PDA

View Full Version : مراجع:القراءات الشاذة ...الدرس السابع...!!!!



amira.salah
28-04-2013, 03:50 PM
ع1:
ابن هشام والقراءات
ج1:
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لابن هشام.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأَتمَّانِ الأكْمَلاَنِ على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، قائد الغر المحَجَّلين، وعلى آله وَصحبه أجمعين صلاةً وسَلامًا دائمين بدوَام السَّمَوات وَالأرَضيِنَ.
أما بعدَ؛ حمدِ للهِ مستحقِّ الحمد ومَلُهْمِة، وَمُنْشئ الخلق وَمُعْدِمه، وَالصَّلاَةِ وَالسلامِ على أشرف الخلق وَأكْرَمِه، المنعوت بأحسن الخُلُق وَأعظمِهِ محمدٍ نبيِّه وَخليله وَصَفِيِّه، وَعَلَى آله وَأصحابهِ وَأحزابه وَأحبابه، فإن كتاب "الخلاصة الألفية في علم العربية" نَظْم الإمام العلامة جمال الدين أبي عبد الله محمد بن مالك الطائي -رحمه الله- كتابٌ صَغُرَ حَجْمًا وغَزُرَ عِلمًا، غير أنه لإفراط الإيجاز قد كاد يُعَدُّ من جملة الألْغَاز.
وَقد أسعفت طالبيه بمختصر يُدَانيه وَتوضيح يسايره وَيُبَاريه، وأحُلُّ به ألفاظه، وَأوَضح معانيه، وَأحلِّلُ به تراكيبه، وَأَنِّقحُ مبانيه، وَأعذب به موارده، وَأعِقل به شَوَارده أخْلِي منه مسألة من شاهد أو تمثيل، وَربما أشير فيه إلى خلاف أوَ نَقْدٍ أو تعليل، وَلم آلُ جَهْدًا في توضيحه وَتهذيبه، وَربما خالفته في تفصيله وتَرتيبه.
وَسميته: "أوَضح المسالك إلى ألفية ابن مالك".
وبَالله أعْتَصمُ وَأسأله العِصْمَةَ مما يَصِم لا ربَّ غيره وَلاَ مأمول إلا خَيْرُهُ عليه توكلت وَإليه أنيب.
ع1:
الاحتجاج بالقراءات الشاذة على القواعد اللغوية
ج2:
ج1: الاحتجاج بالقراءات، لإبراهيم محمد عبد الله.
أثر القراءات الشاذة في علوم اللغة العربية:
يعتبر القرآن بقراءاته المتواترة والشاذة أصلًا لا يستغني عنه النحو العربي؛ لارتباطه بالقرآن منذ نشأته الأولى.
فهذا السيوطي يقول: أما القرآن: فكل ما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية سواء كان متواترًا أم آحادًا أم شاذًا.
ويقول ابن خالويه: أجمع الناس على أن اللغة إذا وردت في قراءة القرآن فهي أوضح مما في غير القرآن.
ولا شك أنه بالرغم من اختلاف النحاة واللغويين في الأخذ بالقراءات الشاذة، والاستدلال بها من عدمه إلا أننا نجد تأثير القراءات في وضع القواعد النحوية، وكذا تأثيرها في اختلاف النحاة.
فنجد هناك قراءات نتجت عنها قواعد نحوية لم تكن موجودة قبل القرآن، وهناك قراءات أخرى شاركت في بناء قواعد نحوية ولغوية وصرفية، وكل هذا يدل على الأثر الكبير للقراءات في التقعيد والتأثير والإسهام؛ ولذلك وجدنا كثيرًا من النحاة واللغويين أوقفوا أنفسهم في جمع القراءات الشاذة وتوجيهها أمثال الفارسي، ومكي، وابن خالويه، والعكيري، وابن جني الذي كان محتسبه من أقوى المؤلفات في الدفاع عن القراءات الشاذة، وتصديه لكل من يُهوِّن منها.
