PDA

View Full Version : النظريات والفروق الفقهية : الدرس الثانى عشرتعريف المال وبيان أقسامه



hanan.taha
17-04-2013, 05:25 AM
ع1:
تعريف المال وبيان أقسامه
ج1:
الموسوعة الفقهية الكويتية، لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.
مال:
التّعريف:
1 - يطلق المال في اللغة: على كلّ ما تملّكه الإنسان من الأشياء.
وفي الاصطلاح: اختلف الفقهاء في تعريف المال وذلك على النّحو التّالي:
عرّف فقهاء الحنفيّة المال بتعريفات عديدةٍ، فقال ابن عابدين: المراد بالمال ما يميل إليه الطّبع، ويمكن ادّخاره لوقت الحاجة.
والماليّة تثبت بتمول النّاس كافّةً أو بعضهم.
وعرّف المالكيّة المال بتعريفات مختلفةٍ، فقال الشّاطبيّ: هو ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه.
وقال ابن العربيّ: هو ما تمتد إليه الأطماع، ويصلح عادةً وشرعًا للانتفاع به.
وقال عبد الوهّاب البغدادي: هو ما يتموّل في العادة ويجوز أخذ العوض عنه.
وعرّف الزّركشي من الشّافعيّة المال بأنّه: ما كان منتفعًا به، أي مستعدًا لأن ينتفع به. وحكى السيوطيّ عن الشّافعيّ أنّه قال: لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها، وتلزم متلفه، وإن قلت، وما لا يطرحه النّاس مثل الفلس وما أشبه ذلك.
وقال الحنابلة: المال شرعًا ما يباح نفعه مطلقًا، أي في كلّ الأحوال، أو يباح اقتناؤه بلا حاجةٍ...
أقسام المال:
قسّم الفقهاء المال تقسيماتٍ كثيرةً بحسب الاعتبارات الفقهيّة المتعدّدة، وذلك على النّحو التّالي:
أ- بالنّظر إلى التّقوم:
4 - لم يجعل الحنفيّة من عناصر الماليّة إباحة الانتفاع شرعًا، واكتفوا باشتراط العينيّة والانتفاع المعتاد وتمول النّاس في اعتبار الشّيء مالًا، وقد حداهم التزام هذا المفهوم للمال إلى تقسيمه إلى قسمين: متقوّمٍ، وغير متقوّمٍ:
فالمال المتقوّم عندهم: هو ما يباح الانتفاع به شرعًا في حالة السّعة والاختيار.
والمال غير المتقوّم: هو ما لا يباح الانتفاع به في حالة الاختيار، كالخمر والخنزير بالنّسبة للمسلم. أما بالنّسبة للذّمّيّين فهي مال متقوّم، لأنّهم لا يعتقدون حرمتها ويتموّلونها، وقد أمرنا بتركهم وما يدينون.
وقد بنوا على ذلك التّقسيم: أنّ من اعتدى على مالٍ متقوّمٍ ضمنه، أمّا غير المتقوّم فالجناية عليه هدر، ولا يلزم متلفه ضمان.
كما أنّ إجازة التّصرف الشّرعيّ بالمال منوطة بتقومه، فالمال المتقوّم يصح التّصرف فيه بالبيع والهبة والوصيّة والرّهن وغيرها.
أمّا غير المتقوّم فلا يصح التّصرف فيه شرعًا بأيّ نوعٍ من هذه التّصرفات ونحوها.
على أنّه لا تلازم بين التّقوم بهذا المعنى وبين الماليّة في نظر الحنفيّة، فقد يكون الشّيء متقوّمًا، أي مباح الانتفاع، ولا يكون مالًا، لفقدان أحد عناصر الماليّة المتقدّمة عندهم، وذلك كالحبّة من القمح والكسرة الصّغيرة من فتات الخبز والتراب المبتذل ونحو ذلك.
نقل ابن نجيمٍ عن الكشف الكبير: الماليّة تثبت بتمول النّاس كافّةً أو بعضهم، والتّقوم يثبت بها وبإباحة الانتفاع به شرعًا، فما يباح بلا تمولٍ لا يكون مالًا، كحبّة حنطةٍ، وما يتموّل بلا إباحة انتفاعٍ لا يكون متقوّمًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدّم.
قال ابن عابدين: وحاصله أنّ المال أعم من المتقوّم، لأنّ المال ما يمكن ادّخاره ولو غير مباحٍ كالخمر، والمتقوّم ما يمكن ادّخاره مع الإباحة، فالخمر مال، لا متقوّم.
ويرى الحنفيّة من جهةٍ أخرى أنّ عدم التّقوم لا ينافي الملكيّة، فقد تثبت الملكيّة للمسلم على مالٍ غير متقوّمٍ، كما لو تخمّر العصير عنده، أو عنده خمر أو خنزير مملوكين له وأسلم عليهما، ومات قبل أن يزيلهما وله وارث مسلم فيرثهما، واصطاد الخنزير، وذلك لأنّ الملكيّة تثبت على المال، والماليّة ثابتة في غير المتقوّم، ولكنّ عدم التّقوم ينافي ورود العقود من المسلم على المال غير المتقوّم.
وقد يراد أحيانًا بالمتقوّم على ألسنة فقهاء الحنفيّة معنى المحرز، حيث إنّهم يطلقون مصطلح -غير المتقوّم- أيضًا على المال المباح قبل الإحراز، كالسّمك في البحر، والأوابد من الحيوان، والأشجار في الغابات، والطّير في جوّ السّماء، فإذا اصطيد أو احتطب صار متقوّمًا بالإحراز.
أما جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والمالكيّة الحنابلة فقد اعتبروا إباحة الانتفاع عنصرًا من عناصر الماليّة، فالشّيء إذا لم يكن مباح الانتفاع به شرعًا فليس بمال أصلًا، ولذلك لم يظهر عندهم تقسيم المال إلى متقوّمٍ وغير متقوّمٍ بالمعنى الّذي قصده الحنفيّة، وهم إذا أطلقوا لفظ "المتقوّم" أرادوا به ما له قيمة بين النّاس و"غير المتقوّم" ما ليس له قيمةً في عرفهم.
وعلى ذلك جاء في "شرح الرّصّاع" على حدود ابن عرفة: أنّ المعتبر في التّقويم إنّما هو مراعاة المنفعة الّتي أذن الشّارع فيها، وما لا يؤذن فيه فلا عبرة به، فلا تعتبر قيمته، لأنّ المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.
وعلى ذلك فلم يعتبر جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والحنابلة الخمر والخنزير في عداد الأموال أصلًا بالنّسبة للمسلم والذّمّيّ على حدٍّ سواءٍ، ولم يوجبوا الضّمان على متلفهما مطلقًا، في حين عدّهما الحنفيّة مالًا متقوّمًا في حقّ الذّمّيّ، وألزموا متلفهما مسلمًا كان أم ذمّيًا الضّمان.
وقد وافق المالكيّة الحنفيّة في وجوب الضّمان على متلف خمر الذّمّيّ، لاعتباره مالًا في حقّ الذّمّيّ لا في حقّ المسلم عندهم، دون أن يوافقوا الحنفيّة على تقسيمهم المال إلى متقوّمٍ وغير متقوّمٍ بالمعنى الّذي أرادوه.
ب- بالنّظر إلى كونه مثليًا أو قيميًّا:
5 - قسّم الفقهاء المال إلى قسمين: مثليٍّ، وقيميٍّ.
فالمال المثلي: هو ما يوجد مثله في السوق بدون تفاوتٍ يعتد به.
وهو في العادة: إمّا مكيل -أي مقدّر بالكيل- كالقمح والشّعير ونحوهما، أو موزون كالمعادن من ذهبٍ وفضّةٍ وحديدٍ ونحوها، أو مذروع كأنواع من المنسوجات الّتي لا تفاوت بينها، أو معدود كالنقود المتماثلة والأشياء الّتي تقدّر بالعدد، وليس بين أفرادها تفاوت يعتد به، كالبيض والجوز ونحوهما.
والمال القيمي: هو ما لا يوجد له مثل في السوق، أو يوجد لكن مع التّفاوت المعتدّ به في القيمة، وقد سمّي هذا النّوع من الأموال قيميًّا نسبةً للقيمة الّتي يتفاوت بها كل فردٍ منه عن سواه.
ومن أمثلة القيميّ: كل الأشياء القائمة على التّغاير في النّوع أو في القيمة أو فيهما معًا كالحيوانات المتفاوتة الآحاد من الخيل والإبل والبقر والغنم ونحوها، وكذا الدور والمصنوعات اليدويّة من حليٍّ وأدواتٍ وأثاثٍ منزليٍّ الّتي تتفاوت في أوصافها ومقوّماتها، ويتميّز كل فردٍ منها بمزايا لا توجد في غيره، حتّى أصبح له قيمة خاصّة به.
ومنها أيضًا: المثليّات الّتي فقدت من الأسواق أو أصبحت نادرةً، كبعض المصنوعات القديمة الّتي انقطعت من الأسواق، وأصبح لها اعتبار خاص في قيمتها ينقلها إلى زمرة القيميّات وكذا كل وحدةٍ لم تعدّ متساويةً مع نظائرها من وحدات المثليّ، بأن نقصت قيمتها لعيب أو استعمالٍ أو غير ذلك، فإنّها تصبح من القيميّات، كالأدوات والآلات والسّيّارات بعد استعمالها، وذلك لتغير أوصافها وقيمها.
والواجب في إتلاف المثليّات هو ضمان المثل، لأنّه البدل المعادل، بخلاف القيميّات فإنّها تضمن بالقيمة، إذ لا مثل لها.
والمثلي يصح كونه دينًا في الذّمّة باتّفاق الفقهاء، أمّا القيمي فهناك تفصيل وخلاف في جواز جعله دينًا في الذّمّة.
ج - بالنّظر إلى تعلق حقّ الغير به:
6 - ينقسم المال بالنّظر إلى تعلق حقّ الغير به إلى قسمين:
ما تعلّق به حق غير المالك، وما لم يتعلّق به حق لغير مالكه.
فالمال الّذي تعلّق به حق الغير: هو الّذي ارتبطت عينه أو ماليّته بحقّ مقرّرٍ لغير ملاكه، كالمال المرهون، فلا يكون لمالكه أن يتصرّف فيه بما يخل بحقوق المرتهن.
وأمّا المال الّذي لم يتعلّق به حق الغير: فهو المال الخالص لمالكه، دون أن يتعلّق به حق أحدٍ غيره ولصاحبه أن يتصرّف فيه -رقبةً ومنفعةً- بكلّ وجوه التّصرف المشروعة، بدون توقفٍ على إذن أحدٍ أو إجازته لسلامته وخلوصه من ارتباط حقّ الغير به.
د - بالنّظر إلى النّقل والتّحويل:
7 - قسّم الفقهاء المال بالنّظر إلى إمكان نقله وتحويله إلى قسمين: منقول، وعقار. فالمال المنقول: هوّ كل ما يمكن نقله وتحويله ، فيشمل النقود والعروض والحيوانات والمكيلات والموزونات وما أشبه ذلك.
والعقار: هو ما له أصل ثابت لا يمكن نقله وتحويله ، كالأراضي والدور ونحوها.
قال أبو الفضل الدّمشقي: العقار صنفان:
أحدهما: المسقّف، وهو الدور والفنادق والحوانيت والحمّامات والأرحية والمعاصر والفواخير والأفران والمدابغ والعراص.
والآخر: المزدرع، ويشتمل على البساتين والكروم والمراعي والغياض والآجام وما تحويه من العيون والحقوق في مياه الأنهار.
8 - وقد اختلف الفقهاء في البناء والشّجر الثّابت، هل يعتبران من العقار أم المنقول؟ فذهب جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّهما من العقار.
وقال الحنفيّة: يعتبران من المنقولات، إلا إذا كانا تابعين للأرض، فيسري عليهما حينئذٍ حكم العقار بالتّبعيّة.
هـ - بالنّظر إلى النّقديّة:
9 - قسّم الفقهاء المال بالنّظر إلى اتّصافه بالنّقديّة إلى قسمين: نقود، وعروض.
فالنقود: جمع نقدٍ، وهو الذّهب والفضّة وعلى ذلك نصّت مجلّة الأحكام العدليّة على أنّ النّقد هو: عبارة عن الذّهب والفضّة، سواء كانا مسكوكين أو لم يكونا كذلك، ويقال للذّهب والفضّة النّقدان.
ويلحق بالذّهب والفضّة في الحكم الأوراق الرّائجة في العصر الحاضر.
والعروض: جمع عرضٍ، وهو كل ما ليس بنقد من المتاع.
قال في "المغني": العرض هو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه، من النّبات والحيوان والعقار وسائر المال.
وقد أدخل بعض فقهاء الحنابلة النّقد في العروض إذا كان متّخذًا للاتّجار به، تأسيسًا على أنّ العرض هو كل ما أعدّ لبيع وشراءٍ لأجل الرّبح، ولو من نقدٍ، قال البهوتيّ: سمّي عرضًا، لأنّه يعرض ليباع ويشترى، تسميةً للمفعول بالمصدر، كتسمية المعلوم علمًا، أو لأنّه يعرض ثمّ يزول ويفنى.
و - بالنّظر إلى رجاء صاحبه في عوده إليه:
10 - قسّم الفقهاء المال بالنّظر إلى رجاء صاحبه في عوده إليه بعد زوال يده عنه إلى قسمين: ضمار، ومرجوّ.
فالمال الضّمار: هو المال الّذي لا يتمكّن صاحبه من استنمائه لزوال يده عنه، وانقطاع أمله في عوده إليه.
وأصله من الإضمار، وهو في اللغة: التّغيب والاختفاء.
وعلى ذلك عرّفه صاحب المحيط من الحنفيّة بقوله: هو كل ما بقي أصله في ملكه، ولكن زال عن يده زوالًا لا يرجى عوده في الغالب.
وقال سبط بن الجوزيّ: وتفسير الضّمار أن يكون المال قائمًا، وينسدّ طريق الوصول إليه.
ومن أمثلته: المال المغصوب إذا لم يكن لصاحبه على الغاصب بيّنة، والمال المفقود كبعير ضالٍّ وعبدٍ آبقٍ، إذ هو كالهالك لعدم قدرة صاحبه عليه ، وكذا المال السّاقط في البحر، لأنّه في حكم العدم، والمال المدفون في برّيّةٍ أو صحراء إذا نسي صاحبه مكانه، والدّين المجحود إذا جحده المدين علانيةً، ولم يكن لصاحبه عليه بيّنة.
والمال المرجو: هو المال الّذي يرجو صاحبه عوده إليه، لإقرار صاحب اليد له بالملك، وعدم امتناعه عن الرّدّ عند الطّلب أو عند حلول الأجل المضروب لردّه ، ومنه الدّين المقدور عليه، الّذي يأمل الدّائن اقتضاءه، لكون المدين حاضرًا مقرًا به مليئًا باذلًا له، أو جاحدًا له، لكن لصاحبه عليه بيّنة.
وإنّما سمّي كذلك من الرّجاء، الّذي هو في اللغة: ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة. وتظهر ثمرة هذا التّقسيم في باب الزّكاة، حيث اختلف الفقهاء في زكاة المال الضّمار وما يتعلّق بها من الأحكام.
ز - بالنّظر إلى نمائه:
11 - قسّم الفقهاء المال بالنّظر إلى نمائه أو عدم نمائه إلى قسمين: نامٍ، وقنية:
فالمال النّامي: هو الّذي يزيد ويكثر ، من النّماء الّذي يعني في اللغة الزّيادة والكثرة.
وهو في الشّرع نوعان: حقيقي، وتقديري.
فالحقيقي: الزّيادة بالتّوالد والتّناسل والتّجارات.
والتّقديري: تمكنه من الزّيادة، بكون المال في يده أو يد نائبه.
ومال القنية: هو الّذي يتّخذه الإنسان لنفسه لا للتّجارة.
قال الأزهري: القنية: المال الّذي يؤثّله الرّجل ويلزمه ولا يبيعه ليستغلّه.
ويظهر أثر التّقسيم في الزّكاة إذ أنّها تجب في المال النّامي دون مال القنية وذلك في الجملة.
الزّكاة في الأموال الظّاهرة والباطنة:
12 - الأموال بالنّظر إلى وجوب دفع زكاتها إلى وليّ الأمر لتوزيعها على مستحقّيها قسمان: باطنة وظاهرة.
وجمهور الفقهاء على أنّ أداء زكاة الأموال الباطنة مفوّض إلى أربابها، أمّا الأموال الظّاهرة ففيها تفصيل.
التّخلص من المال الحرام:
13 - إذا كان المال الّذي في يد المسلم حرامًا فإنّه لا يجوز له إمساكه ويجب عليه التّخلص منه، وهذا المال إمّا أن يكون حرامًا محضًا وقد سبق بيان حكمه وطريقة التّخلص منه في مصطلح: "كسب ف 17".
وإمّا أن يكون مختلطًا بأن كان بعضه حلالًا وبعضه حرامًا ولا يتميّز بعضه عن بعضٍ فجمهور الفقهاء على أنّه يجب على من بيده هذا المال أن يخرج قدر الحرام ويدفعه لمستحقّه ويكون الباقي في يده حلالًا.
قال أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرًا أخرج منه قدر الحرام وتصرّف في الباقي، وإن كان المال قليلًا اجتنبه كلّه، وهذا لأنّ القليل إذا تناول منه شيئًا فإنّه تبعد معه السّلامة من الحرام بخلاف الكثير.
وذهب بعض الغلاة من أرباب الورع كما قال ابن العربيّ إلى أنّ المال الحلال إذا خالطه حرام حتّى لم يتميّز ثمّ أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحلّ ولم يطب، لأنّه يمكن أن يكون الّذي أخرج هو الحلال والّذي بقي هو الحرام.
حرمة مال المسلم والذّمّيّ:
14 - اتّفق الفقهاء على حرمة مال المسلم والذّمّيّ، وأنّه لا يجوز غصبه ولا الاستيلاء عليه، ولا أكله بأيّ شكلٍ كان وإن كان قليلًا، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}.
وقوله -عليه الصّلاة والسّلام-: ((إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)).
وقوله: ((ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقّه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة)).
دفع مال المحجور إليه:
15 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا تسلّم للصّغير أمواله حتّى يبلغ راشدًا لقوله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}.
وقال أبو حنيفة: الصّغير إذا بلغ بالسّنّ رشيدًا وماله في يد وصيّه أو وليّه فإنّه يدفع إليه ماله، وإن بلغ غير رشيدٍ لا يدفع إليه ماله حتّى يبلغ خمسًا وعشرين سنةً، فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنةً يدفع إليه ماله عند أبي حنيفة يتصرّف فيه ما شاء.
وذهب جمهور الفقهاء القائلين بالحجر على السّفيه إلى أنّ الحجر عليه في ماله لا يفك إلا بعد إيناس الرشد منه.
16 - ذهب الفقهاء إلى أنّ اكتساب المال بقدر الكفاية لنفسه وعياله وقضاء ديونه ونفقة من تجب عليه نفقته فرض.
فإن ترك الاكتساب بعد ذلك وسعه، وإن اكتسب ما يدّخره لنفسه وعياله فهو في سعةٍ، وتستحب الزّيادة على الفرض ليواسي به فقيرًا أو يجازي به قريبًا فإنّه أفضل من التّخلّي لنفل العبادة.
وللاكتساب طرق مختلقة
أكل الوصيّ أو القيّم مِنْ مال مَنْ عليه الوصاية أو القوامة:
17 - ذهب الفقهاء إلى أنّ الوصيّ والقيّم، إذا شغلا أي منهما عن كسب قوته بتدبير مال من عليه الوصاية أو القوامة، أو لم يكن لأيٍّ منهما مال يأكل منه فإنّه يجوز له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، فإن لم يشغل أي منهما عن كسب قوته أو كان له مال يأكل منه فالمستحب له التّعفف عن الأكل من مال من عليه الوصاية أو القوامة.
لقول اللّه تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}.
تنمية المال:
18 - شرع الإسلام تنمية المال حفاظًا عليه لمصلحة مالكه ومصلحة الجماعة، والحفاظ على المال مقصد من مقاصد الشّريعة وتنمية المال تكون بتجارة أو زراعةٍ أو صناعةٍ أو غيرها في حدود ما شرعه اللّه تعالى.
ما يتعلّق بالمال من حقوقٍ:
19 - الحقوق المتعلّقة بالمال إمّا حقوق للّه تعالى وإمّا حقوق للعباد.
أما حقوق اللّه تعالى فهي ما يتعلّق به النّفع العام فلا يختص به أحد، وإنّما هو عائد على المجموع، ونسب هذا الحق إلى اللّه تعالى تعظيمًا لشأنه.
ومن هذه الحقوق: زكاة المال وصدقة الفطر والكفّارات والخراج على الأرض الزّراعيّة وغيرها من الحقوق.
وأمّا حقوق العباد فهي ما لبعض العباد على غيرهم من الحقوق الماليّة كثمن المبيع والدّين والنّفقات وغيرها من الحقوق.
الأموال الرّبويّة وغيرها:
20 - الأموال تنقسم إلى قسمين:
أ- الأموال الرّبويّة: وقد اتّفق الفقهاء منها على الأصناف السّتّة الّتي ورد بها حديث أبي سعيدٍ الخدريّ -رضي الله عنه- عن رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة والبر بالبرّ والشّعير بالشّعير والتّمر بالتّمر والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)).
واختلف الفقهاء فيما وراء هذه الأصناف السّتّة.
ب- الأموال غير الرّبويّة: وهي ما عدا الأصناف السّتّة الواردة في الحديث والأصناف الّتي ألحقها الفقهاء بهذه الأصناف لوجود علّة التّحريم.

ع1:
تعريف المال وبيان أقسامه
ج2:
الفقه الإسلامي وأدلته، لوهبة الزحيلي.
الفَصْلُ الثَّاني: الأموَال:
المال بطبيعته محل الملكية إلا إذا وجد مانع من الموانع، وهو في الغالب محل المعاملات المدنية كالبيع والإيجار والشركة والوصية ونحوها. وهو أيضًا عنصر ضروري من ضرورات الحياة أو المعيشة التي لا غنى عنها للإنسان.
لذا سأذكر تعريف المال وأقسامه وما يقبل التملك منه ومالا يقبل، ثم أبين تعريف الملك وأقسامه وخصائص كل قسم.
المبحث الأول: تعريف المال وإرثه:
تعريف المال:
المال في اللغة: كل ما يقتنى ويحوزه الإنسان بالفعل سواء أكان عينًا أم منفعة، كذهب أو فضة أو حيوان أو نبات أو منافع الشيء كالركوب واللبس والسكنى. أما مالا يحوزه الإنسان فلا يسمى مالًا في اللغة كالطير في الهواء والسمك في الماء والأشجار في الغابات والمعادن في باطن الأرض.
وأما في اصطلاح الفقهاء ففي تحديد معناه رأيان:
أولًا: عند الحنفية: المال: هو كل ما يمكن حيازته وإحرازه وينتفع به عادة، أي أن المالية تتطلب توفر عنصرين:
1 - إمكان الحيازة والإحراز: فلا يعد مالًا: ما لا يمكن حيازته كالأمور المعنوية مثل العلم والصحة والشرف والذكاء، وما لا يمكن السيطرة عليه كالهواء الطلق وحرارة الشمس وضوء القمر.
2 - إمكان الانتفاع به عادة: فكل ما لا يمكن الانتفاع به أصلًا كلحم الميتة والطعام المسموم أو الفاسد، أو ينتفع به انتفاعًا لا يعتد به عادة عند الناس كحبة قمح أو قطرة ماء أو حفنة تراب، لا يعد مالًا، لأنه لا ينتفع به وحده. والعادة تتطلب معنى الاستمرار بالانتفاع بالشيء في الأحوال العادية، أما الانتفاع بالشيء حال الضرورة كأكل لحم الميتة عند الجوع الشديد -المخمصة- فلا يجعل الشيء مالًا، لأن ذلك ظرف استثنائي.
وتثبت المالية بتمول الناس كلهم أو بعضهم، فالخمر أو الخنزير مال لانتفاع غير المسلمين بهما. وإذا ترك بعض الناس تمول مال كالثياب القديمة فلا تزول عنه صفة المالية إلا إذا ترك كل الناس تموله.
وقد ورد تعريف المال في المادة (621) من المجلة نقلًا عن ابن عابدين الحنفي وهو: "المال: هو ما يميل إليه طبع الإنسان، ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة، منقولًا كان أو غير منقول".
ولكنه تعريف منتقد؛ لأنه ناقص غير شامل، فالخضروات والفواكه تعتبر مالًا، وإن لم تدخر لتسرع الفساد إليها. وهو أيضًا بتحكيم الطبع فيه قلق غير مستقر؛ لأن بعض الأموال كالأدوية المرة والسموم تنفر منها الطباع على الرغم من أنها مال. وكذلك المباحات الطبيعية قبل إحرازها من صيود ووحوش وأشجار في الغابات تعد أموالًا ولو قبل إحرازها أو تملكها.
ثانيًا: وأما المال عند جمهور الفقهاء غير الحنفية: فهو كل ما له قيمة يلزم متلفه بضمانه. وهذا المعنى هو المأخوذ به قانونًا، فالمال في القانون وهو كل ذي قيمة مالية...
المبحث الثاني: أقسام المال:
قسم الفقهاء المال عدة تقسيمات يترتب عليها أحكام مختلفة بحسب كل قسم، وأكتفي ببيان أربعة تقسيمات، أوضحها القانون المدني:
1 - باعتبار إباحة الانتفاع وحرمته إلى: متقوم وغير متقوم.
2 - باعتبار استقراره في محله وعدم استقراره إلى: عقارٍ ومنقول.
3 - باعتبار تماثل أحاده أو أجزائه وعدم تماثلها إلى: مثلي وقيمي.
4 - باعتبار بقاء عينه بالاستعمال وعدم بقائه إلى: استهلاكي واستعمالي.
المطلب الأول: المال المتقوم وغير المتقوم:
المال المتقوم: كل ما كان محرزًا بالفعل، وأباح الشرع الانتفاع به كأنواع العقارات والمنقولات والمطعومات ونحوها.
وغير المتقوم: ما لم يحرز بالفعل، أو ما لا يباح الانتفاع به شرعًا إلا في حالة الاضطرار.
مثال الأول: السمك في الماء والطير في الهواء والمعادن في باطن الأرض ونحوها من المباحات كالصيد والحشيش فهي غير متقومة عرفًا.
ومثال الثاني: الخمر والخنزير بالنسبة للمسلم غير متقومين شرعًا، فلا يباح للمسلم الانتفاع بهما إلا عند الضرورة وبقدر الضرورة كدفع خطر جوع شديد أو عطش شديد يخشى معه الهلاك، ولا يجد الإنسان شيئًا آخر سواهما، فيباح له الانتفاع بأحدهما بقدر ما يدفع الهلاك عن نفسه.
أما بالنسبة لغير المسلم فهما من الأموال المتقومة عند فقهاء الحنفية؛ لأننا أمرنا بتركهم وما يدينون. فلو أتلفهما مسلم أو غير مسلم وجب عليه ضمانهما. وقال غير الحنفية: لا يعتبران مالًا متقومًا؛ لأن غير المسلمين المقيمين في بلادنا ملزمون بأحكام المعاملات الإسلامية، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.
وتظهر فائدة هذا التقسيم في موضعين:
الأول: صحة التعاقد عليه وعدمها: فالمتقوم يصح أن يكون محلًا لجميع العقود التي ترد على المال كالبيع والإيجار والهبة والإعارة والرهن والوصية والشركة ونحوها. وغير المتقوم: لا يصح التعاقد عليه بشيء من تلك العقود، فيعد بيع المسلم خمرًا أو خنزيرًا بيعًا باطلًا، ولو اشترى المسلم بخمر أو خنزير كان الشراء فاسدًا، وسبب التفرقة بين الحالتين أن المبيع هو المقصود الأصلي من البيع، فتقومه شرط انعقاد. وأما الثمن فهو وسيلة لا يقصد لذاته، فتقومه شرط صحة.
الثاني: الضمان عند الإتلاف: إذا أتلف إنسان مالًا متقومًا لغيره وجب عليه ضمان مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان قيميًا. أما غير المتقو م فلا يضمن بالإتلاف إذا كان لمسلم. فلو أراق أحد خمرًا لمسلم أو قتل خنزيرًا له، لا يضمنه. أما لو أتلفه أحد لذمي -أي غير مسلم مقيم في دار الإسلام- ضمن له قيمته عند الحنفية، لأنه مال متقوم عندهم، كما تقدم.
التقوم وعدمه عند القانونيين:
يختلف معنى التقوم وعدمه بين الشرعيين والقانونيين، فهو عند الشرعيين كما عرفنا: ما يباح الانتفاع بها، شرعًا، أو ما لا يباح ذلك.
وأما عند القانونيين: فالتقوم: ما كان ذا قيمة بين الناس. وعدم التقوم: هو خروج الأشياء عن التعامل بطبيعتها أو بحكم القانون. فالأولى هي التي يشترك كل الناس في الانتفاع بها، ولا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها، كالهواء والبحار وأشعة الشمس. والثانية: هي الأشياء الخارجة عن التعامل بحكم القانون كالمخدرات الممنوعة والمواد الحربية المتفجرة، وكل الأشياء المملوكة للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة أو المخصصة للنفع العام بالفعل. وقد أخذت فكرة التقوم وعدمه من مفهوم المادة (38) من القانون المدني التي تنص على ما يأتي:
1 - كل شيء غير خارج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون يصح أن يكون محلًا للحقوق المالية.
2 - والأشياء التي تخرج عن التعامل بطبيعتها هي التي لا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها، وأما الخارجة بحكم القانون فهي التي لا يجيز القانون أن تكون محلًا للحقوق المالية.
يتبين من ذلك أن فكرة التقوم وعدمه تنبني في القانون على جواز التعامل في الشيء وعدم جوازه قانونًا. فالخمر مثلًا يجوز التعامل بها في القانون ولا يجوز التعامل بها في الشرع.
المطلب الثاني: العقار والمنقول:
للفقهاء اصطلاحان في بيان المقصود من العقار والمنقول، أحدهما للحنفية، والآخر للمالكية.
رأي الحنفية: المنقول: هو ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، سواء أبقي على صورته وهيئته الأولى، أم تغيرت صورته وهيئته بالنقل والتحويل ويشمل النقود والعروض التجارية وأنواع الحيوان والمكيلات والموزونات.
والعقار: هو الثابت الذي لا يمكن نقله وتحويله أصلًا من مكان إلى آخر كالدور والأراضي.
ويلاحظ أن البناء والشجر والزرع في الأرض لا تعد عقارًا عند الحنفية إلا تبعًا للأرض، فلو بيعت الأرض المبنية أو المشجرة أو المزروعة طبقت أحكام العقار على ما يتبع الأرض من البناء ونحوه. أما لو بيع البناء وحده أو الشجر وحده من غير الأرض فلا يطبق عليهما حكم العقار. فالعقار عند الحنفية لا يشمل إلا الأرض خاصة. والمنقول يشمل ما عداها.
رأي المالكية: ضيق المالكية من دائرة المنقول ووسعوا في معنى العقار فقالوا: المنقول: هو ما أمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر مع بقائه على هيئته وصورته الأولى كالملابس والكتب والسيارات ونحوها. والعقار عندهم: هو ما لا يمكن نقله وتحويله أصلًا كالأرض، أو أمكن تحويله ونقله مع تغيير صورته وهيئته عند النقل والتحويل كالبناء والشجر. فالبناء بعد هدمه يصير أنقاضًا ، والشجر يصبح أخشابًا (4).
وهذا الرأي هو المتفق مع القانون المدني السوري، كما نصت المادة 48/1: "كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه، لا يمكن نقله منه، دون تلف، فهو عقار، وكل ماعدا ذلك من شيء فهو منقول".
لكن توسع القانون في معنى العقار في الفقرة الثانية من هذه المادة، فأدخل فيه المنقولات التي يضعها صاحبها في عقار يملكه لخدمة هذا العقار أو استثماره، حتى السماد والسمك، وسماها -عقارًا بالتخصيص- وهذا سائغ في مذهب المالكية. وأدخل فيه أيضًا في المادة (85) الحقوق العينية المترتبة على العقار كحقوق الارتفاق والتأمينات، حتى الدعوى المتعلقة بحق عيني على عقار. واعتبار هذه الدعوى عقارًا فيه إغراق في تصور معنى العقار.
هذا وقد يتحول المنقول إلى عقار وبالعكس.
مثال الأول: الأبواب والأقفال وتمديدات الماء والكهرباء تصبح عقارًا باتصالها بالعقار على نحو ثابت.
ومثال الثاني: أنقاض البناء وكل ما يستخرج من الأرض من معادن وأحجار وتراب، تصبح منقولًا بمجرد فصلها عن الأرض.
وتظهر فائدة تقسيم المال إلى عقار ومنقول في طائفة من الأحكام الفقهية التالية:
1 - الشفعة: تثبت في المبيع العقار، ولا تثبت في المنقول، إذا بيع مستقلًا عن العقار، فإن بيع المنقول تبعًا للعقار ثبت فيهما الشفعة.
وكذلك بيع الوفاء: يختص بالعقار دون المنقول.
2 - الوقف: لا يصح عند الحنفية خلافًا لجمهور الفقهاء إلا في العقار. أما المنقول فلا يصح وقفه إلا تبعًا للعقار كوقف أرض وما عليها من آلات وحيوان، أو ورد بصحة وقفه أثر عن السلف كوقف الخيل والسلاح، أو جرى العرف بوقفه كوقف المصاحف والكتب وأدوات الجنازة. ويصح عند غير الحنفية وقف العقار والمنقول على السواء.
3 - بيع الوصي مال القاصر: ليس للوصي بيع عقار القاصر إلا بمسوغ شرعي كإيفاء دين أو دفع حاجة ضرورية أو تحقيق مصلحة راجحة. وقد أنيط ذلك بإذن القاضي في قانون الأحوال الشخصية؛ لأن بقاء عين العقار فيه حفاظ على مصلحة القاصر أكثر من حفظ ثمنه.
أما المنقول: فله أن يبيعه متى رأى مصلحة في ذلك.
وفي بيع مال المدين المحجوز عليه لوفاء دينه يبدأ أولًا ببيع المنقول، فإن لم يف ثمنه انتقل إلى العقار تحقيقًا لمصلحة المدين.
4 - يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لبقية الفقهاء بيع العقار قبل قبضه من المشتري، أما المنقول فلا يجوز بيعه قبل القبض أو التسليم؛ لأن المنقول عرضة للهلاك كثيرًا بعكس العقار.
5 - حقوق الجوار والارتفاق تتعلق بالعقار، دون المنقول.
6 - لا يتصور غصب العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، إذ لا يمكن نقله وتحويله، ويرى محمد وسائر الفقهاء إمكان غصب العقار، والرأي الأول أخذت به المجلة -م 509 وما بعدها.
أما المنقول فيتصور غصبه باتفاق الفقهاء.
المطلب الثالث: المال المثلي والقيمي:
المال المثلي: ما له مثل أو نظير في الأسواق من غير تفاوت في أجزائه أو وحداته تفاوتًا يعتد به في التعامل. والأموال المثلية أربعة أنواع هي: المكيلات -كالقمح والشعير- والموزونات -كالقطن والحديد- والعدديات المتقاربة في الحجم كالجوز والبيض، وبعض أنواع الذرعيات -التي تباع بالذراع أو المتر ونحوهما-: وهي التي تتساوى أجزاؤها دون فرق يعتد به كأثواب الجوخ والقطن والحرير، وألواح البلور، والأخشاب الجديدة. أما إن تفاوتت أجزاء المذروع كالنسيج غير المتماثل الأجزاء وكالأراضي، فيصبح مالًا قيميًا لا مثليًا. وكما يعد المعدود المتقارب من المحصولات الطبيعية من المال المثلي، كذلك يعد المعدود المتماثل من المصنوعات من مادة واحدة وشكل واحد مالًا مثليًا كأواني الأكل والشرب، والسيارات المتحدة النوع، وأدوات غيارها، والكتب الجديدة المطبوعة.
والمال القيمي: هو ما ليس له نظير أو مثل في السوق، أو له مثل ولكن مع التفاوت المعتد به بين وحداته في القيمة، مثل أفراد الحيوان والأراضي والأشجار والدور وأنواع السجاد والبسط والأحجار الكريمة كالماس والياقوت والكتب المخطوطة أو المستعملة.
ويدخل في المال القيمي: العدديات المتفاوتة القيمة في آحادها كالبطيخ والرمان عند اختلاف أحجامها وأنواعها.
وقد ينقلب المال المثلي قيميًا وبالعكس ، وحالات انقلاب المثلي قيميًّا أربعة هي:
1 - الانقطاع من السوق: إذا انقطع وجود المال المثلي من الأسواق انقلب قيميًّا.
2 - الاختلاط: إذا اختلط مالان مثليان من جنسين مختلفين كحنطة وشعير، صار الخليط قيميًّا.
3 - التعرض للخطر: إذا تعرض المال المثلي للخطر كالحريق أو الغرق، صار له قيمة خاصة.
4 - التعيب أو الاستعمال: إذا تعيب المال المثلي أو استعمل، صار له قيمة خاصة.
وانقلاب المال القيمي إلى مثلي يكون في حال الكثرة بعد الندرة، فإذا كان المال نادر الوجود في السوق، ثم أصبح كثير الوجود، صار مثليًا بعد أن كان له قيمة خاصة.
ويلاحظ أن المال المتقوم أعم من القيمي، فالمتقوم يشمل القيمي والمثلي.
وتظهر فائدة التقسيم إلى مثلي وقيمي فيما يأتي:
1 - الثبوت في الذمة: يثبت المال المثلي دينًا في الذمة أي بأن يكون ثمنًا في البيع، عن طريق تعيين جنسه وصفته. ويصح بالتالي وقوع المقاصة بين الأموال المثلية.
أما القيمي: فلا يقبل الثبوت دينًا في الذمة، فلا يصح أن يكون ثمنًا، ولا تجري المقاصة بين الأموال القيمية. وإذا تعلق الحق بمال قيمي كرأس غنم أو بقر، يجب أن يكون معينًا بذاته، متميزًا عن سواه، بالإشارة إليه منفردًا، لا مشارًا إليه بالوصف؛ لأن أفراد المال القيمي ولو من نوع واحد غير متماثلة، ولكل واحد منها صفة وقيمة معينة.
2 - كيفية الضمان عند التعدي أو الإتلاف: إذا أتلف شخص مالًا مثليًا، مثل كمية من القمح أو السكر، وجب عليه ضمان مثله، حتى يكون التعويض على أكمل وجه، والمثل أقرب إلى الشيء المتلف صورة ومعنى، أي مالية. أما القيمي فيضمن المتعدي قيمته؛ لأنه يتعذر إيجاب مثله صورة، فيكتفى بإيجاب مثله معنى، أي من ناحية المالية، وهي القيمة.
3 - القسمة الجبرية وأخذ النصيب: تدخل القسمة جبرًا في المال المثلي المشترك، ولكل شريك أخذ نصيبه في غيبة الآخر دون إذنه. أما القيمي: فلا تدخل فيه القسمة الجبرية، ولا يجوز للشريك أخذ نصيبه في غيبة الآخر بدون إذنه؛ لأن القسمة فيها معنى الإفراز والمبادلة، فإذا كان المال مثليًّا كانت جهة الإفراز هي الراجحة لتماثل أجزائه. وإذا كان قيميًا كانت جهة المبادلة هي الراجحة لعدم تماثل أجزائه، فكأنه أخذ بدل حقه لا عينه.
4 - الربا: الأموال القيمية لا يجري فيها الربا المحرم، فيجوز بيع غنمة بغنمتين، أي يجوز بيع القليل بالكثير من جنسه. أما الأموال المثلية فيجري فيها الربا الحرام الذي يوجب تساوي العوضين المتجانسين في الكمية والمقدار، وتكون الزيادة حرامًا. فلا يجوز بيع قنطار من القمح بقنطار وربع مثلًا، لاشتمال البيع على ما يسمى بربا الفضل، وهذا الربا يختص شرعًا بالمقدرات المثلية من مكيل أو موزون فقط.
الذمة المالية وخصائصها:
لا يتصور ثبوت دين على إنسان إلا بتصور محل اعتباري مفترض مقدر وجوده في كل إنسان. وهذا المحل المقدر المفترض هو الذمة، فالذمة تختلف عن الأهلية، إذ أن الأهلية: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له وتحمل الواجبات. وتحمل الواجبات أو الالتزامات يستلزم وجود محل في الشخص تستقر فيه تلك الواجبات أو الديون. وتبدأ الأهلية ناقصة منذ بدء تكون الجنين، وتكمل أهلية الوجوب بالولادة.
وبالولادة تبدأ الذمة مع بدء تصور وجود العنصر الثاني من تلك الأهلية: وهو عنصر المديونية أو الالتزام، فالأهلية هي الصلاحية، والذمة محل الصلاحية.
فالذمة: هي محل اعتباري في الشخص تقع فيه الديون أوالالتزامات.
أولًا: خصائص الذمة:
للذمة الخصائص التالية:
1 - الذمة من صفات الشخصية الطبيعية وهو الإنسان أو الاعتبارية كالشركات والمؤسسات والأوقاف والمساجد. فلا ذمة للجنين قبل ولادته، فلا تصح الهبة له، لكن تصح الوصية له بشرط ولادته حيًّا، ولا ذمة للحيوان، فلو أوصى شخص لدابة وقصد تمليكها فالوصية باطلة، لكن لو كان بقصد الإنفاق عليها صحت الوصية، ويكون المقصود بها مالكها. ولا يتعين صرف الموصى به للنفقة على الدابة عند الحنفية، ويتعين ذلك لعلف الدابة عند الشافعية.
2 - لا بد لكل شخص بعد ولادته من ذمة، حتى ولو كانت فارغة بريئة؛ لأن الذمة من توابع الشخصية، وتلازم العنصر الثاني من أهلية الوجوب، وهذه الأهلية مناطها الصفة الإنسانية، فتلازم الإنسان منذ وجوده.
3 - لا تتعدد الذمة، فلكل شخص ذمة واحدة، ولا اشتراك بين أشخاص في الذمة.
4 - الذمة لا حدّ لسعتها، فهي تتسع لكل الديون مهما عظمت؛ لأن الذمة ظرف اعتباري، يتسع لكل الالتزامات.
5 - الذمة متعلقة بالشخص، لا بأمواله وثروته، ليتمكن من ممارسة نشاطه الاقتصادي بحرية مطلقة تمكنه من تسديد ديونه، فله التجارة والبيع ولو كان مدينًا بأكثر مما يملك. وله وفاء أي دين متقدم أو متأخر في الثبوت. ولا يحق للدائنين الاعتراض عليه.
6 - الذمة ضمان عام لكل الديون بلا تمييز لدين على آخر إلا إذا وجد لصاحب دين حق عيني كالرهن، أو كانت بعض الحقوق الشخصية ذات امتياز كنفقات التجهيز والتكفين، ودين النفقة للزوجة والأولاد الصغار، وديون الضرائب الحكومية.
ثانيًا: انتهاء الذمة:
تبدأ الذمة بالولادة وتنتهي بالوفاة، وللفقهاء آراء ثلاثة في انتهاء الذمة.
الرأي الأول للحنابلة في رواية عندهمـ انهدام الذمة بمجرد الموت: لأن الذمة من خصائص الشخصية، والموت يعصف بالشخص وبذمته. وأما الديون فتتعلق عند أكثر الحنابلة بالتركة، فمن مات ولا تركة له سقطت ديونه.
الرأي الثاني للمالكية والشافعية وبعض الحنابلةـ بقاء الذمة بعد الموت حتى إيفاء الديون وتصفية التركة: تبقى الذمة بعد الموت حتى تصفى الحقوق المتعلقة بالتركة. فيصح للميت اكتساب حقوق جديدة بعد موته كان سببًا لها، كمن نصب شبكة للاصطياد، فوقع فيها حيوان، فإنه يملكه، وتظل ذمة الميت باقية بعد موته حتى تسدد ديونه، لقوله -عليه السلام-: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)). ويمكن أن تشغل ذمة الميت بعد موته بديون جديدة، كشغلها بثمن المبيع الذي رده المشتري على البائع بعد موته بسبب عيب ظهر فيه. وكالتزامه بضمان قيمة ما وقع في حفرة حفرها الشخص قبل موته، في الطريق العام. وتصح الكفالة بعد الموت بما على الميت المفلس من ديون؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صحح هذه الكفالة. وتصح عند المالكية لا الشافعية والحنابلة الوصية لميت. ويقتصر أثر الموت في هذا الرأي على عدم مطالبة الميت بالحقوق وإنما يطالب ورثته بأداء الحقوق لأصحابها.
الرأي الثالث للحنفية: ضعف الذمة:
إن الموت لا يهدم الذمة، لكن يضعفها، فتبقى بقدر الضرورة لتصفية الحقوق المتعلقة بالتركة التي لها سبب في حال الحياة. فيكتسب الميت بعد موته ملكية جديدة كما في صورة نصب الشبكة للصيد، ويلتزم بالديون التي تسبب بها الشخص قبل موته، كرد المبيع المعيب عليه والتزامه بالثمن، وضمان ما وقع في حفرة حفرها في الطريق العام. لكن لا تصح كفالة دين على ميت مفلس عند أبي حنيفة خلافًا للصاحبين. ولا تصح الوصية للميت أو الهبة له. وبهذين الحكمين الأخيرين يفترق الرأي الثالث عن الرأي الثاني.
المطلب الرابع: المال الاستهلاكي والاستعمالي:
المال الاستهلاكي: هو الذي لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه، كأنواع الطعام والشراب والحطب والنفط والورق والنقود. فلا يمكن الانتفاع بهذه الأموال ما عدا النقود إلا باستئصال عينها. وأما النقود فاستهلاكها يكون بخروجها من يد مالكها، وإن كانت أعيانها باقية بالفعل.
والمال الاستعمالي: هو ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالعقارات والمفروشات والثياب والكتب ونحوها.
وينظر إلى الانتفاع المميز بين النوعين لأول مرة، لا إلى حالات الاستعمال المتكررة. فإن زالت عين الشيء من أول انتفاع كان مالًا استهلاكيًا، وإن بقيت عينه حينئذ كان مالًا استعماليًّا.
وتظهر فائدة التقسيم فيما يأتي:
يقبل كل نوع من هذين المالين نوعًا معينًا من العقود. فالمال الاستهلاكي يقبل العقود التي غرضها الاستهلاك لا الاستعمال كالقرض وإعارة الطعام.
والمال الاستعمالي يقبل العقود التي هدفها الاستعمال دون الاستهلاك كالإجارة والإعارة.
فإن لم يكن الغرض من العقد هو الاستعمال وحده أو الاستهلاك وحده، صح أن يرد على كلا النوعين: الاستعمالي والاستهلاكي كالبيع والإيداع، يصح ورودهما على كل من النوعين على السواء.
ع2:
مالية المنافع والخلاف فيها
ج1:
الموسوعة الفقهية الكويتية، لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.
ما اختلف في ماليّته:
اختلف الفقهاء في ماليّة المنافع كما تباينت أنظارهم حول ماليّة الديون، وبيان ذلك فيما يلي:
أ - ماليّة المنافع:
2 - المنافع: جمع منفعةٍ. ومن أمثلتها عند الفقهاء: سكنى الدّار ولبس الثّوب وركوب الدّابّة.
وقد اختلف الفقهاء في ماليّتها على قولين:
أحدهما للحنفيّة: وهو أنّ المنافع ليست أموالًا متقوّمةً في حدّ ذاتها، لأنّ صفة الماليّة للشّيء إنّما تثبت بالتّمول، والتّمول يعني صيانة الشّيء وادّخاره لوقت الحاجة، والمنافع لا تبقى زمانين، لكونها أعراضًا، فكلّما تخرج من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تتلاشى، فلا يتصوّر فيها التّمول.
غير أنّ الحنفيّة يعتبرون المنافع أموالًا متقوّمةً إذا ورد عليها عقد معاوضةٍ، كما في الإجارة، وذلك على خلاف القياس، وما كان على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس. والثّاني لجمهور الفقهاء من الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة: وهو أنّ المنافع أموال بذاتها، لأنّ الأعيان لا تقصد لذاتها، بل لمنافعها، وعلى ذلك أعراف النّاس ومعاملاتهم.
ولأنّ الشّرع قد حكم بكون المنفعة مالًا عندما جعلها مقابلةً بالمال في عقد الإجارة، وهو من عقود المعاوضات الماليّة، وكذا عندما أجاز جعلها مهرًا في عقد النّكاح، ولأنّ في عدم اعتبارها أموالًا تضييعًا لحقوق النّاس وإغراءً للظّلمة في الاعتداء على منافع الأعيان الّتي يملكها غيرهم، وفي ذلك من الفساد والجور ما يناقض مقاصد الشّريعة وعدالتها.
وقال الشّربيني الخطيب: المنافع ليست أموالًا على الحقيقة بل على ضربٍ من التّوسع والمجاز بدليل أنّها معدومة لا قدرة عليها.
ب - ماليّة الديون:
3 - الدّين في الاصطلاح الفقهيّ هو لزوم حقٍّ في الذّمّة.
وقد يكون محله مالًا كما أنّه قد يكون عملًا أو عبادةً كصوم وصلاةٍ وحجٍّ وغير ذلك.
ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحقّ الواجب في الذّمّة إذا لم يكن ماليًا، فإنّه لا يعتبر مالًا، ولا يترتّب عليه شيء من أحكامه.
أمّا إذا كان الدّين الشّاغل للذّمّة ماليًا، فقد اختلف الفقهاء في اعتباره مالًا حقيقةً، وذلك على قولين:
أحدهما: للحنفيّة: وهو أنّ الدّين في الذّمّة ليس مالًا حقيقيًّا، إذ هو عبارة عن وصفٍ شاغلٍ للذّمّة، ولا يتصوّر قبضه حقيقةً، ولكن نظرًا لصيرورته مالًا في المآل سمّي مالًا مجازًا.
والثّاني: قال الزّركشي من الشّافعيّة: الدّين: هل هو مال في الحقيقة أو هو حق مطالبةٍ يصير مالًا في المآل؟.
فيه طريقان حكاهما المتولّي:
ووجه الأوّل: أنّه يثبت به حكم اليسار حتّى تلزمه نفقة الموسرين وكفّارتهم ولا تحل له الصّدقة.
ووجه الثّاني: أنّ الماليّة من صفات الموجود، وليس ههنا شيء موجود، قال: وإنّما استنبط هذا من قول الشّافعيّ: فمن ملك ديونًا على النّاس، هل تلزمه الزّكاة؟ المذهب الوجوب، وفي القديم قول أنّها لا تجب ويتفرّع عليه فروع:
منها: هل يجوز بيع الدّين من غير من عليه الدّين؟ إن قلنا: إنّه مال جاز ، أو حق فلا، لأنّ الحقوق لا تقبل النّقل إلى الغير.
ومنها: أنّ الإبراء عن الدّين إسقاط أو تمليك؟.
ومنها: حلف لا مال له، وله دين حال على مليءٍ، حنث على المذهب، وكذا المؤجّل، أو على المعسر في الأصحّ.
ع2:
مالية المنافع والخلاف فيها
ج2:
الفقه الإسلامي وأدلته، لوهبة الزحيلي.
الأشياء غير المادية: الحقوق والمنافع:
حصر الحنفية معنى المال في الأشياء أو الأعيان المادية أي التي لها مادة وجِرم محسوس. وأما المنافع والحقوق فليست أموالًا عندهم وإنما هي ملك لا مال. وغير الحنفية اعتبروها أموالًا؛ لأن المقصود من الأشياء منافعها لا ذواتها، وهذا هو الرأي الصحيح المعمول به في القانون وفي عرف الناس ومعاملاتهم، ويجري عليها الإحراز والحيازة.
والمقصود بالمنفعة: هو الفائدة الناتجة من الأعيان، كسكنى الدار، وركوب السيارة، ولبس الثوب ونحو ذلك.
وأما الحق: فهو ما يقرره الشرع لشخص من اختصاص يؤهله لممارسة سلطة معينة أو تكليف بشيء. فهو قد يتعلق بالمال كحق الملكية وحق الارتفاق بالعقار المجاور من مرور أو شرب أو تعلي، وقد لا يتعلق بالمال كحق الحضانة، والولاية على نفس القاصر.
والمنافع، والحقوق المتعلقة بالمال، والحقوق المحضة كحق المدعي في تحليف خصمه اليمين ليست أموالًا عند الحنفية، لعدم إمكان حيازتها بذاتها، وإذا وجدت فلا بقاء ولا استمرار لها، لأنها معنوية، وتنتهي شيئًا فشيئًا تدريجيًّا.
وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية: إنها تعتبر مالًا، لإمكان حيازتها بحيازة أصلها ومصدرها، ولأنها هي المقصودة من الأعيان، ولولاها ما طلبت، ولا رغب الناس بها.
ويترتب على هذا الخلاف بعض النتائج أو الثمرات في الغصب والميراث والإجارة. فمن غصب شيئًا وانتفع به مدة، ثم رده إلى صاحبه، فإنه يضمن قيمة المنفعة عند غير الحنفية، وعند الحنفية: لا ضمان عليه إلا إذا كان المغصوب شيئًا موقوفًا، أو مملوكًا ليتيم، أو معدًا للاستغلال كعقار معد للإيجار كفندق أو مطعم؛ لأن هذه الأملاك بحاجة شديدة للحفظ ومنع العدوان عليها. وهذا المعنى في الواقع موجود في كل المنافع، فينبغي الإفتاء بالضمان في كل المغصوبات.
والإجارة تنتهي بموت المستأجر عند الحنفية؛ لأن المنفعة ليست مالًا حتى تورث، وغير الحنفية يقولون: لا تنتهي الإجارة بموت المستأجر وتظل باقية حتى تنتهي مدتها.
والحقوق لا تورث عند الحنفية كالحق في خيار الشرط أو خيار الرؤية. وتورث عند غير الحنفية.
ع3:
طرق كسب الملكية والتكاليف الشرعية التي ترد عليها
ج1:
الفقه الإسلامي وأدلته، لوهبة الزحيلي.
المطلب الخامس: أسباب الملك التام:
إن أسباب أو مصادر الملكية التامة في الشريعة أربعة هي:
الاستيلاء على المباح، والعقود، والخلفية، والتولد من الشيء المملوك. وفي القانون المدني هي ستة: الاستيلاء على ما ليس له مالك من منقول أو عقار، والميراث وتصفية التركة، والوصية، والالتصاق بالعقار أو بالمنقول، والعقد، والحيازة والتقادم.
وهذه الأسباب تتفق مع الأسباب الشرعية ما عدا الحيازة والتقادم -وضع اليد على مال مملوك للغير مدة طويلة- فإن الإسلام لا يقر التقادم المُكسِب على أنه سبب للملكية، وإنما هو مجرد مانع من سماع الدعوى بالحق الذي مضى عليه زمن معين، توفيرًا لوقت القضاة، وتجنبًا لما يثار من مشكلات الإثبات، وللشك في أصل الحق. أما أصل الحق فيجب الاعتراف به لصاحبه وإيفاؤه له ديانة. فمن وضع يده على مال مملوك لغيره لا يملكه شرعًا بحال.
كذلك لا يقر الإسلام مبدأ التقادم المُسقِط على أنه مسقط للحق بترك المطالبة به مدة طويلة، فاكتساب الحقوق وسقوطها بالتقادم حكم ينافي العدالة والخلق، ويكفي في ذلك أن يصير الغاصب أو السارق مالكًا، إلا أن الإمام مالك في المدونة خلافًا لمعظم أصحابه يرى إسقاط الملكية بالحيازة، كما يرى تملك الشيء بالحيازة، ولكنه لم يحدد مدة للحيازة، وترك تحديدها للحاكم، ويمكن تحديدها عملًا بحديث مرسل رواه سعيد بن المسيب مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن زيد بن أسلم: "من حاز شيئًا على خصمه عشر سنين، فهو أحق به منه".
1 - الاستيلاء على المباح:
المباح: هو المال الذي لم يدخل في ملك شخص معين، ولم يوجد مانع شرعي من تملكه كالماء في منبعه، والكلأ والحطب والشجر في البراري، وصيد البر والبحر. ويتميز هذا النوع بما يأتي:
أ- أنه سبب منشئ للملكية على شيء لم يكن مملوكًا لأحد. أما بقية أسباب الملكية الأخرى -العقد، الميراث ونحوهما- فإن الملكية الحادثة مسبوقة بملكية أخرى.
ب- أنه سبب فعلي لا قولي: يتحقق بالفعل أو وضع اليد، فيصح من كل شخص ولو كان ناقص الأهلية كالصبي والمجنون والمحجور عليه. أما العقد فقد لا يصح من هؤلاء أو يكون موقوفًا على إرادة أخرى، وهو سبب قولي.
ويشترط للتملك بهذا الطريق أي إحراز المباح شرطان:
أولهما: ألا يسبق إلى إحرازه شخص آخر، لأن "من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له» كما قال النبي -عليه السلام.
ثانيهما: قصد التملك: فلو دخل الشيء في ملك إنسان دون قصد منه لا يتملكه، كما إذا وقع في حِجْر إنسان، لا يتملكه. ومن نشر شبكته، فإن كان للاصطياد تملك ما يقع فيها، وإن كان للتجفيف لم يتملك ما يقع فيها؛ لأن "الأمور بمقاصدها".
والاستيلاء على المباح له أنواع أربعة:
أولًا: إحياء الموات: أي استصلاح الأراضي البور. والموات: ما ليس مملوكًا من الأرضين: ولا ينتفع بها بأي وجه انتفاع، وتكون خارجة عن البلد. فلا يكون مواتًا: ما كان ملكًا لأحد الناس، أو ما كان داخل البلد، أو خارجًا عنها، ولكنه مرفق لها كمحتطب لأهلها أو مرعى لأنعامهم.
والإحياء يفيد الملك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له)) سواء أكان الإحياء بإذن الحاكم أم لا عند جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومالك: لا بد من إذن الحاكم. وإحياء الأرض الموات يكون بجعلها صالحة للانتفاع بها كالبناء والغرس والزراعة والحرث وحفر البئر. وعمل مستصلح الأرض لإحيائها يسمى فقهًا "التحجير" وقد حدد بثلاث سنين، قال عمر: "ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق".
ثانيًا- الاصطياد: الصيد: هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لأحد. ويتم إما بالاستيلاء الفعلي على المصيد، أو بالاستيلاء الحكمي: وهو اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن الفرار، كاتخاذ الحياض لصيد الأسماك، أو الشباك، أو الحيوانات المدربة على الصيد كالكلاب والفهود والجوارح المعلمة.
والصيد حلال للإنسان إلا إذا كان محرمًا بالحج أو العمرة، أو كان المصيد في حرم مكة المكرمة أو المدينة المنورة، قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}.
والصيد من أسباب الملكية، لكن يشترط في الاستيلاء الحكمي لا الاستيلاء الحقيقي قصد التملك عملًا بقاعدة "الأمور بمقاصدها". فمن نصب شبكة فتعلق بها صيد، فإن كان قد نصبها للجفاف، فالصيد لمن سبقت يده إليه، لأن نيته لم تتجه إليه. وإن كان قد نصبها للصيد، ملكه صاحبها، وإن أخذه غيره كان متعديًا غاصبًا. ولو أفرخ طائر في أرض إنسان كان لمن سبقت إليه يده إلا إذا كان صاحب الأرض هيأها لذلك.
وإذا دخل طائر في دار إنسان، فأغلق صاحبها الباب لأخذه، ملكه. وإن أغلقه صدفة، لم يملكه. وهكذا لو وقع الصيد في حفرة أو ساقية، المعوَّل في تملكه على نية صيده، وإلا فلمن سبقت إليه يده.
ثالثًا: الاستيلاء على الكلأ والآجام:
الكلأ: هو الحشيش الذي ينبت في الأرض بغير زرع، لرعي البهائم.
والآجام: الأشجار الكثيفة في الغابات أو الأرض غير المملوكة.
وحكم الكلأ: ألا يملك، وإن نبت في أرض مملوكة، بل هو مباح للناس جميعًا، لهم أخذه ورعيه، وليس لصاحب الأرض منعهم من ذلك؛ لأنه باق على الإباحة الأصلية، وهو الراجح في المذاهب الأربعة، لعموم حديث: ((الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار)).
وأما الآجام فهي من الأموال المباحة إن كانت في أرض غير مملوكة. فلكل واحد حق الاستيلاء عليها، وأخذ ما يحتاجه منها، وليس لأحد منع الناس منها، وإذا استولى شخص على شيء منها وأحرزه صار ملكًا له. لكن للدولة تقييد المباح بمنع قطع الأشجار، رعاية للمصلحة العامة، وإبقاء على الثروة الشجرية المفيدة.
أما إن كانت في أرض مملوكة فلا تكون مالًا مباحًا، بل هي ملك لصاحب الأرض، فليس لأحد أن يأخذ منها شيئًا إلا بإذنه؛ لأن الأرض تقصد لآجامها، بخلاف الكلأ، لا تقصد الأرض لما فيها من الكلأ.
رابعًا: الاستيلاء على المعادن والكنوز:
المعادن: ما يوجد في باطن الأرض من أصل الخِلقة والطبيعة، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ونحوها.
والكنز: ما دفنه الناس وأودعوه في باطن الأرض من الأموال، سواء في الجاهلية أو في الإسلام.
والمعدن والكنز يشملها عند الحنفية كلمة "الركاز": وهو ما ركز في باطن الأرض، سواء أكان خلق الله كفلزات الحديد والنحاس وغيرها، أم كان بصنع الناس كالأموال التي يدفنها الناس فيها. وحكمها واحد في الحديث النبوي: ((وفي الركاز الخمس)).
وقال المالكية والشافعية: الركاز: دفين الجاهلية. والمعدن: دفين أهل الإسلام.
حكم المعادن:
اختلف الفقهاء في تملك المعادن بالاستيلاء عليها، وفي إيجاب حق فيها للدولة إذا وجدت في أرض ليست مملوكة.
أما تملك المعادن فللفقهاء فيه رأيان:
قال المالكية في أشهر أقوالهم: جميع أنواع المعادن لا تملك بالاستيلاء عليها، كما لا تملك تبعًا لملكية الأرض، بل هي للدولة يتصرف فيها الحاكم حسبما تقضي المصلحة؛ لأن الأرض مملوكة بالفتح الإسلامي للدولة، ولأن هذا الحكم مما تدعو إليه المصلحة.
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم: المعادن تملك بملك الأرض؛ لأن الأرض إذا ملكت بجميع أجزائها، فإن كانت مملوكة لشخص كانت ملكًا له، وإن كانت في أرض للدولة فهي للدولة، وإن كانت في أرض غير مملوكة فهي للواجد؛ لأنها مباحة تبعًا للأرض.
وأما حق الدولة في المعادن فيه رأيان أيضًا:
قال الحنفية: في المعادن الخمس؛ لأن الركاز عندهم يشمل المعادن والكنوز بمقتضى اللغة، والباقي للواجد نفسه. وذلك في المعادن الصلبة القابلة للطرق والسحب كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص. أما المعادن الصلبة التي لا تقبل الطرق والسحب كالماس والياقوت والفحم الحجري، والمعادن السائلة كالزئبق والنفط، فلا يجب فيها شيء للدولة؛ لأن الأولى تشبه الحجر والتراب، والثانية تشبه الماء، ولا يجب في ذلك شيء للدولة.
وقال غير الحنفية: لا يجب في المعادن شيء للدولة، لا الخمس وغيره، وإنما يجب فيها الزكاة، لقول النبي: ((العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)) فأوجب الخمس في الركاز: وهو دفين أهل الجاهلية، ولم يوجب في المعدن شيئًا؛ لأن "الجبار" معناه: لا شيء فيه. وإيجاب الزكاة عندهم هو بعموم أدلة الزكاة.
حكم الكنز:
وأما الكنز فهو ما دفنه الناس، سواء في الجاهلية أم في الإسلام. فهو نوعان: إسلامي وجاهلي:
فالإسلامي: ما وجد به علامة أو كتابة تدل على أنه دفن بعد ظهور الإسلام مثل كلمة الشهادة أو المصحف، أو آية قرآنية أو اسم خليفة مسلم.
والجاهلي: ما وجد عليه كتابة أو علامة تدل على أنه دفن قبل الإسلام كنقش صورة صنم أو وثن، أو اسم ملك جاهلي ونحو ذلك.
والمشتبه فيه: وهو ما لم يتبين بالدليل أنه إسلامي أو جاهلي، قال فيه متقدمو الحنفية: إنه جاهلي. وقال متأخروهم: إنه إسلامي لتقادم العهد. وإن وجد كنز مختلط فيه علامات الإسلام والجاهلية فهو إسلامي؛ لأن الظاهر أنه ملك مسلم، ولم يعلم زوال ملكه.
والكنز الإسلامي: يبقى على ملك صاحبه، فلا يملكه واجده، بل يعد كاللقطة، فيجب تعريفه والإعلان عنه. فإن وجد صاحبه سلم إليه وإلا تصدق به على الفقراء، ويحل للفقير الانتفاع به. هذا رأي الحنفية.
وأجاز المالكية والشافعية والحنابلة تملكه والانتفاع به، ولكن إن ظهر صاحبه بعدئذ وجب ضمانه.
وأما الكنز الجاهلي: فاتفق أئمة المذاهب على أن خمسه لبيت المال "خزانة الدولة" وأما باقيه وهو الأربعة الأخماس ففيها اختلاف: فقيل: إنها للواجد مطلقًا سواء وجدها في أرض مملوكة أم لا. وقيل: إنها للواجد في أرض غير مملوكة أوفي أرض ملكها بالإحياء. فإن كان في أرض مملوكة فهي لأول مالك لها أو لورثته إن عرفوا، وإلا فهي لبيت المال.
هذا وقد خصص القانون المدني السوري (م830) ثلاثة أخماس الكنز لمالك العقار الذي وجد فيه الكنز، وخمسه لمكتشفه، والخمس الأخير لخزينة الدولة.
2 - العقود الناقلة للملكية:
العقود كالبيع والهبة والوصية ونحوها من أهم مصادر الملكية وأعمها وأكثرها وقوعًا في الحياة المدنية؛ لأنها تمثل النشاط الاقتصادي الذي يحقق حاجات الناس من طريق التعامل. أما الأسباب الأخرى للملكية فهي قليلة الوقوع في الحياة.
ويدخل في العقود التي هي سبب مباشر للملكية حالتان:
الأولى: العقود الجبرية التي تجريها السلطة القضائية مباشرة، بالنيابة عن المالك الحقيقي، كبيع مال المدين جبرًا عنه لوفاء ديونه، وبيع الأموال المحتكرة. فالمتملك يتملك عن طريق عقد بيع صريح بإرادة القضاء.
الثانية: نزع الملكية الجبري: وله صورتان:
أ- الشفعة: وهي عند الحنفية حق الشريك أو الجار الملاصق بتملك العقار المبيع جبرًا على مشتريه بما بذل من ثمن ونفقات.وقصرها الجمهور على الشريك.
ب- الاستملاك للصالح العام: وهو استملاك الأرض بسعرها العادل جبرًا عن صاحبها للضرورة أو المصلحة العامة، كتوسيع مسجد، أو طريق ونحو ذلك.
والمتملك من هذا الطريق يتملك بناء على عقد شراء جبري مقدر بإرادة السلطة. وعلى هذا فالعقد المسبب للملكية إما أن يكون رضائيًّا أو جبريًّا، والجبري: إما صريح كما في بيع مال المدين، أو مفترض كما في الشفعة ونزع الملكية.
3 - الخَلَفية:
وهي أن يخلف شخص غيره فيما كان يملكه، أو يحل شيء محل شيء آخر، فهي نوعان: خَلَفية شخص عن شخص وهي الإرث. وخلفية شيء عن شيء وهي التضمين.
والإرث سبب جبري للتملك يتلقى به الوارث بحكم الشرع مايتركه المورث من أموال التركة.
والتضمين: هو إيجاب الضمان أوالتعويض على من أتلف شيئًا لغيره، أو غصب منه شيئًا فهلك أو فقد، أو ألحق ضررًا بغيره بجناية أو تسبب. ويدخل فيه الديات وأروش الجنايات أي الأعواض المالية المقدرة شرعًا الواجبة على الجاني في الجراحات.
4 - التولد من المملوك:
معناه أن ما يتولد من شيء مملوك يكون مملوكًا لصاحب الأصل؛ لأن مالك الأصل هو مالك الفرع، سواء أكان ذلك بفعل مالك الأصل، أم بالطبيعة والخلقة. فغاصب الأرض الذي زرعها يملك الزرع عند الجمهور غيرالحنابلة؛ لأنه نماء البذر وهو ملكه، وعليه كراء الأرض، ويضمن لصاحب الأرض نقصانها بسبب الزرع. وثمرة الشجر وولد الحيوان وصوف الغنم ولبنها لمالك الأصل.
وقال الحنابلة: الزرع لمالك الأرض، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته)).