في ماله بعد وفاته حسبما يشاء كما هو مقرر في النظام الرأسمالي، وإنما هو مقيد بنظام الإرث الذي يعتبر في الإسلام من قواعد النظام الإلهي العام التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافها، فالإرث حق جبري، ولا يجوز الإيصاء بأكثر من ثلث المال، ولا يصح تفضيل بعض الورثة على حساب الآخرين، أو حرمان وارث أو الإضرار بالدائنين، وللسلطة القضائية الحق في إبطال التصرفات غير الشرعية في الإرث والوصية، فيكون تشريع الإرث عاملًا مهمًّا من عوامل تفتيت الثروات الضخمة، وتوزيع الملكيات والقضاء على التفاوت الفاحش بين الطبقات.