أما سبب طعن بعض النحاة على بعض القراءات فيعود إلى عدم استيعابهم لأمثلتها من الأساليب اللغوية الأخرى، وكذا إلى عدم جمعهم لها، والاعتماد عليها بداية في بناء قواعد اللغة فلما تم الجمع، وحصل الاستيعاب مع المتأخرين أمثال أبي حيان اجتمعت الأمثلة والشواهد على نصرتها، وقبولها، وعدم الطعن فيها، ومع هذا كله فقد كان أثر القراءة الشاذة على القاعدة النحوية محدودًا وضيقًا، فقد اشتملت القراءات الشاذة على قضايا نحوية مطردة، واشتملت كذلك على بعض القضايا غير المطردة، والتي شاركها فيها أمثلة نادرة من القرآن والشعر، كما اشتملت بعض القضايا الشاذة التي لا يجوز القياس عليها، فذكر النحاة أن أثر القراءات على القضايا النحوية المطردة بلغ 35 مسألة، وأثرها على القضايا غير المطردة بلغ 34 مسألة، أما النوع الشاذ الذي منعوا القياس عليه فقد بلغ 33 مسألة.
فمن الأمثلة التي تبين أثر القراءات الشاذة في النحو:
1- قاعدة تقديم الحال على عاملها إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا فهذه قاعدة غير مقبولة، لكن أجازها من النحاة الفراء، والأخفش مستدلين بالقراءة الشاذة في قوله تعالى: "وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" بتقديم مطويات على عاملها الجار والمجرور، كما استدلوا على إثبات نفس القاعدة بقوله تعالى: "وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَْنْعَامِ خَالِصَة لِذُكُورِنَا" بنصب خالصة، وتقديمها على كلمة: "لِذُكُورِنَا".
2- مثال آخر لقراءة شاذة أيدت بها قاعدة نحوية: قوله تعالى: "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا" بحذف النون من "يكن"، وقوله تعالى: "وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ" برفع حين على أنه اسم لات فأيدت القراءة الأولى قاعدة جواز حذف النون من مضارع كان إذا التقى بساكن بعده.
كما أيد بالقراءة الثانية قاعدة حذف خبر لات، وإبقاء اسمها، وهو عكس المشهور فيها.
وهناك قواعد كثيرة استدل بها ابن جني في "المحتسب" تدل على أثر القراءات الشاذة في النحو العربي مما يدل دلالة أكيدة على أن القراءات لم تكن في عزلة عن النحو ومقاصد النحاة، بل كان لها أثر يتناسب مع القدر الذي ينسب إليها من التقدير والاعتبار، ولهذا نجد انتشار هذه النوع من القراءات في المصادر النحوية واللغوية مما يوصلنا إلى الحقيقة القائلة: بأن القراءات الشاذة تظل أقوى أثرًا، وأجدر للاستدلال بها من شاهد شعري، أو نثري لم يعرف قائله.
وبهذا يتبين أن مواقف النحاة واللغويين من القراءات الشاذة كانت مواقف علمية منهجية تتفق ومواقفهم من سائر الأساليب اللغوية؛ لأن بعضهم جعلها مصدرًا من مصادر احتجاجه، كما تبين أثر القراءات الشاذة في وضع قواعدهم النحوية، وبناء القواعد الصرفية واللغوية التي تكشف عن لهجات العرب، وأقوالهم، وأشعارهم.
ع3:
الاحتجاج بالقراءات الشاذة على القاعدة النحوية
ج1:
أثـر القـراءات القـرآنيـة فـي الـدّرس النّـحوي، لمزيد إسماعيل نعيم، وروفائيل أنيس مرجان.
القراءات والدّرس النّحوي:
كان اهتمام النّحاة بالقراءات القرآنية جليًّا فهم من أخذوا بشروط القراءة المقبولة -غالبًا- ولكنّهم قبلوا القراءة النادرة والشاذة -أحيانًا- بعد أن أخضعوها لمقاييسهم، فهم -مثلًا- لم يقبلوا " قراءة أحد من القرّاء إلاّ إذا ثبت أخذه عمَّن فوقه بطريق المشافهة والسماع حتّى يتّصل الإسناد بالصحابي الذي أخذ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
ومع ذلك وجدتُ ابن الجزري يقبل كلَّ قراءة؛ "لأنَّ القراءة سنَّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها".
ورغم أنَّ سيبويه يخضع أحيانًا القراءات للقياس النحوي، فهو يرى -مثلًا- أنَّ "ما" في قوله تعالى: {مَا هَذَا بشَرًا} عاملة عمل "ليس" في لغة أهل الحجاز، إلاَّ أنّ بني تميم يرفعون الخبر إلاَّ من عرف منهم كيف هي في المصحف. ولكنّه يشاطر التميميّين رأيهم في عدم إعمال "ما"، ويرى ذلك هو الأقيس؛ لأنّها حرف، وليست فعلًا، فهي لا تشبه "ليس" من ناحية الفعلية، ولا من ناحية الإضمار، وفي ذلك يقول: "وأمَّا بنو تميم فيجرّونها -أي: يَجرُون الحرف ما- مَجرى: أما وهل، وهو القياس؛ لأنّها ليست بفعل، وليست "ما" كـ"ليس"، ولا يكون فيها إضمارٌ".
والأخذ بالقياس في القراءات عند سيبويه لا يمنعه من أن يصرّح في كتابه أنَّ القراءة سنّة، وليست مجالًا للاجتهاد والاختيار، وفي مثل ذلك يقول: "فأمّا قوله -عزّ وجل-: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، فإنّما جاء على: زيدًا ضربته -وهو عربي كثير- وقرأ بعضهم: {وأمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ} إلاَّ أنَّ القراءة لا تُخالَف لأنَّها السنَّةُ، وإنْ رأى الرّفع في "ثمود" أجود.

ع4:
المسائل التي اختلف فيها أهل الكوفة وأهل البصرة بسبب القراءات
ج1:
عناية المسلمين باللغة العربية خدمة للقرآن الكريم، لأحمد محمد الخراط.
المبحث الخامس:
عناية المسلمين بتوجيه القراءات في ضوء العربية خدمة للقرآن:
ثمة ارتباط وثيق بين القراءات القرآنية ولهجات القبائل العربية، وقد كان من حكمة نزول هذه القراءات أن يسرت تلاوة الوحي الكريم والتعامل معه، على الرغم من أن اللسان العربي تتعدد لهجاته على نحو واسع. وفي الفترة التي سبقت نزول القرآن كان للهجة قريش السيادة على اللهجات العربية الأخرى في شبه الجزيرة العربية. وقد بلغت قريش هذه المنزلة بعد مراحل عديدة من احتكاك اللهجات العربية بها، وذلك بفضل موقعها الديني؛ فهي المشرفة على خدمة الكعبة المشرفة، وتهفو إليها أفئدة العرب جميعا، وبفضل النشاط التجاري الذي كانت قريش تعقده في حواضرها، وكانت اللهجة القرشية تستقي من لهجات القبائل ما تحتاج إليه من صفوة اللغات، حتى تم تكوينها قبيل نزول الوحي.
وقد اشتملت لهجة قريش على خصائص كثيرة من لهجات القبائل الأخرى؛ إذ استوعبت صفوة العناصر الحميدة لهذه اللهجات. فإذا قلنا: إن القرآن نزل بلغة قريش فليس معنى هذا أننا نغض الطرف عن تأثير اللغات الأخرى في مفردات القرآن ونسيجه الصوتي، وإنما نقصد أن لغة قريش هي اللغة النموذجية العالية التي تكونت عبر مراحل عديدة، واشتملت على خصائص لهجات العرب الأخرى. وقد تكفلت كتب "لغات القبائل" بإسناد كل مفردة قرآنية إلى أصل قبيلتها التي انحدرت منها، على نحو ما تبين لنا في موضوع اللغة.
والحق أن هذا التطور التاريخي للهجة قريش التي نزل بها القرآن كان محمدة لصالح العرب جميعًا؛ وذلك لأن هذه اللهجة أصبحت لغة الأدب والشعر وقاسمًا مشتركًا لدى جميع القبائل، ولو كانت لهجة قريش مقصورة عليها غير معهودة عند العرب لما استطاعت هذه القبائل أن تحقق الانتفاع بالقرآن الكريم والتعامل معه لأنه بلهجة غير لهجتها، وبذلك صار تحدي القرآن للعرب جميعًا يقوم بغرضه الذي سيق من أجله، فهو معجز بالإضافة إلى قبائلهم كلها، ولو كان التحدي موجها إلى قبيلة قريش وحدها لقيل: إن القرآن جاء بما لا قدرة للعرب على جنسه.
وقد بذل النحاة جهدًا فائقًا لخدمة القرآن بمختلف قراءاته المتواترة والشاذة، فوجهوها بالتعليل المستند إلى الأصول المعتمدة عندهم، واستشهدوا على ذلك بالشواهد الفصيحة التي جمعوها من البوادي عبر رحلاتهم العلمية المديدة، وقد استندوا إلى هذه القراءات في تأصيل قواعدهم، وإرساء معالم الصناعة النحوية والصرفية، وضبط مفردات اللغة. ومن المعلوم أن للقراءات الصحيحة شروطًا ومعايير تجعلها مقبولة، وقد اعتمدها النحاة واللغويون والبلاغيون، واستنبطوا منها الأصول التي بنوا عليها علومهم، وما خالف شروط القراءة الصحيحة عدوه شاذًّا.
وقد تحدث ابن جني عن الاحتجاج بالنوعين في مقدمة كتابه "المحتسب" فذكر "ضربًا اجتمع عليه أكثر قراء الأمصار، وهو ما أودعه ابن مجاهد كتابه الموسوم بقراءات السبعة، وهو بشهرته غانٍ عن تحديده، وضربًا تعدى ذلك، فسماه أهل زماننا شاذًّا، أي: خارجًا عن قراءة القراء السبعة المقدم ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالروايات من أمامه وورائه، ولعله أو كثيرًا منه مساو في الفصاحة للمجتمع عليه، نعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنف بغيره فصاحته، وترسو به قدم إعرابه... لكن غرضنا منه أن نري وجه قوة ما يسمى شاذًّا، وأنه ضارب في صحة الرواية بجرانه، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه؛ لئلا يرى مرى أن العدول عنه إنما هو غض منه أو تهمة له".
فالقراءات المتواترة والشاذة حجة عند أهل العربية، وإن كانت الأولى أعلى قدرًا. وقد صنف علماء العربية ثلاثة أنواع من المصنفات لخدمة القراءات في ضوء صناعتهم: الضرب الأول يختص بالمتواتر، ومنه "الحجة" للفارسي و"الكشف" لمكي، والضرب الثاني يختص بالشاذ، ومنه "المحتسب" لابن جني، و"إعراب القراءات الشاذة" للعكبري، والضرب الثالث يجمع بين المتواتر والشاذ ومنه "البحر المحيط" لأبي حيان، و"الدر المصون" للسمين الحلبي. ويبدأ كل مصنف من هذه المصنفات بذكر صاحب القراءة وضبط قراءته، ثم يشرع في توجيهها حسب قوانين الصناعة، ويعربها ويشرح معناها، ويستشهد عليها من شعر العرب ومنثورهم، وقد يجتهد في إيجاد وحدة معنوية بين قراءتين أو أكثر، وقد لا يكون ثمة وحدة فيسعى المؤلف في التوجيه الذي يراه في ضوء علوم العربية المختلفة، من لغة ونحو وصرف وبلاغة. ويمكننا أن نضرب ثلاثة أمثلة يمثل كل مثال منهجًا من مناهج التأليف المذكورة:
ذكر الشيرازي في "الكتاب الموضح في وجوه القراءات وعللها" أن حمزة وحده قرأ "أسرى" بغير ألف؛ وذلك لأن "أسرى" أقيس من "الأسارى"؛ لأن فعيلًا إنما جاء جمعه على فعلى نحو: قتيل وقتلى، وجريح وجرحى، وأصل ذلك إنما يكون لما كان بمعنى مفعول، وقد حمل عليه أشياء وقعت مقاربة له في المعنى نحو: مرضى، لما كان هؤلاء مبتلين بهذه الأشياء التي وقعت على غير اختيارهم، شبهوا بالجرحى، إذ كانوا أيضًا كذلك. وقرأ الباقون {أُسَارَى}. ووجه ذلك أن "أسيرا" جمع هاهنا على {أُسَارَى} تشبيهًا بكسالى، لما كان الأسير ممنوعًا عن الكثير من تصرفه شبه بالكسلان الذي يمتنع عن ذلك، بما فيه من العادة المذمومة التي هي الكسل، فلما أشبهه في المعنى شاركه في الجمع على فعالى".
ويخرج ابن جني في "المحتسب" قراءة الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعيسى الهمداني "وقودها الناس" فيقول: "هذا عندنا على حذف المضاف أي: ذو وقودها، أو أصحاب وقودها الناس، وذلك أن الوقود بالضم هو المصدر، والمصدر ليس بالناس، لكن قد جاء عنهم "الوقود" بالفتح في المصدر لقولهم: وقدت النار وقودًا، ومثله أولعت به ولوعا، وهو حسن القبول منك، كله شاذ والباب هو الضم". ويأتي ابن جني بتخريجات أخرى لهذه القراءة على منهجه في الاستشهاد بلغات العرب وأشعارها.
وأشار صاحب "الدر المصون" إلى ست وعشرين قراءة في قوله تعالى: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}، وبدأ بعزو كل قراءة إلى أصحابها، ثم عني بضبطها ضبطًا مفصلًا، ثم مضى يخرج كل قراءة على حدة، سواء أكانت متواترة أم شاذة في ضوء الصناعة العربية؛ ليكون لها وجه من القبول والتوجيه، ثم ذكر أن أبا البقاء العكبري أضاف أربع قراءات أخر، وختم كلامه بقوله: "فهذه ست وعشرون قراءة في هذه اللفظة، وقد حررت ألفاظها وتوجيهها بحمد الله تعالى".
وهكذا اشتغل النحاة بتوجيه القراءات القرآنية، وليس غريبًا أن يكون النحاة الأوائل الذين بنوا صرح هذا العلم هم من القراء كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد، ولعل اهتمامهم بهذه القراءات دفعهم إلى الدراسة النحوية المفصلة؛ لكي يلائموا بين ما سمعوا من القراءات وما رووه من كلام العرب.
وقد اجترأ بعض النحاة والمفسرين على تضعيف طائفة من القراءات المتواترة، التي خالفت أصولهم المقررة في اللغة أو النحو والصرف، كما اجترءوا على رميها بالتخطئة، أو الخروج عن سنن العربية؛ مما جعل فريقًا آخر من النحاة يردون عليهم، ويثبتون خطأ هذا المنهج في التسرع إلى تضعيف قراءات تشتمل على شروط القراءة المتواترة. وفي هذا الإثبات والرد على المتسرعين محمدة حفظت لهذه القراءات هيبتها، واستنادها إلى وجه صحيح، فالحكم على رفض ما تواتر بحجة واهية ليس بالأمر السهل، وبذلك أصبح علم توجيه القراءات علمًا أصيلًا يرد على الطاعنين، ويجيب عن تعليلها الذي يبين وجهها في المعنى أو الصناعة. ومن ذلك قوله تعالى: {إِلَى بَارِئِكُمْ} فقد روي عن أبي عمرو بن العلاء في الهمزة الكسر والاختلاس، وهو الإتيان بحركة خفية، والسكون المحض، وهذه الأخيرة قد طعن عليها جماعة من النحويين، ونسبوا راويها إلى الغلط على أبي عمرو. قال سيبويه: "إنما اختلس أبو عمرو فظنه الراوي سكن ولم يضبط". وقال المبرد: "ولا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر، وقراءة أبي عمرو لحن".
وبعد أن عرض السمين أقوالهم في تلحين القراءة وتضعيفها ينبري للرد عليهم، وتوجيه قراءة أبي عمرو، فيقول: "وهذه جرأة من المبرد وجهل بأشعار العرب؛ فإن السكون في حركات الإعراب قد ورد في الشعر كثيرا، ومنه قول امرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل
فسكن "أشرب".
وقال جرير:
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ونهر تيرى فما تعرفكم العرب
فهذه حركات إعراب وقد سكنت. وقراءة أبي عمرو صحيحة؛ وذلك أن الهمزة حرف ثقيل، ولذلك اجترئ عليها بجميع أنواع التخفيف، فاستثقلت عليها الحركة، فقدرت، وهذه القراءة تشبه قراءة حمزة -رحمه الله- في قوله تعالى: {وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا} فإنه سكن همزة "السيئ" وصلًا، والكلام عليهما واحد، والذي حسنه هنا أن قبل الهمزة راء مكسورة، والراء حرف تكرير، فكأنه توالى ثلاث كسرات، فحسن التسكين، وليت المبرد اقتدى بسيبويه في الاعتذار عن أبي عمرو وفي عدم الجرأة عليه، وجميع رواية أبي عمرو دائرة على التخفيف، ولذلك يدغم المثلين والمتقاربين، ويسهل الهمزة ويسكن".
وهكذا نصل إلى أن علماء العربية خدموا قراءات القرآن الكريم بالتوجيه والشرح، وبينوا أصولها، وحققوا في صلتها بقواعدهم الصناعية، وردوا على المجترئين عليها بالتلحين أو التضعيف، وتجاوزوا المتواتر منها إلى الشاذ، وتعددت مناهجهم وطرقهم في هذه السبيل.