Results 1 to 5 of 5

Thread: موقف الإسلام من الشعر والشعراء

  1. #1
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Oct 2012
    Posts
    52,463
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    2

    موقف الإسلام من الشعر والشعراء


    موقف الإسلام من الشّـعر والشعراء...؟


    جاء الإسلام وكان من الطبيعي أن يعمل على تغيير هذه المكانة المقدسة التي نالها الشاعر في الجاهلية، وهذا أمر طبيعي لمجيء الإسلام كدين جديد جاء للمجتمع بكل جديد، إذ أخذ الإسلام ينفي النظرة إلى الشاعر الجاهلي، وما يستتبعها من قداسة واحترام... وكان من الطبيعي أيضاً أن يطرح الإسلام مفهوماً جديداً للشعر يقترب من المفاهيم التي طرحها الإسلام عن الحياة، والدخول في الإسلام يعني التسليم بمجموعة متكاملة من القيم والمبادئ، فإذا نظم الشاعر شعره وتذوقه في إطار التسليم بهذه المبادئ فإنّه لابد أن يتجه إلى ناحيتين أساسيتين: الأولى: إيجابية وتتصل ببناء وجدان الإنسان المسلم، وضرورة دعم القيم التي أقرها الفكر أو التكوين الإسلامي. الثانية: وتتصل بالجانب الدفاعي عن هذه القيم والمبادئ، وهنا يتعين على الشاعر أن يتجه إلى العمل ضد القيم المضادة للقيم الإسلامية، وكذلك الدخول في صراع مع الجاهلية واتجاهاتها ومبادئها فهو بهذا يثبت القيم الإسلامية من ناحية... وينفي المبادئ والقيم الجاهلية من ناحية أخرى، فإذا تحدد للشاعر الإسلامي المعالم التي يسير عليها في اتجاه المفهوم الإسلامي، لابد أن تتغير النظرة إلى الشعر الجاهلي، وبالتالي تتغير وظيفته، ومن هنا تختفي فكرة الوحي والشياطين، ويصبح الشعر الجديد بمفهومه الإسلامي الجديد كائناً في جماعة لها دستور هو الإسلام... والشاعر يتلقى من هذا الدستور قيمه الأساسية، بمعنى أنّه لم يصبح طوع الجاهلية، أو أسيراً لعقيدتها يشكل تصوراته على ضوء مبادئها ويدافع عنها، بل أصبح ملتزماً بدعوة، يعمل لها، ويدور حول إطارها الأساسي، وبالتالي تتحدد للشاعر ماهية الشعر في أنّه نشاط من الأنشطة الإنسانية، له القدرة على التأثير في الجماعة الإسلامية، وذلك حين يعرض الحقائق والقيم التي أقرها الإسلام عرضاً من شأنه أن يقوي أثر هذه القيم في الناس، بوسائل أقرها الإسلام نفسه.
    موقف القرآن من الشعراء:
    يشير القرآن إلى الشعراء داخل سياق الآية في قوله تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون، والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنّهم في كل واد يهيمون، وأنّهم يقولون ما لا يفعلون، إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ). ففي هذه الإشارات القرآنية يمكن أن نلمح عدّة أشياء: أولها: أنّ الشاعر بمجيء الإسلام قد انحدرت مرتبته التي حظي بها أيام الجاهلية ولم يعد هو ذلك الذي يستحق الاحترام الكامل والتقديس التام. ثانيها: أنّ الشعر في هذه الآيات مرتبط بصفات الغواية والكذب والخيال، وهي صفات ينفيها الدين الجديد، ويبتعد بها عن المسلم الذي ارتبط إيمانه بالله، ومن هنا نفى القرآن الكريم عن الرسول قول الشعر وهاجم بشدة أولئك الذين زعموا أنّ القرآن ضرب من ضروب الشعر. يقول الله تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلاّ ذكر وقرآن مبين ). فالقرآن الكريم يشير هنا إلى لفظة '' شعر '' الأدبية. وهذه الإشارة إلى لفظة شعر تفرق في حسم بين الشعر والقرآن الكريم والقرآن ينفي أيضاً في الآيات صفة '' شاعر '' عن النبي، يقول الله تعالى: ( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر )، ويقول عز وجل: ( إنهم إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، بل جاء بالحق وصدق المرسلين ). فالآيات التي مرت بنا تنفي عن القرآن صفة '' شعر '' وتنفي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم صفة '' شاعر '' المفهومة من الدلالة اللغوية لهذه اللفظة، وبخاصة عندما تقترب صفة '' شاعر '' من الكذب والكهانة والجنون. ثالثها: أنّ القرآن حين هاجم الشعراء، وربطهم بصفات الكهانة والغواية والكذب، لم يهاجمهم مطلقاً، بل استثنى الشعراء الذين يلتزمون بقواعد الإيمان، ويقومون بعمل صائب يخدمون به قيم الدين، ويدافعون عن مبادئه. أمّا الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حدّد مفهوم الشعر بأنّه: سلاح يمكن أن يستخدم في محاربة المشركين، روي أنّه قال لحسان بن ثابت: '' اهج قريشاً فو الله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام من غلس الظلام '' وقال له أيضاً: '' لشعرك أجزل عند قريش من سبعين مقاتلاً، ولشعر كعب بن مالك أشد على قريش من رشق السهام ''. كما قال عن حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة: '' هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل ''. وإذا كان الإسلام قد حارب الشعر ومنع الناس من نظمه حقاً فلابد من أن يتوقف الشعر في عصر النبوة توقفاً تاماً، بل قد يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من نظمه وقد يعاقب من ينشد الشعر، لكننا نرى عكس ذلك تماماً، فقد شجعه صلى الله عليه وسلم وحث على نظمه. ففي عمرة القضاء قال عبد الله بن رواحة وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله
    ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلـه
    يا رب إنّي مؤمن بقيــله أعرف حق الله في رسوله.
    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا ابن رواحة؟ أفي حرم الله؟ وبين يدي رسول الله تقول هذا الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: '' خل عنه يا عمر فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل ''. كما أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد حثّ على نظم الشعر فقد روى هشام بن عمرو عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: ما سمعت بأجرأ ولا أسرع شعراً من عبد الله بن رواحة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له يوماً.
    قل شعراً تقتضيه الساعة وأنا أنظر إليك، فانبعث من مكانه يقول :
    إنـي تفرست فيك الخير أعرفـه والله يعلم أن ما خانني البصــــر
    أنـت النبي ومن يحرم شفاعته يوم الحساب لقد أزرى به القـــدر
    فثـبت الله ما آتاك مـن حسن تثبيت موسى ونصـراً كالذي نصروا
    فقال رسول الله: '' وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة ''. قال هشام بن عروة فثبته الله أحسن الثبات، فقتل شهيداً وفتحت له الجنة فدخلها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جعل حساناً شاعره الخاص، ووظف لسانه لهجاء المشركين وقال له: أهجمهم وروح القدس معك، للرد على شعراء قريش وقد سله منهم كما تسل الشعرة من العجين '' حسب قوله '' وما قصيدته في الرد على أبي سفيان بن الحارث بخافية عنا حيث يقول:
    هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
    أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفـداء
    وها هو حسان بلسانه الحائك الصنع، يرد على قصيدة الزبرقان ابن بدر، بنوع من الارتجال والسرعة وعلى طريقة النقائض: قال الزبرقان قصيدته مفاخراً:
    نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع
    فرد عليه حسان بناء على طلب رسول الله بقصيدة طويلة منها:
    إنّ الذوائب من فهر وإخوتهــم قد بيّنــوا سنة للناس تتـبع
    يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
    وقد ذكر ابن سيد الناس في كتاب: '' منح المدح '' قول رسول صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك: أترى الله ينسى قولك :
    زعمت سخينة أن ستغلب ربها فليغلبن مغالب الغـلاب
    والمتصفح لكتاب '' منح المدح '' يرى عجباً، فكبار الصحابة كانوا شعراء أمثال أبي بكر في قصيدته عن الهجرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأولها:
    قال النبي ولم يجزع يوقرني ونحن في سدفة من ظلمة الغار
    لا تجزعن فإنّ الله ثالثنــا وقد توكل لي منه بإظهـــار
    وأمثال عمر بن الخطاب الذي قال عنه إسلامه:
    الحمد لله ذي المن الذي وجبت لــه علينا أياد كلها عبــر
    وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ربي، عشية قالوا قد صبا عمر
    ومثلهما حمزة، والعباس، وعبد الله بن جحش، وعلي بن أبي طالب... ممن وصل شعرهم إلينا. وأعتقد أنّ الذين لم يصل إلينا شعرهم كثر. ولقد أعجب الرسول صلى الله عليه وسلم بشعراء الإسلام، ونلاحظ أنّ الرسول يحتكم في الإعجاب إلى معيار أخلاقي وهذا المعيار الخلقي يرتبط بالضرورة بقضية الصدق على أساسه الأخلاقي النابع من الدين، ويمكن أن نلمح هذا الصدق بمعياره الأخلاقي في قول لبيد حيث قال:
    الا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: '' أصدق كلمة قالها شاعر: قول لبيد '' واستحسن النبي قول طرفة بن العبد حين قال:
    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
    وقال: '' هذا من كلام النبوة ''. وبنفس هذا المقياس الإسلامي نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول النابغة الجعدي حين أتى إليه ينشده:

    أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابـاً كالمجرة نيراً
    بلغنا السماء مجدنـا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً
    وقد استمر هذا سائداً في عصر أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فعمر يعجبه الشعر الذي يشمل الحكمة والموعظة، والدعوة إلى الخير، وعدم الإسراف في المديح والهجاء، وإعجاب عمر نابع من روح إسلامية، يقول زهير بن أبي سلمى : '' كان لا يعاظل في كلامه، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولا يمدح أحداً إلا بما فيه...'' وظهر هذا المقياس الإسلامي في تقدير عمر رضي الله عنه لزهير أيضاً حين قال هذه الأبيات بعد الحرب التي دارت رحاها بين عبس وذبيان، وقد طالت الحروب بين القبيلتين، وتدخل من عمل على حقن الدماء بينهما، فنظم زهير هذه الأبيات التي مطلعها :
    أمن أم أوفــى دمنة لا تكلــم بحومانة الدراج فالمتثــــلم
    ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى عن الناس تعلم
    قال عمر: '' أحسن زهير وصدق ''. وكعب بن زهير كان ينهى أخاه عن الإسلام، وبلغ ذلك رسول الله، وكان الرسول قد أمر بقتل الشعراء الذين كانوا يهجونه ويؤذونه بمكة، لهذا طلب أخو كعب منه أن يذهب إلى رسول الله يطلب منه العفو، فلما ضاقت الأرض بكعب تنكر وذهب إلى رسول الله، وأنشد بين يديه هذه الأبيات التي أولها :
    بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يغد مكبول.

    ثم قال :
    أنبئت أنّ رسول الله أوعدنــي والعفو عند رسول الله مأمول
    مهلا هداك الذي أعطاك نافــلة القرآن فيه مواعيظ وتفصيـل
    لا تأخذني بأقوال الوشــاة فلم أذنب وقد كثرت في الأقاويـل
    فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله، بل تجاوز عنه ووهب له بردته، فاشتراها منه معاوية بثلاثين ألف درهم. ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: '' إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحكمة ''.ويقول أيضا: '' إنّما الشعر كلام مؤلف، فيما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق فلا خير فيه ''.
    الشعر المرفوض من الإسلام:
    إذا كان الإسلام قد حدّد للشعر مقاييس أخلاقية يقوم على أساسها، فمن هنا وبهذا المقياس الإسلامي رفض عمر بن الخطاب شعر أبي محجن الثقفي ونفاه، لأنّ شعره لم يتفق مع مطلوب الإسلام ومراد الخير، فيقول في شعره:
    إذا مت فادفني إلى أصل كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
    ولا تدفني بالفلاة فإنّنـــي أخاف إذا ما مـت إلا أذوقــها
    وحبس عمر بن الخطاب الحطيئة عندما هجا الزبرقان بن بدر لأنّه لم يكرمه، وقال في أبيات له في هجاء الزبرقان ومدح بغيض بن عامر:
    ما كان ذنب بغيض أن أرى رجلاً ذا حاجة عاش في مستوعر شاس
    جار القوم أطالوا هون منزلــــه وغادروه مقيــماً بين أرماس
    ملوا قراه وهرتـــه كلابهـــم وجرحــوه بأنياب وأضراس
    دع المكارم لا ترحــل لبغيــتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
    واستدعى عمر الحطيئة وقال له معنفاً: '' يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين ''
    وعاب النقاد في صدر الإسلام قول زهير حين قال في شعر له: '' ومن لا يظلم يُظلم '' لأنّه يدعو إلى أن يظلم الناس بعضهم بعضاً، إذا أراد أحدهم ألا يظلم. والأحوص بن محمد الأنصاري، ضرب بالسياط، وصب الزيت على رأسه، ونودي به في الطرقات لأنّه تغزل بالنساء، وهذا لأنّ الشعر أصبح أمام مفهوم جديد محدد لعلمه، يطالب الشاعر بالالتزام به ما دام قد التزم بالإسلام وبقواعده وبالإيمان به، ويعاقب الشاعر إذا خرج عن هذا المفهوم الإسلامي، لأنّه يعتبر خارجاً على القيم الأساسية للإسلام، ومتمرداً على مبادئه وقواعده. ولم يستمر هذا المفهوم في عصر الرسول وعصر خلفائه فحسب، بل استمر بعد ذلك عند علماء اللغة الذين اتجهوا إلى جمع الشعر لخدمة القرآن. وقد يجد النقاد أحياناً تناقضاً بين القيم الأخلاقية والقيم الفنية، ولكن هذا التناقض يتلاشى حين نعرف أنّ الشعر الذي يبدو فيه التناقض مع القيم الأخلاقية هو الشعر مرتبط بالشر... ومن هنا فقد ظلت معالجة النقاد للشعر صادرة من اعتدادهم بمجموعة من القيم الأخلاقية التي لم يتخلوا عنها، كذلك ميز اللغويون بين اللفظ والمعنى على أساس الأخلاق، وكان هذا التمييز متفقاً مع الفهم الإسلامي، وبالتالي واجه الشعراء حساباً عسيراً عند عدوانهم على الحرمات بالهجاء، كما حدث في قصة الحطيئة مع الزبرقان الذي حبسه عمر بن الخطاب... وفي قصة الشعراء الذين تحدثوا عن الخمر، ومنهم أبو محجن الثقفي الذي جلده عمر ونفاه.
    الشعر في خدمة الإسلام:
    لقد غيّر القرآن مفهومات العرب الفنية، واتجه بأذواقهم وجهة جديدة تتفق مع ما أحدثه من تغيير، فحوّل الأدب من قصائد للغزل والحماسة والأخذ بالثأر والفخر ووصف الإبل والسيوف والرماح... إلى قصائد تخدم الإسلام وتسير مع مفاهيمه ومبادئه ومعتقداته القيمة... ومن الحكم المتناثرة التي لا ارتباط لها ولا نظام، إلى أدب عالمي يخوض مشكلات الحياة الاجتماعية، وينظم الأمور الدينية والدنيوية، فارتقى بالأدب فاتسعت آفاقه، وتعددت مراميه، وسمت أهدافه. وعلى ذلك يمكن القول: أنّ الشعر في الإسلام جاء ليواكب الدعوة الإسلامية ويشيد بالقيم التي يدعو إليها، ويقف في وجه الذين يعارضونه أو يقفون في سبيله ويصدون الناس عنه. وتحفظ لنا دواوين الشعر ما أنشده كعب بن مالك بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، وفي مسيره إلى الطائف حيث قال:
    قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفـا
    نخيرها ولو نطقـت لقالت قواطعهن دوسا أوثقيفـا
    ونردى اللات والعزى وودا ونسلبها القلائد والشنوفا
    وتحفظ لنا هذه الدواوين أيضاً قول عبد الله بن رواحة، وقد أخذ بزمام ناقة النبي عليه السلام في عمرة القضاء يقودها، وقد اجتمع أهل مكة وغلمانهم ينظرون إليه وهو يقول:
    خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير مع رسوله
    نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
    ضرباً يزيل الهام من مقيله ويذهل الخليل عن خليله
    وعمر بن الخطاب كان يعجب بقول زهير بن أبي سلمى :
    فإنّ الحق مقطعة ثلاث يمين أو نفار أو جلاء
    فقول زهير يتفق مع ما دعا إليه الإسلام في ثبات الحق، فهو يثبت إمّا بالقسم، أو بالمنافرة إلى حاكم يحكم بالعدل، أو بالجلاء ببرهان واضح يجلو الحق، ويوضح الدعوى... وقد سأل عمر يوماً الحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ فقال ( كنا ألف حازم نطيع قيس بن زهير ولا نعصيه، ونقدم إقدام عنترة، ونأتم بشعر عروة بن الورد ). ولا حاجة بعد هذا المثل للسؤال عن مصدر القيم الأخلاقية بين الشخصية المستقلة وبين العرف الذي يتواضع عليه المجتمع، فإنّ الأمر ينتهي بالثائر والمسالم معاً إلى توكيد القيم الفضلى، والزراية بمن يخرج عليها. ولقد مضى على هذه النماذج المتمثلة في الشخصيات التي عرضناها قرون خلت، ولم يزل لها صوت مسموع في استحسان الحسن، وإنكار المنكر من الأخلاق. ولم تتغير بعد الإسلام وظيفة الشاعر، التي يرجع إليها في تسجيل القيم والأخلاق، وإن كان قد تغير الشاعر كما تغير سامعوه وقراؤه، وأصبح من اليسير على بعض الشعراء أن يعرضوا للناس صفات... الشخصية الحية ـ كأنّها مذهب من مذاهب التفكير ـ ويبقى هناك الضابط المهم الذي يوجد بين هذه الأنماط والصفات، ويتحول بها إلى اتجاه واحد كما تتحول الجداول إلى مجرى النهر، ذلك هو ضابط الدين بعد ظهور الإسلام. ففي مجتمع الجاهلية كان نطاق المجتمع يحيط بالأنماط الشخصية فتتفق ـ مع تعددها ـ في النهاية على الإيمان بآداب ذلك المجتمع الجاهلي. وبعد ظهور الإسلام أحاطت آداب الدين بآداب المجتمع، وجاءت بمادة التماسك التي تشمل الأنماط الكثيرة وتردها إلى بنية واحدة. وقد تتساءل معي يا قارئي الكريم: هل يكون معنى ذلك أنّ الدّين والشعر قد يتفقان كمصدرين من مصادر الأخلاق؟ يجيب العقاد على هذا التساؤل بقوله: نعم يتفقان، وفي الصدر سعة، وعلى الثغر ابتسامة، لأنّ القرآن الكريم يصف الشعراء بأنّهم: '' في كل واد يهيمون. وأنّهم يقولون ما لا يفعلون ''. فللشاعر أن يقول ما يشاء، وللقارئ أن يستريح إلى سماعه إذا شاء، لأنّه لا ينظر إليه نظرة المعارض المصادم للدين، وإنّما ينظر إليه كأنّه يتفرج على منظر حسن من مناظر الفنون.



  2. #2
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Nov 2012
    Posts
    80
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    جزاكم الله خيرا

  3. #3
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Oct 2012
    Posts
    52,463
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    2

  4. #4
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Jan 2013
    Posts
    880
    شكراً و أعجبني للمشاركة

  5. #5
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Oct 2012
    Posts
    52,463
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    2
    Last edited by dr.nahla; 11-03-2013 at 09:38 AM.

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •