arabic website english website academic portal raqamiya learning material arabic forum
Arabic Website English Website Academic Portal Staff Portal Student Portal Magazine News Library Digital library Training Learning Material Mediu World Arabic Forum English Forum
Results 1 to 4 of 4

Thread: من منتديات الجامعة:النفاق وصفات أهله

  1. #1
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Oct 2012
    Posts
    52,463
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    2

    من منتديات الجامعة:النفاق وصفات أهله







    النفاق وصفات أهله

    النفاق أمرعظيم، يجعل أصحابه في الدرك الأسفل من النار،قال تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً }.النساء(145)

    فالمنافقون أعظم جرماً من الكافرين، وذلك لتدارك درجاتهم في النار عن الكافرين، فهم في حقيقة أمرهم يجمعون ما بين الكفر والكذب، فهم كافرون في الباطن،

    كاذبون في الظاهر، لذا كان كفرهم أشد من كفر الكافر المعلن لكفره،وهم أخطر على المسلمين أيضاً، فالكافر ضرره ظاهر واضح،على خلاف المنافق فهو ولي للمسلمين ظاهراً،

    وفي الباطن عدو لدود، ومن هنا كان عذاب المنافق يوم القيامة أعظم من عذاب الكافر.قال ابن القيم - رحمه الله -عنهم: ( طبقة الزنادقة،وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل،

    وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء المنافقون،وهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى : {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النارولن تجد لهم نصيراً}.النساء: (145) ،

    فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار؛ لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق،

    وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى:{هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} المنافقون: (4)


    فالنفاق أمره عظيم، وضرره جسيم، ولخطورة النفاق كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يخشونه على أنفسهمقال ابن أبي ملكية أحد التابعين :

    كما روىعنه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان قال: أدركت ثلاثين من أصحابرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كلهم كان يخشى على نفسه النفاق,

    ولا يقول:إن إيماني كإيمان جبرائيل وميكائيل. قال الحافط ابن حجر – رحمه الله تعالى - : والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة، من أجلهم: عائشة، وأختها أسماء،

    وأم سلمة، والعبادلة الأربعة،وأبو هريرة. . . فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء، كعلي، وسعدبن أبي وقاص،

    وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلافذلك، فكأنه إجماع،

    وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص،ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم .


    وهذا ما جعلابن الخطاب يخشاه على نفسه إذ قال لحذيفة بن اليمان : أنشدك بالله! ألم يسمني رسولالله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منهم؟

    وذلك أن حذيفة - رضي الله تعالى عنه-كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلمه بأسماء المنافقين، فخشي عمر على نفسه من أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم

    قد ذكره فيمن ذكرهم من المنافقين ،فأنشده الله إن كان الرسول – صلىالله عليه وسلم- قد أورد اسمه في قائمة المنافقين، وممن اشتهر عنه ذلك من الصحابة:

    عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقد كان جالساً مع بعض تلاميذه, فقال رجل منهم: ماأُحِبُّ أن أكون من أصحاب اليمين, وإنما أحب

    أن أكون من المقربين، فقال – رضي اللهعنه-: أما إن ها هنا رجلاً يتمنى أنه إذا مات لم يبعث-أي: نفسه- وقال: وددت لو أنيشجرة تعضد.


    قال العلامةالحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم):وقال طائفة من السَّلف : خشوعُ النفاق أنْترى الجسدَ خاشعاً ، والقلب ليس بخاشع ،

    وقد رُوي معنى ذلك عن عمر ، وروي عنه أنَّه قال على المنبر : إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم المنافقُ العليم ، قالوا : كيف يكون المنافق عليماً ؟ قال :

    يتكلم بالحكمةِ ، ويعمل بالجور ،أو قال : المنكر . وسُئل حذيفة عن المنافق، فقال : الذي يصف الإيمان ولا يعمل به .وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أنَّه قيل له :

    إنا نَدخُلُ على سلاطيننا ، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ إذا خرجنا من عندهم ، قال: كُنَّا نعدُّهذا نفاقاً .وفي المسند عن حُذيفة ، قال :

    إنكم لتكلِّمون كلاماً إن كنّا لنعدُّه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النفاق ، وفي رواية قال :

    إنْ كان الرجلُ ليتكلَمُ بالكلمة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيصير بها منافقاً ، وإنِّي لأسمعها من أحدِكم في اليوم في المجلس عشر مرارٍ .

    قال بلالُ بنُ سعد : المنافق يقولُ ما يَعرِفُ ، ويعمل ما يُنكِرُ .ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاقَ على أنفسهم ، وكان عمرُ يسأل حُذيفةعن نفسه .

    وسئل أبو رجاء العطاردي : هل أدركتَ من أدركتَ من أصحاب رسول الله - صلى اللهعليه وسلم - يخشون النفاق ؟ فقال : نعم إني أدركتُ منهم بحمد الله صدراً حسناً ، نعم شديداً ،

    نعم شديداً وقال البخاري في صحيحه: وقال ابنُ أبي مُليكة : أدركتُ ثلاثين من أصحاب النَبيِّ - صلى الله عليه وسلم -كلّهم يخافُ النفاق على نفسه .


    ويُذكر عن الحسن أنه قال : ما خافه إلاَّ مؤمنٌ ، ولا أمنه إلا منافق. انتهى .

    وكان أبوالدرداء - رضي الله عنه- إذا فرغ من التشهد في الصلاة يتعوذ بالله من النفاق، ويكثر التعوذ منه، فقال له أحدهم:

    ومالك يا أبا الدرداءأنت والنفاق؟ فقال دعنا عنك، فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلعمنه .وسئل الإمام أحمد:

    ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ وروي عن الحسن أنه حلَف : ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق،

    ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن . وكان يقول : من لم يخفِ النفاق، فهو منافق . والآثار عن السَّلف في هذا كثيرة جداً .

    قال سفيان الثوري : خلافُ مابيننا وبين المرجئة ثلاث ، فذكر منها قال : نحن نقول : النفاق ، وهم يقولون : لا نفاق.وقال الأوزاعي : قد خاف عمر النفاقَ على نفسه .


    والمسلم الصادق لا يقرب مسألتين الأولى الأمن من مكر الله ،قال تعالى : {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }.الأعراف.(99)

    قال الطبري-رحمه الله-: في تفسير هذه الآية: يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله

    ويجحدون آياته استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدانورخاء العيش كما استدرج الذين

    قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه-يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجاً،

    مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم-(إلا القوم الخاسرون) وهم الهالكون: ولذاعدّ الأمن من مكر الله من أكبر الكبائر ،

    وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- : أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - سئل عن الكبائر ؟ فقال : (الشرك بالله ، واليأس من رَوحالله ، والأمنُ من مَكْر الله) .

    وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال - : أكبر الكبائر : الإشراك بالله ، والأمن من مكرالله ، والقنوط من رحمة الله ، واليأس من رَوح الله .

    فالمؤمن الصادق يبقى خائفاً من الله غير آمن من مكره، قال تعالى:

    {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَأَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً }.الإسراء(57).


    وقال سبحانه : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ }.المؤمنون(60) وقد صح عن أم المؤمنين عائشة –رضي الله تعالى عنها –

    أنها سألت رسول الله –صلى الله عليه وسلم –عن هذه الآيةفقالت : قلت يا رسول الله:- والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة - أهو الذي يزني ويشربالخمر ويسرق؟

    قال : لا يا بنت الصديق ، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لايقبل منه، فأهل الإيمان لا يأمنون على أنفسهم مكر الله،

    بل يخافون أن لا تقبل طاعاتهم بسبب موانع إما تتعلق بحظوظ النفس، أو مخالفةالحق مع اعتقاد إصابته، وقد كان الصحابة – رضي الله تعالى عنهم-

    يخافون على أنفسهممن سوء العاقبة، وما كانوا يغترون بأعمالهم، وقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبِيبردة بن أبي موسى الأشْعري، قال: قال عبد الله بن عُمر:

    هل تدْري ما قال أبِي لأبيك؟قال: فقلت: لا، قال: قال أبي لأبيك: "يا أبا موسى، هل يسرُّك إسلامُنا مع رسولالله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -

    وهجرتُنا معه وجهادُنا معه وعملُنا كلّه معه برَدلنا، وأنَّ كلَّ عملٍ عمِلْناه بعدُ نجونا منه كفافًا رأسًا برأْس؟"،

    فقال أبي:لا والله، قد جاهدنا مع رسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وصلَّينا وصُمْنا وعمِلْناخيرًا كثيرًا، وأسلم على أيدينا بشَرٌ كثير،

    وإنَّا لنرجو ذلك، فقال أبي: "لكنِّيأنا والَّذي نفس عُمر بيدِه، لوددتُ أنَّ ذلك بَرَدَ لنا، وأنَّ كلَّ شيءٍ عمِلْناهبعدُ نجوْنا منه كفافًا رأسًا برأْس"،

    فقلت: إنَّ أباك - والله - خيرٌ من أبي. قال ابنُ حجر: والقائل هو أبو بُرْدة، وخاطب بذلك ابنَ عُمر، فأراد أنَّ عُمرَ خيرٌمن أبي موسى، فعُمر أفضل من أبِي موسى؛

    لأنَّ مقام الخوف أفضل من مقام الرَّجاء، فالعِلْممُحيط بأن الآدمي لا يخلو عن تقْصيرٍ ما في كلّ ما يريد من الخير، وإنَّما قال ذلكعمر هضْمًا لنفْسِه،

    وإلاَّ فمقامه في الفضائل والكمالات أشهر من أن يُذْكَر.


    إلا أن منزلةالخوف الحاملة على عدم الأمن من مكر الله سبحانه،لا تنافي منزلة الرجاء، فمنزلتا الخوف والرجاء متلازمتان، لا تنفك أحداهما عن الأخرى،

    قال تعالى : { وَلاَ تَيْأَسُواْ مِنرَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}. يوسف87. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:

    والأمن والإياس ينقلان عن الملة ،وسبيلالحق بينهما لأهل القبلة .أ هـ فالواجب علىالعبد أن يكون بين منزلتي الخوف والرجاء،

    وأن لا يكتفي بواحدة منهما، فكما أنّ الأمن من مكر الله سبحانه إثم عظيم وكبيرة من أكبر الكبائر، كذلك اليأس من روح الله،

    وهوالقنوط من رحمة الله تعالى، وهذا من الكفر أيضاً، وكما قال بعض العلماء: إن الخوف والرجاءللمسلم كالجناحين للطائر لا غنى له عن أحدهما،

    فالمؤمن لا يأمن على نفسه مكر الله،وقد أوردت بعض النقول عن أهل العلم بما يتعلق بأحوالهم مع الأمن، لذا نجد الرسول –صلى الله عليه وسلك –

    كان يكثر من الدعاء في سجوده، وكان أكثر ما يدعو الله به :اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)

    وذلك أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والشاهد أن الرسول – صلى الله عليه وسلم –

    كان يخشى على نفسه من تقلب القلب، وهو الصادق المصدوق المؤيد بالوحي، فكيف بنا نحن؟؟ فالمؤمن، فلا يأمن على نفسه من الانحراف ،

    وهذا أصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم يا مقلب القلوب) فالمسلم يبقى خائفاً على نفسه من الفتن التي تموج كموج البحروتتساقط على الأمة كمواقع القطر،

    وفي الحديث الصحيح قال – صلى الله عليه وسلم : بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ). وأما المسألة الثانية التي لا يواقعها المسلم، هي تزكية النفس،

    فإن المسلم لا يزكي نفسه ويعلم يقيناً بأن تزكية نفسه من الكبائر قال تعالى :

    {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً *انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً }النساء(50-49)

    قال الطبري- رحمه الله تعالى-"فلا تزكوا أنفسكم" [النجم( 32) يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه،

    والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه،وإنما العبرة بتزكية الله له.

    وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتيبرة؛ فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذاالاسم،

    وسميت برة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزكوا أنفسكم الله أعلمبأهل البر منكم ) فقالوا: بم نسميها ؟ فقال: (سموها زينب ).

    فقد دل الكتاب والسنة علىالمنع من تزكية الإنسان نفسه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية مننعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛

    كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئا.أ هـ.

    لذا كانت تزكية النفس من علامات الضلالهذا إن كان العبد يرى في نفسه حقيقة هذه التزكية، فكيف بأن يزكي نفسه بما لا يتصف بهكحال الكثيرين ،

    قال تعالى : {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْوَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. آل عمران(188)

    قال ابن كثير – رحمه الله تعالى- وقوله تعالى) : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ). الآية ،

    يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا ، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة ( وفي الصحيح :

    المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) . أهـ وقال القرطبي – رحمه الله تعالى- في تفسيرهذه الآية: أي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاءوا به من العذر .

    ثبت فيالصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله - صلى الله عليهوسلم - كان إذا خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو

    تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتذرواإليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا

    بما لم يفعلوا ، فنزلت لا تحسبن الذين يفرحون بما أتواويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية . وفي الصحيحين أيضا أن مروان قال لبوابه :

    اذهبيا رافع إلى ابن عباس فقل له : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بمالم يفعل معذباً لنعذبنّ أجمعون . فقال ابن عباس :

    ما لكم ولهذه الآية ! إنما أنزلتهذه الآية في أهل الكتاب . ثم تلا ابن عباس وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه

    و لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بمالم يفعلوا . أ هـ وإن كانت الآيات ابتداء في أهل الكتاب،

    فلا يمنع ذلك من دخول المسلمين في عموم المعنى، إذ كل سبيل سلكه اليهودوالنصارى وكانوا عليه من الأقوال والأفعال والاعتقادات

    مما جاء ذمهم في النصوص الشرعيةعليه، يدخل المسلمون في عمومه ،فقد نهى المؤمنونعن اتباع سبيل المغضوب عليهم والضالين،

    ناهيك عن دلالة النصوص الشرعية المتعلقة بذمتزكية النفس كما في الأحاديث السابقة مما يجعل الحكم عاماً ولا يقتصر على أهل الكتاب

    بل يعم أهل الكتاب وغيرهم والله أعلم. وهذه مسألة في منتهى الأهمية إذ يترتب عليها معرفة أحوال المعاندين،

    والتي يكون المؤمنون على خلافها، فهي تعطي انطباعاً عاماً عن الصفات التي لا بد أن يتصف بها المؤمن،

    أوالصفات التي يجب على المسلم أن يجتنبها، وهاتان الصفتان، الأمن من مكر الله سبحانه،وتزكية النفس لا يقع فيها مؤمن، وقد جاء ذكر طائفة من أقوال الفضلاء

    في خوفهم على أنفسهممن النفاق، أو اتهام أنفسهم بالتقصير، سواء وقع الأمر موقع التواضع، أو كان على الحقيقة،

    أما المنافقون فهم يأمنون مكر الله، لذا يتجرؤون على الكذب والافتراء، ويزكون أنفسهماعتقاداً منهم أنهم على خير ،

    قال تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ 11 أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }.البقرة(12)


    وعليه فالنفاق من أعظم الذنوب، فهل تأمن على نفسك من النفاق ؟الجواب: إن كنت من أهل الخير هو: لا. ولكن كيف تنجو من هذا الفعل العظيم؟

    ذلك من خلال تعرفك على صفات المنافقين إذ المنافق لا يُعرف إلا من خلال ما يصدر عنهمن أقوال أو أفعال تدل على عدم صدقه وغير ذلك،

    قال تعالى : {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ }.محمد(30)

    فللمنافقين صفات يعرفون بها، نأتي على ذكرها بعدقليل إن شاء الله تعالى. وللتعامل مع أهل النفاق حالات عدة دلت عليها النصوص الشرعية،

    وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الظاهر دليل على الباطن إذ من ترسخ الإيمان فيقلبه يستحيل عليه أن يقع في

    أعمالهم التي منشأنها أن تقربه من الكفر ولذا أمر الله عبده ورسوله بمجاهدة المنافقين بالتغليظ عليهم فقال :

    {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُاللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْقَوْلاً بَلِيغاً }.النساء(63)

    وخطاب الله لرسوله خطاب لأمته، فيجب على الأمة أن تعاملالمنافقين وفق ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولكن لا بد من تأمل مسألةدقيقة،

    وهي أن النفاق مسألة قلبية فهي حتماً مسألة غيبية والغيب لا يعلمه إلا الله،قال تعالى:{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ

    وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْهَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ }الأنعام50

    وقال سبحانه .{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاًوَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }. الأعراف(188)

    والرسول صلى الله عليه وسلم داخل في هذا السياق، فهو لايعلم الغيب قال تعالى :

    {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ }.الأنعام(50)

    وقال سبحانه : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءاللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.الأعراف(188)

    صحيح قد يقال إن الله سبحانه أعلمه بأسماء المنافقين، ولكنه أيضا أعلمه بصفاتهم ، فإنخُفيت علينا أعلامهم لم تخف علينا أحوالهم،

    فمن اتصف بصفة من هذه الصفات اتصف بصفة دالة على النفاق، فإن كانت من دلائل نفاق الكفر اتصف بها، وإن كانت من نفاق العمل اتصفبها،

    وقد وقع الخلاف في الحكم عليه هل يحكم بنفاقه أو لا ، على خلاف، ومن اتصف بصفةلا يلزم وصفه بها وأن يأخذ حكمها،

    فلا يقال منافق، بل يقال فيه علامات النفاق، علماًبأن هنالك أفعالاً لا تدل إلا على نفاق أهلها، خاصة إن كانت متعلقة بناقض من نواقض الايمان،

    كالاستهزاء بالمؤمنين، أو التخاذل عن الجهاد، أو خذل المؤمنين

    مع حاجة المؤمنينإلى النصرة ويتضح ذلك من قوله تعالى :

    {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِوَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.النساء(88)

    وقد بسطت القول في هذه المسألة برسالتي- احذروا أدعياء السلفية- وقد دلت الأحاديث الصحيحة على صفات يتصف بها المنافق،

    يكون المؤمن في منأى عنها كما في الحديث عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ،

    وإذااؤتمن خان ).والإشارة إلى البعض بالنفاق مسألة معلومة في السلف الصالح فعلى سبيل المثال، حديث ابن مسعود ، قال : من سره ، أن يلقى الله غداً مسلماً ،

    فليحافظ على هؤلاءالصلوات ، حيث ينادى بهنّ ، فإن الله شرع لنبيكم - صلى الله عليه وسلم - سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى ،

    ولو أنكم صليتم في بيوتكم ، كما يصلي هذا المتخلف في بيته ،لتركتم سنة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم ، لضللتم ، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور،

    ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد ، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ، ويرفعه بها درجة ، ويحط عنه بها سيئة ، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها ،

    إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به ، يهادى بين الرجلين ، حتى يقام في الصف). وهذا أثر صحيحرواه أهل الصحاح وغيرهم ،

    وقد أشار الحديث إلى فائدتين، الأولى كونه منافقاً، الثانية معلوم النفاق، فالحكم عليه بالنفاق كان من باب إتيانه لفعل يدل على نفاقه ،

    والحكم على نفاقه بالمعلوم كان من باب معرفة الصحابة بأن هذه الأفعال لا تصدر إلا من منافق،

    وهذا في باب صلاة الجماعة التي دلت الأحاديث على ثقلها على المنافقين كما في الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة ،

    قال : قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: ( ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ، ولويعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً ،

    لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ، ثم آمر رجلا يؤم الناس ، ثم آخذ شعلاً من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد ). وفي الحديث فائدة قل من ينتبه إليها،

    وهي أن المنافق يأتي صلاة الجماعة، ولكنه لا يأتيها إلا متثاقلاً، قال تعالى :

    {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }.النساء(142)

    فالمنافقون كانوا يشهدون الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن لايشهد الصلاة جماعة؟ بل كيف بذلك العبد الذي لا يصلي أصلاً،

    فإذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يرون عدم إتيان الجماعة من النفاق، فما قولهم بمن لا يصلي؟ حتما هو الكفر: قال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل رحمه الله تعالى:

    (كان أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأفعال تركه كفر إلا الصلاة).

    والأحاديث والآثارفي هذا المعنى كثيرة وهذا الأثر الصحيح على خلاف ما يفهمه أهل الأهواء، فليس فيه دلالةعلى أن الإنسان لا يكفر إلا بترك الصلاة،

    فهنالك أمور كثيرة يكفر العبد بها، لكن الأثريدل على ترك الفعل، لا على الوقوع في نواقض الإيمان ، والفرق بينهما واضح، فترك الفعل شيء،

    والوقوع فيما يناقض الإسلام شيء آخر، فالصحابة -رضي الله تعالى عنهم - متفقون على أن تارك الصلاة كافر، ولم يتفقواعلى غير ذلك،

    أي لا يرون تارك الصيام كافراً، أو تارك الجهاد أو ما شابه ذلك، ولكنهماتفقوا على كفر تارك الصلاة، وأما ما يتعلق بنواقض الإسلام فهو أمر آخر.

    وعليه لا دليل لمن حصر الكفر بترك الصلاة، ولست بصدد الإشارة إلى حكم تارك الصلاة فقد فصلت القولفيها، لكنني بصدد الإشارة إلى فائدة يجهلها كثيرون،

    والقصد من هذا التفصيل الاستدلال على أن ظاهر الفعل يدل على باطنه كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله

    وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب). وهذا حديث صحيح رواه البخاري وغيره.

    ومن خلال التعرف على صفات المنافقين تستطيع الحكم على نفسك من أي الفريقين أنت؟ أمن المؤمنين الصادقين ، أم من المنافقين الهالكين؟

    وصفات المنافقكثيرة قد أوصلها البعض إلى خمس وستين صفة، وقد يكون هذا في مقابلة شعب الإيمان إذ كلشعبة من شعب الإيمان تقابلها شعبة من شعب الكفر،

    فصدق الحديث من شعب الإيمان، وعليهيكون الكذب شعبة من شعب النفاق، وكذلك الوفاء بالعهد من شعب الإيمان،

    وفي مقابله الغدر،وهو شعبة من شعب الكفر وهكذا، وشعب الإيمان بضع وستون شعبة كما في الحديث الصحيح عنأبي هريرة ،

    قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الإيمان بضع وسبعون أو ، بضع وستون شعبة ،

    فأفضلها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياءشعبة من الإيمان ). ومرجع هذه الشعب كلها – أي شعب النفاق-

    إلى أصل واحد يجمع بينها وهو عدم الإيمان بالله واليوم الآخر قال تعالى :

    {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيراًمِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }. المائدة(81)

    وقال :{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْيَتَرَدَّدُونَ }التوبة45

    وعليه فإن عامة أفعال المنافقين آتية من عدم إيمانهم باللهواليوم الآخر، فهم لا يأتون العبادة لكونهم يبتغون الأجر عليها،

    بل ليحققوا منفعة دنية،أو يدفعوا عنهم ضرراً ، لذلك إن أمنوا الضرر، ولم يتحققوا على منفعة امتنعوا عن القيام بالعمل، ولهذا كانوا يستأذنون الرسول - صلى الله عليه وسلم -

    ليرخص لهم في القعود عنالجهاد لما يترتب عليه من ضرر ومشقة، كما في الآية السابقة،ولو كان الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم يحقق لهم منفعة في الدنيا لما توانوا عنه،

    ولخرجوا مع الرسول –صلىالله عليه وسلم- قال تعالى : {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ

    وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.التوبة(42) فهذا هو ميزان الإقدام أو الإحجام عند المنافقين،

    إن كان في الفعل مصلحةلهم أتوه ، وإن لم يكن لهم فيه مصلحة أعرضوا عنه، قال تعالى :{وَإِن يَكُن لَّهُمُالْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ }.النور(49)

    على خلاف إن كان عليهم، أو لامصلحة لهم فيه، أو مخالفاً لأهوائهم، قال تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْإِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَعَنكَ صُدُوداً }.النساء(61)

    وهذا ما يجب أن تعلمه في نفسك هل لا تُقبل على العبادةإلا إن تحققت لك مصلحة فيها، وتعرض عنها إن لم يتحقق لك مصلحة؟ أم ستأتي العبادة تحتكل الظروف،

    إذ أصحاب النفوس المريضة، يتخاذلون عن الطاعة لأتفه الأسباب، بل يجعلونعبادتهم لله وفق أهوائهم،

    فإن رأوا في العبادة ما تقر به أعيونهم أقبلوا عليها بهمةونشاط، على خلاف إن كانت مخالفة لأهوائهم انقلبوا على أعقابهم فردوا خاسرين،

    قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّبِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }.الحج(11)

    جاء في تفسير ابن كثير – رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية : وروى البخاريعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف .

    قال : كان الرجليقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاماً ، ونتجت خيله ، قال : هذا دين صالح . وإن لمتلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . وعن ابن عباس أيضاً ،


    قال : كان ناسمن الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون ، فإذا رجعوا إلى بلادهم ، فإنوجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن ،

    قالوا : إن ديننا هذا لصالح ، فتمسكوا به .وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط ، قالوا : ما في ديننا هذا خير . فأنزل الله على نبيه) :

    ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه( . وقال العوفي ، عنابن عباس :

    كان أحدهم إذا قدم المدينة ، وهي أرض وبيئة ، فإن صح بها جسمه ، ونتجت فرسه مهراً حسناً ، وولدت امرأته غلاماً رضي به واطمأن إليه ، وقال :

    ما أصبت منذ كنت علىديني هذا إلا خيراً . وإن أصابته فتنة - والفتنة: البلاء - أي : وإن أصابه وجع المدينة ، وولدتامرأته جارية ،

    وتأخرت عنه الصدقة ، أتاه الشيطان فقال : والله ما أصبت منذ كنت علىدينك هذا إلا شراً . وذلك الفتنة . وهكذا ذكر قتادة ، والضحاك ، وابن جريج ، وغير واحدمن السلف ،

    في تفسير هذه الآية.

    وقالسبحانه : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِجَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّإِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ}.العنكبوت(10)

    قال ابن كثير – رحمه الله تعالى-في تفسير هذه الآية : يقول تعالى مخبراً عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم ،

    بأنهم إذا جاءتهم فتنة ومحنة في الدنيا ،

    اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم ، فارتدوا عن الإسلام، ولهذا قال الله : ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناسكعذاب الله ) .أهـ

    وفي الحديث الصحيح عن أبيهريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ،

    ويمسي كافراً ، أو يمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ). رواه الإمام مسلم وغيره.

    وبعد أن تعرفنا على القاعدة العامة التي يتكئ عليها المنافق، لا بد من التعرفعلى بعض صفاته التفصيلية وهي ليست على الترتيب النصي بل

    وفق الاجتهاد أسأل الله العظيم أن أكون وفقت للصواب.


    أولاً: الكذببإظهار الإيمان : قال تعالى :{إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَلَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّالْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ }.المنافقون(1)

    فالمنافقون يعلنون الإسلام، ويُشهدون الرسول –صلى الله عليه وسلم- على إسلامهم، وهذه هي أصل المسألة، أنهم في الظاهر مظهرون للإسلام،


    وإلا لو كانوا مظهرين غير الإسلام لحكم عليهم بالكفر، وما أُدخلوا في عامةالمسلمين،

    ولكنّ إظهارهم للإسلام هو ما عصم دماءهم وأموالهم، وهذا معنى الحديث الذيرواه أبو هريرة ،

    قال : قال رسول الله صلى الله عليه : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ،

    فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم علىالله عز وجل ). رواه الإمام البخاري وغيره.


    قال القرطبي – رحمه الله تعالى - القول الثالث: إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، وقد أشار إلى هذاالمعنى بقوله لعمر:

    (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي). أخرجه البخاري ومسلم.وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفاً،

    وهذا هو قول علمائنا وغيرهم.قال ابن عطية. وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله عن المنافقين،

    نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، واحتج بقوله تعالى: { لَئِنْلَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ }

    إلى قوله: { وَقُتِّلُواتَقْتِيلاً } قال قتادة: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. قال مالك رحمه الله: النفاق في عهد رسول الله هو الزندقة فينا اليوم،

    فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة،وهو أحد قولي الشافعي. قال مالك: وإنما كف رسول الله عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه،

    إذ لم يشهد على المنافقين.أ هـ فالرسول – صلى الله عليه وسلم- امتنع عن قتلهم لإظهارهم الإسلام، وخوفاً منأن يقال: إن محمداً- صلى الله عليه وسلم – يقتل أصحابه،

    لأنهم في حكم الناس عليهم مسلمون،وما وقر في قلوبهم من نفاق وزندقة مسألة غيبية لا يعلمها إلا الله سبحانه،

    وإلا لواكتفى الرسول بالحكم على هؤلاء بمجرد علمه بأحوالهم لوقع المسلمون في حيص بيص، ولأدخلوافي المنافقين من ليسوا منهم،

    ولوقع القتل في الأمة بمجرد الظن والشبه، لكن من رحمةالله سبحانه بهذه الأمة أن جعل الحدود لا تقام إلا بالبينة،

    وتدرأ بالشبهات، ووقوع القتل في الأمة من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر روى البخاري – رحمه الله تعالى- في صحيحه عن أبي بكرة –رضي الله عنه-

    أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال: ( فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذافي شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ،

    ألا هل بلغت ، قالوا : نعم ، قال: اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع ، فلا ترجعوا بعدي كفاراًيضرب بعضكم رقاب بعض).

    وروى البخاري أيضاً عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ترجعوا بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض )

    .وفي الحديث عنعبد الله بن مسعود –رضي الله تعالى عنه – قال: قال : قال رسول الله - صلى الله عليهوسلم- :

    ( لا يحل دم امرئ مسلم ، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، إلا بإحدىثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والمارق من الدين التارك للجماعة ) . متفق عليه.

    فالمسلم معصوم الدم ما لم يأتِ بعمل يستحق عليه القتل، والحكم عليه بالقتل لا بدأن يكون عن يقين وبعد استفاء الشرط وانتفاء الموانع،

    أما التعجل في إصدار الحكم عنغير بينة فهذا من عظائم الذنوب قال تعالى:

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْوَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ

    عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُممِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَخَبِيراً }.النساء(94)

    قال القرطبي – رحمه الله تعالى – في تفسير هذه الآية: وهذه الآيةنزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم

    وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ فحمل عليه أحدهم فقتله . فلما ذكر ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم- شق عليه ونزلت الآية .

    وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال: قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ؛

    فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله : عرض الحياة الدنيا تلك الغنيمة .قال : قرأ ابن عباس " السلام " . في غير البخاري : و

    حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته أهله ورد عليه غنيماته .


    واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البرأن القاتل محلم بن جثامة ،

    والمقتول عامر بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلم فماعاش بعد ذلك إلا سبعاً ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله؛

    فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب ؛ وقال عليه السلام : إن الأرضلتقبل من هو شر منه . قال الحسن :

    أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألايعودوا . وفي سنن ابن ماجه عن عمران بن حصين قال :

    رسول الله صلى الله عليه وسل مجيشاً من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالاً شديداً ، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح فلما غشيه قال :

    أشهد أن لا إله إلا الله ، إنيمسلم ، فطعنه فقتله ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ،هلكت ! قال : وما الذي صنعت ؟ مرة أو مرتين ،


    فأخبره بالذي صنع . فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه؟ فقال : يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه ؟

    قال : لا . فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلمما في قلبه . فسكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يلبث إلا يسيراً حتى مات فدفناه ، فأصبح على وجه الأرض .

    فقلنا : لعل عدواً نبشه ، فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهرالأرض . فقلنا : لعل الغلمان نعسوا ،

    فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك الشعاب . وقيل : إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني ثم الفزاري

    من بني مرة من أهل فدك . وقال ابن القاسم عن مالك . وقيل : كانمرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله ،

    ولما عظم النبي - صلى الله عليه وسلم-الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلاً يقول : لا إله إلا الله . وقد تقدم القول فيه .

    وقيل : القاتل أبو قتادة . وقيل : أبو الدرداء . ولا خلاف أن الذي لفظته الأرضحين مات هو محلم الذي ذكرناه . ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع .

    وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحملديته على طريق الائتلاف والله أعلم . أ هـ .

    ومن هنا يتبين أن من أتى بما يدل على إسلامه يعتبر دمه معصوماً، ولا يجوز قتل امرئ أظهر الإسلام من غير بينة، والمنافقون ممن أظهروا الإسلام، وعملوا ظاهراً به،

    ولم يأتوابما يدل على خلاف ذلك، وإن وقع منهم ما يدل على نفاقهم اعتذروا بعدم العلم أو غلظواالأيمان بأنهم ما أردوا بفعلهم إلا الإحسان،

    ولذا لم يحكم بكفرهم ، ولم تعمل أحكام الكفار عليهم، وأما ما يدل على إظهارهم للطاعة فهذا مبحث النقطة التالية.


    ثانياً :إظهار الطاعة وإبطان المعصية: قال تعالى : {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْمِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ

    وَاللّهُ يَكْتُبُمَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً}.النساء ( 81) قال الطبري – رحمه الله تعالى في هذه الآية: يعني بذلك

    - جل ثناؤه- بقوله : ويقولون طاعة يعني : الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا الناس كخشية الله أو أشد خشية يقولون لنبي الله

    - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهمبأمر : أمرك طاعة ، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه، وإذا برزوا من عندك ،يقول :

    فإذا خرجوا من عندك يا محمد " بيت طائفة منهم غير الذي تقول " يعنيبذلك - جل ثناؤه - غيّر جماعةُ منهم ليلاً الذي تقول لهم .أهـ فالمنافقون وإن أسروا الكفر،

    أعلنوا الطاعة، وأتوابأنواع العبادات، فهم يصلون ويتصدقون، ويقرؤون القرآن، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله - صلىالله عليه وسلم-

    : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ،

    ومثل المنافقالذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآنكمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ) . رواه البخاري وغيره ،

    وقد يكون المنافق عالماًبأمور الدين بغير إيمان به، فعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ,

    يقول: ( أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان ) . وهذا الحديث في مسند الإمام أحمد، بل ثبت أيضاً في النصوص الشرعية

    ما يدل على تفاني المنافقين في الطاعة كما في قوله في الحديث عنأبي سعيد الخدري ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

    ( يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكممع صيامهم ، وعملكم مع عملهم , يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ،

    تنظر في النصل فلا ترى شيئاً ، ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئاً ،ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئاً ، وتتمارى في الفوق ) .

    فهذا الحديث وإن كان متعلقاًبالخوارج إلا أنه لا يمنع دخول المنافقين فيه من باب أولى، إذ فساد الخوارج نابعاًعن فساد في الفهم،

    وفساد الفهم متعلقه عدم التحقق على التقوى قال تعالى : { وَاتَّقُواْاللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.البقرة(282)

    وقال سبحانه : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِيالْمُحْسِنِينَ }.يوسف(22) والمعنى أن الله سبحانه يجزي المؤمنين حكماً وعلماً،

    وقال سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِفَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَالَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }.الحج(46)

    وفي الحديث الصحيح عن معاوية قال : سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- ، يقول : ( منيرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

    وإنما أنا قاسم والله يعطي ، ولن تزال هذه الأمةقائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) . رواه الإمام البخاري وغيره،

    ولو كان الخوارج أصحاب قلوب سليمة لما وجدت فيهم الانحرافات العقدية العظيمة،حتى إن الرسول – صلى الله عليه وسلم –

    أمر بقتلهم لما يترتب على عقائدهم من الفساد والإفسادالمفضي إلى استباحة الدماء بغير حق، فعن علي قال: إذا حدثتكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -حديثاً ،

    فلأن أخرّ من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه ، وإذا حدثتكم عنغيره ، فإنما أنا رجل محارب ، والحرب خدعة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

    " يخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من قول خيرالبرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ،

    فإن قتلهم أجر لمنقتلهم يوم القيامة ) . رواه الإمام أحمد في مسنده. بل إن خطر المنافقين على الأمة أعظممن خطر الخوارج،

    فالخوارج خطرهم واضح بين، لا يخفى إلا على من عميت بصائرهم، على خلاف المنافق فهو خفي الحال،

    وقد يكون ممن يغتر بهم، ولذا حذر الله سبحانه نبيه –صلى الله عليه وسلم – من الاغترار بهم فقال :

    {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىيُؤْفَكُونَ }.المنافقون(4)

    فإن كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعجب بهيأت المنافقين،ويستمع لأقوالهم، فكيف بعامة المسلمين، وقد بين الله سبحانه عظيم تأثيرهم على المسلمين فقال:

    {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْيَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.التوبة(47)

    قال ابن كثير – رحمه الله تعالى -: أي : مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهموكلامهم ، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم ،

    فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنينوفساد كبير أهـ وهذا المعنى قريب، لا ينافي القول الثاني الذي يدل على أن المراد بقوله
    تعالى : (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) . عيونهم الذين يتسمعون قول المؤمنين ثم ينقلونه إليهم،

    فإن ما يصدر عنهم يوقع الفتنة في المسلمين كما قال تعالى : (لَوْ خَرَجُواْفِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) .

    وعليه لا يغتر المسلم بظاهر الأعمال فقد تصدر من أناس منافقين أردوا بأعمالهم التحقق على مصالح ما سواء كانت مصالح مادية أو معنوية نسأل الله العفو والعافية.


    ثالثاً:إظهارمحبة المؤمنين وإبطان بغضهم والكذب عليهم قالتعالى :{وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىشَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ }.البقرة(14)

    وقال سبحانه :{هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَبِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْعَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌبِذَاتِ الصُّدُورِ }.آل عمران( 119)

    وهذا من أبرز صفاتهم فهم إن لم يظهروا المحبةللمؤمنين ظهرت حقيقتهم، فالخداع والمكر صفتان لا تنفصلان عن المنافق، وما حمله على إظهار المحبة للمؤمنين ،

    أمران، الأول: صيانة نفسه وماله، الثاني: التغرير بالمؤمنينوالعمل على إشعال الفتنة فيهم لقوله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْإِلاَّ خَبَالاً

    ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَلَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }.التوبة(47) وهذه قضية واضحة بل هي أصل النفاق.


    رابعاً: العملعلى تفريق المؤمنين والتربص بهم ، قال تعالى :{وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراًوَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ

    وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُيَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.التوبة (107) فهذه الآية الكريمة تبين مدى خطورة المنافقين على المؤمنين،

    فالمنافقون لا يدخلون للمؤمنين إلا من باب الخير والعمل الصالح، وإظهار القصد الحسن، وقد اتخذوا مسجداً لالقصد العبادة وتعزيز قوة المؤمنين،

    بل اتخذوه بقصد خبيث وهو تفريق المؤمنين، فهم يعلمونأن قوة المؤمنين في وحدتهم وتعاونهم، وإنهم لا مجال للدخول عليهم إلا من خلال تفريقهم

    ،فالعمل على إذهاب قوة المؤمنين من خلال دب التفرق والخلاف في صفوفهم مصلحة كبرى للمنافقين،

    حيث تذهب قوة المؤمنين بتفرقهم قال تعالى :{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَتَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.الأنفال(46) ،

    وهم مع فساد نياتهم يخادعون المؤمنين بأنهم لا يريدون بفعلهم هذا إلاالحسنى، فهم يأتون بأفعال الخير الظاهرة من أجل التعرف على مواطن الضعف في المسلمين

    فيلجوا عليهم من خلالها، كما يتعرفون علىأشكالهم من المنافقين والمغرضين فيعملون على تجميع أنفسهم بغية التعاون على ضرب أهدافالمؤمنين،

    ولذا كانت وحدة المسلمين واتفاق كلمتهم، وتيقظهم على ما يدور حولهم سبباًمباشراً لنجاتهم، وعليه فإن العمل على تفريق المسلمين تحت أي شعار

    أو سبب يكون علامةواضحة على النفاق، أو سوء القصد، فلن تتحقق مصالح المؤمنين العامة إلا من خلال رص الصفوفووحدة الكلمة، ولن تهزم الأمة إلا ببعدها عن الحق ،

    وتفرقها إلى أحزاب وشيع.


    خامساً: التخاذلعن الجهاد وتخذيل المؤمنين والاعتذار بالانشغال أو الخوف من الوقوع في الفتنة : قالتعالى :{وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ

    اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ}. التوبة( 86) وقال سبحانه : {وَيَقُولُ الَّذِينَآمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَفِيهَا

    الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَنَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ }. محمد(20)

    فهذه الآيات الكريمة تبين حقيقة واقع المنافقين،فهم يتخاذلون عن الجهاد في سبيل الله، لما في ذلك من مشقة وعناء، وتعرضٍ للموت أو الأسر،

    وما يتخلل ذلك من نفقة وبعد عن الأهل والوطن، فالمؤمن يقوم بذلك من دافع إيمانه باللهواليوم الآخر، وحبه لنصرة دين الله، وموالاته للمؤمنين،

    وكل هذا غير متحقق في المنافق،فلا حافز للمنافق على حمل نفسه على المشقة والجهد في مسألة لا يؤمن بها ولا يريدها، بل ستكون عبأً عليه ،ويعرض بسببها نفسه للتهلكة،

    لذا نراه معرضاً عن الجهاد مبغضاًله، ويترقب أي فرصة تلوح في الآفاق ليفر من الجهاد دون أن يشك به المؤمنون،

    وقد ابتليتالأمة في هذا الزمان بترك الجهاد إلا من رحم ربي سبحانه، حتى أصبح الجهاد في مفهوم بعض المسلمين إرهاباً لا يصح إلا دفاعاً عن النفس أو الوطن،

    بل لم يعد هنالك مفهوم عند معظم المسلمين أن من أبواب الدعوة إلى الله سبحانه الجهاد في سبيل الله، وأن أصلالجهاد هو دعوة الناس إلى الإسلام،

    وأن عزة المسلمين لا تكون إلا بالجهاد، كما في حديثمعاذ : وذرة سنامه الجهاد). بل الجهاد هو المصدر الأصلي لنمو اقتصاد الأمة كما فيالحديث الصحيح :

    ( وجعل رزقي تحت ظل رمحي). وترك الجهاد في سبيل الله سبيل الهلاك والذل واستحقاق العقوبة من الله سبحانه قال تعالى :

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْفِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَامِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ38

    إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْوَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.(39 ) التوبة .وماتعانيه الأمة اليوم إنما مرجعه إلى التخاذل عن القيام

    بما أوجب الله سبحانه، وهذا يتنافى مع حقيقة الإيمان، فالإيمان قائم علىالتضحية والجهاد، والمؤمن ملزم بذلك قال تعالى :

    {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِفَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ

    وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُالَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }.التوبة(111) فالمؤمن لا يترك الجهاد في سبيل الله، بل يحرص عليه

    ويعمل جاهداً على تحقيقه بخلاف المنافق فهو يعرض عنه ويبغضه، ولا يتوقف عند ذلك بل يثبط غيره عن الجهاد ويخذله قال تعالى:

    {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَنيُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْفِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ }.التوبة(81)

    وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِيالأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ

    عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْلِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُبِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }. آل عمران( 156)

    وقال: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمبَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌأَلِيمٌ }.النور(63)

    وهكذا يعمل المنافق على تشويه صورة الجهاد في أعين ضعاف الإيمانوالجهلة حتى يثبطهم عن واجب هو من أعظم الواجبات التي يكون بها

    عزة المسلمين وقيام دولتهم، فالصد عن سبيل الله هدف أساسي عند المنافقين، وهذا ما يحملهم على ترك الجهاد والتنفير عنه.


    سادساً: التحاكمإلى الطاغوت إلا أن يكون لهم في حكم الله مصلحة لهم، قال تعالى :{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْإِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَعَنكَ صُدُوداً }.النساء(61)

    وقال :{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَبَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ 48 وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِمُذْعِنِينَ 49

    أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 50 إِنَّمَا كَانَقَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ

    أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 51}.سورة النور.وهذه صفات لازمة للمنافقين، فهم من أبعد مايكون عن أحكام الله لما في أحكام الله سبحانه من مخالفة لأهوائهم،

    فهم يريدون أن يسيرواالحياة وفق مصالحهم ومشاربهم، لا وفق نظام الإسلام، فهم لا يؤمنون أصلاً بالإسلام حتى يطمئنوا لأحكامه،

    بل عندهم الإسلام مانع لرغباتهم وحائل دون شهواتهم، فهم لا يقيسونأمورهم وفق ما يرضي الله أو يسخطه، بل وفق ما يريدونه هم أنفسهم، فإرادتهم مخالفة لإرادةالله سبحانه،

    على خلاف المؤمنين فهم يعملون وفق مراد الله ويسلمون بحكم الله ظاهراًوباطناً كما في قوله تعالى :

    {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.النساء(65 ).

    فالمؤمنون مسلمون لأحكام الله ظاهراً وباطناً،لإيمانهمأن دين الله حق وعدل، والخروج عنه كفر وظلم، فلا يتصور مسلم ينأى بنفسه عن أحكام الله سبحانه مع إيمانه بها،

    واعتقاده بأنها حق وعدل، بل آنى له أن يخرج عنها إلى غيرها مععلمه بأن كل ما يخالفها ظلم وعدوان، ومن هنا كان التحاكم إلى شرع الله أصلاً أصيلاًعند أهل الإيمان،

    والخروج عنه صفة لازمة للمنافقين إلا إن تحقق لهم مصلحة فيه كما فيقوله تعالى: {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ 49

    أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِ مْوَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }.النور(50) .

    ومن هنا كان خروج الناسإلا من رحم ربي عن تحكيم شرع الله ظاهراً وباطناً في كل الأمور دون استثناء دليل جهلهم أو عدم تحققهم على الإيمان الحق،

    فلو كانوا مدركين لمعاني الإيمان لما رضوا بغير حكمالله دستوراً يطبق عليهم، ويرجع إليه في كل أمورهم، لذا وصف الله سبحانه المعرضين عنحكمه بصفات عدة من أبرزها النفاق،

    ولو فهم المسلمون هذا لما تنادوا بالديمقراطية والوطنيةوغيرها، بل لسلّموا لحكم الله تسليماً، فأسأل الله العظيم أن يوفق المسلمين إلى الفهم

    الصحيح، وقد أغنتنا كثير من رسائلنا عن الخوض في تفصيل هذا الموضوع.


    سابعاً: موالاة الكافرين وزعم نصرتهم وتحريضهم على المؤمنين.:قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب

    لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون ) . فهذه الآية الكريمة توضح حقيقة العلاقة ما بين المنافقين والكافرين،

    وهي علاقة قائمة على الحب والنصرة،وإن لم تكن في الفعل فهي واضحة في القول، والآيات وإن دلت على أسباب النزول فهي متعلقة بحوادث خاصة

    إلا أن تعلقها بأفعال عامة حقيقة قائمة،فالأسباب المتعلقة بالحادثة الواحدة متفقة بعللها مع منهج عام يقوم عليه المنافقون،وهو كره دين الله وبغض المؤمنين،

    وحب ذهاب الدين وتشتت أهله، فأينما وجدوا سبيلاً للدخولفيه عزموا أمرهم، وأعدوا عدتهم، قال تعالى : {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ }.التوبة(57)

    وأطماعهم في المسلمين هي عين أطماع الكافرين المظهرين لكفرهم، فكان التلاقي بينهم مسألة حتمية،على خلاف قيام علاقاتهم

    مع المؤمنين فهي علاقات هشة تحكمها المصلحة سواء تعلقت بدفع ضرر، أو بجلب مصلحة، وعليه كان من شعار النفاق الدخول في موالاة الكافرين،

    بل إن موالاةالكافرين من دون المؤمنين ردة صريحة، وكفر بواح قال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَمِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ

    إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُنَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ }.آل عمران(28 ) وقال تعالى : ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءبَعْضٍ

    وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَالظَّالِمِينَ }.المائدة(51) وهذا آيات واضحات في حرمة الدخول في موالاة الكافرين لأنفي ذلك خروج من الإسلام،

    ومن هنا تدرك الحكمة التي لأجلها شدد الله سبحانه على التحذيرمن موالاة الكافرين، وبيان أحوال الموالين، نسأل الله العفو والعافية.


    ثامناً : الاستهزاء بالمؤمنين وتحقيرهم والخوض في دين الله تهاوناً به: قال تعالى في حق المنافقين :

    {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }التوبة65

    وقال:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَلاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْعَذَابٌ أَلِيمٌ }. التوبة(79)

    وقال: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْسُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌمَّا تَحْذَرُونَ (64)

    وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُوَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }.التوبة( 65)

    وقد جاء في تفسير هذه الآيات الكريمةما رواه الإمام أحمد – رحمه الله تعالى - قالحدثنا الجريري ،

    عن أبي السليل قال : وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال : حدثنيأبي - أو : عمي أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبقيع ،

    وهو يقول : منيتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة ؟ قال : فحللت من عمامتي لوثاً أو لوثين ، وأناأريد أن أتصدق بهما ، فأدركني ما يدرك ابن آدم ، فعقدت على عمامتي .

    فجاء رجل لم أربالبقيع رجلاً أشد سوادا ولا أصغر منه ولا أدم ، ببعير ساقه ، لم أر بالبقيعناقة أحسن منها ، فقال : يا رسول الله ، أصدقة ؟

    قال : نعم ، فقال : دونك هذه الناقة. قال : فلمزه رجل فقال : هذا يتصدق بهذه فوالله لهي خير منه . قال : فسمعها رسول الله- صلى الله عليه وسلم -

    فقال : كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاث مرات ، ثم قال : ويللأصحاب المئين من الإبل ثلاثا . قالوا : إلا من يا رسول الله ؟ قال : إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ،

    وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ، ثم قال : قد أفلح المزهد المجهد ثلاثا: المزهد في العيش ، المجهد في العبادة أ هـ . وليت شعري كم يقع كثير من الناس المدعين

    للإسلام في تحقير الملتزمين والتقليل من شأنهم، حتى أصبحوا أمثالاً سيئة عند الناس،فلا تكاد تجد أناساً يوقرون أهل الدين إلا من رحم ربي سبحانه،

    بل عاد الملتزمون المتبعون للسنة محطة استخفاف الكثيرين، وهذا مرجعه بلا ريب نابع عن الاستخفاف في الدين،

    وإلاما الذي حمل الناس على الإعراض عن مظاهر الالتزام والدخول فيما يعتبر خروجاً عن النهج القويم،

    ومن ذلك انتشار الربا والزنا والقتل وما إلى ذلك من الفساد المنتشر في الأمة؟وإلا فمن كان معظماً للدين لا بد أن يكون معظماً لأهله،

    قال تعالى :{وَالْمُؤْمِنُونَوَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ

    وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. التوبة(71)

    وقال سبحانه : {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِرُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً

    سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ

    فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراًعَظِيماً }.الفتح(29)

    فيستحيل أن يكون الصادق بإيمانه مستهزئاً بإخوانه المؤمنين، بلعلى خلاف ذلك فهو يجهد في مناصرة إخوانه والذب عنهم، ورفع مكانتهم، والاعتراف لهم في

    الفضل والسبق، وعليه كان المستخفون في عباد الله منافقين معلومي النفاق، وهذا ما وضحتهوبينته النصوص الشرعية،

    فكيف بتعذيب المسلمين واعتقالهم وردعهم ونفيهم وقتلهم؟؟؟ قال تعالى :

    {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَبِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمبِعَذَابٍ أَلِيمٍ }. آل عمران(21)

    وما أكثرالدعاة المعتقلين في سجون الزاعمين للإيمان، فإن أعداد السجون المخصصة للدعاة تفوقأعداد سجون المنحرفين أضعافاً،

    فما ذنب هذا الشيخ المعتقل وذاك الشاب المقتول؟ إنهالتزامه بالإسلام ودعوته إليه، وليس المشكلة محصورة في زمرة الحكام بل تتعداهم إلىأكثر من ذلك،

    خاصة أولئك المظهرين لأنفسهم على أنهم دعاة مخلصون حريصون على حمل الناسعلى التزام منهج السلف الصالح،

    يباركون للحكام معتقلاتهم هذا إن لم يعملوا على إحيائهابدفع المخلصين في غياباتها، وكل هذا تحت ستار حفظ الأمن، والعمل على سلامة عقيدة المسلمين

    ،فأي عقيدة هذه التي تقوم على مناصر الظالم على المظلوم؟ أي عقيدة هذه التي يلزم أهلهابدراسة مناهج تعمل على مناقضتها وإخراج أهلها منها؟

    أي عقيدة هذه التي يسمح لكل عابثوناعق ومبغض بالعمل على نشر فساده في المجتمع المسلم دون قيد أو شرط،

    في الوقت الذيلا يسمح فيه لأهل العقيدة الصحيحة العمل حتى في حياتهم الخاصة، فيجند الآلف من الجهلةبغية

    تتبع الملتزمين وضرب مصالحهم والتجسس عليهم حتى لا تقوم لهم قائمة فأي عقيدة هذه؟؟؟بل إن الأموال في أبواب الفساد تنفق بالمليارات في الوقت الذي

    يضيق فيه على كل بابقد يلج فيه المسلمون إلى تحقيق أي مصلحة لهم، ثم يلبس على المسلمين بما يسمى بالانتخاباتالنزيهة

    وما إلى ذلك من موائد دسمة في ظاهرها امتلأت بالسموم القاتلة والخفايا الفاسدةالمدمرة، وعامة المسلمين يركضون وراءها،

    وما يتمخض عنها ما قال الله سبحانه:{لَهُ دَعْوَةُالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّكَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا

    هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَادُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ }. الرعد(14) وهذا كله من علامات الاستخفاف في الدين، فلن يعملأعداء الأمة ولا مواليهم على رفع كلمة الحق،

    ولا المجاهدة في سبيل الله، ولا على هدممظاهر الكفر والفسق والنفاق، بل لن يعملوا على ما لا يحقق للغرب والشرق مصالحهم ومطامعهموإن كانت على

    حساب دماء وأموال الأمة،ولا أدري لماذا يسلك المسلمون كل سبيل قد يؤديولو في الحلم إلى تحقيق مصالحهم، في الوقت الذي ينأون فيه عن اتباع السبيل

    القويم الذيلا يكون فيه تحقيق مصالحهم إلا يقيناً ؟ وإن يتحدث الرويبضة في الأمة، يسمع لهم، ويكون لهم شأن،


    تاسعاً: الامتناع عن أعمال الخير أو التكاسل عنها، وقلة ذكرهم لله قال تعالى :

    {إِنَّ الْمُنَافِقِينَيُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْكُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }. النساء(142)

    وقال :{قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّنيُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ }.التوبة(53) وقال:

    {وَمَامَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَإِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ }.التوبة(54)

    وهذه الصفات ثابتة لأهل النفاق، صحيح قد سبقالقول بأن المنافق قد ينشط بأعمال الخير، وهذا لا يتنافى مع حقيقة كونه يتثبط عن القيامبالعبادة،

    فهو في حقيقته غير مؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وهذا ما يجعله يأتي بالأعمالالتعبدية بتثاقل، وما يحمله عليها هو الرياء،

    أما إن تعلقت مصلحة في إقباله على العبادةفهو ينشط ويسابق، أما مع انعدام المصلحة فهو يرجع إلى أصل حقيقته من تثاقله وفراره،

    وظاهرةالتباطؤ بأفعال الخير ظاهرة منتشرة في المسلمين، بل قد ينقطع كثير منهم عن أعمال الخير،ومنهم من يكون تاركاً للصلاة وغيرها من أركان الإسلام والإيمان،

    فإن كان القيام بالعبادةتثاقلاً من شأنه أن يبطل العمل ويمنع الإجابة، فمن باب أولى أن يدخل تارك العمل فيعموم الهالكين،

    وتخصيص رسالة في صفات المنافقين ما كانت إلا للتحذير من أعمالهم، والتنبيه لخطرهم، وما أُعدّ لهم في الآخرة، وهذا ما أردت التنبيه إليه،

    وهو إن كثيراَ من المسلمينقد دخل في أعمال المنافقين من حيث لا يدري، فأخذ يدور في فلكهم، واستُقطَب من خلال فخاخهم، وتزين في زينتهم،

    حتى أصبح كثير من المسلمين غارقين في التشبه بمن غضب الله عليهم ولعنهم، وكل ذلك بسبب الجهل واتباع الهوى،

    والأمَرّ من ذلك أن تجد زمرة ممن ينتسبونإلى الصلاح والدعوة، لا ينشطون في ميادين الدعوة إلا بما يتحقق لهم من منافع ذاتية،فإن خُولفت مصالحهم تردت أحوالهم وانقلبوا على إخوانهم،

    وتجرؤا على التغير والتبديلوالقول على الله بغير علم، وحال هؤلاء أسوء من أحوال غيرهم، إذ غيرهم لا ينسبون أعمالهمإلى الإسلام،

    ولا يعتبرونها أعمالاً صالحة، على خلاف أولئك الرهط فهم يخدعون الناسبخبثهم وفساد نياتهم

    إذ يجعلون أعمالهم الباطلة الذاتية أعمالاً في مقدمة العبادة الشرعية،والمبصر أمرهم يعلم حقيقتهم وما وراء اندفاعاتهم من جهود يحسبها الجاهل مجاهدة

    في سبيل الله وما هي إلا كما قال تعالى :{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍيَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ

    مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَعِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }.النور(39)

    ولذلك تجدهؤلاء المدعين للصلاح يجتمعون مع المنافقين في التخاذل عن القيام بما أوجب الله سبحانه،أو العمل على نصرة الدين إن لم يكن في سعيهم

    مصلحة تعود بالنفع على ذواتهم، نسأل الله العفو والعافية.


    عاشراً: التشكيكفي قدرة الله سبحانه، وعدم الاطمئنان لوعده. قال تعالى :{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌمَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً }.الأحزاب(12)

    جاء في تفسير هذهالآية : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق . ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً أي باطلاً من القول .

    وذلك أن طعمةبن أبيرق ومعتب بن قشير وجماعة نحواً من سبعين رجلاً قالوا يوم الخندق : كيف يعدناكنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرز ؟

    وإنما قالوا ذلك لما فشا في أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- من قوله عند ضرب الصخرة ، على ما تقدم في حديث النسائي ; فأنزلالله تعالى هذه الآية أ هـ

    .فالمنافقون غير مدركين لحقائق النصوص، وذلك لعدم صدق إيمانهم،فلو كانوا مدركين لحقائق التنزيل لما شككوا في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم-،

    ولماأعرضوا عن اتباع ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وهذا حال كثير من الناس، تراهم لا يتعاملونمع النص الشرعي وفق ما ينبغي، وهذا ناتج عن عدم تصورهم الصحيح وعلمهم الحق،

    كما فيقوله تعالى : {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ}.التكاثر. فما يجعلهم منصرفين عن اتباع النص هو عدم علمهم اليقين،

    وهذا خلاف ما كان عليه أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم-، فإنهم أيقنوا حقيقة ما وعدهم به رسول الله- صلى الله عليه وسلم-

    لذا تحققت في واقعهم المواقف العظيمة التي هي أقرب إلى الخيالمن الحقيقة، فما كان لهؤلاء القوم أن يحرروا أنفسهم من قيود الدنيا، وجعلها وراءه مظهرياً،

    إلا بما قامت عندهم من قناعات ثابتة فيما يتعلق باليوم الآخر، وعلى خلافهمالمنافقون،

    فلما لم تتثبت في قلوبهم تلك القناعات كانت مخالفاتهم الظاهرة لما يتعلق باليوم الآخر ظاهرة،وهذا مجال واسع،

    فلن يحقق الناس في حياتهم تلك المعاني السامية التي دل عليها الإسلام إلا بتحول أفكارهم إلى قناعات تُحوّل إلىمفاهيم تطبيقية لما اشتملت عليه عقيدتهم الحقة،

    وعليه فإن عدم التيقن بما دلت عليهالنصوص الشرعية أو الاستخفاف بها هو شعبة من شعب النفاق المخرجة عن الدين بالكلية واللهسبحانه أعلم.


    الحادية عشرة:النشاط في الطاعة في حال تحقق المصلحة. قالتعالى : {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِنبَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ

    وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَامَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.التوبة(42)وهذه مسألة واضحة قد أشرنا إليها عن قريب،

    ولكن لا بد من لفت الانتباه إلى حقيقة مهمة،ألا وهي إن كل من ينتظر من طاعته لله منفعة مادية أو معنوية، أو يعمل في طاعته لذلك،

    أو يعرض عن الطاعة إن لم تتحقق له تلك المنفعة، فهو في مشابهة عظيمة لأهل النفاق، فالمسلملا يبتغي بعمله إلا وجه الله سبحانه،

    ويكون مقبلاً على الطاعة في كل أحواله كما فيالحديث عن أبي الوليد عُبادة بن الصامت- رضي الله عنه- قال :

    بايعنا رسول الله صلىالله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسرِ ، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا،

    وعلى أن لا ننازع الأمر أهلهُ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لؤمة لائم) .متفق عليه .


    أما أن يجعل التزامه وفق ما يتحقق له من منافع ومصالح، فهذا ليس بإيمان، وقد قدر الله سبحانه أنخالطنا كثيراً من هؤلاء،

    تراه يعرض عن الطاعة لأسباب شخصية أو نفسية، إذا دارت الأموروفق مراده نشط في الطاعة وأظهر عظام المواقف، وأما إن خالفت طاعته لله مصلحته انقلب على وجهه،

    كما في قوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍفَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىوَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }.الحج(11)

    وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:

    ( بادروابالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناًويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) . رواه مسلم


    وهنالك ماهو أسوء من ذلك، ترى بعضهم إن خولفت مصالحهم ينقلبون على دينهم وينفرون عنه ويتهمونأهله بكل تهمة تجعل الناس في إعراض عنهم،

    فأخي في الله إن كنت حقاً ترجو الله واليومالآخر، فلا تجعل طاعتك لله وفق هواك، بل اجعل نفسك عبداً لله في كل أحوالك لتسعد في الدارين الدنيا والآخرة قال سبحانه :

    {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىإِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْعَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }. الكهف(110).


    الثانية عشرة: كثرة حلفانهم بالباطل، قال تعالى : {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْقَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْيَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِه


    ِفَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباًأَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَنَصِيرٍ }.التوبة(74)

    وحقيقة إكثارهم من الحلف، راجعة إلى معرفتهم التامة بكذب أنفسهم،فهم يتشككون في تصديق الناس لهم لما هم عليه من النفاق،

    فيعمدون إلى تغليظ الأيمان ليصدقهم الناس لعلمهم أن المسلمين يكبرون الله ويعظمونه، ولا يتجرؤون عليه، وكثرة الحلففي إثبات صدق الإيمان وحسن الإرادة هي صفة للمنافقين،

    ولا يعني ذلك أن كثرة الحلف بالله من النفاق ، كلا لا يراد ذلك من قولي من بعيد أو من قريب، بل كما ذكرت أن كثرة الحلفبالله لبيان حسن النية،

    وسلامة القلب من صفات المنافقين، وإلا فالمسلم ليس بحاجة ليحلفبالله حتى يظهر صدق إرادته فهو يعلم يقيناً أن الله يعلم السر وأخفى،

    وهو لا يريد منطاعته إلا وجه الله، لذا لا يبالي أصدقه الناس أم كذبوه، وعليه فهو لا يحتاج إلى الأيمانناهيك عن تغليظها والمبالغة فيها .

    على خلاف المنافقين فهم لا يفتُرون عن تغليظ الأيمانوإشهاد الله على ما في قلوبهم من الصدق وهم يعلمون من أنفسهم خلاف ذلك كما في قوله سبحانه :

    {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُاللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ }.البقرة(204) وقال سبحانهعن المنافقين :

    {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّأَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ }.التوبة(62) وقال سبحانه :

    {سَيَحْلِفُونَبِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْعَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.التوبة(95)

    فالغاية من حلفهم هو إرضاء الناس وليس إرضاء رب الناس، والعلة في ذلك عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر،

    وسعيهم الحثيث على مصالحهم سواء كان ذلك دفعاً لضرر،أو جلباً لمصلحة.


    الثالثة عشرة: بث الإشاعات في المسلمين قال تعالى : {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِالْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِمِنْهُمْ لَعَلِمَهُ

    الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِعَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }.النساء(83)


    أو في باب الضيق، وهذه صفة يقع فيها كثيرمن الطيبين، فلا يكادون يسمعون خبراً ما حتى يطيروا به في أرجاء الأرض دون تثبت أوتحقق،

    وقد يكون هذا من قبيل الوقوع في أعراض المسلمين والتقليل من شأنهم، أو في بابتعظيم الأعداء وتوليد الهيبة منهم، والأصل في المسلم الصادق ألا يشيع خبراً

    دون أن يتحقق من صحته أو يعلم ما يترتب عليه من نتائج قد تؤدي إلى إحداث فتنِ في المسلمين،

    بل الواجب عليه أن يرجع الأمور إلى أهلها حتى يتعرف على حقيقتها وكيفية التعامل معها،والمسألة غير منحصرة في ما يتعلق بالنقل عن الناس،

    بل تتعداه إلى أخبار الأحداث ومايتعلق بواقع الأمة، وحتى بواقع أعدائها، ومن هنا ندرك أهمية وجود العلماء في الأمة،وفضلهم على غيرهم،

    وكونهم أساساً لا يستغنى عنه، ولا يدار في غير فلكهم، فهم أهل الله وخاصته، وهم من ورث العلم عن الرسول- صلى الله عليه وسلم-

    وهم من ترجع إليهم أمور العامةوالخاصة، ويصدر عن آرائهم خاصة إن كانت محل إجماع، ومن دونهم يتخبط الناس في الضلالوالظلمات،

    كما في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما - عن النبِي- صلى الله عليه وسلم- , قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لا يَنْزِعُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا ، أَيْ يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ ,

    وَلَكِنْيَنْزِعُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ , حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ ، اتَّخَذَالنَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا , فَسُئِلُوا , فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّواوَأَضلوا ) .


    وأما أهل النفاق فهم من أعرض الناس عن العلماء وأكثرهم وقوعاً في أعراضهم، وأكثر الناس ترويج اًللشبهات والإشاعات، ومن أبعد الناس عن التحقق والتثبت،

    وكل هذا مرجعه إلى فساد نياتهم،وضياع عقولهم، وأحقادهم الدفينة على الإسلام وأهله، نسأل الله العظيم أن يعافي المسلمين من أمثالهم وأشباههم.


    وقد يخدع المؤمن ببعض المنافقين لما يراه منهم من أعمال صالحةوأقوال مزخرفة وهذا كما قال تعالى :

    {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْوَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَكُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىيُؤْفَكُونَ }. المنافقون(4 )

    ولكن المؤمن سرعان ما يتفطن لهم، ويتعرف على حقيقتهم،فهم كما قال تعالى : {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْوَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ }. محمد(30)

    وقد بقي عندنا أن نتعرف على كيفية التعامل معهم من منطلق النصوص الشرعية:


    كيفية التعاملمع المنافقين:

    لا بد أنتعرف أولَ أن أحوال الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع المنافقين، هو الإعراض عنهم وتعميةأعيانهم عن المسلمين، وقبول أعذارهم،

    وعدم التعرض لهم أو قتلهم إلا من علم كفره وبانمقصده، قال تعالى : {وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ

    الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌأَلِيمٌ }. التوبة (90) إلى قوله سبحانه :{سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْفَأَعْرِضُواْ

    عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ }. التوبة(95) وكان - صلى اللهعليه وسلم - يعمل على هدم مخططاتهم، وتفريق جمعهم، وإضعاف شوكتهم، كما في مسجد الضرار

    قال تعالى : {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَالْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّإِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.التوبة(107)

    وهذا ما يجب أن يكون في المسلمين، وقد جاءت النصوصالشرعية ببيان التعامل مع المنافقين كما في قوله تعالى :

    {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُاللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْقَوْلاً بَلِيغاً }.النساء( 63)وعليه فأول ما يجب أن يتعامل به معهم هو:


    1: الموعظة والقول البليغ: والهدف من ذلك تلين قلوبهموحملهم على التفكير في نتائج أعمالهم وما يترتب عليها في الدنيا والآخرة، لعل الله سبحانه أن يدخل الهداية في قلوبهم ،

    وهذا من قبيل الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة،وقد أمر الله سبحانه رسوليه موسى وهارون -عليهما السلام -حين أرسلهما إلى فرعون ذلك الرجل الجحود الذي ادعى الربوبية،

    قال لهما : {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُيَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }.طه(44) وقال لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- :

    {فَبِمَارَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْمِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَاعَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }. آل عمران(159)

    فالدعوة إلى الله بالحكمة واللين لها أثر طيب فيالنفوس، ونتائج إيجابية في الواقع، والإنسان يختم له بما مات عليه، لا بما صدر عنه،

    فقد يتحول الكافر إلى الإيمان فتكتب له النجاة، وقد يتحول المؤمن إلى الكفر فيختم لهبشر ويكون من أصحاب النار،

    وباب التوبة مفتوح لكل مذنب كبر ذنبه أو صغر، وهذا يشملالمنافق أيضاً قال تعالى :

    فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَفَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }.التوبة(11)


    2: الإعراض عنهم والتقليل من شأنهم قال تعالى :{أُولَـئِكَالَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُللَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.النساء(63)

    وقال سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْإِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْمَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ

    فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّاللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً }النساء140

    {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْغَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْعَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }.النساء(81)


    3: تنقية صفوف المسلمين منهم، قال تعالى:

    {فَإِن رَّجَعَكَاللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْمَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِأَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ }.التوبة(83)

    وقال سبحانه :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْلاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }.آل عمران(118)

    وقال :{لَوْخَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُالْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }.التوبة(47)


    4 : عدم اتخاذهم أولياء قال تعالى : {فَمَا لَكُمْ فِيالْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَنتَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}النساء88

    {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْمِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْوَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَنَصِيراً }.النساء(89)

    5: هدم مكائدهم وتفريقجمعهم كما في قوله تعالى :

    {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىمِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْوَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }.التوبة(108)

    وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم-أصحابه بهدم مسجد الضرار حتى لا يكون للمنافقين مكان يجتمعون فيه،

    ولا يتكثرون على المؤمنين من خلال أوكارهم العفنة النجسة، وهذا ما يجب أن يفعل بهم في كل مكان وزمان حتى لا تقوم لهم قائمة،

    ولا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، والله سبحانه أعلى وأعلم
    Last edited by dr.nahla; 16-02-2014 at 07:49 PM.

  2. #2
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Aug 2013
    Posts
    226
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    جزاكم الله خيرا

  3. #3
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Oct 2012
    Posts
    52,463
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    2

  4. #4
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Feb 2013
    Posts
    457
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    جزاكم الله خيرا

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •