Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي, للحجوي - الدرس السادس (الجزء الأول)

  1. #1
    Administrator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    6,587
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي, للحجوي - الدرس السادس (الجزء الأول)

    الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي, للحجوي.

    تعريف الإجماع لغة واصطلاحا
    غير خفي أن الإجماع غير متيسر في الطور الأول للفقه الذي هو الزمن النبوي، لأن الإجماع كما عرفه في جمع الجوامع: "هو اتفاق مجتهدي الأمة بعده عليه السلام في عصر من الأعصار على حكم من الأحكام". لكن الإجماع لا بد أن يستند إلى كتاب أو سنة لا يخرج عنهما، وإن لم نقف على مستنده فكأنه وجد في الزمن النبوي فليس هو أصلا مستقلا بذاته من غير استناد إلى كتاب أو سنة، إذ لو كان مستقلا لاقتضى إثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك غير جائز.
    قال الشافعي في الأم: "ولا يكون عن قياس أو اجتهاد لأنهم لو اجتهدوا لم يتفقوا يعني غالبا" . وقال عياض في المدارك: "قد يكون عنهما". وعليه صاحب جمع الجوامع .
    فتبين لك أن هذه الأصول الثلاثة كلها متقررة ثابتة في زمنه صلى الله عليه وسلم.




    تاريخ التشريع الإسلامي, لمناع القطان.





    تعريف الإجماع لغة واصطلاحا
    الإجماع:
    ويجعل الشافعي حجية الإجماع بعد الكتاب والسنة، وقبل القياس. والإجماع عنده أن يجتمع علماء العصر على أمر فيكون إجماعهم حجة، ويعتبر إجماع الصحابة من الدرجة الأولى لأنه يكون دليلا على أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة فيما اجتمعوا عليه، وإن كان ذلك عن اجتهاد منهم. ولا يكون الإجماع في نظر الشافعي إلا من علماء المسلمين في كل الأمصار، ولذا رد قول شيخه مالك في اعتباره إجماع أهل المدينة.
    يقول الشافعي في "الرسالة": "لست أقول -ولا أحد من أهل العلم- هذا مجتمع عليه إلا لما لا تلقى عالما أبدا ألت قاله لك وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه ذالك".




    تاريخ الفقه الإسلامي, للسايس.





    تعريف الإجماع لغة واصطلاحا
    من أدلة الأحكام الشرعية الإجماع - وهو لغة يطلق على معنيين:
    أحدهما: العزم. ومنه قوله تعالى {فأجمعوا أمركم} أي اعزموا.
    ثانيهما: الاتفاق يقال: أجمع القوم على كذا، أي اتفقوا عليه.
    ويطلق في عرف الأصوليين على اتفاق جميع المجتهدين من هذه الأمة في عصر على حكم شرعي وعليه فلا ينعقد الإجماع باتفاق غير المجتهدين ولا باتفاق بعض المجتهدين دون من عاصروهم لا فرق في ذلك بين الخلفاء الأربعة - رضي الله عنهم - وغيرهم ولا بين الصحابة والتابعين على معنى أنه إذا اتفق الصحابة وخالفهم التابعي المجتهد في زمانهم لم ينعقد إجماع لأن المتفقين لم يكونوا كل المجتهدين والعصمة من الخطأ إنما هي للكل.




    المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية, لعبد الكريم زيدان.





    تعريف الإجماع لغة واصطلاحا
    الإجماع:
    الإجماع في اللغة: العزم على الشيء والتصميم عليه. وفي اصطلاح الفقهاء وعلماء الأصول: اتفاق المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي.
    والإجماع مصدر للتشريع ودليل من أدلة الأحكام، وقد ثبت ذلك بنصوص كثيرة من الكتاب والسنة تعرف من مظانها من كتب أصول الفقه المختلفة.




    المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي, لمحمد شلبي.





    تعريف الإجماع لغة واصطلاحا
    الإجماع: هو المصدر الثالث من مصادر الفقه الإسلامي، والعلماء مختلفون في تعريفه، وأحسن ما قيل فيه: "إنه اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي".
    ومعنى ذلك: أن تقع حادثة بعد عصر الرسول لا يوجد نص صريح في حكمها فيجتهد فيها المجتهدون كلهم. سواء أكانوا مجتمعين في مكان واحد أم غير مجتمعين، ثم ينتهي اجتهادهم إلى التوافق في النتيجة واتحاد الحكم.




    مذكرة أصول الفقه, للأمين الشنقيطي.





    تعريف الإجماع لغة واصطلاحا
    ومعنى الإجماع لغة: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، إذا اتفقوا عليه، ويطلق على العزم المصمم، ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ}.
    وفي الشرع: عرفه المؤلف بأنه اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين.
    وبقي عليه شرط وهو كون ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لأنه في حياته لا عبرة بقول غيره.




    المصباح المنير, للفيومي.





    تعريف الإجماع لغة واصطلاحا
    وأجمعت المسير والأمر، وأجمعت عليه يتعدى بنفسه وبالحروف عزمت عليه وفي حديث: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له)) أي من لم يعزم عليه فينويه، وأجمعوا على الأمر اتفقوا عليه. واجتمعت القوم واستجمعوا بمعنى تجمعوا، واستجمعت شرائط الإمامة، واجتمعت بمعنى حصلت. فالفعلان على اللزوم وجاء القوم جميعا أي مجتمعين.




    الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي, للحجوي.





    بيان حجية الإجماع
    وحجية الإجماع مبنية على أصل وهو عصمة الأمة الإسلامية من اجتماعها على ضلالة في أمر دينها، دليله قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم} وقوله صلى الله عليه وسلم : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ إلى النار)) رواه الترمذي.
    وقولنا: في أمر دينها لئلا ير خطؤها في أمور الدنيا كترك النظام الذي ابتليت به الأمم الإسلامية في القرن الماضي وما قرب منه، وإهمال التعليم والتربية، وكقولهم بانبساط الأرض على فرض إجماعهم عليه.
    ومذهب الجمهور أن الإجماع حجة في الدين، متعبد به، تثبت به الأحكام كما تثبت بالنصوص الشرعية.
    وأنكر الإمام أحمد، وداود الظاهري الإجماع في زمن التابعين وقالا: "إنما الحجة في إجماع الصحابة". وقد روي عن أحمد أنه قال: "من ادعى الإجماع هو كاذب". نقله في "إعلام الموقعين" وعن الشافعي نحوه، وكيف يتأتى اعتراف الكافة وهذا لم يكن إلا فيما يسمى علم الكافة، كالعلم بأن الصلوات المفروضة خمس، والصبح ركعتان، أما ما هو من قبيل علم الخاصة الذي لا يعرفه إلا العلماء فقل أن يتيسر ذلك، وكيف يتيسر الصدق لمن يقول في مسألة واحدة إن المجتهدين اتفقوا فيها على حكم واحد، اللهم إلا إذا كان في صدر الإسلام لما كانوا مجتمعين في المدينة أو الحجاز، ولهذا قال ابن عرفة: كل من حكى إجماعا في مسألة فهو رهين نقله إذ لابد لمن ادعاه من أمور ثلاثة:
    (1) ثبوت وجود مجتهدين يتفقون على الشيء المجمع عليه.
    (2) الإحاطة بمعرفة جميع علماء الإسلام المنتشرين في الأرض كلها مع اتساع خطة الإسلام التي لا يمكن معها ذلك.
    (3) ثبوت نصهم في المسألة أو سكوت من سكت اختيارا أو إقرارا بحيث لا مانع من الإنكار. ودون واحدة من هذه الثلاثة خرط القتاد انظر معاوضات المعيار، وبذلك كله تعلم مجازفة قول صاحب "العمل الفاسي في صيد بندق الرصاص".
    أفتى بذلك شخنا الأواه وانعقد الإجماع من فتواه
    وأمثاله كثير في كتب المتأخرين فاحذره نعم الشافعي يرى أن من الحجة في الدين أن ينقل الحكم عن السلف ولا يعلم أنهم اختلفوا فيه وهذا ليس بإجماع حقيقة ولا يسمى به ولكن رآه حجة لأنه إجماع سكوتي والحنفية يرون أن الإجماع السكوتي حجة وهو أن يجيب واحد من المجتهدين ويسكت الباقي ولا مانع من الإنكار، وفيه اثنا عشر قولا، انظر جمع الجوامع، وقد أشار الكمال بن أبي الشريف عند قوله آخره وخص محمد بأنه خاتم النبيين(الخ) إلى أن الذي يعتمد في نقل الإجماع مثل: ابن المنذر، وابن عبد البر ومن فوقهما من الأئمة وحفاظ الأمة فذلك مدارك الإجماع، ولا يعتمد على حكاية مثل الرازي والنسفي له فإنه لا ينهض حجة.
    على أنهم حذروا من إجماعات ابن عبد البر، واتفاقات ابن رشد، وكثير من الفقهاء يدعي في بعض المسائل الإجماع ويردون عليه:
    (1) حكى بعضهم في تحريم لحوم الخيل الإجماع مع إباحة الحنفية لها.
    (2) حكى بعضهم الإجماع على العمل بالقياس مع إنكار ابن مسعود والشعبي وابن سيرين له.
    (3) حكى في" جمع الجوامع" الإجماع على العمل بخبر الواحد وتقدم لنا البحث معه.
    (4) وحكى أيضا الإجماع على تقديم الإجماع على النص عند التعارض وتقدم لنا البحث معه.
    (5) وحكى بعضهم الإجماع على عدم وجوب غسل الجمعة مع قول الحنفية به.
    (6) وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد مع علي قول بن أبي طالب به.
    (7) وعلى إلزام الطلاق الثلاث بكلمة واحدة مع قول بعض الصحابة وبعض الحنابلة بعدمه.
    وأمثال هذا كثير فلا ينبغي أن يغتر بكل من حكى إجماعا بل لا بد من البحث والتنقيب.
    وقال الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة" ما نصه: "قد صنف أبو بكر الفارسي كتابا في مسائل الإجماع وأنكر عليه كثير منه، وخولف في بعض تلك المسائل. فإذا من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ، وليس بمكذب، فلا يمكن تكفيره، والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير منه، فتبين أنه ليس لكل عالم حكاية الإجماع بل له أئمة مخصوصون لا يقبل إلا منهم على القول بتصوره ووجوده كما سبق.
    واعلم أن الجمهور على الاحتجاج بالإجماع السكوتي، أما الإجماع الصريح فقال الأصفهاني: "المشهور أنه حجة قطعية، ويقدم على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلا". ونسبه إلى الأكثرين، قال: "بحيث يكفر مخالفه أو يضلل أو يبدع". قلت وفيه بحث فإن دلالة الآية السابقة على حجته ظنية فقط، والحديث خبر آحاد، واستدل له بغير هما ولكن أضعف دلالة منهما، فأدلة حجيته ليست قطعية، إلا أنه يدعى أن مجموعها يفيد قطعا ولا يسلم، فكيف يكون قطعيا، وكيف يقدم على القطعي من الأدلة، وقال الرازي، والآمدي: "لا يفيد إلا الظن"، ومنهم من جعله مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر، وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث، والمسألة محلها الأصول، وألحق به مالك إجماع أهل المدينة، قال: "إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم". ورآه حجة، ويأتي في ترجمة مالك زيادة بسط لذلك إن شاء الله. وتقدم في ترجمة مادة الفقه كلام على مرتبة الإجماع فارجع إليه.




    تاريخ التشريع الإسلامي, لمناع القطان.





    بيان حجية الإجماع
    ويستدل على حجية الإجماع بقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}. وبما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بلزوم الجماعة ويقول: "إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة ليس له إلا معنى واحد، لأنه إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان، فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدا من قوم متفرقين. وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا. فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يكون فيها غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله".
    ومع إجلال الشافعي لشيخه الإمام مالك فإنه رد عليه رأيه في إجماع أهل المدينة، وأنكر أن يكون ما قال فيه مالك اجتمع عليه أهل المدينة مصدرا تشريعيا ملزما واجب الإتباع. بل ينكر أن يكون ما قال فيه مالك ذلك قد حدث فيه اتفاق من أهل المدينة كلهم عليه، فيقول عن مالك في "الرسالة": "وقد أجاب يقول: "المجتمع عليه" وأجد من المدينة من أهل العلم كثيرا يقولون بخلافه وأجد عامة أهل البلدان على خلاف ما يقول "المجتمع عليه" ويقول: إنه ينبغي أن تقولوا: اجتمع الناس إلا لما حدث فيه اتفاق بين العلماء جميعا، أو يعرف فيه خلاف على العقل... لا تدعوا الإجماع أبدا إلا فيما لا يوجد بالمدينة فيه اختلاف، وهو لا يوجد بالمدينة إلا وجد بجميع البلدان عند أهل العلم متفق فيه، لم يخالف أهل البلدان أهل المدينة إلا ما اختلف فيه أهل المدينة بينهم".




    المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية, لعبد الكريم زيدان.





    بيان حجية الإجماع
    مستند الإجماع:
    الإجماع لا بد أن يستند إلى دليل لأن القول في الأمور الشرعية من غير دليل خطأ، والأمة الإسلامية لا تجتمع على خطأ كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد، إذن، أن يكون إجماع المجتهدين عن دليل لئلا تجتمع الأمة على خطأ، لأن غير المجتهدين تبع للمجتهدين فإذا وقع المجتهدون في الخطأ وقعت الأمة في الخطأ وهذا منفي عنها بنص الأحاديث النبوية.
    ومستند الإجماع، أي دليله، قد يكون نصا من الكتاب والسنة كما قد يكون قياسا أو عرفا أو غير ذالك من أنواع الاجتهاد. فالإجماع على تحريم التزوج ببنات الأولاد مهما نزلت درجتهن، مستند إلى نص الكتاب، {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} وإجماع الصحابة على أن ميراث الجدة السدس مستنده سنة الآحاد، والإجماع على تحريم شحم الخنزير مستنده القياس على تحريم لحمه، وإجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة كان بطريق الاجتهاد.




    المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي, لمحمد شلبي.





    بيان حجية الإجماع
    وكما اختلفوا في التعريف اختلفوا في إمكان تحققه.
    والذي نراه في هذا الأمر المختلف فيه، أنه كان ممكن التحقق في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لقلة عدد الفقهاء المجتهدين، واجتماعهم في بلد واحد. وإمكان معرفة رأي من كان خارجا المدينة، وتقرر مبدأ الشورى بينهم، ومع كل ذلك فقد ثبت أن بعض ما قيل إنهم أجمعوا عليه كان رأي الأغلبية.
    وأما بعد هذا العصر فقد تفرق العلماء في الأمصار الإسلامية، وزاد هذا التفرق ما جد من الأحداث السياسية، وغير السياسية التي يتعذر معها الاتفاق أو على الأقل يتعذر معها معرفة رأي كل المجتهدين في المسألة.
    ثم إن الاتفاق وقع على مسائل هي معلومة من الدين بالضرورة، وهي التي ثبت بالقرآن، أو بالسنة المتواترة ثبوتا قاطعا لاشك فيه، مثل فرضية الصلاة وكونها خمسا، وفرضية الزكاة والحج، وصوم رمضان. وما شابه ذلك مما اتفق عليه المسلمون جميعا، والإجماع في أمثال هذه المسائل لا يعتبر دليلا لأنها ثابتة قبله بأدلة قطعية متواترة لا شبهة فيها.
    وإنما يعتبر دليلا في المسائل الاجتهادية التي لا يوجد لها دليل قاطع، بل وجد لها دليل ظني سواء أكان حديثا أم قياسا، فإذا اجتهدوا واتفقوا على دلالة هذا الدليل الظني أفادنا ذلك الاتفاق أن مدلول هذا الدليل هو مراد الشارع، وانتقلت دلالته من الظنية إلى القطعية.
    وبعد هذا فالإجماع كما يقول علماء الأصول نوعان: صريح، وسكوتي.
    الأول: أن يتفق كل المجتهدين بالقول أو بالفعل على حكم شرعي مجتهد فيه، وهذا لا نزاع في حجيته عند جمهور المسلمين متى وجد.
    الثاني: أن يتكلم البعض بالحكم ويسكت الباقون من غير موافقة أو مخالفة صريحة، أو يفعل البعض الشيء، ويسكت الباقون كذلك.
    وهذا النوع مختلف فيه. فمن الفقهاء من اعتبره دليلا، لأنه يعتبر السكوت موافقة على ما صدر من البعض ولو كان غير صواب لأنكروا عليهم وبينوا خطأهم.
    ومنهم من لم يعتبره دليلا معللين ذلك بأن السكوت كما يحتمل الموافقة يحتمل غيرها، ولا دلالة مع الاحتمال، وعلى كل حال فأهل السنة من المسلمين يعتبرون الإجماع دليلا شرعيا، ومصدرا من مصادر الفقه الإسلامي متى تحقق بعد عصر الرسالة.
    والشيعة يوافقون على اعتباره دليلا، لكنهم جعلوا أهل الإجماع العلماء منهم فقط، فالمعتبر في تحقيقه هو اتفاق علمائهم وافقهم غيرهم أو لا.
    بل إنهم يشترطون في تحققه أن يكون الإمام المعصوم مع المجمعين وهو يجعل الإجماع عديم الفائدة لأن قول الإمام هو الحجة وحده.
    وأما الخوارج فلا يعترفون بالإجماع، لأنهم خرجوا على الجماعة، وحكم غلاتهم بتكفير علي وعثمان والحكمين وكل من رضي بالتحكيم.
    ومن أمثلة ما ثبت من الأحكام بالإجماع:
    توريث الجد السدس عند عدم الأب مع وجود الابن، فإنه ثابت بإجماع الصحابة، وكذلك حكمهم بمشاركة الجدة لأب للجدة لأم في السدس إذا كانت كل منهما وارثة، وكذلك تحريم شحم الخنزير، فإن القرآن حرم لحمه، ولم يعرض للشحم، وكذلك إجماع الصحابة على جمع القرآن في مصحف واحد في زمن أبي بكر، ومثله زيادة الآذان الثاني يوم الجملة على الزوراء، وهي دار في سوق المدينة في عهد عثمان لما كثر المسلمون.




    مذكرة أصول الفقه, للأمين الشنقيطي.





    بيان حجية الإجماع
    وذكر أن الإجماع حجة قاطعة عند الجمهور، خلافا للنظام في قوله ليس بحجة، واعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني والقطعي. هو القول المشاهد، والمنقول بعدد التواتر، والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد.
    واستدل المؤلف لحجية الإجماع بدليلين:
    الأول: الكتاب وهو قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} لأن فيها التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، وسبيلهم هو ما أجمعوا عليه، وفي الاستدلال عليه بهذه الآية بحوث ومناقشات.
    والثاني: من السنة كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)).
    وكقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق...)) وأحاديث الحض على الجماعة، وعدم الشذوذ عنها ونحو ذلك.
    وذكر المؤلف أن الصحابة كانوا يستدلون بمثل تلك الأحاديث على حجية الإجماع من غير نكير إلى زمن النظام.




    روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه, لابن قدامة المقدسي.





    بيان حجية الإجماع
    والإجماع حجة قاطعة عند الجمهور.
    وقال النظام: "ليس بحجة"
    وقال: "والإجماع كل قول قامت حجته"؛ ليدفع عن نفسه شناعة قوله وهذا خلاف اللغة والعرف.
    ولنا دليلان:-
    أحدهما: قول الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}.
    وهذا يوجب "اتباع سبيل المؤمنين، ويحرم مخالفتهم".
    فإن قيل: إنما توعد على مشاقة الرسول عليه السلام، وترك اتباع سبيل المؤمنين معا، أو على ترك أحدهما بشرط ترك الآخر: فالتارك لأحدهما بمفرده لا يلحق به الوعيد.
    ومن وجه آخر وهو: أنه إنما ألحق الوعيد لتارك سبيلهم إذا بان له الحق لقوله تعالى فيه؛ لقوله تعالى في الآية: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} والحق -في هذه المسألة- من جملة الهدى فيدخل فيها.
    ويحتمل: أنه توعد على ترك سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين.
    ويحتمل: أنه أراد بالمؤمنين جميع الأمة إلى قيام الساعة فلا يحصل الإجماع بقول أهل عصر.
    ولأن المخالف من جملة المؤمنين، فلا يكون تاركا لإتباع سبيلهم بأسرهم ولو قدر أنه لم يرد شيئا من ذلك غير أنه لا ينقطع الاحتمال، والإجماع أصل لا يثبت بالظن.
    قلنا: التوعد على الشيئين يقتضي أن يكون الوعيد يلحق بكل واحد منهما منفردا أو بهما معا.
    ولا يجوز أن يكون لاحقا بأحدهما معينا والآخر لا يلحق به الوعيد كقول القائل: "من زنى وشرب ماء عوقب".
    وهذا لا يدخل في القسم الثاني لأن مشاقة الرسول بمفردها تثبت بها العقوبة فـثبت أنه من القسم الأول.
    وأما الثاني: فلا يصح؛ فإنه توعد على سبيل المؤمنين مطلقا من غير شرط.
    وإنما ذكر "تبين الهدى" عقيب قوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} وليس بشرط لإلحاق الوعيد على مشاقة الرسول اتفاقا: فلأن لا يكون شرطا لترك اتباع سبيل المؤمنين- مع انه لم يذكر معه- أولى.
    وأما الثالث: فنوع تأويل وحمل اللفظ على صورة واحدة.
    وأما الرابع: فإن مطلق الاحتمال لا يؤثر في نفس كونه من الأدلة الأصلية؛إذ ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال؛ فإن النص يحتمل أن يكون منسوخا والعام يجوز أن يكون مخصوصا وهذا وشبهه لم يمنع كونه من الأصول كذا ها هنا.
    الدليل الثاني: من السنة:
    قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) وروى: ((لا تجتمع على خطأ)) وفي لفظ: ((لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ)).
    وقال: ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح))، وقال: ((من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)) و ((من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية)) وقال: ((عليكم بالسواد الأعظم))، وقال: ((ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله، والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين)).
    ونهى عن الشذوذ وقال: ((من شذ: شذ في النار)).
    وقال: ((لاتزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله)).
    وقال: ((من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد)).
    وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهودة في الصحابة والتابعين لم يدفعها أحد من السلف والخلف.
    وهي وإن لم تتواتر آحادها: حصل لنا بمجموعها العلم الضروري: أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن هذه الأمة، وبين عصمتها عن الخطأ.
    وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى تصديق شجاعة علي وسخاء حاتم وعلم عائشة وإن لم يكن آحاد الأخبار فيها متواترا بل يجوز على كل واحد منها الكذب لو جردنا النظر إليه ولا يجوز على المجموع.
    ويشبه ذلك: ما يحصل فيه العلم بمجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال، وتحصل بمجموعها العلم الضروري.
    ومن وجه آخر هو:-
    أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع ولا يظهر فيه أحد خلافا إلى زمن النظام.
    ويستحيل في مطرد العادة ومستقرها توافق الأمم في أعصار متكررة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته مع اختلاف الطباع وتفاوت المذاهب في الرد والقبول.
    ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد فيه.
    و من وجه آخر وهو:
    أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به: وهو الإجماع الذي يحكم على كتاب الله وسنة رسوله.
    ويستحيل في العادة التسليم بخبر يرفعون به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند مقطوع به.
    أما رفع المقطوع به بما ليس بمقطوع فليس معلوما حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستنده إلى خبر غير معلوم الصحة؟
    وكيف يذهل عنه جميع الأمة إلى زمن النظام فيختص بالتنبيه له؟
    هذا وجه الاستدلال.




    تسهيل الوصول إلى فهم علم الأصول, لحمود بن عقلاء الشعيبي.





    بيان حجية الإجماع
    دليل حجية الإجماع:
    ذهب الجمهور إلى أن الإجماع حجة يجب العمل به، وخالف في ذلك النّظام والشّيعة والخوارج.
    وقد استدل الجمهور لحجيته بأدلة كثيرة منها:
    1- قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} وذلك أن الله تعالى توعد من خالف سبيل المؤمنين بالعذاب فوجب اتباع سبيلهم، وما ذاك إلا لأنه حجة.
    2- قوله صلّى الله عليه وسلّم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)) الحديث فلو أجمع أهل عصر من العصور على باطل لتخلف مصداق الحديث في ذلك العصر لعدم وجود ظهير للحق فيه وذلك باطل فبطل أن يكون إجماعهم على خلاف الحق، إذا فهو حجة يجب اتباعه.




    تاريخ التشريع الإسلامي, لمناع القطان.





    إجماع أهل المدينة
    عمل أهل المدينة:
    ذهب مالك إلى أن المدينة هي دار الهجرة، وبها تنزل القرآن، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام صحابته، وأهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل، وبما كان من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم للوحي، وهذه ميزات ليس لغيرهم، وعلى هذا فالحق لا يخرج عما يذهبون إليه، فيكون عملهم حجة، يقدم على القياس، وعلى خبر الواحد، وفي كتاب الإمام مالك إلى الليث بن سعد: "إن الناس تبع لأهل المدينة، التي إليها كانت الهجرة، وبها تنزل القرآن".




    المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي, لمحمد شلبي.





    إجماع أهل المدينة
    ثانيا: إن الإجماع في نظر أبي حنيفة هو الإجماع العام الذي يكون من جميع المجتهدين في جميع البلدان سواء أكان صريحا أم سكوتيا، ولم يرد به إجماع علماء بلد بذاته، والإمام مالك يتوسع فيه فيجعله شاملا للإجماع العام، ولإجماع أهل المدينة.





    مذكرة أصول الفقه, للأمين الشنقيطي.





    إجماع أهل المدينة
    إجماع أهل المدينة ليس بحجة:
    وإجماع أهل المدينة ليس بحجة، وقال مالك هو حجة.
    أما حجة الجمهور على أنه غير حجة فواضحة؛ لأنهم بعض الأمة، والمعتبر إجماع الأمة كلها.
    وأما حجة مالك، فالتحقيق أنها ناهضة ـ أيضاً ـ لأن الصحيح عنه أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان:
    أحدهما: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه.
    الثاني: أن يكون من الصحابة أو التابعين لا غير ذلك؛ لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي في في حكم المرفوع، فالحق بهم مالك التابعين من أهل المدينة فيما فيه اجتهاد لتعلمهم ذلك عن الصحابة.
    أما في مسائل الاجتهاد فأهل المدينة ـ عند مالك ـ فالصحيح عنه كغيرهم من الأمة، وحكى عنه الإطلاق.
    وعلى القول بالإطلاق يتوجه عليه اعتراض المؤلف بأنهم بعض من الأمة كغيرهم وإلى ما ذكرنا عن مالك أشار في المراقي قال:
    وأوجبن حجية للمدني فيما على التوقيف أمره بني
    وقيل مطلقاً وما قد أجمعا عليه أهل البيت مما منعا
    ومعناه عند مالك اتفاق الصحابة والتابعين الذين في المدينة، واتفاق الخلفاء ...الخ.




    روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه, لابن قدامة المقدسي.





    إجماع أهل المدينة
    وإجماع أهل المدينة ليس بحجة:
    وقال مالك: هو حجة؛ لأنها معدن العلم، ومنزل الوحي، وبها أولاد الصحابة، فيستحيل اتفاقهم على خلاف الحق، وخروجه عنهم.
    ولنا: أن العصمة تثبت للأمة بكليّتها، وليس أهل المدينة كلّ الأمة.
    وقد خرج من المدينة من هو أعلم من الباقين بها.
    كـ"عليّ" و"ابن مسعود" و"ابن عباس" و "معاذ" و "أبي عبيدة" و "أبي موسى" وغيرهم من الصحابة فلا ينعقد الإجماع بدونهم.
    وقوله: "يستحيل خروج الحق عنهم": تحكم؛ إذ لا يستحيل أن يسمع رجل حديثاً من النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أو في المدينة ثم يخرج منها قبل نقله.
    وفضل المدينة لا يوجب انعقاد الإجماع بأهلها؛ فإنّ مكة أفضل منها ولا أثر لها في الإجماع.
    ولأن [إجماع أهل المدينة] لو كانت حجة: لوجب أن يكون حجة في جميع الأزمنة، ولا خلاف في أن قولهم لا يعتدّ به في زمننا فضلاً عن أن يكون إجماعاً.




    أصول الفقه الاسلامي, للزحيلي.





    إجماع أهل المدينة
    قال الإمام مالك رحمه الله: "إجماع أهل المدينة حجة" أي إذا كانوا من الصحابة أو التابعين دون غيرهم كما نبّه عليه ابن الحاجب. وذلك في نحو ثمان وأربعين مسألة في "الموطأ".
    واختلف أصحابه في المراد من كون إجماعهم حجة، فمنهم من قال: المراد أن روايتهم راجحة على رواية غيرهم لكونهم أخبر بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال: المراد أن إجماعهم حجة في المنقولات المشتهرة، أي التي يكون طريقها النقل المستفيض كالأذان والإقامة والصاع والمد دون غيرها.
    قال القرافي وابن الحاجب: "والصحيح التعميم في هذا وفي غيره؛ لأن العادة تقضي بأن مثل هؤلاء لا يجتمعون إلا عن دليل راجح".
    وبناء عليه فإجماع أهل المدينة نوعان: نوع طريقه النقل والحكاية، ونوع طريقه الاجتهاد.
    النوع الأول:
    الإجماع المنقول: ينقسم إلى ما يلي:-
    1- الرواية: وهو الإجماع على رواية الشرع عن الرسول عليه الصلاة والسلام سواء أكان قولا أم فعلا أم تقريرا أو تركا لشيء قام سبب وجوده ولم يفعله. وفي هذا النوع قال بعض المحدثين: إن روايتهم تقدم على رواية غيرهم إذا عارضتها ولم يمكن التوفيق كالقنوت في الصبح، ويظهر أن البخاري يرى ذلك مما لوحظ في تقديمه أحاديث أهل المدينة في كل باب ثم يتبعها غيرها. وقال جمهور العلماء وكثير من المحدثين: ليس لرواية المدني من حيث إنه مدني ميزة على رواية غيره من المحدثين؛ لأن التفضيل يكون بالعدالة والضبط لا بالبلاد.
    2- الإجماع على نقل مقادير الأعيان وتعيين الأماكن: كنقلهم مقدار المد والصاع وتعيينهم مكان المبنر، وموقفه للصلاة، والقبر والحجرة ومسجد قباء، وتعيين الروضة والبقيع والمصلى وغيرها، قال بعض المالكية: إن مراد الإمام مالك هو هذا النوع من الإجماع.
    3- الإجماع على نقل أعمال مستمرة منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصر الإمام مالك، كنقلهم تثنية الأذان وإفراد الإقامة، وأن الأذان يكون على مكان مرتفع، وأنه كان قبل الفجر في صلاة الصبح، ونقلهم المزارعة وعدم الزكاة في الخضروات وغيرها من الأعمال. ويظهر من "موطأ مالك" أنه يريد هذا النوع من علم أهل المدينة. قال ابن القيم: هذا النقل وهذا العمل حجة يجب اتباعها، وسنة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك قرت به عينه واطمأنت إليه نفسه.
    النوع الثاني:
    وهو ما كان طريقه الاجتهاد والاستدلال: اختلف فيه أصحاب مالك على ثلاثة أوجه:
    أحدها: أنه ليس بإجماع ولا بمرجح لاجتهاد على آخر.
    ثانيها: أنه ليس حجة ولكنه مرجح لاجتهاد على آخر.
    ثالثها: أنه حجة ولكن لا يحرم خلافه.
    قال القاضي عبد الوهاب المالكي: هذا النوع الاستدلالي إن عارضه خبر، فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا، وقال جماعة: إنه أولى من الخبر على اعتبار أنه إجماع. وليس ذلك بصحيح؛ لأن المشهود له بالعصمة إجماع كل الأمة لا بعضها.
    وقال أبو العباس القرطبي: أما الضرب الأول -أي ما كان طريقه النقل- فينبغي ألا يختلف فيه؛ لأنه من باب النقل المتواتر، ولا فرق بين القول والفعل والإقرار، إذ كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي، وإنهم عدد كثير وجم غفير تحيل العادة عليهم التواطؤ على خلاف الصدق، ولا شك في أن ما هذا سبيله أولى من أخبار الآحاد والأقيسة والظواهر. وأما الضرب الثاني -أي ما كان طريقه الاجتهاد- فالأولى فيه أنه حجة إذا انفرد ومرجح لأحد المتعارضين.
    وبناء على هذه الأقوال: فإجماع أهل المدينة الذي طريقه النقل ليس بحجة من حيث إجماعهم، بل إما من جهة نقلهم المتواتر، وإما من جهة مشاهدتهم الأحوال الدالة على مقاصد الشرع. وأما النوع الاستدلالي فيقدم عليه الحديث، وهو ليس بإجماع ولا حجة عند بعض المالكية. وعند الأكثرين: يعتبر حجة كما نقل القرافي وابن القيم.
    وقال الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: "والمتتبع لكلام مالك في عمل أهل المدينة يرى أنه كان يأخذ بعملهم على أساس أنه لا بد أن يكون منقولا، فهو قد فرض فيه النقل دائما، ولم يفرض فيه أنه كان على أساس الرأي".
    والخلاصة: إن إجماع أهل المدينة المنقول عن مالك يعتبر بمثابة الحديث المتواتر، وأما الإجماع الاجتهادي فهو حجة عنده لا إجماع.
    الأدلة:
    استدل بعض المالكية كالقرطبي على حجية إجماع أهل المدينة بنوعيه بما يأتي من النقل والعقل:
    أما النقل: فهو ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: ((إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد)) قالوا: والخطأ خبث، فيجب أن يكون منفيا عن أهلها، فإنه لو كان في أهلها لكان فيها، وإذا انتفى عنهم الخطأ كان إجماعهم حجة.
    وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)) وقال أيضا: ((لا يكيد لأهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء)).
    ويجاب عن النص الأول: بأنه ليس نصا في نفي الخطأ الاجتهادي عما اتفق عليه أهل المدينة، لأنه قد يراد منه ضلال الأعمال وفسقها، وهذا واقع فيها.
    وقد يراد به أنها أفضل من غيرها، وهذا لا يفيد في العصمة من الخطأ، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. بل إننا لا نسلم أن الخطأ خبث؛ لأن الخطأ معفو عنه، والخبث منهي عنه لقوله عليه السلام: ((الكلب خبيث وخبيث ثمنه)) وقوله: ((مهر البغي خبيث)). ويجاب عن النصين الآخرين بأن المراد بهما هو إظهار شرف المدينة وإبانة خطرها، لما اشتملت عليه من الصفات باعتبارها دار الهجرة وموضع قبر الرسول عليه السلام، ومهبط الوحي، ومستقر الإسلام، ومجمع الصحابة. وهذا لا دخل له في عصمة الأمة عن الخطأ في الاجتهاد كما أوضحت.
    وأما المعقول فمن وجهين:
    الأول: إن العادة تقضي بأن هذا الجمع الكثير المقيمين في المدينة مهبط الوحي، والذين هم شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول من غيرهم، لا يصح أن يجمعوا إلا عن دليل راجح. وإن الحق لا يخرج عنهم، وهذا أقوى دليل اعتمد عليه ابن الحاجب.
    الثاني: إن اجتهادهم الذي أدى إلى إجماعهم يكون كروايتهم، وروايتهم مقدمة على رواية غيرهم بالاتفاق، فيكون إجماعهم حجة على غيرهم.
    ويجاب عن الوجه الأول: بأنه صحيح لو لم يتفرق الصحابة في الأمصار، وينتشروا في البلاد، فإن بعض الصحابة رحلوا عن المدينة كعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي موسى الأشعري، ومن الجائز أن يطلع هؤلاء على دليل أرجح مما اطلع عليه بعض أهل المدينة، روي في الأثر أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) ولم يخصص الموصوفين بالصحبة بموضع دون موضع في هذا الشأن، وإنما العبرة بالدليل.
    وأما الوجه الثاني: فإنه تمثيل من غير دليل موجب للجمع بين الرواية، والدراية؛ لأن الرواية مبناها السماع ووقوع الحوادث المروية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أما الدراية والاجتهاد فطريقه النظر والبحث للاستدلال على الحكم، وهذا لا يختلف باختلاف البلدان. ثم إن تقديم رواية أهل المدينة يكون إذا لم يعارضها رواية الكثيرين. أما إذا عارضتها رواية الأكثرين فتقدم هذه بكثرة الرواة، ومن المقرر أن كثرة الرواة ترجح عند تساوي الرواة في العدالة والضبط.
    وأما ادعاء الاتفاق على تقديم رواية المدنيين فغير مسلم أيضا؛ لأن جمهور الفقهاء والمحدثين لا يقولون به كما بينت في النوع الأول من إجماع أهل المدينة، وإنما المعول عليه في التقديم هو التفاوت في العدالة والضبط، وليست الأمكنة في معقول أحد ميزان العدالة والضبط.
    وإني أمام هذه المناقشة لا يسعني إلا ترجيح رأي الجمهور القائلين بأن إجماع أهل المدينة ليس بحجة على أنه إجماع، وهو قول المحققين من أصحاب مالك كما ذكر القاضي عبد الوهاب ونبه عليه الأنباري؛ لأن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة، متناولة لأهل المدينة والخارج عن أهلها، فلا يكون أهل المدينة كل الأمة ولا كل المؤمنين، فيترتب عليه أنه لا يكون إجماعهم حجة، سواء أكان طريقه النقل أو طريقه الاجتهاد.
    وقد رد الشافعي على إجماع أهل المدينة من ناحيتين:
    إحداهما: أن الأمر المجتمع عليه ليس هو اجتماع البلد، بل اجتماع العلماء في كل البلاد.
    والثانية: أن المسائل التي ادعي فيها إجماع أهل المدينة عليها، كان من أهل المدينة من يرى خلافها، ومن عامة البلدان من يخالفها. كما أن ابن القيم أفاض في "إعلام الموقعين" في الرد على المالكية القائلين بعمل أهل المدينة.




    روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه, لابن قدامة المقدسي.





    هل اتفاق أكثر المجتهدين يعتبر إجماعا؟
    فصل:
    لا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور.
    وقال محمد بن جرير، [وأبو بكر] الرازي: ينعقد و[قد] أومأ إليه أحمد رحمه الله.
    ووجهه: أن مخالفة الواحد شذوذ [عن الجماعة] وهو [قد] نهى عنه، قال عليه السلام: ((عليكم بالسواد الأعظم))، وقال: ((الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد)).
    ولنا أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع، بل هو مختلف فيه، وقد قال الله - تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ}، {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}.
    فإن قيل: قد يطلق اسم الكل على الأكثر.
    قلنا: هذا مجاز، ولا يجوز التخصيص بالتحكم.
    وقد وردت نصوص تدل على قلة أهل الحق وذم الأكثرين؛ كقوله تعالى: {وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، ونحوها، وقال: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}، و{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً}،{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} وقال - صلى الله عليه وسلم-: ((بدأ الدين غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء)).
    دليل ثان: إجماع الصحابة على تجويز المخالفة للآحاد؛ فانفرد ابن عباس بخمس مسائل في الفرائض وانفرد ابن مسعود بمثلها، فإن قيل: فقد أنكروا على ابن عباس القول ب"المتعة" و"إنما الربا في النسيئة".
    وأنكرت عائشة على زيد بن أرقم مسألة العينة.
    قلنا: إنما أنكروا عليهم؛ لمخالفتهم السنة المشهورة؛ والأدلة الظاهرة.
    [ثم] هب أنهم أنكروا [عليهم] والمنفرد منكر عليهم إنكارهم، فلم ينعقد الإجماع، فلا حجة في إنكارهم.
    والشذوذ يتحقق بالمخالفة بعد الوفاق.
    ولعله أراد به: الشاذ من الجماعة الخارج على الإمام على وجه يثير الفتنة كفعل الخوارج.
    وهذا الجواب عن الحديث الآخر [والله أعلم].




    مذكرة أصول الفقه, للأمين الشنقيطي.





    هل اتفاق أكثر المجتهدين يعتبر إجماعا؟
    قول الأكثرين ليس إجماعا:
    ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور.
    وقال ابن جرير الطبري وأبو بكر الرازي: لا عبرة بمخالفة الواحد والاثنين، فلا تقدح مخالفتهما في الإجماع، وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله.
    وحجة الجمهور أن العبرة بقول علماء جميع الأمة؛ لأن العصمة إنما هي للكل، لا البعض.
    وحجة الآخر اعتبار الأكثر، وإلغاء الأقل.
    قال المراقي:
    والكل واجب وقيل لا يضر الاثنان دون من عليهما كثر





    أصول الفقه الاسلامي, للزحيلي.





    هل اتفاق أكثر المجتهدين يعتبر إجماعا؟
    اتفاق أكثر المجتهدين:
    اختلف العلماء في انعقاد الإجماع بأكثر المجتهدين، فقال الجمهور: لا ينعقد. وقال أبو الحسن الخياط من المعتزلة وابن جرير الطبري وأبو بكر الرازي: "ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين".
    وقال ابن الحاجب: "إذا ندر المخالف لا يكون إجماعا قطعيا، لكن الظاهر أنه حجة؛ لأنه يبعد أن يكون الراجح من الأقلين".
    وقال بعضهم: إن كان الأقل بالغا عدد التواتر لم يعتد بالإجماع دونه، وإلا كان معتدا به.
    قال الغزالي: "والمعتمد أن العصمة تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا (أي الإجماع من الأكثر) إجماع الجميع، بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}.
    استدل الجمهور على رأيهم بدليلين:
    أولا: إن أدلة حجية الإجماع من القرآن والسنة تدل على عصمة الأمة من الخطأ، فمن الأدلة القرآنية: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}.
    ومن أدلة السنة: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) فلفظ الأمة يحتمل أنه أراد به كل الأمة عملا بحقيقة اللفظ، ويحتمل أنه أراد به الأكثر، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف، والمراد به: الأكثر منهم، غير أن حمل الأمة على المعنى الأول أرجح؛ لأنه يؤدي إلى العمل بما أراده الرسول قطعا؛ لأن العدد الأكثر يدخل في الكل، فحمل الأمة على الجميع أحوط، والأخذ بالأحوط في مواطن الاحتمال أولى، وحينئذ يعتبر الإجماع حجة قطعية.
    ثانيا: لو كان اتفاق الأكثر حجة لأنكر الصحابة على من خالفهم من الأقلين، ولكنهم لم ينكروا عليه، من أمثلته: اتفاق أكثر الصحابة على امتناع قتال مانعي الزكاة، مع خلاف أبي بكر لهم. ومنها مخالفة أكثر الصحابة لما انفرد به ابن عباس في مسألة العول، وتحليل المتعة، وأنه لا ربا إلا في النسيئة. ومنها اتفاق أكثرهم على مسائل في الفرائض مع مخالفة ابن مسعود لهم. فلو كان إجماع الأكثر حجة، لبادروا بالإنكار والتخطئة. وما وجد منهم من الإنكار في هذه الصور لم يكن إنكار تخطئة، بل إنكار مناظرة في مأخذ الاجتهاد، كما هي عادة المتناظرين المجتهدين بعضهم مع بعض. ويؤكده أنه ظل الخلاف قائما إلى وقتنا هذا.
    واستدل غير الجمهور المخالفين ما عدا ابن الحاجب بما يلي:
    أولا: بالنصوص: وهو أن المراد (بالأمة) في الأحاديث هو الأكثر كما يقال: الأمة العربية تأبى الضيم، فالمراد به الأكثر. وأيضا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بالسواد الأعظم، عليكم بالجماعة، يد الله على الجماعة، إياكم والشذوذ))، فهذه النصوص تقتضي أنا مأمورون باتباع السواد الأعظم، وترك من يشذ؛ لأن ((الشيطان مع الواحد، وهو عن الاثنين أبعد)). فيدل على أن إجماع الأكثر حجة لدلالة النصوص عليه.
    ويجاب عن ذلك بأن إرادة الأكثر من لفظ الأمة بطريق المجاز، فيجب حمل لفظ (الأمة) على الكل؛ لأن الحجة فيه قطعية، ويوجب حمل قوله عليه والسلام: ((عليكم بالسواد الأعظم)) على جميع أهل العصر إذ لا سواد أعظم من جميع المجتهدين في عصر من العصور. وأما النهي عن الشذوذ، فهو محمول على المخالف بعد الإجماع والموافقة، لا من خالف قبل الموافقة. والتزام الجماعة: يعني ما أجمعوا عليه أو انعقد رأيهم عليه.
    ثانيا: بالإجماع: وهو أن الصحابة اعتمدت في خلافة أبي بكر على اتفاق الأكثر مع مخالفة علي وسعد بن عبادة، ولولا أن اتفاق الأكثر حجة مع مخالفة الأقل، لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة بالإجماع.
    ويرد عليه بأن الإمامة لا تحتاج إلى انعقاد الإجماع، ومخالفة علي أيضا لم تكن خروجا على الإجماع، وإنما كان تخلفه بسبب ما انتابه من وفاة الرسول عليه السلام. وأما مخالفة سعد بن عبادة بتخلفه عن بيعة أبي بكر فإنها لم تكن عن اجتهاد؛ لأنه من الخزرج الذين قالوا: "منا أمير ومنكم أمير". فتخلفه كان ناشئا عن حب السيادة؛ لأنه يرى الحق في غير ما اتفق عليه، والتخلف عن الإجماع لغير اجتهاد لا يعد خرقا للإجماع على قول الجمهور، ولا معفوا عنه على قول المخالفين.
    ثالثا: بالمعقول: وذلك من وجهين:
    1- إن الكثرة يحصل بها ترجيح رواية الخبر، فيحصل بها الترجيح في الاجتهاد. يرد عليه بأنه قياس مع الفارق، إذ الرواية يطلب فيها غلبة الظن دون اليقين، وأما الإجماع فيطلب فيه القطع واليقين، وإذا اختلف الأثر المترتب عليهما اختلفا فيما يصح به الترجيح فيهما.
    2- إن خبر الجماعة الكثيرة يفيد العلم، فليكن مفيدا في باب الإجماع والاجتهاد. ويرد عليه بأنه ليس كل ما يخبر به الأكثر يفيد العلم واليقين، فهذا مجاله في الأمور المحسوسة، فلا يلزم أن يكون الإجماع الصادر عن الاجتهاد مثلها. وأيضا فإنه ليس دائما للأكثر حكم الكل، وإنما يكون هذا في الشيء الذي يتحقق بالأكثر كما يتحقق بالكل، كالإخبار عن ظهور الهلال، بل إنه قد يتحقق بالأقل. أما إذا كان الأكثر لا يتحقق به ما يتحقق بالكل غالبا فلا يصح أن يقوم الأكثر فيه مقام الكل، كما لو نذرت صوم شهر مثلا، فإنك لو صمت أكثر الشهر ما برئت ذمتك، ومن صام أكثر نهار رمضان لا يعتبر صائما لليوم، والإجماع من هذا القبيل؛ لأن الأقل قد يكون عنده من الأدلة ما يقنع به الأكثرين المجمعين.
    ثم لو كان كل من أفاد خبره اليقين، يكون قوله إجماعا محتجا به، لوجب أن يكون إجماع أهل كل بلد يفيد العلم.
    وأما دليل ابن الحاجب: الذي يعتبر اتفاق الأكثر حجة وليس إجماعا، فهو أن الاتفاق من الأكثر يدل بحسب الظاهر على وجود دليل راجح أو قاطع استند إليه هؤلاء المتفقون؛ إذ من المستبعد أن يكون دليل المخالف هو الراجح، ومن المستبعد أيضا أن يطلع الأكثر على دليله ثم يخالفونه عمدا أو خطأ، والاحتمالات البعيدة لا يترك الظاهر بها، ونظرا لوجود الاحتمال، فإن قول الأكثر يكون حجة لا إجماعا مفيدا للقطع في الحكم.




    تاريخ الفقه الإسلامي, للسايس.





    هل يختص الإجماع بعصر الصحابة؟
    ويطلق في عرف الأصوليين على اتفاق جميع المجتهدين من هذه الأمة في عصر على حكم شرعي. وعليه فلا ينعقد الإجماع باتفاق غير المجتهدين، ولا باتفاق بعض المجتهدين دون من عاصروهم. لا فرق في ذلك بين الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم- وغيرهم، ولا بين الصحابة والتابعين. على معنى: أنه إذا اتفق الصحابة وخالفهم التابعي المجتهد في زمانهم لم ينعقد إجماع، لأن المتفقين لم يكونوا كل المجتهدين، والعصمة من الخطأ إنما هي للكل.




    روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه, لابن قدامة المقدسي.





    هل يختص الإجماع بعصر الصحابة؟
    إذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة: اعتدّ بخلافه في الإجماع عند الجمهور.
    واختاره أبو الخطاب.
    وقال القاضي وبعض الشافعية: لا يعتدّ به.
    وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى القولين.
    ووجه قول القاضي رحمه الله:
    أن الصحابة شاهدوا التنزيل، وهم أعلم بالتأويل، وأعرف بالمقاصد، وقولهم حجة على من بعدهم، فهم مع التابعين كالعلماء مع العامة.
    ولذلك قدّمنا تفسيرهم.
    وأنكرت عائشة رضي الله عنها على سلمة حين خالف ابن عباس قالت: "إنمّا مثلك مثل الفروج سمع الدّيكة تصيح فصاح لصياحها".
    ووجه الأول:
    أنه إذا بلغ رتبة الاجتهاد: فهو من الأمة، فإجماع غيره لا يكون إجماع كل الأمة، والحجة إجماع الكلّ.
    نعم لو بلغ رتبة الاجتهاد بعد إجماعهم: فهو مسبوق بالإجماع، فهو كمن أسلم بعد تمام الإجماع.
    ولا خلاف: أن الصحابة رضي الله عنهم سوّغوا اجتهاد التابعين.
    ولهذا ولّى عمر رضي الله عنه شريحاً القضاء وكتب إليه: "ما لم تجد في السنة فاجتهد رأيك".
    وقد علم أن كثيرا من أصحاب عبد الله كعلقمة والأسود وغيرهما، وسعيد بن المسيب وفقهاء المدينة قد كانوا يفتون في عصر الصحابة -رضي الله عنهم- فكيف لا يعتدّ بخلافهم؟ وقد روى الإمام أحمد في "الزهد" أن أنسا سئل عن مسألة فقال: "سلوا مولانا الحسن فإنه غاب وحضرنا وحفظ ونسينا".
    وإنما يفضل الصحابي بفضيلة الصحبة.
    ولو كانت هذه الفضيلة تخصص الإجماع: لسقط قول المتأخرين من الصحابة بقول من تقدمهم، وقول المتقدمين منهم بقول العشرة، وقول العشرة بقول الخلفاء وقولهم بقول أبي بكر وعمر-رضي الله عنهما.
    وإنكار عائشة -رضي الله عنها- على أبي سلمة مخالفة ابن عباس قد خالفها أبو هريرة فقال: "أنا مع ابن أخي".
    ثمّ هي قضية في عين:
    يحتمل أنّها لم تره من المجتهدين.
    ويحتمل أنّها أنكرت عليه ترك التأدب مع ابن عباس والله أعلم.




    المستصفى, للغزالي.





    هل يختص الإجماع بعصر الصحابة؟
    مسألة
    قال قوم: لا يعتدّ بإجماع غير الصحابة.
    وسنبطله.
    وقال قوم: يعتد بإجماع التابعين بعد الصحابة، ولكن لا يعتدّ بخلاف التابعي في زمان الصحابة، ولا يندفع إجماع الصحابة بخلافه.
    وهذا فاسد، مهما بلغ التابعي رتبة الاجتهاد قبل تمام الإجماع.
    لأنه من الأمة، فإجماع غيره لا يكون إجماع جميع الأمة، بل إجماع البعض، والحجة في إجماع الكل.
    نعم، لو أجمعوا، ثم بلغ رتبة الاجتهاد بعد إجماعهم، فهو مسبوق بالإجماع، فليس له الآن أن يخالف كمن أسلم بعد تمام الإجماع.
    ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}، وهذا مختلف فيه.
    ويدل عليه إجماع الصحابة على تسويغ الخلاف للتابعي، وعدم إنكارهم عليه، فهو إجماع منهم على جواز الخلاف.
    كيف، وقد علم أن كثيرا من أصحاب عبد الله، كعلقمة والأسود، وغيرهما، كانوا يفتون في عصر الصحابة، وكذا الحسن البصري وسعيد بن المسيب، فكيف لا يعتدّ بخلافهم.
    وعلى الجملة: فلا يفضل الصحابي التابعي إلا بفضيلة الصحبة.
    ولو كانت هذه الفضيلة تخصص الإجماع، لسقط قول الأنصار بقول المهاجرين، وقول المهاجرين بقول العشرة، وقول العشرة بقول الخلفاء الأربعة، وقولهم بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهم.
    فإن قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن مجاراة الصحابة، وقالت: "فروج يصقع مع الدّيكة".
    قلنا: ما ذكرناه مقطوع به، ولم يثبت عن عائشة ما ذكرتم إلا بقول الآحاد.
    وإن ثبت فهو مذهبها، ولا حجة فيه.
    ثم لعلها أرادت منعه من مخالفتهم فيما سبق إجماعهم عليه.
    أو لعلها أنكرت عليه خلافه في مسألة لا تحتمل الاجتهاد في اعتقادها، كما أنكرت على زيد بن أرقم في مسألة العينة، وظنت أن وجوب حسم الذريعة قطعي.
    واعلم: أن هذه المسألة يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بمخالفة واحد من الصحابة.
    أما من ذهب إلى أنه لا يندفع إجماع الأكثر بمخالفة الأقل، كيفما كان، فلا يختص كلامه بالتابعي.




    الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي, للحجوي.





    المصدر الرابع مِن مصادر التشريع في الدّوْر الثاني: "الاجتهاد" المراد بالقياس أو الرأي
    القياس:
    هو إلحاق فرع بأصل لمساواته له في علة حكمه. كإلحاق النبيذ بالخمر في الحرمة ووجوب حد شاربه لمساواته له في الإسكار، ولا يكفي وجود الجامع بين الأصل والفرع، بل لابد في اعتباره من دليل يدل عليه من نص أو إجماع أو استنباط، ولذلك احتاجوا إلى مسالك التعليل العشرة المقررة في الأصول.




    المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية, لعبد الكريم زيدان.





    المصدر الرابع مِن مصادر التشريع في الدّوْر الثاني: "الاجتهاد" المراد بالقياس أو الرأي
    المقصود بالرأي :
    قلنا: إن الصحابة اجتهدوا واستعملوا آراءهم فيما لا نص فيه، فما المقصود بالرأي؟ كما يقول ابن القيم: "ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات، فلا يقال لمن رأي بقلبه أمرا غائبا عنه مما يحس به أنه رأيه، ولا يقال أيضا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات أنه رأي وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها" .
    القياس:
    القياس في اللغة: التقدير والمساواة.
    وفي اصطلاح العلماء: إلحاق مسألة لا نص على حكمها بمسألة ورد النص بحكمها في الحكم الذي ورد به النص لتساوي المسألتين في علة الحكم. فهذا الإلحاق يسمى قياسا. والمسألة المنصوص على حكمها تسمى المقيس عليه أو الأصل. والحكم الذي ورد به النص في المقيس عليه يسمى حكم الأصل. والمسألة التي لم يرد نص بحكمها ويراد إلحاقها بالمقيس عليه تسمى الفرع أو المقيس. والعلة التي من أجلها شرع الحكم تسمى العلة.
    فإذا وجدت مسألة ورد النص بحكمها وعرفنا علة الحكم ثم وقعت مسألة لم ينص على حكمها ولكن تشترك مع المسألة الأولى في علة الحكم فإن المسألة الثانية تأخذ حكم المسألة الأولى.




    المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي, لمحمد شلبي.





    المصدر الرابع مِن مصادر التشريع في الدّوْر الثاني: "الاجتهاد" المراد بالقياس أو الرأي
    القياس:
    تعريفه. أركانه. مرتبته بين الأدلة. أمثلته.
    القياس: إلحاق ما لا نص فيه ولا إجماع بما فيه نص أو إجماع في الحكم الشرعي الثابت للمنصوص عليه لاشتراكهما في علة هذا الحكم، ومعنى هذا: أن توجد حادثة لم يرد في حكمها نص خاص، فتلحق بحادثة أخرى مشابهة لها قد ورد فيها نص أوثبت حكمها بالإجماع فيثبت حكم الحادثة المنصوص عليها للحادثة الأخرى إذا وجدت علة الحكم فيها.
    وله أربعة أركان:
    1- المقيس عليه: وهو الحادثة التي ورد النص ببيان حكمها، ويسمى الأصل.
    2- المقيس: وهو الحادثة التي لم يرد فيها النص أو لم يثبت فيها إجماع، ويراد معرفة حكمها، ويسمى الفرع.
    3-الحكم: وهو الحكم الشرعي الثابت للأصل الذي يثبته المجتهد للفرع بعد أن كان ثابتا في الأصل بالنص أو بالإجماع.
    4- العلة: وهي الوصف الذي شرع لأجله الحكم في الأصل، وتبين وجوده في الفرع. ومن أجله ثبت الحكم له.
    الرأي:
    من ذلك نرى أنه جد مصدر جديد للفقه. وهو استعمال الرأي الذي لم يحدد بمعنى خاص في هذا الوقت، بل كان -كما يقول ابن القيم في "إعلام الموقعين"- ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات.




    نهاية السول, للإسنوي.





    المصدر الرابع مِن مصادر التشريع في الدّوْر الثاني: "الاجتهاد" المراد بالقياس أو الرأي
    الكتاب الرابع في القياس، وهو: "إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت". أقول: القياس والقيس مصدران لقاس، بمعنى قدر، يقال قاس الثوب بالذراع يقيسه قيسا وقياسا إذا قدره به، وهو يتعدى بالباء كما مثلناه بخلاف المستعمل في الشرع فإنه يتعدى بعلى لتضمنه معنى البناء والحمل، ثم إن التقدير يستدعي التسوية، فإن التقدير يستلزم شيئين ينسب أحدهما إلى الآخر بالمساواة، وبالنظر إلى هذا أعني المساواة، عبر الأصوليون عن مطلوبهم بالقياس.
    وقد عرفوه بتعريفات كثيرة، والمختار منها عند الآمدي وابن الحاجب أنه:
    مساواة فرع لأصل في علة حكمه.
    والمختار عند الإمام وأتباعه ما ذكره المصنف، ثم إن القياس له أربعة أركان، وهي:
    الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والعلة. وقد تضمنها الحد المذكور. فقوله: إثبات كالجنس دخل فيه المحدود وغيره. والقيود التي بعده كالفصل، والمراد بالإثبات هم القدر المشترك بين العلم والاعتقاد والظن، سواء تعلقت هذه الثلاثة بثبوت الحكم وبعدمه، والقدر المشترك بينهما هو حكم الذهن بأمر على أمر.
    وقوله: مثل احترز به عن إثبات خلاف حكم معلوم فإنه لا يكون قياسا، وأشار به أيضا إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الثابت في الأصل، فإن كل عاقل يعلم بالضرورة كون الحار مثلا للحار ومخالفا للبارد، فلو لم يكن تصور المثل والمخالف بدهيًا لكان الخالي عن ذلك التصور خاليا عن التصديق.
    وقوله: حكم هو غير منون على الإضافة لما بعده، وأشار به إلى الركن الأول وهو حكم الأصل، والمراد به هاهنا نسبة أمر إلى آخر ليكون شاملا للشرعي والعقلي واللغوي إيجاباً كان أو سلبا، فإن القياس يجري فيها كلها على ما ستعرفه.
    وقوله: معلوم وأشار به إلى الركن الثاني وهو الأصل.
    قوله: في معلوم آخر أشار به إلى الركن الثالث وهو الفرع، والمراد بالمعلوم هو المتصور، فدخل فيه العلم المصطلح عليه والاعتقاد والظن، فإن الفقهاء يطلقون لفظ العلم على هذه الأمور، وإنّما عبر به ولم يعبر بالشيء لأن القياس يجري في الموجود والمعدوم سواء كان ممتنعا أو ممكنا، والشيء لا يشمل المعدوم إن كان ممتنعا اتفاقا، وكذا إن كان ممكنا عند الأشاعرة، وإنما رجح التعبير به على التعبير بالأصل والفرع لئلا يقال تصورهما فرع عن تصور القياس فتعريفه بهما دور.
    وقوله: لاشتراكهما في علة الحكم أشار به إلى الركن الرابع، وهو العلة وسيأتي تعريفها، واحترز بذلك عن إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لا للاشتراك في العلة بل لدلالة نص أو إجماع فإنه لا يكون قياسا.
    وقوله عند المثبت ذكره ليتناول الصحيح والفاسد في نفس الأمر، وعبر بالمثبت وهو القائس ليعمم المجتهد والمقلد كما يقع الآن في المناظرات. قال الآمدي: وهذا الحد يرد عليه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أن إثبات الحكم هو نتيجة القياس، فجعله ركنا في الحد يقتضي توقف القياس عليه وهو دور، وقد يقال إنما يلزم ذلك أن لو كان التعريف المذكور حدا، ونحن لا نسلمه بل ندعي أنه رسم.
    وقد أشار إليه إمام الحرمين في "البرهان"، قال: "قيل: الحكمان غير متماثلين في قولنا لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لما وجب بالنذر كالصلاة قلنا تلازم، والقياس لبيان الملازمة والتماثل حاصل على التقدير، والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا. وفيه بابان: الباب الأول في بيان أنه حجة، وفيه مسائل".
    أقول: اعتر ض بعضهم على هذا الحد، فقال إنه غير جامع لأن اشتراط تماثل الحكمين مخرج لقياس العكس وهو إثبات نقيض حكم معلوم في معلوم آخر لوجود نقيض علته فيه، ومثاله ما قاله المصنف، وتقريره أنه إذ نذر أن يعتكف صائما، فإنه يشترط الصوم في صحة الاعتكاف اتفاقا، ولو نذر أن يعتكف مصليا لم يشترط الجمع اتفاقا، بل يجوز التفريق، واختلفوا في اشتراط الصوم في الاعتكاف بدون نذره معه. فشرطه أبو حنيفة ولم يشترطه الشافعي، فيقول أبو حنيفة: لو لم يكن الصوم شرطا لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم تصر شرطا له بالنذر، قياسا على الصلاة، فإنها لما لم تكن شرطا لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم تصر شرطا له بالنذر، والجامع بينهما عدم كونهما شرطين حالة الإطلاق، فالحكم الثابت في الأصل أعني الصلاة عدم كونها شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه كونها غير واجبة بالنذر، والحكم الثابت في الفرع كون الصوم شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه وجوبه بالنذر فافترقا حكما وعلة.
    وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أنه غير جامع، فإن الذي سميتموه قياس العكس إما هو تلازم، فإن المستدل يقول لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لم يكن واجبا بالنذر، لكنه وجب بالنذر فيكون الصوم شرطا، فهذا في الحقيقة تمسك بنظم التلازم، وإلى هذا أشار بقوله قلنا تلازم، ثم أن دعوى ملازمة أمر لأمر لا بد من بيانها بالدليل، فبينها المستدل بالقياس المستعمل عند الفقهاء، وهو أن ما ليس بشرط لصحة الاعتكاف لا يجب بالنذر قياسا على الصلاة، وإليه أشار بقوله والقياس لبيان الملازمة، يعني أن القياس المحدود وهو القياس المستعمل عند الفقهاء قد استعمل هاهنا لبيان الملازمة، فتلخص أن قياس العكس مشتمل على تلازم وعلى القياس المحدود الذي لبيان الملازمة.
    ثم شرع المصنف يجيب عن كل منهما لاحتمال أن يكون هو المقصود بالإيراد، فأجاب عن الثاني ثم عن الأول، وحاصله أن الخصم إن اعتمد في إيراد قياس العكس على القياس الذي لبيان الملازمة فهو غير وارد، لأن الأصل والفرع فيه متماثلان، لكن التماثل حاصل على التقدير، فإنه على تقدير عدم اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف يلزم أن لا يشترط أيضا حالة النذر، كما أن الصلاة لا تشترط في الاعتكاف حالة النذر، فأثبت عدم وجوب الصوم بالنذر بالقياس عدم وجوب الصلاة بالنذر، على تقدير عدم اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف، والجامع كون كل من الصلاة والصوم غير شرط في صحة الاعتكاف، فإن قولنا إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر أعم من أن يكون حقيقة أو تقديرا، وإلى هذا أشار بقوله والتماثل حاصل على التقدير، وإن اعتمد الخصم في الإيراد على التلازم فنحن نسلم أنه خارج عن حد القياس، لكن لا يضرنا ذلك فإنه ليس بقياس عندنا، لأن أصول الفقه إنما يتكلم فيها على القياس المستعمل في الفقه، والفقهاء إنما يستعملون قياس العلة، وأما ما عداه كالتلازم والاقتراني فإن الذي يسميهما قياسا إنما هم المنطقيون، إذ القياس عندهم قول مؤلف من أقوال متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر، والذي يسميه الأصوليون قياسا يسميه المنطقيون تمثيلا، فالتلازم قد عرفته ويعبر عنه بالاستثنائي سواء كان بإن أو لو.
    وأما الاقتراني فكقولهم كل وضوء عبارة وكل عبادة فلا بد فيها من النية، ينتج أن كل وضوء فلا بد فيه من النية، وإلى هذا أشار بقوله والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا، والتقرير المذكور في السؤال والجواب اعتمده واجتنب غيره.




    روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه, لابن قدامة المقدسي.





    المصدر الرابع مِن مصادر التشريع في الدّوْر الثاني: "الاجتهاد" المراد بالقياس أو الرأي
    [باب] القياس:
    القياس في اللغة: التقدير ومنه: "قست الثوب بالذراع إذا قدرته به. ["وقاس الطبيب الجراحة": إذا جعل فيها الميل يقدرها به؛ ليعرف غورها] قال الشاعر - يصف جراحة أو شجة -:
    إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت غثيثتها أو زاد وهيا هزومها
    وهو في الشرع: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما.
    وقيل: حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل؛ لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل.
    وقيل: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيهما عنهما.
    ومعاني هذه الحدود متقاربة.
    وقيل: هو: الاجتهاد.
    وهو خطأ؛ فإن الاجتهاد قد في العمومات وسائر طرق الأدلة وليس بقياس.
    ثم لا ينبي في العرف إلا عن بذل المجهود؛ إذ من حمل خردلة لا يقال: "اجتهد".
    وقد يكون القياس جليا لا يحتاج إلى استفراغ الوسع وبذل الجهد.
    ولا بد في كل قياس من "أصل" و"فرع" و"علة" و"حكم".
    فأما إطلاق القياس على المقدمتين اللتين يحصل منهما نتيجة: فليس بصحيح؛ لأن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر ويقدر [به]، فهو اسم إضافي بين شيئين على ما ذكرناه في اللغة.




    إعلام الموقعين عن رب العالمين, لابن القيم.





    المصدر الرابع مِن مصادر التشريع في الدّوْر الثاني: "الاجتهاد" المراد بالقياس أو الرأي
    تفسير الرأي وتوضيح المراد مما سبق:
    فصل: ولا تعارض بحمد الله بين هذه الآثار عن السادة الأخيار، بل كلها حق، وكل مهنا له وجه، وهذا إنما يتبين بالفرق بين الرأي الباطل الذي ليس من الدين، والرأي الحق الذي لا مندوحة عنه لأحد المجتهدين، فنقول وبالله المستعان:
    الرأي في الأصل مصدر رأى الشيء يراه رأياً، ثم غلب استعماله على المرئي نفسه من باب استعمال المصدر في المفعول، كالهوى في الأصل مصدر هويه يهواه هوى، ثم استعمل في الشيء الذي يهوى، فيقال: هذا هوى فلان، والعرب تفرق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالها، فتقول: رأى كذا في النوم رؤيا، ورآه في اليقظة رؤية، ورأى كذا لما يعلم بالقلب، ولا يرى بالعين رأياً، ولكنهم خصوه بما يراه القلب، بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه صواب، مما تتعارض فيه الأمارات، فلا يقال لمن رأى بقلبه أمراً غائباً عنه مما يحس به أنه رأيه، ولا يقال أيضاً: للأمر المعقول الذي لا تخلف فيه العقول، ولا تتعارض فيه الأمارات أنه رأي وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها.




    الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي, للحجوي.





    حُجِّيَّة الرأي أو القِياس
    وقد أنكره ابن مسعود من الصحابة، وعامر الشعبي من تابعي الكوفة وابن سيرين من تابعي البصرة، نقله ابن عبد البر والدارمي عنهم وعن غيرهم، خلافا لقول ابن بطال: "أول من أنكره النظام وتبعه بعض المعتزلة وداود الظاهري". على أن داود لا ينكر الجلي منه ولا منصوص العلة، وإنما الذي أنكره هو ابن حزم من أصحابه، وادعى الشيعة وقوم من المعتزلة استحالة التعبد به عقلا، وكل ذلك مردود، فإن الصحيح ومذهب الجماهير من علماء الإسلام على العمل والتعبد به شرعا، فقد قاس الصحابة والتابعون ومن بعدهم علماء الأمصار، وقد جاء العمل به في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرشد القرآن إليه، قال تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} والاعتبار قياس الشيء بالشيء. وقال تعالى: {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون. نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون. ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون}، فهذه الآية وقع فيها الاحتجاج على الكفار في إنكارهم البعث بالقياس على النشأة الأولى، وهو قياس في الأصول المعتقدة التي يطلب فيها القطع، ففي الفقه الذي يكتفي فيه بالظن من باب أولى، وقال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطون منهم}، أمرهم أن يردوا ما أشكل عليهم إلى الرسول فإن لم يكن موجودا فإلى أولى الأمر منهم العلماء وخص المجتهدين وهم أهل الاستنباط، وأول باب في الاستنباط وأعلاها هو القياس، وتقدم في ذلك في كلام ابن رشد في مادة الفقه، ومن الآيات الدالة على مشروعية القياس قوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}، حمل جمهور الأمة الميزان على القياس، والآيات الدالة على ذلك كثيرة. وقد استوعب ابن القيم في "أعلام الموقعين" كثيرا منها، فانظره أثناء شرحه لكتاب سيدنا عمر، وأنشد ابن عبد البر لأبي محمد اليزيدي من أبيات طويلة في إثبات القياس:
    لا تكن كالحمار يحمل أسفا را كما قد قرأت في القرآن
    إن هذا القياس في كل أمر عند أهل العقول كالميزان
    لا يجوز القياس في الدين إلا لفقيه لدينه صوّان
    ليس يغنى عن جاهل قول راوٍ عن فلان وقوله عن فلان
    إن أتاه مسترشد أفتاه بحديثين فيهما معنيان
    إنّ من يحمل الحديث ولا يعـــ رف فيه المراد كالصيدلاني
    حَكَّم الله في الجزاء ذوي عد ل لذي الصيد بالذي يريان
    لم يوقّت ولم يسمّ ولكن قال فيه فليحكم العَدلان
    إسوة في مقاله لمعاذ اقض بالرأي إن أتى الخصمان
    ولذا في النبي صلى عليه الله والصالحون كلّ أوان
    قس إذا أشكلت عليك أمور ثم قم بالصواب والعرفان
    وقوله: لا يجوز القياس في الدين (الخ) يشير إلى ما قاله الشافعي: لا يجوز لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلاف العلماء ولسان العرب.
    وحقيق بمن أقيم في هذا المنصب الخطير أن يعد له عدته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم أنه مبلغ عن الله بمنزلة الوزراء الموقعين عن الملوك ولله المثل الأعلى، ولذا ورد في الحديث: ((أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار))، وقد تولى الله الإفتاء بنفسه في غير من آية: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} الآية.
    ويأتي لنا في الخاتمة ما يشترط في المفتي والمجتهد وما هي الصفة التي يتحقق بها وجوده، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى القياس، ففي الصحيح أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ولد لي غلام أسود وإني أنكرته فقال: ((هل لك من إبل؟)) قال: نعم، قال: ((ما ألوانها؟)) قال: حمر. قال: ((هل فيها من أورق؟)) قال: نعم. قال: ((فأنّى ذلك؟)) قال: لعله نزعه عرق. قال: ((فلعل ابنك هذا نزعه عرق)). ففي الحديث إرشاد له أن يقيس مخالفة لون ولده له على مخالفة لون ولد الجمل لوالده وهو قياس الشبه، قال في "المستصفى": ما من مفت إلا وقد قال بالرأي ومن لم يقل به فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد ولم يعترض عليهم في الرأي فانعقد إجماع قاطع على جواز القول بالرأي.
    وهو إجماع مبحوث فيه بالخلاف السابق. وقال في "المستصفى" أيضا: لا يظن بالظاهري المنكر بالقياس إنكار المعلوم والمقطوع به ولعله ينكر المظنون منه.
    Attached Files Attached Files

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •