Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : تعريف الأدب المقارن ونشأته - الدرس الأول

  1. #1
    Administrator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    9,420
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : تعريف الأدب المقارن ونشأته - الدرس الأول

    ع1:
    تعريف الأدب المقارن ونشأته
    ج1:
    محتويات الأدب المقارن، لسميرة شبال.

    الأدب المقارن المصطلح والمفهوم:
    1- المصطلح:
    ظهر مصطلح "المقارنة" على الساحة الثقافية والأدبية العالمية في نفس الفترة التي دخلت فيها إلى مجال الفيلولوجيا والتشريح والفيزيولوجيا... وتحت نفس الاعتبارات التي تستهدف دراسة الظواهر المختلفة واستقصاء الأحداث المتشابهة، لاكتشاف الصلات فيما بينها رغبة في استخلاص القوانين العامة والقواعد الكلية.
    وقد غلبت تسمية الأدب المقارن على المصطلحات الأخرى: "الآداب الحديثة المقارنة"، و"تاريخ الآداب المقارنة"، و"التاريخ الأدبي المقارن"، والحق أن مصطلح "الأدب المقارن" مصطلح عام وغامض في الوقت نفسه، لذا كان يثير الكثير من المناقشات، وسعيًا لرفع أي لبس اقترح "روني ويلك René Wellek" البحث عن معناه الدقيق في كل لغة على مستوى معجمي، تاريخي، سيميائي كمنطلق أولي.
    في اللغة الألمانية يستعمل مصطلح "الأدب المقارن" بصيغة اسم الفاعل في حين أن اللغتين الفرنسية والإيطالية تستعملان عبارة "الأدب المقارن" بصيغة اسم المفعول، بينما تفضل إنكلترا وأمريكا استعمال صيغة حيادية هي "المقارنة الأدبية".
    2- المفهوم:
    بالإضافة إلى صعوبة ضبط "المصطلح هناك صعوبة أيضًا في تحديد مفهوم هذا الفرع المعرفي الأدبي، وعليه ظهرت عدة مفاهيم مختلفة ومتنوعة. منها:
    المفهوم الأول: الأدب المقارن هو دراسة الأدب الشفوي لا سيما موضوعات الحكايات الشعبية، وكيفية تطورها، ودخولها حقل الأدب الفني والرسمي. لقد كان الهدف الأول لأصحاب هذا المفهوم هو البحث عن أصل الآداب الإنسانية؛ حتى يتعرفوا على الأفكار المشتركة بين شعوب وثقافات العالم، والأفكار التي هي ملك خاص لشعوب بعينها.
    لقد ساد هذا المفهوم في أوروبا الشمالية وهو لم يعمر طويلًا.
    المفهوم الثاني: يرى أصحاب هذا المفهوم: أن الأدب المقارن لا يتطابق مع الأدب العالمي ولا مع الأدب العام. ويُعدُّ هذا المفهوم دفاعًا عن الأدب المقارن، وعن استمرارية وجوده على الساحة الثقافية العالمية حينذاك؛ لأن هناك مَن لم يدرك حقيقة الأدب المقارن، فكان يرى أنه غير ضروري ووجوده كعدمه؛ لأنه يقوم بنفس الوظيفة التي يقوم بها الأدب العالمي والأدب العام، هكذا حاول أصحاب هذا المفهوم أن يبينوا الفروق الجوهرية بين الأدب المقارن والأدب العالمي من جهة، وبين الأدب المقارن والأدب العام من جهة ثانية.
    يشترك الأدب المقارن مع الأدب العالمي والأدب العام في كونه لا يكتفي بدراسة أدب قومي واحد بل يتعداه، إلى أكثر من ذلك، إلا أنه -الأدب المقارن- يختلف عنهما في كونه يبحث عن علاقات الاشتراك والتأثير والتأثر بين الثقافات المختلفة، وعن كيفية إسهام كل ثقافة في بناء الفكر العالمي، وذلك عن طريق المقارنة.
    المفهوم الثالث: يرى "بول فان تييغ": أن الأدب المقارن، ككل علم تاريخي، يحاول أن يشمل أكبر عدد ممكن من الوقائع المختلفة الأصل، حتى يزداد فهمه وتعليله لكل واحدة منها على حدة، فهو يوسع أسس المعرفة، كما يجد أسباب أكبر عدد ممكن من الوقائع. ويقول "فان تييغم" أيضًا موضحًا مفهومه أكثر: أن الأدب المقارن هو تقرير التشابهات والاختلافات بين كتابين، أو مشهدين، أو موضوعين، أو صفحتين من لغتين أو أكثر، حتى نعرف نوعية التأثر أو الاقتباس.
    ومن هنا تظهر أمامنا هذه الثنائية التي تفترضها كل "مقارنة" فهي دائمًا تستدعي في الذهن حالات: تشابه / اختلاف، لكاتبين / موضوعين، صفحتين / لغتين...
    المفهوم الرابع: ورد في معجم "وبسترز" "Webester’s" في سنة 1960: أن كل ما يُدرس نسقيًا عبر مقارنة الظواهر، هو "أدب مقارن" ومن ثم تصبح الدراسة النسقية شرطًا خارجيًّا على كل زواج ينزع إلى إيجاد الشرعية بين الأدب والمقارنة، ومن هنا يرى "جانوس هانكيس" "Janos Hankis" أنه لتقييم أي حدث أدبي، فإننا نقارنه بالضرورة إما بأحداث موازية وقعت في الماضي أو بظواهر مشابهة له.
    المفهوم الخامس: يرى "كلود بيشوا" "C. Pichois" أن الأدب المقارن: هو وصف تحليلي ومقارنة منهجية تفاضلية، وتفسير مركب للظاهرة اللغوية الثقافية، ومن خلال التاريخ والنقد والفلسفة، وذلك من أجل فهم أفضل للأدب، بوصفه وظيفةً تُميز العقل البشري.
    المفهوم السادس: يعتبر "هاري ليفن" "Harry Levin" الأدب المقارن موقفًا أو وجهة نظر، لا علمًا ومادةً.
    وهذا يعني أنه يجد في الأدب المقارن مجموعة من المبادئ، التي يحسن الأخذ بها عند مناقشة الأدب مهما كان نوعه ومصدره وهو من هنا لا يُميز "الأدب المقارن" عن الأدب ككل.
    المفهوم السابع: أما "هنري رماك" فيعرف الأدب المقارن: بأنه المقارنة بين أدبين أو آداب مختلفة، ودراسة العلاقات بين الأدب ونواحي المعرفة الأخرى، بما فيها الفنون الجميلة والفلسفة والتاريخ والعلوم.
    الأدب المقارن: النشأة، والتطور:
    1- البدايات الأولى:
    ترجع نشأة الأدب المقارن إلى حوالي 1827 في فرنسا، حين بدأ "آبيل فيلمان" "Abel Villemain " في إلقاء محاضراته بجامعة الصربون حول عَلاقات الأدب الفرنسي بالآداب الأوروبية الأخرى. والجدير بالذكر أن "فيلمان" هذا هو أول من استخدم مصطلح "الأدب المقارن" وإليه يعود وضع الأسس الأولى لهذا الفرع المعرفي الأدبي.
    إلا أن محاولات المقارنة بين الآداب ظهرت قبل "فيلمان" بسنوات عديدة "العصر الروماني مثلًا".
    هذا وقد شهد القرن الثامن عشر بعض المحاولات من هذا النوع نتيجة لعوامل عدة نذكر منها:
    أ‌- اتساع الأفق الأدنى لدى الباحثين نتيجة ازدياد الصلات الثقافية بين الشعوب.
    ب- ظهور اتجاه قوي نحو العالمية، أو ما يسمى بالكوسموبوليتية "Cosmopolitisme" الذي يختلف عن فكرة التعالي في الأدب، أي: وجود أدب مميز عن الآداب الأخرى.
    ج- تطور الاتجاه الرومانسي في الأدب حتى أصبح اتجاهًا إنسانيًّا شاملًا يهتم بالتجربة الإنسانية.
    د- اتساع المناهج العلمية في فهم الأدب ودراسته، وانتشار المقارنات العلمية بين الأمم ومحاولة العلماء الاستفادة مما وصلت إليه التطورات العلمية خارج حدود بُلدانهم، مما نجم عنه نشأة فروع جديدة من المعرفة تعتمد على المقارنة، مثل "علم الحياة المقارن" و "علم التشريح المقارن" و" علم اللغة المقارن، ومن هنا انتقلت العدوى إلى الدراسات الأدبية، وبهذا ظهر بعض الباحثين الذين كانوا ينادون بضرورة ظهور "علم أدبي مقارن"، وكان في مقدمة هؤلاء "إدغار كوينيه" "E.Quinet".
    هـ- تأثير المكتشفات العلمية في حقل العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ...
    و- ظهور نظريتي "تين" "Taine"، و"سانت بوف" "Ste boeuve" التي تربط بين الأدب والمحيط الذي يعيش فيه.
    هذا، وتعتبر فرنسا المهد الأول للأدب المقارن؛ نظرًا لعوامل ثقافية واجتماعية وسياسية أهمها:
    1- كان المناخ الثقافي الفرنسي منذ العصر الكلاسيكي مواتيًا لممارسة البحث الأدبي المعمق، لا سيما بعد أن تعاقب على فرنسا حكام اهتموا بالعلم والثقافة، وعملوا على جعل فرنسا مركزَ إشعاعٍ ثقافي في أوروبا.
    2- كان الفرنسيون أول مَن تنبهوا إلى قيمة التراث المشترك بينهم وبين المناطق الأوروبية الأخرى، مما أنشأ الأساس الأول للتفكير في الأدب المقارن.
    3- رغبة فرنسا الشديدة في استرجاع مكانتها الثقافية الماضية من خلال التوسعات الاستعمارية في البلدان الإفريقية.
    هكذا إذن وبعد "فيلمان" أتَى "جان جاك أمبير" "J.J.Ampère" الذي ألقَى عام 1830 محاضرات في الأدب المقارن لفتت إليه الأنظار، مما أدى إلى الانتقال من مرسيليبا إلى الصوربون، حيث كان يلقي محاضرات حول الأدب الفرنسي وعلاقاته بالآداب الأخرى في العصور الوسطى.
    وفي عام "1835" ظهرت مقال "فيلاريت شال" "Ph.Chales" في مجلة باريس مؤكدةً متانة العلاقات بين الآداب الأوروبية.
    وكان "جوزيف تكست" "Josephe Texte" أول مَن كتب دراسات عميقة في الأدب المقارن جمعها تحت عنوان: "دراسات في الأدب الأولى" سنة 1898م، وكان لها أثر قوي في نمو الأدب المقارن.
    وبعده جاء "فرناند بالد نسبرجية "F. Baldensberger" الذي ألف كتابا بعنوان "غوته في فرنسا" سنة 1904، ثم عُين أستاذًا في الصوربون، حيث أحدث كرسيًا للأدب المقارن سنة 1910، وفي سنة 1903 انعقد باريس مؤتمر عالمي جمع أساتذة الأدب في فرنسا وخارجها، حيث بحثوا في موضوع التاريخ المقارن للآداب، وقد دعوا في هذا المؤتمر إلى دراسة التراث الشعبي والأساطير والخرافات جنبًا إلى جنبٍ مع الأدب، كما أكدوا على ضرورة المقارنة بين مختلف الآداب الأوروبية.
    هكذا كانت فرنسا سبَّقة إلى إنشاء هذا الفرع المعرفي الأدبي.
    وإلى جانب فرنسا هناك بريطانيا التي ظهر فيها أول كتاب في الأدب المقارن ما بين عامي 1837-1839 في أربعة مجلدات بعنوان: "مقدمة لدراسة الأدب الأوروبي في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر والقرن السابع عشر" لهنري هالام "Henry Hallam"؛ ويعتبر الشاعر والناقد الإنجليزي "ماثيو آرنولد" "M.Arnold" أول مَن جارَى الفرنسيين في استخدام مصطلح "الأدب المقارن" أذاعه بين القراء.
    أما في ألمانيا فكان يعتبر الأدب المقارن فرعًا من تاريخ الأدب وكان الأستاذ "كاسبيردانيال مورهوف" "Kasper Daniel Morhof" أول مَن تنبه إلى أهمية الأدب المقارن في الدراسات الجامعية، وأول مَن أدخله في المناهج الدراسية تحت اسم "تاريخ الأدب العام"، وظل الحال على ما هو عليه حتى نهاية القرن التاسع عشر.
    لم يتفرغ الألمان لدراسة الأدب المقارن إلا بعدما أشبعوا أدبهم القومي دراسةً وبحثًا، ولم يدخل الأدب المقارن إلى الجامعة إلا في سنة 1887 على يد الأستاذ "ماكس كوخ" "Max koch" الذي نشر أول عدد من مجلة "الأدب المقارن".
    2- تطور الدراسات المقارنة في القرن العشرين:
    مع مطلع العشرينات كانت مختلف الجامعات الفرنسية تقبل شيئًا فشيئًا على تخصيص كراسٍ للأدب المقارن من جهة ونشر البحوث المنهجية من جهة أخرى.
    ففي حوالي 1910 سارعت جامعة الصوربون إلى إنشاء كرسي ثاني للأدب المقارن، وفي 1911 بدأ "بول فان تييغ" "Paul van Tieghem" بحوثه المنهجية في الأدب المقارن، وبعد عقد واحد من الزمن نشر بحثًا بعنوان: "التركيب في التاريخ الأدبي": "الأدب المقارن والأدب العام" سنة 1921. وفي 1931 نشر "فان تييغم" كتابة "الأدب المقارن" الذي ظل مرجعًا أساسيًّا في نظرية الأدب المقارن لمدة طويلة.
    هكذا تتابعت المؤلفات الفرنسية منهجًا وتطبيقًا، ففي سنة 1951 نشر "ماريوس فرانسوا غويار" كتابه بعنوان "الأدب المقارن"، وفي هذه الفترة بالذات، أي: في فترة الخمسينيات من القرن العشرين، بدأت خلافات تنشب بين أقطاب المدرسة الفرنسية للأدب المقارن التقليدية وبين كوكبة من الشباب من المثقفين اليساريين الفرنسيين أمثال: إيتيامبل وبيشوا و روسو و برونيل...
    ومن أهم الأعمال التي نشرها هؤلاء والتي تعكس نظرةً متطورةً للأدب المقارن ودفعت الدراسات المقارنة في العالم نحو الأمام:
    1- كتاب بعنوان: "ما هو الأدب المقارن؟" لبيشوا وبرونيل وروسو. Qu’est ce que la littérature comparée. Pichois, Brunel, Rousseau. نُشر سنة 1983.
    2- في سنة 1989 نشر "إيف شوفرال" "Yves Chevral" كتابه بعنوان: "الأدب المقارن".
    3- في سنة 1994 نشر "دانيال باجو" "Daniel Pageaux" كتابًا بعنوان: "الأدب العام والمقارن".
    4- في سنة 1996 نشر "إيف شوفرال" كتابًا آخرَ بعنوان: "مقدمة في الأدب المقارن".
    5- في سنة 1996 بشر "بيار برونيل" "Pierre Brunel" كتابًا بعنوان: "مقالة في الأدب العام والمقارن". La Dissertation de la littérature générale et comparée
    6- في سنة 1998 نشر "بيار برونيل" و"جان مارك مورة" كتابًا بعنوان: "شرح للأدب العام والمقارن".
    Le commentaire en littérature générale et comparée..
    3- الدراسات المقارنة في أمريكا:
    التفت الأمريكان إلى الدراسات المقارنة في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وأول مَن أدخل هذه المادة إلى الجامعات الأمريكية "القس تشارلز تشاونسي شاكفورد" "Charles Chauncy Shakford". وقد أنشئ أول كرسي للأدب المقارن في أمريكا في السنة الجامعية 1890 و1891 في جامعة "هارفارد" "Harvard".
    وفي سنة 1904 أنشئ قسم كامل للأدب المقارن في نفس الجامعة -هارفارد- وتولى رئاسته لمدة خمسة عشر سنة الأستاذ ه.س. "سكوفيلد" "H.S.C Schofield"، وفي سنة 1910 أسس سكوفيلد مجلة أسماها "دراسات من هارفادر في الأدب المقارن". نشر معها مجموعةً من الدراسات المقارنة الصغيرة، وفي سنة 1942 أنشأ "آرثر، أي، كريستي" "Arthur E.Christy" -طِبقًا لتوجيهات المجلس القومي للأستاذة اللغة الإنجليزية- لجنةً للأدب المقارن، تعمل على تشجيع ما أسمته بالأدب العام وخاصةً الأدب المقارن، وإدراجه ضمن البرامج المقررة على طلبة المدارس والكليات والجامعات، وفي سنة 1950 ظهرت أول قائمة للمراجع اللازمة للأدب المقارن نشرتها جامعة "شمال كارولينا" "North Corolina".
    وفي سنة 1952 ظهر المجلد الأول من حوليات الأدب العام والأدب المقارن، وفي سنة 1954 ظهر كتاب هام بعنوان: "موجز عام للأدب المقارن" من دانتي إلى أونيل "لفريدريك"، وفي نفس السنة تشكل في أمريكا فرع الرابطة الدولية للأدب المقارن.
    هذا، وقد تأسست عدة مجلات خاصة بمجال الدراسات المقارنة مثل مجلة "المسرحية المقارنة" التي تصدرها جامعة "غرب ميشيغن"، ومجلة "الجنس الأدبي" التي تصدر في "شيكاغو" سنة 1967.
    وفي سنة 1961 ظهرت أول مجموعة من المقالات المتخصصة في الأدب المقارن، وجمعت في كتاب واحد تحت عنوان: "الأدب المقارن" منهجه وآفاقه.
    وفي السبعينيات أخذ أساتذة الجامعات الأمريكية يتنافسون في إصدار كتب وأبحاث جامعية في هذا المجال، والملاحظ أن معظم هذه الكتب تعتمد على جمع المقالات من مؤلفين متعددين.
    وقد ظل الاتجاه التطبيقي هو الغالب في المؤلفات الأمريكية في الأدب المقارن، ولعل أهم بحث يمكننا ذكره في هذه المرحلة هو كتاب بعنوان "نظرية الأدب" "لأوستين واران"، و"رينيه ويلك"، الذي نشر سنة 1971، وفي سنة 1973 نشر "شولتز" مقالًا بعنوان: "الأدب المقارن"، وفي سنة 1978 نشر كتاب بعنوان: "الأدب المقارن كنظام أكاديمي"، إضافةً إلى مقالات "هنري رماك" "Henry Remak" في هذا المجال.
    وفي الثمانينيات بدأ الأمريكان يخرجون من دائرة الآداب الأوروبية نحو الآداب الأخرى كآداب أمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا...
    وأهم ما يميز أمريكا في هذا المجال وفرة المنشورات السنوية التي تصدرها الجامعات والروابط الأدبية، منذ سنة 1958، مثلًا بدأ يظهر الكتاب السنوي للرابطة الدولية للأدب المقارن. كما كان الأمريكان ينشطون كثيرًا ضمن مؤتمرات الأدب المقارن، فقد استضافت الولايات المتحدة الأمريكية المؤتمر الثاني للرابطة الدولية للأدب المقارن سنة 1958 في جامعة كارولينا الشمالية والمؤتمر العاشر لهذه الرابطة الذي انعقد سنة 1982 بنيويورك.
    4- الدراسات المقارنة في أوروبا الشرقية:
    لم تتقبل بلدان أوروبا الشرقية الأدب المقارن حتى كمجرد فكرة، وبعد المرحلة الستالينية حدث انفتاح نسبي في الثقافة والأدب أفاد منه الأدب المقارن نسبيًّا، إذ افتتح قسم للأدب المقارن في معهد الأدب الروسي في "ليننغراد" لكن مع ذلك ظل الأدب المقارن مهمشًا في هذه الرقعة الجغرافية رغم شدة اعتناء هذا الوسط بالآداب الأجنبية واحتفاله بها، كانت تصدر في الاتحاد السوفيتي مجلتان تحت اسم الآداب الأجنبية: الواحدة في "موسكو"، والثانية في "كييف" ولكن تشير إطلاقًا لمسائل الأدب المقارن.
    وفي الستينيات ظهر انفراج نوعي نسبي في حقل الأدب المقارن، ونشطت محاولات لجمع شمل المقارنين الاشتراكيين في إطار ندوة "بودابست" سنة 1962 وندوة "برلين" سنة 1966 وبدأت بعض الإسهامات الاشتراكية تأخذ طريقها إلى الساحة العالمية للأدب المقارن بشكل اجتهادات فردية، تحاول أن تفيد من معطيات الماركسية في إعطاء الأدب المقارن مضمونًا اجتماعيًّا إنسانيًّا، والملاحظ أن الدراسات التطبيقية كانت أكثرَ انتشارًا ورواجًا في هذه المنطقة -الاتحاد السوفيتي- أما رومانيا فقد كانت تهتم بالجانب النظري أكثر.
    5- الدراسات المقارنة في آسيا واليابان:
    تتجه الدراسات المقارنة بخطَى ثابتة نحو العالمية ولم تعد حكرًا على أوروبا الغربية و أمريكا.
    وأثناء فترة السبعينيات والثمانينيات نشطت حركة ترجمة مقارنة في بلدان آسيا وأفريقيا، كما أنشئت فروع الرابطة الدولية للأدب المقارن في العديد من بلدان آسيا ومن أهمها "الصين" حيث تتصاعد أصوات قوية لصالح الأدب المقارن في منظمة عُرفت دائمًا بعدم ترحيبها بالانفتاح على العالم، وفي ظل هيمنة أيديولوجية للحكم على المؤسسات الثقافية والتعليمية. وإلى جانب الصين هناك جامعات تايوان التي تصدر دوريات أدبية باللغة الانكليزية، تظهر اهتمامًا متزايدًا بالأدب المقارن وكذا كوريا الجنوبية.
    أما فيما يخص الهند فعلى الرغم من تفتحها التقليدية على الكتلتين الشرقية والغربية، فإن انشغال باحثيها بالقضايا الداخلية للعلاقات بين اللغات والآداب في شبه القارة الهندية صَرَفَها عن الإسهام المنتظر في الأدب المقارن.
    لكن يمكن القول: إن هناك بحوثًا هندية وباكستانية متواصلة تهم الأدب العربي المقارَن؛ لأنها تركز على طبيعة العلاقات الثقافية والأدبية بين الحضارتين الهندية والعربية، لا سيما من خلال الإسلام.
    وتستحق اليابان وقفة خاصة؛ لأنها أخذت منذ السبعينيات تحتضن تطورات مقارنة مهمة، ومن أبرزها دخول الأدب المقارن نسبيًّا إلى الجامعات اليابانية، وظهور بعضُ تآليفٍ يابانية تحمل هذا العنوان، ونشاط الرابطة اليابانية للأدب المقارن في الساحة الدولية.
    وأتَى عقد المؤتمر الثالث عشر للأدب المقارن في طوكيو في 1991 دليلًا على خروج الرابطة الدولية من البوتقة الغربية.
    ع1:
    تعريف الأدب المقارن ونشأته
    ج2:
    محاضرات في الأدب المقارن، لإبراهيم عوض.

    الأدب المقارن:
    هو فرع من فروع المعرفة، يتناول المقارنة بين أدبين أو أكثر، ينتمي كل منهما إلى أمة أو قومية غير الأمة، أو القومية التي ينتمي إليها الأدب الآخر، وفي العادة إلى لغة غير اللغة التي ينتمي إليها أيضًا.
    وهذه المقارنة قد تكون بين عنصر واحد أو أكثر من عناصر أدبٍ قومي ماظ ونظيره في غيره من الآداب القومية الأخرى؛ وذلك بُغيةَ الوقوف على مناطق التشابه ومناطق الاختلاف بين الآداب ومعرفة العوامل المسئولة عن ذلك.
    كذلك فهذه المقارنة قد يكون هدفها كشف الصلات التي بينها وإبراز تأثير أحدها في غيره من الآداب، وقد يكون هدفها الموازنة الفنية أو المضمونية بينهما، وقد يكون هدفها معرفة الصورة التي ارتسمت في ذهن أمة من الأمم عن أمة أخرى من خلال أدبها، وقد يكون هدفها هو تتبع نزعة أو تيار ما عبر عدة آداب... إلخ.
    وهذا التعريف قد تمت صياغتُه وبلورتُه من خلال التعاريف والمفاهيم المتعددة لهذا الفرع من فروع العلم، تلك المفاهيم والتعريفات التي تتباين حسب تباين المدرسة أو الشخصية التي تقود هذا التيار أو ذاك من تيارات البحث المختلفة، وهو يختلف قليلًا أو كثيرًا عن التعاريف الموجودة في كتب الأدب المقارن.
    ع2:
    ميادين الأدب المقارن ومدارسه
    ج1:
    محاضرات في الأدب المقارن، لإبراهيم عوض.

    وميادين الأدب المقارن متعددة:
    - فقد يكون ميدانه المقارنة بين جنس أدبي كالقصة أو المسرحية أو المقال أو المقامة أو القصيدة أو الملحمة أو الأنقوشة -أي: "الإبيجرامة"- في أدبين مختلفين أو أكثر، وقد يكون ميدانه المقارنة بين الأشكال الفنية داخل جنس أدبي من هذه الأجناس في أدب ما ونظيراتها في أدب آخر، كنظام العروض والقافية أو الموشحات مثلًا.
    - وقد يكون ميدانه الصور الخيالية كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، وقد يكون ميدانه النماذج البشرية والشخصيات التاريخية في الأعمال الأدبية، وقد يكون ميدانه التأثير الذي يُحْدثه كتاب أو كاتب ما في نظيره على الناحية الأخرى أو مجرد الموازنة بينهما لما يُلْحَظ من تشابههما مثلًا.
    - وقد يكون ميدانه المقارنة بين المذاهب الأدبية كالكلاسية والرومانسية والواقعية والرمزية والبرناسية هنا وهناك، وقد يكون ميدانه انعكاس صورة أمة ما في أدب أمة أو أمم أخرى... وهكذا.
    ع2:
    ميادين الأدب المقارن ومدارسه
    ج2:
    الأدب المقارن ودور الأنساق الثقافية في تطور مفاهيمه واتجاهاته، لحيدر محمود غيلان.

    الأدب المقارن وسلطة الوعي القومي "الاتجاه الفرنسي":
    ظهر مصطلح الأدب المقارن "Comparative Literature" في فرنسا على يد آبل فيلمان "Able Villeman" عام 1828م، وقد تحدد مفهومه في طور النشأة وفقًا لخلفيات ومقتضيات تطلبتها تلك المرحلة كان لها دور في رسم ملامح ما سُمي بالاتجاه الفرنسي في الأدب المقارن، فمما لا شك فيه أن أسس هذا الاتجاه لم تشكلها المصادفة، وإنما كانت استجابة لنسق ثقافي اأستدعى تحديد مجال هذا الفرع الجديد من الدراسات الأدبية بدراسة التأثير المبني على حقائق وعلاقات تاريخية بين أدبين قوميين مختلفين في اللغة، فما الذي دفع المقارن الفرنسي إلى الاهتمام بإثبات التأثير، ودراسة العوامل والعلاقات التاريخية، وما يتصل بها من الوسائط التي تساعد على نقل أدب قومي إلى أدب قومي آخر، واشتراط اختلاف الأدبين في القومية واللغة حتى تدخل الدراسة ضمن اهتمامات الأدب المقارن؟
    لابد أولًا من الإشارة إلى أن ظهور الأدب المقارن تزامن مع ظهور النزعة القومية الفرنسية، التي أدت إلى ثورة الفرنسيين على الكتابة باللغات اللاتينية، واتجاههم إلى اللغة الفرنسية، حيث نشأ عصر التنوير في القرن الثامن عشر، على أسس اللغة والثقافة في فرنسا، فقد اتجه الفرنسيون إلى الاهتمام بدراسة اللغات الرومانسية وآدابها، والكشف عن دورها في نهضة الآداب الأوربية الحديثة، في محاولة لإعادة الاعتبار لهذه اللغات التي تمثل أساس اللغات القومية الأوربية الحديثة، بعد أن تعرضت للإهمال بحجة أن الأدب لا يكون ساميًا إلا إذا كان مكتوبًا باللغة اللاتينية.
    ومن هنا ندرك سر تركيز أصحاب هذا الاتجاه على القومية في دراسة التأثير، واشتراط اختلاف اللغة حتى تصح المقارنة، فالفرنسي في دراسته المقارنة -لا سيما في طور النشأة- كان حريصًا على إثبات إسهام القوميات -لا سيما القومية الفرنسية- في نهضة الآداب الأوربية المختلفة وقد دفعه اعتزازه بقوميته إلى اشتراط اختلاف لغة الأدبين المقارنين؛ لكي يكشف عن أهمية تعدد اللغات، ويظهر تميز لغته الفرنسية عن اللغة اللاتينية وعن اللغات الأوربية الأخرى.
    وقد أدَّى الاهتمام برسم ملامح القومية الفرنسية وإثبات تفردها إلى ازدهار علم التاريخ في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر في فرنسا، فقد وضع أسس هذا المنهج فرانسوا جيرو وأوجستين فيري، من خلال كتابتهما للتاريخ القومي العام لفرنسا، وبعض الدول الأوروبية، في العقدين الثالث والرابع من القرن الثامن عشر، وقد أفاد النقاد والأدباء الفرنسيون من هذا المنهج في كتابة تاريخ الأدب الفرنسي، وقاموا بترسيخ منهج النقد التاريخي، الذي ازدهر على يد سانت بيف، وهيبولت تين، وآخرين، حيث نظروا إلى الأدب من خلال عوامل تاريخية: هي الجنس، والزمان، والمكان، فجنسية الأديب وقوميته تلعب عندهم دورًا في تحديد خصائص الأدب. وهذه النظرة إلى أهمية الجنسية ناتجة عن بروز الوعي القومي في فرنسا وغيرها من دول أوربا، مما أدى إلى تطور العلوم التاريخية التي تبحث في أصول الأنواع البشرية، وأنواع المعارف والعلوم الأخرى، ومنها نظرية دارون في النشوء والتطور.
    وكان من الطبيعي في ظل التوجهات القومية في اللغة والأدب والتاريخ في فرنسا، أن يتجه الأدب المقارن اتجاهًا قوميًّا تاريخيًّا، هدفه أن يكشف عن الإسهامات التي يقدمها أدب قومي في تطور أدب قومي آخر.
    لذا اشترطوا في دراسة التأثير والتأثر: أن تكون العلاقة بين الأبين القوميين مبنية على وقائع ووثائق تاريخية، تثبت انتقال الأدب المؤثر إلى الأدب المتأثر، مما أدى إلى التركيز على وسائط التأثير كالترجمة والرحلات والكتب، وتتبع سيرة الكاتب المؤثر، وسيرة الكاتب المتأثر، وكأن المهمة الأساسية للمقارنة في هذا الاتجاه، تنتهي عند إثبات التأثير بين أدبين قوميين.
    وما يقوي فرضية ارتباط الأدب المقارن الفرنسي بالنزعة التاريخية القومية، أنه نشأ في البداية فرعًا من فروع تاريخ الأدب، فقد وجد المؤرخ الأدبي الفرنسي أثناء متابعته لتطور الأدب الفرنسي، أن هنالك جوانبَ تخرج عن نطاق اهتمامه ودائرة عمله، تتمثل في خروج الأدب القومي إلى آداب أخرى مؤثرًا ومتأثرًا وحتى يتم إكمال كتابة تاريخ الأدب الفرنسي لا بد من تتبع هذه التأثيرات.
    فقد ظهر الأدب المقارن عند فليمان تلبيةً لهذه الرغبة، عندما كان يلقي محاضرات في جامعة السربون عن تاريخ الأدب الفرنسي "1828- 1829" حيث تناول في هذه المحاضرات التأثيرات المتبادلة بين الأدب الفرنسي والأدب الإنجليزي، وتأثير الأدب الفرنسي في إيطاليا في القرن الثامن عشر، هدفه من وراء ذلك تقديم صورة عما تلقته الروح الفرنسية من الآداب الأجنبية وما أعطته لها من أجل كتابة تاريخ أدب شامل لفرنسا.
    وظل هذا الهدف القومي التاريخي متحكمًا في سير الدراسات المقارنة بعد فليمان، ويتضح ذلك من خلال تركيز المقارنين على التأثير الثنائي المتبادل بين أدبين قوميين، يكون عادةً الأدب الفرنسي أحد طرفي هذه المقارنات؛ فما دام الهدف هو إثبات الهوية القومية بإكمال كتابة تاريخ الأدب القومي، فإن المؤرخ عادةً يتمركز حول أدب قومية واحدة، ولا يستطيع القيام بكتابة تاريخ عدة آداب في آن واحد، وهذا أيضًا ما دفعهم إلى عدم الاعتراف بالدراسات المقارنة التي تتسع لتشمل عدة آداب في وقت واحد، وكذلك الدراسات التي تتناول التشابه بين الآداب القومية، حيث يتم تصنيفها تحت ما يسمى بالأدب العام "General Literature".
    فدراسة الرومانسية في الأدب الأوروبي لا تدخل عندهم في الأدب المقارن، وكذلك دراسة تأثير شكسبير في الأدب الأوربي بشكل عام؛ لأن هذا النوع من الدراسات -كما يبدو- لا يتفق مع توجههم القومي الذي يهدف إلى كتابة تاريخ الأدب الفرنسي، فدراسة التأثير المبني على حقائق ووقائع تاريخية تثبت دور كاتب وأمة في مسيرة أدب قومي هي المعول عليها، أما دراسة التشابه المبني على توارد الخواطر وعلى الصدفة، وكذلك دراسة تأثر عدة آداب قومية جملة واحدة بأديب وباتجاه أدبي، فلأنها لا تخدم وتوثق وتكمل كتابة تاريخ الأدب لقومية محددة؛ فقد أخرجها أصحاب هذا الاتجاه من دائرة الأدب المقارن.
    ويظهر تأثير التوجه الثقافي القومي في سير الأدب المقارن في فرنسا من خلال تتبع جهود أبرز المقارنين الفرنسيين، حيث تظهر الثنائية والتمركز حول القومية والتوجه التاريخي، من خلال عناوين أبحاثهم وكتبهم التطبيقية.
    فقد ألقى جان جاك أمبير "J. J. Ampere"1930 م، محاضرات في مرسيليا وباريس تمحورت حول التأثيرات المتبادلة بين الأدب الفرنسي، وعدد من الآداب الأجنبية في العصور الوسطى، وهذا النسق أيضًا جعل الأديب المقارن الفرنسي المشهور "بول فان تيجم" يركز على التفريق بين الأدب المقارن والأدب العام، فيجعل الأدب المقارن مختصًّا بدراسة العَلاقات الأدبية الثنائية المبنية على التأثير المثبت بالوثائق التاريخية، حيث نشر عام 1921م بحثًا تحت عنوان: التركيب في التاريخ الأدبي: الأدب المقارن والأدب العام، مما يوحي بانطلاقه من تاريخ الأدب الفرنسي ويكشف عن تأثره بالمؤرخ الفرنسي غوستاف لانسون، لا سيما أن له عددًا من المؤلفات في تاريخ الأدب.
    وعندما أدخل فرديناند برونتير الأدب المقارن إلى الكلية الطبيعية العليا في نهاية القرن التاسع عشر، فإنه أراد بذلك مقارنة تطور الأدب الفرنسي بتطور الآداب الغربية الأخرى، ومتابعة تطور الأجناس الأدبية كما فعل آخرون مع البشر.
    وإذا نظرنا في عناوين المجلدات التي صدرت في عام 1930م للدراسات المقارنة في فرنسا، نجد التركيز على تاريخ الأدب الفرنسي في علاقاته بالآداب القومية المكتوبة بلغاتٍ أخرى، يطغَى على المجالات الأخرى.
    إن هذا التوجه في الأدب المقارن، يكشف عن طبيعة النسق الثقافي المهيمن في تلك المرحلة، فمن الطبيعي أن ينطلق المهتم بإثبات هويته القومية ومكانتها، من الحرص على دراسة تفاعل أدبه القومي مع الآداب القومية الأخرى، وتوثيق هذا التفاعل بالدلائل والوقائع التاريخية، وهذا يجعلنا نتفهم وجهة نظر هؤلاء ونعترف بأهمية جهودهم، وفي الوقت نفسه نتفهم موقف المعارضين لهذا الاتجاه؛ فقد انطلقوا من أنساق وخلفيات ثقافية مختلفة.
    ومن غير الطبيعي أن يتوقف تطورالأدب المقارن عند مرحلة كانت تلبي احتياجات ملحة لدى الفرنسيين ومَن تأثر بمنهجهم؛ لتلبية متطلبات ثقافية مشابهة، فالاعتزاز بالقومية وتضخيم دورها مرحلة تمر بها معظم الشعوب، وقد وجد الأتجاه الفرنسي قبولًا في معظم دول العالم، ولكنه تعرض للهجوم والرفض عندما ظهرت أنساق وتوجهاتٌ مناهضة للتركيز على دور القوميات في تطور الثقافات والآداب.
    الأدب المقارن وسلطة الوعي الإنساني "الاتجاه الأمريكي":
    لم يجد مصطلح الأدب المقارن "comparative literature" في اللغة الإنجليزية القبول الذي وجده في اللغة الفرنسية، مما أدى إلى تأخر الاهتمام بهذا النوع من الدراسات، لاسيما في الجامعات الإنكليزية والأمريكية، وأدى أيضًا الى ظهور أعتراضات على المفهوم الفرنسي، نتيجة لظهور سياق ثقافي معارض للتاريخية القوميو والاجتماعية، شكل مايعرف بالاتجاه الأمريكي.
    فالإنجليزية لا تحبذ اجتماع كلمة "مقارن": comparative مع كلمة "أدب" literature، وذلك لأن كلمة أدب لم تعد تحمل كما هو الحال في الفرنسية في معناها معرفة الأدب ودراسته، وإنما أصبحت تدل على الكتابات الأدبية بشكل عام، ولذا نجد أن الشكوى من غموض مصطلح الأدب المقارن ظهرت في أول محاولة منهجية في الإنجليزية على يد بوسنت posenett في كتابه "الأدب المقارن" عام 1886م، وقد دفعت هذه الخلفية اللغوية الأستاذ لين كوبر 1927م - 1943م إلى تسمية القسم الذي ترأسه في جامعة كورنيل الأمريكية قسم "الدراسة المقارنة للأدب" لأن مصطلح الأدب المقارن في رأيه لا أصل له، ليس له معنى ولا مبنَى، فلو جاز لنا لجاز أن نقول: البطاطا المقارنة، أو القشور المقارنة.
    فقد ظلت دراسة الأدب المقارن حتى عشرينيات القرن العشرين في أمريكا تختلط بدراسة الأدب العام، والأدب العالمي، والإنسانيات، ودراسة الكتب العظيمة، وهذا لا يعود -كما يبدو- إلى جهل الدارسين لمفهوم الأدب المقارن ومجالاته لدى الفرنسيين، بل كان هذا الاختلاف نتيجة لظهور متطلبات ثقافية وتوجهات بحثية بلورها رينيه ويليك في ثورته على المفهوم الفرنسي، فقد أعلن في المؤتمر الثاني للرابطة العالمية للأدب المقارن في سبتمبر 1958م، عن "أزمة الأدب
    المقارن" وبين إشكالات المصطلح، وطالب بإعادة النظر في مفاهيمه ومجالاته.
    فلا يبدو أن رينيه ويليك ينطلق من موقف شخصي، وذلك لأن الآراء التي طرحها يمكن ربطها بنسق ثقافي تطلب ظهور مفاهيم جديدة للأدب المقارن، فقد شهد رينيه ويليك وعدد من المقارنين والنقاد في أمريكا في مطلع القرن العشرين عددًا من المتغيرات الفكرية والفلسفية،أدت إلى تكوين نسق ثقافي، يرفض التاريخية القومية والاجتماعية، فتركيبة المجتمع الأمريكي المكون من عرقيات وقوميات متعددة،يجعل من التعصب للجنس أوللقومية الأم نوعًا من العبث، كما أن حداثة تاريخ هذه الدولة مقارنة بتاريخ القومية الفرنسية يجعل الحاضر يحتل أهمية أكبر من الماضي التاريخي، إضافة إلى أن المجتمع الأمريكي قائم على النظام الرأسمالي الذي يعطي الامكانات الانسانية الفردية سلطة تفوق سلطة المجتمع، و سلطة القومية.
    وقد بدأ النفور من التوجه التاريخي في تناول العلوم والآداب في إنجلترا وأمريكا منذ مطلع القرن العشرين بفعل تأثير الحركة الإنسانية الجديدة، التي نبذت التعصب للقومية أو الجنس لما نتج عن هذا التعصب من حروب، وما أدى إليه من مبالغة في تقدير دور الوراثة أو الجنس في تحديد نمط التفكير والإبداع، وما تطلبه هذا الاعتقاد من ولع بالبحث التاريخي عن أصول المؤلفين، وعن بيئآتهم.
    وقد لاقت أفكار هذه الحركة رواجًا لدى عدد من الباحثين في أمريكا؛ لأن هذا النسق الثقافي أوجد مخرجًا مهمًّا للولايات المتحدة الأمريكية من إشكالية الأصول القومية المتعددة للشعب الأمريكي، الذي عانَى من الحروب القائمة على التمييز العنصري، إضافة إلى ما أحدثته الحرب العالمية الأولى من أثر جعل كثيرًا من الفلاسفة والمفكرين والأدباء والنقاد ينبذون التعصب لقومية، أو عِرق.
    ونستشف أثر هذا التوجه الإنساني في الأدب والدراسات الأدبية، ومنها الأدب المقارن، من خلال قول رينيه ويليك عن كتاب المؤلف الأمريكي أرفنج بابيت: وكان كتاب بابت المعنون "الأدب والكلية الأمريكية"، قد نشر أصلًا في عام 1908م، لكنه لا يزال واحدًا من أقوى الهجمات على القرن التاسع عشر الذي كان بابت آنذاك يربطه بالفذلكة الألمانية المؤذية. وقد تنبأ بأن الأدب المقارن سيكون من أتفه المواضيع إن لم يخضع للمعايير الإنسانية، ولا تعد تسمية هاري ليفن أستاذ كرسي أرفنج بابت للأدب المقارن، تكريمًا لارفنج بابت فقط، بل ضمانًا لاستمرار المعايير الإنسانية في جامعة هارفارد.
    وأدى هذا التوجه الرافض للتمحور حول التاريخ الاجتماعي أو القومي في تناول الأدب، إلى ثورة عدد من النقاد الأمريكيين ومن بينهم رينيه ويليك وجماعة النقد الجديد على المعايير الأكاديمية التي تهتم بالعوامل التاريخية أكثر من اهتمامها بالنص الأدبي وجمالياته، ووجدوا في أفكار الشكلانيين الروس الرافضين للتاريخية الاشتراكية أو الماركسية ما يلبي توجههم الأدبي، وهذا ما يؤكده رينيه ويليك في قوله: عندما عدت إلى براغ عام 1930م انضممت لفترة من الزمن إلى حلقة براغ اللغوية، فأطلعت على أفكار الشكليين الروس، وكان رومان ياكبسن موجودًا في براغ آنئذٍ، وكان ناقدًا لاذعًا للمنهجية المترهلة التي يتبعها التاريخ الأدبي الأكاديمي.
    وقد زودت هذه الحلقة الدارسين الأمريكيين بمنهجية جديدة، مضادة للتيار التاريخي القديم، فاتجهوا إلى التركيز على النصوص الأدبية، مما أدَّى إلى نشوب صراع بين النقد الأدبي، والتاريخ الأدبي، كان له أثر في حدوث تغيير عميق في المؤسسات الأكاديمية وغيره.
    ومن هنا ندرك أبعاد ثورة رينيه ويليك على المفهوم القومي التاريخي للأدب المقارن، فقد رأى ويليك في الإصرار على المفهوم القديم للأدب المقارن تحديًا لهذه التطورات التي حدثت في أمريكا. يقول ملخصًا خلفيات معارضته للمفهوم الفرنسي:
    وتعكس الثورة ضد الوضعية التي وصفتها في أول محاضرة عامة لي، ألقيتها في ييل في شباط 1946م، تلك الثورة التي تمثلت في كروتشه وتاريخ الأفكار الألماني، وفي الشكليين الروس، وفي الإنسانية الجديدة عند الأمريكيين، وت.س.إليوت، وف.ر.ليفس، والنقاد الجدد. ولذلك شعرت عندما أعاد المستر فريدرخ في أول كتاب سنوي للأدب المقارن والأدب العام 1952م، نشر المقدمة الموجزة التي كتبها جان ماري كاريه لكتاب "الأدب المقارن" 1951م الذي ألفه م.ف. غيار، أن ذلك بمثابة التحدي لكل ما تحقق في هذا البلد، إذ إن كاريه -وهو أول رئيس للرابطة العالمية للأدب المقارن- يعيد في هذه المقدمة التعبيرَ عن المفهوم القديم للدراسة الأدبية وللأدب المقارن على وجه الخصوص، وبأضيق ما يمكن من مصطلحات: الأدب المقارن جزء من التاريخ الأدبي يهتم بالصلات الحقيقية بين الأعمال، وحيوات الكتاب الذين ينتمون إلى آداب متعددة، ويستبعد كاريه في هذه المقدمة -على الأقل- الأدب العام من موضوع دراستنا، ويستنكر كل مقارنة لا تدعمها الصلات المجسدة باعتبارها تمرينات بلاغية.
    ويرفض الدافع القومي في دراسات التأثير؛ لأنه في رأيه يهدف إلى تنمية مدخرات أمة الباحث، عن طريق إثبات أكبر عدد ممكن من التأثيرات التي أثرتها أمة على الشعوب الأخرى، أو عن طريق إثبات أن أمة الكاتب قد هضمت أعمال أحد العظماء الغرباء، وفهمته أكثر من أي أمة أخرى.
    وهذا الرفض للدافع القومي، لا يعني أن ويليك ومن معه يدعون الى الانسلاخ عن الهوية القومية،بل لأنهم وجدوا المفهوم الإنساني أكثر انسجامًا مع متغيرات العصر وطبيعة الأدب، وهذا ما يشير إليه ويليك في قوله: ونحن هنا في أمريكا قد نحقق في نظرتنا نحو أوروبا ككل نوعًا من الاستقلالية، رغم أننا قد ندفع ثمن الانقطاع عن الجذور والغربة الروحية، ولكننا بمجرد أن ننظر إلى الأدب لا كجزء من معركة الحصول على مزايا ثقافية، أو كسلعة من سلع التجارة الخارجية، أو كدليل السيلوكوجية الوطنية، سنحصل على الموضوعية الصحيحة الوحيدة المتاحة للإنسان...وما أن ندرك طبيعة الفن والشعر وانتصاره على ما يعتري الإنسان من زوال، وعلى ما ينتظره من مصير، وخلقه لعالم جديد من صنع الخيال، حتى تختفي الأباطيل القومية، ويظهر الإنسان بعموميته، الإنسان في كل مكان، وكل زمان، وبكل تنوعاته.
    فالتركيز على العلاقات الثنائية القومية يفقد الأدب المقارن أهميته -في رأي رينيه ويليك- ويجعله يندرج تحت تاريخ الأدب، فينصرف جهد الباحث إلى عوامل التأثير، والبحث عن الوثائق التاريخية، التي تثبت التأثير، دون الاهتمام بالنص الأدبي، مما يؤدي -مثلًا- إلى عدم اختلاف دراسة أثر بيرون في إنكلترا، عن دراسة أثره في فرنس.
    ويرفض شرط اختلاف اللغة بين الأدبين المراد مقارنتهما، لأن هنالك عدد من الآداب القومية - كمايقول- لغتها واحدة، مع اختلاف ثقافتها، وبعدها المكاني، ومنها مثلًا الأدب البريطاني والأدب الأمريكي وغيرها فالمدرسة الفرنسية تعدهما أدبًا واحدًا، بذلك يندرج الأدب في الولايات المتحدة الأمريكية ضمن الأدب في بريطانيا، وهذا نوع من التعسف فعلينا أن نقر بأن الآداب في لغة واحدة، هي آداب قومية متميزة، كما هي الحال بين الأدبين الأمريكي ولاير لندي، وإلا سيؤدي ذلك إلى تجاهل كثير من الآداب القومية، مثل الأدب البلجيكي والأدب السويسري والنمساوي.
    ويريد ويليك من وراء هذا الرفض الكشف عن الخلل الذي وقع فيه، اتباع الاتجاه الفرنسي بسبب التعصب للغتهم والقوميتهم.
    ومن منطلق إنساني يطالب بأن يتسع مفهوم الأدب المقارن؛ ليشمل دراسة التأثير والتشابهات بين عدد من الآداب، وعدم الفصل بين الأدب المقارن والأدب العام، فالاتجاه الفرنسي جعل الأدب المقارن مختصًّا بدراسة التأثير بين أدبين قوميين، وجعل الأدب العام مختصًّا بدراسة التأثيرات والتشابهات بين عدد من الآداب القومية، حيث يرى ويليك في هذا الفصل نوعًا من التعسف الذي لا معنى له؛ فالآداب القومية ليست معزولة عن بعضها؛ لأن هنالك كثيرًا من السمات التي تجمع بين الآداب الأوربية والأدب في الولايات المتحدة، وروسيا، وأمريكا اللاتينية.
    في إشارة إلى أن إثبات هذه الصلات تاريخيًّا لم يعد ضروريًّا.
    ويضع رينيه ويليك حلًّا لهذه الأزمة منطلقًا من الخلفيات التي ذكرناها سابقًا، والتي أفرزت التوجه نحو النص في الدراسات الأدبية، ومنها الأدب المقارن، بوصفه عملًا إنسانيًّا جماليًّا لا يهمنا جنسية مؤلفه أو ظروفه الاجتماعية، فيرى ويليك أن يتم التركيز في الأدب المقارن على الأدب وجمالياته لا على العوامل الخارجية، وهذا هو التوجه العام لأصحاب مدرسة النقد الجديد في أمريكا، يقول: إن البحث الأدبي هذه الأيام يحتاج بالدرجة الأولى إلى أن يعرف ماذا يدرس، وعلى ماذا يركز؟ إذ يجب فصله عن دراسة تاريخ الأفكار، أو عن المفاهيم والعواطف الدينية والسياسية التي غالبًا ما يقال: أنها بدائل الدراسة الأدبية، فالكثيرون من أبرز الباحثين في الأدب -وخاصة في الأدب المقارن- لا يهتمون في الواقع بالأدب على الإطلاق، بل بتاريخ الرأي العام وبأقوال الرحالة، وبالأفكار الشائعة عن الشخصية الوطنية... لكن البحث الأدبي لن يحرز أي تقدم من الناحية المنهجية، إلا إذا قرر أن يدرس الأدب كموضوع متميز من غيره من نشاطات الإنسان ومنتجاته.
    وإذا كان رينيه ويليك قد وضع أسس الاتجاه الأمريكي في الأدب المقارن فإن ريماك Remak H.H. قد عمل على صياغة هذه الأسس وإخراجها في قالب منهجي منسق، وذلك في مقالته "الأدب المقارن مفهومه ووظيفته" التي نُشرت سنة 1961م "Comparative Literature, its definition and function"، يتسع لديه مفهوم الأدب المقارن ليشمل دراسة الأدب مقارنة بالعلوم والفنون الأخرى، فهو يعرف الأدب المقارن بقوله: هو دراسة الأدب بحيث تتعدى القطر الواحد، ودراسة العلاقات القائمة بين الأدب من ناحية وبين مجالي المعرفة والمعتقدات الأخرى كالفنون، والفلسفة، والتاريخ، والعلوم الاجتماعية، والعلوم البحتية، والأديان... الخ من الناحية الأخرى.
    ومن هذا التعريف نستطيع أن نحدد ملامح الاتجاه الأمريكي، ونلخص ما طرحناه سابقًا من خلال تحليل، مضمونه:
    - ففي قوله: "دراسة الأدب بحيث تتعدى القطر الواحد" يلخص ما طرحه رينيه ويليك من آراء، وليتجاوز معظم الهفوات التي ظهرت في الاتجاه الفرنسي، وليتلاءم المفهوم الجديد مع المتغيرات، والمطالب الملحة لدى المؤيدين لهذا الاتجاه، فقد أستبعد من التعريف الإشارة إلى دراسة التأثير، أو دراسة العلاقات، ولم يذكر القومية أو اللغة، وإنما ذكر "دراسة الأدب" ليتم التركيز على النصوص الأدبية لا على دراسة العوامل الخارجية، كالمصادر والوثائق والظروف الاجتماعية،كما أن دراسة الأدب خارج القطر الواحد تشمل دراسة التأثير، ودراسة التشابهات بين عدد غير محدد من الآداب، بحيث تتعدَّى "القطر الواحد"، بينما كانت الدراسة المقارنة في الاتجاه الفرنسي تهتم بدراسة التأثير بين أدبين قوميين في الغالب، وبهذا تتسع المقارنات لتشمل كل دراسة لا تكتفي بأدب قومي واحد، سواء أكانت هذه الدراسة تتناول التأثير أم تدرس التشابهات، ضمن آداب قومية لغتها واحدة أم تنتمي للغات مختلفة.
    - "دراسة العلاقات القائمة بين الأدب من ناحية وبين مجالي المعرفة والمعتقدات الأخرى"، وفي هذا الجزء من التعريف، يضيف إلى الأدب المقارن مجالًا جديدًا، لم يكن موجودًا في الاتجاه الفرنسي، وبهذا تصبح دراسة الأدب مقارنة مع الرسم أو النحث أو فن او علم آخر، ضمن الدراسات الأدبية المقارنة، فالمهم أن يصبح النص الأدبي محورًا للمقارنة، فالهدف عندهم هو الكشف عن جماليات النص الأدبي، ومن هنا نلاحظ اختفاء الإشارة إلى المؤلف أو الاتجاهات أو عوامل التأثير.
    وبهذا يتضح تأثير النسق الثقافي الإنساني الرافض للتاريخية الوضعية والحتمية التاريخية في ظهور هذا الاتجاه، فقد مثل هذا السياق مخرجًا -كما
    يبدو- من طغيان التوجه التاريخي في القرن التاسع عشر، فظهر هذا مركزًا على النصوص الأدبية بوصفها نتاجًا جماليًّا إنسانيًّا، ولذا أتجه الأدب المقارن إلى الاهتمام بدراسة جماليات الآداب، ولم يعد هدفه إكمال كتابة تاريخ الأدب القومي، أو إثبات مدى إسهام قومية في آداب قوميات أخرى، أو إثبات أن تشابه الظروف الاجتماعية يؤدي إلى تشابه الآداب القومية، بل أصبحت مقارنة جماليات النصوص الأدبية بين عدد من الآداب هي محور اهتمامات أصحاب هذا الاتجاه، فالعمل الأدبي عندهم مثل اللوحة الفنية لا تسأل عن أصول مبدعها أو قوميته.
    ولكن هذا لا يعني أن المفهوم الأمريكي ظل استجابةً لواقع وثقافة الولايات المتحدث، وإنما وجد أنصارًا ومؤيدين في مختلف أنحاء العالم، حتى في فرنسا نفسها.
    ع2:
    ميادين الأدب المقارن ومدارسه

    ج3:
    محتويات الأدب المقارن، لسميرة شبال.

    مدارس الأدب المقارن:
    شهدت الدراسات المقارنة عدة مشاكل في تحديد مصطلحها ومنهج دراستها، لذا قام العلماء والدارسون في مختلف البلدان والأمم بالعديد من البحوث والدراسات قصد الوصول إلى إيجاد حل لهذه المسألة العويصة التي كانت تعترض سبيل الدراسات المقارنة، وأدى هذا إلى ظهور آراء مختلفة ومتعددة وكذا مدارس متنوعة في هذا المجال ولعل أشهرها: المدرسة الفرنسية والمدرسة الأمريكية والمدرسة الروسية أو السلافية.
    1- المدرسة الفرنسية:
    يقول "يول فان تييغم" "PAUL Van Tieghem" أحد أقطاب هذه المدرسة: أن الأدب المقارن هو: "دراسة آثار الآداب المختلفة من ناحية علاقاتها بعضها ببعض"، وقد كانت هذه المدرسة كثيرة التشدد بهذا المفهوم.
    كما فرق "جان ماري كارية" بشدة بين المقارنات الأدبية غير القائمة على الصلات والعلاقات وبين الأدب المقارن الذي يعتمد على مفهوم التأثر والتأثير من خلال الصلات الواقعية بين الآداب أو الأدباء من بلدان مختلفة. ولا يعتبر أصحاب هذه المدرسة من الأدب المقارن ما يعقد من موازنات بين كتاب "مؤلفين" من آداب مختلفة لم تقم بينهما صلات تاريخية حتى يؤثر أحدهم في الآخر.
    ولا يصح أن تدخل في حسابنا مجرد عرض نصوص أو حقائق تتصل بالأدب ونقده لمجرد تشابهها أو تقاربها دون أن يكون بينها صلة.
    بالإضافة إلى ذلك يقول "جان ماري كاريه" "Jean Marie-Carré": "إن الأدب المقارن فرع من التاريخ الأدبي، لأنه دراسة للعلائق الروحية الدولية وللصلات الواقعية التي توجد بين "بيرون" و"بوشكين" و"جوته" و"كارليل" و"الترسكوت" و"فينيي" أي: بين المنتجات والإلهامات، بل بين حيوان الكتاب المنتمين إلى آداب عدة، وهو لا ينظر من وجهة جوهرية إلى المنتجات من قيمتها الأصلية، ولكنه يعني على الأخص بالتحولات التي تخضع لها كل دولة أو كل مؤلف".
    هكذا تهتم المدرسة الفرنسية بالأدب المقارن في دراستها لعملية التأثير والتأثر بين الآداب القومية المختلفة بالظروف الخارجية التي تحيط بالأديب أو بالعمل الأدبي، وتؤدي إلى وجوده كالظروف التاريخية والسياسة والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية.... وبناء على هذا لا تقبل المدرسة الفرنسية أن تقوم بالمقارنة بين أي أدبين قوميين أو أكثر ما لم تكن فيه علاقات تاريخية مباشرة بين الثقافتين مثل علاقة المستعمِر بالمستعمَر هو الأقوى، فهو إذن في موضع المؤثر، وعليه فالثقافة المستعمَرة تتأثر بالضرورة بمحتلها.
    وهنا ترى المدرسة الفرنسية أنه كلما تعرضت أي ثقافة إلى الاحتلال فهي تتأثر بشكل حتمي بثقافة المحتل، وهذا بعكس تأثر هذه المدرسة بالفلسفة الوضعية التي ترى أن نفس الأسباب تؤدي حتمًا إلى نفس النتائج، ومن هنا أيضًا كانت هذه المدرسة ترى أن هناك ثقافات تؤثر فقط، وثقافات تتأثر فقط، ولا يوجد أي ثقافة تؤثر و تتأثر.
    واعتبرت ثقافات أوروبا الغربية هي المؤثرة دائما؛ لأنها هي القوية وهي التي تمثل الحضارة، أما باقي الثقافات لاسيما الإفريقية والعربية فهي تتأثر فقط؛ لأنها ضعيفة ولا تملك أي شيء يمكنها تقديمه للآخرين، كما تعتبر المؤثر إيجابي والمتأثر سلبي دائما لأنه يأخذ فقط دون أن يقدم. هذا كله حتى تثبت سيطرتها ثقافيًّا على مستعمراتها التي أصبحت بهذا الشكل تابعة لها ثقافيًّا.
    هذا، وقد أصرت هذه المدرسة كثيرًا على مفهوم القومية، واعتبرت اللغة كمقياس أساسي لتحديده، ومن هنا اعتبرت كل أدب مكتوب باللغة الفرنسية أدبًا فرنسيًّا، ولم تأخذ بعين الاعتبار العوامل الأخرى، وبهذا الشكل يبدو لنا جليًّا تركيز المدرسة الفرنسية على كل ما هو خارجي لتحديد عملية التأثير والتأثير بين الآداب، ولا تعود إلى النصوص الإبداعية إلا لتثبت الفكرة التي توصلت إليها سابقًا، فهي تنطلق من خارج النص لتصل إلى داخله، لذا سميت هذه المدرسة بالمدرسة التاريخية؛ لأنها تربط بين الظروف التاريخية المحيطة بالعمل الأدبي وبين العلاقات التاريخية بين الثقافات المختلفة، بينما لا تعطي إلا أهمية ثانوية حد النص الأدبي.
    فالأدب المقارن إذن -حسب المدرسة الفرنسية- يرسم سير الآداب في علاقاتها بعضها ببعض ويشرح خطة ذلك السير، ويساعد على إذكاء الحيوية بينها، ويهدي إلى تفاهم الشعوب وتقاربها في تراثها الفكري، وهو يساعد على خروج الآداب القومية من عزلتها؛ كي ينظر لها بوصفها أجزاء من بناء عام يتمثل في التراث الأدبي العالمي مجتمعها.
    هذا، وينبغي أن نشير إلى أن ميدان الأدب المقارن الذي يتمثل في الصلات الدولية بين مختلف الآداب أوسع مما يبدو لأول وهلة، إذا هو لا يقتصر على دراسة الاستعارات الصريحة وانتقال الأفكار والموضوعات والنماذج الأدبية للأشخاص من أدب إلى آخر، يشمل أيضًا دراسة نوع التأثر الذي اصطنع به الكاتب في لغته التي يكتب بها بعد أن استفاد من أدب آخر.
    ولا يعد من الأدب المقارن في شيء، ما يعقد من موازنات بين كُتاب من آداب مختلفة لم تقم بينهما صلات تاريخية حتى يؤثر أحدهم في الآخر نوعًا من التأثير مثلًا، لا يمكننا المقارنة بين أديب جزائري وأديب يَمَنِي؛ لأن كليهما ينتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية، كما لا يصح حسب هذه المدرسة أن يقارب بين أديبين بمجرد التشابه أو التقارب ما لم تكن بينهما صلات تاريخية مباشرة؛ لأن المقارنة في هذه الحال لا تشرح شيئًا، بل تقوم على نوع من الترف العقلي أساسه جمع المعلومات لا نظام فيها ولا قاعدة لها.
    نقد منهج المدرية الفرنسية:
    بقيت المدرسة الفرنسية هي الرائدة حتى سنة 1958 وهو تاريخ انعقاد المؤتمر العالمي للأدب المقارن "بشابل هل" حيث ينازعها روني ويلك "René Wellek".
    لعل ما يعيب على المدرسة الفرنسية هو دراستها الآلية للمصادر والتأثيرات وعلاقات الأسباب بالمسببات والصدى والشهرة أو الاستقبال المخصص لكاتب أو عمل ما.
    وفي هذا يقول عبد الحكيم حسان: هكذا على المفهوم الفرنسي للأدب المقارن منذ نشأته من عدد من أوجه القصور كعدم التحديد، والخضوع للنزعة التاريخية، والولع بتفسير الظواهر الأدبية على أساس من حقائق الواقع وعدم التناسق بين المنطق القومي، والهدف العالمي، وكانت النتيجة الطبيعية أن احتلت العوامل المؤثرة في الأدب، المكان الأول، من عناية الباحثين المقارنين في حين احتل الأدب نفسه، وهو موضوع الدراسة، المكان الثاني، وبالإضافة إلى ذلك فرض هذا المفهوم الفرنسي تجزئة العمل الأدبي أثناء دراسته وبذلك استبعدت عملية النقد من الدراسة المقارنة.
    هذا، وقد ارتفعت أصوات عديدة ابتداء من منتصف القرن العشرين معترضةً على ما يمكن أن يسمى بالتزمت في منهجية "الأدب المقارن"، سواء في فرنسا أو في أمريكا، ومن هنا برزت عدة اعتراضات مفادها أن المقارنين الأوائل -وهم الأوروبيون- كانوا أسرَى النظرة الاستعمارية الأوروبية.
    واعتبروا آداب العالم كلها، إما منبثقة عن أو منصبة في بحر الآداب الأوروبية، ولم يعطوا الآداب الأسيوية والإفريقية والأمريكية الجنوبية حقها من البحث والاستقصاء، وإنما سمحوا لأنفسهم في أن يعرفوا في دوامة العلاقات فقط. ويطالب هؤلاء بأن تتوسع نظرة الأدب المقارن لتشمل البحث عن المشابهات في الأفكار الأدبية وفي الذوق الجمالي؛ لأنه يغير ذلك لا يكون للأدب المقارن فعالية حية مرتبطة بقضايا العصر.
    وهناك عدد من اليساريين الفرنسيين الذين دعوا بقوة إلى هذا المفهوم الذي لم تتبلور ملامحه بعد ومن أبرز هؤلاء "رينيه ايتيامبل" الذي يعطي الأولوية لعنصر الأدب في المقارنة وليس العكس... وهو الخطأ الذي وقعت فيه المدرسة التقليدية الفرنسية في الأدب المقارن... كما أن الثقافة الموسوعية "لايتيامبل - "R.Etiemble" طبعت نزعته في الأدب المقارن بطابع الشمولية الكونية التي لا تحتقر مسبقًا أي ثقافة أو أي شَعب؛ لأنها تقاوم كل شوفينية.
    وعنصرية بدءًا بالفوقية الأوروبية. هذا وقد وجه "زينيه ايتيامبل" انتقادًا لاذعًا "لماريوس فرانسوا غويار"Marines François Guyard واتهمه بالتعصب الإقليمي والقومي، وبلغ حد السخرية منه حين أعاد طباعة كتابه الذي عنونه "الأدب المقارن" سنة 1958 واستغرب كثيرًا كيف أن "ماريوس فرانسوا غويار" لم يلتفت إلى كل التغيرات التي حدثت في فترة الخمسينيات فيما يتعلق بالدراسات المقارنة؟!
    2- المدرسة الأمريكية:
    تهدف المدرسة الأمريكية إلى دراسة الظاهرة الأدبية في شموليتها دون مراعاة للحواجز السياسية اللسانية، حيث يتعلق الأمر بدراسة التاريخ والأعمال الأدبية من وجهة نظر دولية. تعرف هذه المدرسة الأدب المقارن وبالذات "هنري رماك" أنه: مقارنة أدب معين مع أدب آخر وآداب أخرى، ومقارنة الأدب بنواحي أخرى من التعبير الإنساني.
    هكذا تهدف المدرسة الأمريكية إلى دراسة الظاهرة الأدبية في شموليتها دون مراعاة للحواجز السياسة واللسانية، حيث يتعلق الأمر بدراسة التاريخ والأعمال الأدبية من وجهة نظر دولية. كما ينبني موقف الأمريكيين في عقد مقارنات على أساس الاهتمام بدراسة الأدب في صلاته التي تتعدى حدوده القومية، وهذه الأخيرة هي التي تحدد نوعية الأدب وقوميته وليس اللغة، ومن ثم تعمل المدرسة الأمريكية على تتبع العلاقات المتشابهة الآداب المختلفة فيما بينها وبين أنماط الفكر البشري.
    أضِفْ إلى ذلك يقترب الأدب المقارن حسب هذه المدرية من النقد الأدبي والذوق الجمالي، خاصةً الذي يعبر عن الخاصة الثقافية لكل ثقافة أو مجتمع، فهي من ثم تنطلق من النص الإبداعي حتى تثبت نوعية التأثير والتأثر بين الآداب، لذا سميت هذه المدرسة بالمدرسة النصيب أو المدرسة الفنية.
    ويدعو "هنري رماك" إلى المزيد من الدقة في تحديد أي موضوع لا يدخل في حق الأدب المقارن، إن البحث عن المصادر التاريخية للمسرحية الشكسبيرية لا يمكن أن يكون من الأدب المقارن إلا إذا كان مركزًا حول بلد آخر.
    هذا، وقد وسمعت هذه المدرسة نطاق المقارنة لتشمل مجالات أخرى من التعبير الفني كالرسم والنحت والموسيقي والفلسفة والعلوم الاجتماعية... لأن الواقع أثبت إمكانية ذلك، في الأدب العربي نجد توفيق الحكيم الذي يصرح أنه تأثر بلوحة زيتية شاهدها في متحف اللوفر بباريس قبل كتابته لمسرحيته "بينما ليون " من ثم يمكننا أن نقارن بين هذه المسرحية واللوحة الزيتية.
    نقد منهج المدرسة الأمريكية:
    - لم تسلم المدرسة الأمريكية -رغم مزاياها الكثيرة- من الوقوع في عدة عيوب نذكر من بينها:
    - عدم التمييز الدقيق بين مناهج ومفاهيم الأدب المقارن والأدب العام رغم الاختلاف الجوهري.
    - عدم الاهتمام الكبير بالحدود القومية والسياسية أثناء عملية المقارنة بين الآداب.
    3- المدرسة الروسية أو "السلافية":
    جاءت هذه المدرسة لكي تسد الثغرات التي تركتها المدرستان الفرنسية والأمريكية، وكان ذلك بعد أن انتقدتهما، فوصفت الأولى بالمركزية الأوروبية، والثانية بالعدمية القومية.
    بعد سنة 1945 أصبحت الدراسات المقارنة في منطقة أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي مرتبطة بالنظام السياسي، ومن هنا رفضت هذه الدراسات، وكان هؤلاء يدعون أن أدب هذه المنطقة له صيغة محلية، كما كان السوفييت يزعمون أن ثقافتهم صافية وخالصة. وفي النصف الثاني من مرحلة الخمسينيات -أي: بعد ظهور التعايش السلمي بين المعسكرين- أنشِئ فرع للأدب المقارن بمؤسسة الأدب الروسي بلينينجراد "دار بوشكين".
    بفضل الأدب المقارن، عاد الحوار ليتواصل بين الأوروبيتين الشرقية والغربية، وقد وضع "روني ايتيامبل" في مؤتمر بودابست سنة1962، مستشهدًا بأقوال ماركس، كيف أنه لا مجالَ للعزلة الإقليمية، أما الآن فينبغي الانفتاح على الأمم، ويرى أنه ما هو حقيقي بالنسبة للإنتاج المادي ينطبق أيضًا على الإنتاج الثقافي والقومية الضيقة.
    هذا، ولا تتخلَّى المدرسة السلافية على التشديد على الخصوصية الوطنية في حديثها عن الأدب المقارن؛ لأن أهمية هذه الدراسات تتحدد في تقدير نزعة الأدب الذي يستهدف الكشف عن جوهر الفن.
    استطاعت هذه المدرسة أن ترسخ تقاليد الدراسات المقارن التي تختلف عن المنهجين السابقين الفرنسي والأمريكي. هكذا تعرف هذه المدرسة الأدب المقارن على أنه: البحث عن الروابط المشتركة والتفاعلات بين الآداب القومية في تطورها التاريخي.
    من أهم النقاط التي يمكننا الخروج بها من هذا التعريف، هي:
    أ- أن كل الأمم تؤثر وتتأثر وعملية التأثير لا تقع من جهة واحدة فقط كما يزعم الفرنسيون، فهي روابط مشتركة.
    ب- أن كلًّا من المؤثر والمتأثر إيجابي وفعَّال، إذًا يمكن للمتأثر أن يأخذ ما تأثر به من الآداب الأخرى، ويجعله يتفاعل ويتكيف مع ذاته أولًا ومع أوضاعه الثقافية والفكرية، ويخرج بشيء جديد يفيد به ثقافته.
    ج- عدم إهمال الفروق القومية بين الثقافات والنظر إليها بكل موضوعية.
    د- عدم الحكم على أي ثقافة إلا بعد دراسة تطوراتها وعلاقاتها بغيرها من الثقافات في تطورها التاريخي؛ لأن كل ثقافة من ثقافات العالم يمكنها أن تؤثر في فترة زمنية معينة، وتتأثر بدورها في فترة زمنية أخرى كالثقافة العربية التي كانت في موضع المؤثر في العصر العباسي والأندلسي، وأصبحت هي المتأثرة في العصر الحديث. وقد رأى أصحاب هذه المدرسة أنه ينبغي الاهتمام بالصراع الطبقي والصراع الإيديولوجي؛ لأنه يؤثر كثيرًا في طريقة استقبال أي مجتمع من المجتمعات للموضوعات الأجنبية.
    ع3:
    الصلة التي تربط بين الأدب والفنون الجميلة
    ج1:
    مجلة الموقف الأدبي بـ"دمشق"، العدد 433 أيار 2007، علاقة الأدب بالفنون الجميلة، لمحمود أمين العالم.

    عَلاقة الأدب بالفنون الجميلة:
    عندما طُلب مني منذ أيام أن أعد بحثًا في العلاقة بين الأدب والفنون الجميلة، لم أستشعر الحماس أول الأمر بل ترددت وقلت لنفسي ما أبعد هذا الموضوع عمَّا ترتعش به نفوسنا اليوم من تأهب وتطلع للظفر في معركتنا الأخيرة ومعركتنا من أجل حماية استقلالنا وإنجاز وحدتنا العربية. إلا أنني رحت أتأمل موضوعي على مهل، وأخذت تتجمع لدي فقرات ذهنية تحيط بجوانب من الموضوع، ثم لم ألبث أن أدركت أنني بموضوعي هذا غير بعيد عن أمتي العربية، غير بعيد عن نضالها غير بعيد عن اللحظة التاريخية الزاخرة التي نحياها اليوم.‏
    وأحب أن يكون هذا منهجي في كلمتي هذه، أحب أن أعرض في بساطة على سيادتكم هذه الفقرات التي تجمعت لدي لتكون سبيلًا لإنضاج الموضوع وإثرائه بالآراء التي ستتفضلون بها عليَّ عصر هذا اليوم.‏
    ومنذ البداية أستأذنكم في التخلي عن وصف الفنون الجميلة، فما أحب هذه الصفة التقليدية وما أميز بين فنون جميلة وأخرى قبيحة، بل أخشى أن توصد هذه الصفة في وجهي أبواب فنون جديدة أحرص على بيان علاقتها بالأدب وبيان موضعه منها.‏
    وبعد: أعتقد أن من واجبي أولًا أن أبدأ بتحديد العلاقة بين الأدب والفن. ولا سبيل إلى ذلك بغير مناقشة بعض المفاهيم الشائعة حول هذه العلاقة.‏
    في تراثنا الفكري الراهن يفرق بين الأدب والفن تفرقة تقوم على أساس أن الأدب مادته المعاني وأن الفن مادته الصور، سمعية كانت هذه الصور أم بصرية.‏ وهي تفرقة -في رأيي- على غير أساس، ذلك أن الأدب إنما يقوم بالصور بقدر ما يقوم بالمعاني، بل إن الصورة في العمل الأدبي هي التي تسويه أدبًا.‏
    والفارق بين بحث فلسفي وعمل أدبي ليس فارقًا بين نوعين من المعاني؛ لأن المعاني الإنسانية كلها سواء، ولكنه فارق في منهج بذل هذه المعاني وسبيل الإفضاء بها. فالمعنى الجامد في الأدب، المبذول في شبه موعظة أو حكمة متحجرة أو سرد تحليلي ليس معنًى أدبيًّا؛ ذلك لأن المعنى الأدبي معنى مصور أساسًا معنى معروض عرضًا حسيًّا. فالمعنى في الشعر ميت ما لم تبعثه صورة، والفكرة في القصة جامدة ما لم يوقظها حدث. وأبلغ الأدب ما رفعت معانيه وأفكاره بالحركة وضاءت بالعلاقات الحسية.‏
    هذا هو أساس البلاغة في الشعر والقصة والرواية على السواء. وهذا من ناحية الأدب، أما الفن فليس قاصرًا على الصور المجردة، الخالية من المعاني والدلالات بل لافن بغير دلالة. فالفن ليس صورًا ثابتةً في إطار أو متحركة فوق شاشة بيضاء أو مائلة في كتلة أو منغومة في علاقة صوتية وزمنية، بل هو معان كذلك مصورة ودلالات ذهنية مشكلة تشكيلًا حسيًّا.‏
    ولا هي كما ذكرت بغير دلالة حتى الموسيقى أشد الفنون تجريدًا.‏
    حقًّا قد تعبر بالفن مرحلة من المراحل يغلب فيها طابع التعبير الحسي بغير دلالة وطابع التشكيل بغير مضمون كما تَتَمَّثل ذلك في المدرسة الانطباعية أواخر القرن التاسع عشر والمدرسة التكعيبية بعد ذلك. فالمدرسة الأولى موغلة في حسيتها دون احتفال بالدلالات الفكرية والمدرسة الثانية موغلة كذلك في تجريديتها دون احتفال بمضمون. على أن ذلك في الحقيقة مظهر عابر موقوت. فمهما تخلى الفنان عن الدلالة، فالدلالة تلاحقه وتدمغ عمله، أراد ذلك أم لم يرد.‏
    والمهم أن نخلص من هذا إلى أن الأدب والفن سواء بسواء، يعبران عن المعاني والدلالات تعبيرًا مصورًا. وهما بهذا عملية إبداعية واحدة، يستوي في هذا الشعر والقصة والرسم والتمثيلية الإذاعية والتمثيلية المسرحية والسيناريو والتمثال والرقص، وغير ذلك من مختلف التعابير الفنية والأدبية جميعًا.‏
    هذا أولًا.‏
    وثمة تفرقة أخرى بين الفنون والأدب لعلها تنبع من التفرقة السابقة تقوم على أساس أن الفن وحدة متكاملة، تترابط عناصرها وتتداخلها مقوماتها الداخلية من ألوان وظلال، وفراغات وأنغام، وصور متلاحقة وكتل وغيرها، وأن هذه الوحدة المتكاملة داخليًّا هي وحدها دلالة الفن وقيمته، فالوحدة المتجانسة في اللوحة والبناء المتماثل في السنفونية، هو دلالتها، وهو قيمتها الأساسية، على حين أن دلالة الأدب إنما تقوم في القضية التي يطرحها ويلتزمها. وعلى هذا فقيمة الفن من داخله، أما قيمة الأدب فمن خارجه.‏
    والحق أن الفن والأدب سواء بسواء بِناء متراكب، متآلف العناصر، متكاتل الأنحاء والزوايا، يعلو ويسف من حيث المرتبة الفنية بمقدار ما تنبض أو تجف فيه هذه السمات. والأدب والفن كذلك تعبيران عن حياتنا الاجتماعية يستمدان الدلالة منها ومن مواقف الأديب والفنان من أحداثها وقيمها.‏
    ولكن الفنون تتفاوت في درجة تماسكها الداخلي وفي وضوح دلالتها الاجتماعية، فالموسيقى قد تكون أكثر الفنون تماسكًا عضويًّا، وأبعدها عن الإفضاء المباشر عن معاني حياتنا. وقد تكون اللوحات السريالية أقل اللوحات الفنية حظًّا من التماسك والوحدة العضوية وأشدها وضوح دلالة. وقد تكون القصة القصيرة أعنف من المقالة الأدبية؛ حرصًا على وحدتها العضوية، وأبعد عن الإبانة المباشرة عن دلالتها. إلا أن هذه جميعًا مراتب ومستويات في ظاهرة واحدة يشترك فيها الأدب والفن على السواء.‏
    وثمة تفرقة قد تثار أحيانًا بين الأدب والفن. فكلاهما كما يقال: يقوم على التجربة الوجدانية، ويصدر عنه. إلا أن ثمة ما يميز بين الأدب والفن. فالأدب أقرب إلى العقل والمنطق من الفن. ويرجع هذا إلى الكلمة التي يستخدمها الأديب للإبانة، فكلمة الأديب كلمة مطروقة استنفدها الاستعمال وجمد دلالتها. على حين أن اللون والصوت والكتلة مثلًا أدوات فنية لا تزول حساسيتها ونضارتها أبدًا.‏
    على أن هذا القول قد يصح لو كان الأدب يقوم على الكلمة المفردة، وإنما يقوم التعبير الأدبي بالسياق اللغوي لا بالكلمة، وتتحقق القيمة الفنية للكلمة بوضعها من السياق وبوظيفتها لا بمعناها المعجمي. وبهذا تحتفظ الكلمة بنضارتها أبدًا. على أن هذه المسألة في الحقيقة ترجع إلى تفرقة تقليدية في العمل الأدبي بين الفكر والإحساس، بين المعنى والعاطفة بين المدلول العقلي والعفوية الوجدانية. وهي تفرقة ليست صحيحة على الإطلاق في الأدب. ففي الأدب تتعانق المعاني والأحاسيس والأفكار والعواطف، وتتحقق معجزة العناق هذه بأصالة التجربة الإبداعية وبروعة الصور الحسية المستخدمة في التعبير والإبانة.‏
    إلا أن قصورًا قد يصيب التعبير الأدبي، فتتخلخل تجربته وتخفت رؤاه الحسية وتبرز معانيه كالحجارة المسنونة. وهذه ليست خصائص للأدب، بل أمراض تصيب تعابيره تصلح سندًا للتفرقة بين الأدب والفن.‏
    ولكن.. إذا كان الأدب والفن يلتقيان على أساس نظري واحد هو أنهما تعبير عن الفكر والوجدان أو عن التجربة الإنسانية تعبيرًا مصورًا، وإذا كانَا يلتقيان كذلك في الوحدة العضوية لبنائهما الداخلي، وفي أنهما يستمدان الدلالة من الحياة الإنسانية... إذا كانا يلتقيان في هذا كله، فما وجه الخلاف بينهما، أو بتعبير أصح ما وجه التمايز؟
    إن التمايز بين الفنون جميعًا من أدبية وتشكيلية وصوتية وسينمائية وغيرها يتحقق فحسب بالأداة المستخدمة بالتعبير والتصوير. فالأدب يستعين بسياق اللغة، والموسيقى بالصوت والزمن، والنحت بالكتلة وهكذا.‏ على أن التمايز نفسه ليس تمايزًا مطلقًا، بل نجد بين الفنون جميعًا تداخلًا. فالشعر والموسيقى والرقص والتمثيل فنون متداخلة، والتمثيلية المسرحية تستعين بالموسيقَى والرسم والتمثيل، والسينما تستعين بالفنون جميعًا لبناء عمل فني موحد وهكذا. إلا أن لكل فن من الفنون تمايزَه الذاتي وأداتَه الخاصة للتعبير.‏
    وما أحوجنا الآن أن نعبر هذه المفاهيم النظرية لنطل برفق على واقع الخبرة الإنسانية؛ لنتبين كذلك مدى العلاقة بين الفن والأدب. فمنذ النشأة الأولى لتاريخ النشاط البشري نجد الفن والأدب متلازمين متزاملين.‏ فهكذا نشأ الشعر والرقص والموسيقى نشأةً واحدةً، وهكذا تزامل التمثيل مع هذه الفنون على المسرح العصري القديم والمسرح اليوناني القديم في تعبير واحد. ومع حركة التاريخ البشري ازدادت هذه الفنون تمايزًا وازدادت في الوقت نفسه تداخلًا وتزاملًا على مستويات جديدة. وتطورت الموسيقى تطورًا متميزًا، وتطور الرقص، ثم تألف منهما فن جديد هو الباليه، وتطورت الموسيقى تطورًا مميزًا عن الشعر كما تطور الشعر تطورًا مميزًا عن الموسيقى، ثم التقيا في فن جديد هو الأوبرا. وهكذا شأن الروابط المتنوعة بين الفنون الأخرى.‏
    إنه تاريخ حافل من التطوير الذاتي لكل فن من الفنون، والالتقاء الجديد بين هذه الفنون على مستويات جديدة من التعبير، تتفق مع تطور حياتنا الاجتماعية. وفي السينما والتلفزيون تلتقي هذه الفنون جميعًا لقاءً جديدًا على مستوى جديد كذلك من التعقيد والنضج والخصوبة. وليس هذا اللقاء كما سبق أن قلت على حساب ذاتية فن من الفنون، فالسينما لا تقضي على ذاتية الأديب كما يقال أحيانًا، ولا تقضي على ذاتية الرسام أو الموسيقي. بل إنها تتيح لهم أشكالًا جديدة للتعبير وأساليب مستحدثة للصياغة والرؤية الفنية ونوافذ جديدة يطلون منها على دنيا الناس.‏
    وفي تراثنا العربي القديم نتبين تلازمًا وتزاملًا بين الفنون المختلفة. لن أتكلم عن الشعر والموسيقى فما أكثر ما نعرفه عن وثاقة الرابطة بين شعرنا العربي والموسيقى، ولن أتكلم كذلك عن رابطة الشعر بالغناء بالرقص. ولا عن كتب الأدب التي زخرت بأخبار هذا كله. وإنما أكتفي بالإشارة إلى الزمالة في تراثنا العربي بين فني الأدب والرسم.‏
    فأغلب آثارنا الأدبية الكبيرة مرسومة مصورة في صفحاتها الأولى والأخيرة وفي بعض صفحاتها الداخلية، فرسمت "مقامات الحريري" ورسم كتاب "الحيوان" للجاحظ، ورسم كتاب "الأغاني" ورسمت كتب أخرى ليست لها شهرة هذه الكتب. ومن الكتب الأدبية التي لم ترسم فحسب بل كان الرسم من أهدافها كذلك كتاب "كليلة ودمنة".‏
    يقول المفكر العربي العظيم ابن المقفع عند ذكر كتاب "كليلة ودمنة": "والغرض الثاني من أغراض الكتاب إظهار خيالات الحيوانات لصنوف الأصباغ والألوان ليكون أنسًا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور. والثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه ولا يبطن فيخلق على مرور الأيام ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبدًا".‏
    على أن هذا التقليد في رسم الكتب سرعان ما اندثر في الحضارة العربية وضاعت أكثر الكتب المرسومة. وإن استمر بعد ذلك حتى أيامنا هذه فنًّا قائمًا برأسه وأصبحت لـه معارضه الخاصة، بل تخصص فنانون كبار في رسم الكتب وتحليتها. ولا يقوم هذا الفن على مجرد الأحزمة الخارجية للكتاب، وإنما يقوم على الفهم العميق بمضمونه والمشاركة في إبراز قيمه وإنضاج مفاهيمه.. وفي بلادنا العربية اليوم ارتفع فن تحلية الكتب إلى مستوى رائع من الإبداع بفضل فئة من الفنانين المستنيرين يقف على رأسهم حسن فؤاد وأبو العينين وعشرات غيرهما.‏
    على أن العلاقة بين الأدب والفن لا تقتصر على زمالة بين الكاتب والرسام في رسم كتاب، أو في إبداع خلفية لمشهد مسرحي، بل قد تصل إلى مستوى أشد وثوقًا. فقد يقوم رامبو بتفسير حروف اللغة تفسيرًا لونيًّا في قصيدته المشهورة، كما يقوم موسورجس بتفسير لوحات معرض من المعارض تفسيرًا صوتيًّا بموسيقاه كما يقوم والت ديزني على النقيض من موسورجس فيفسر الموسيقى تفسيرًا لونيًّا في أفلامه العديدة.
    وهكذا تتداخل الأدوات والدلالات أحيانًا، فالكلمة تصبح لونًا واللون يصبح صوتًا وفي الشعر قد يقوم مذهب فني كامل هو الرمزية يسعى للإبانة والدلالة لا بالمعنى المعجمي للكلمة وحده، بل بالإيحاء الصوتي لها. فتصبح الدلالة الصوتية سبيلًا لتحديد المعنى في السياق اللغوي. ولعلنا نذكر كذلك بعض الحركات الأدبية المتطرفة التي راحت تسعى في بداية قرننا هذا إلى القضاء على المعنى المتواضع عليه بالألفاظ، وتستحدث مركبات لفظية تحمل بإيحاءاتها الصوتية معاني جديدة.‏
    على أن هذه ظواهر للتداخل والتزامل بين فن الأدب وبقية الفنون، بعضها مظاهر عابرة جزئية وبعضها على جانب كبير من الافتعال والتعسف وبعضها أصيل، إلا أنها جميعًا تؤكد وثاقة الرابطة بين الأدب والفن.‏ على أن هذه الرابطة كذلك لا تقتصر على قصيدة لرامبو، أو قطعة موسيقية لموسورجس، أو كتاب لابن المقفع، أو فيلم موحد يشترك في إبداعه الأديب والرسام والمصور وبقية الفنانين، ذلك أن ما بين الأدب والفن أشد وثوقًا كذلك من الزمالة والتداخل، تلك هي وحدة الظواهر المذهبية في الأدب والفن.
    فالأدب والفن سواء بسواء يستهدفان المذاهب واتجاهات واحدة.‏
    فالسريالية أو الدادائية أو التكعيبية أو الرمزية أو الطبيعية أو المستقبلية أو الواقعية الجديدة أو الواقعية الاشتراكية اتجاهات ومدارس مختلفة، نجدها في الأدب كما نجدها في الفن بذات الدلالة. وكما تصيب الأدب كذلك في مضامينه وأشكاله.‏
    فالمذهب الطبيعي في الأدب والفن على السواء نظرة تشريحية جامدة إلى الواقع الإنساني تهتم بالتفاصيل وتفتقد الاتجاه. والمستقبلية في الأدب والفن على السواء محاولة آلية للتعبير عن حضارتنا الصناعية تعبيرًا مفتعلًا، والواقعية الجديدة في الأدب والفن على السواء تختص بالواقع الإنساني في حركته المتطورة وتعبر عنها في حركاتها ومجاهداتها واتجاهها الصاعد، وهكذا بالنسبة لبقية المدارس والاتجاهات. ونستطيع أن نذكر في مختلف فنون الأدب والأدب والفن أسماء المبدعين المنشئين الذين ينتسبون إلى مدرسة واحدة، وينتسبون إلى اتجاه واحد، ويؤمنون بأسلوب معين وبمضمون إنساني معين في التعبير، فلو تمثلنا بالواقعية -مثلًا- لوجدنا برتولت برخت في المسرح، وأبزنشتين في السينما، وشولوخوف في الرواية، وآراغون في الشعر، وتشتاكوفتش في الموسيقى. وهكذا.‏
    ونستطيع أن نتابع الأمر نفسه في مختلف الاتجاهات الفنية.‏
    وإلى جانب وحدة الاتجاه في الأدب والفن وإلى جانب التداخل والزمالة التي تبيناها بينهما، فإننا نجدهما كذلك يتبادلان الخبرة ويستحدثان لبعضهما أشكالًا تعبيرية جديدة. فالسينما استحدثت للأدب تعبيرًا أدبيًّا جديدًا هو السيناريو، كما استحدثت الإذاعة التمثيلية الإذاعية وهكذا. وفضلًا عن ذلك، فإن تلاقي الأدب بالفنون الأخرى وتفاعله وتداخله معها يتيح للأدب قيمًا تعبيريةً جديدةً.‏
    فالبناء الموسيقي يعمق إحساسَ الأديب بالوحدة العضوية لأدبه، كما أن الإبداع الإذاعي يدفع بالأديب إلى مزيد من الاحتفال بالصورة المحسوسة، وإلى التخفف من أثقال التعابير المطرزة، وإلى تطويع لغته. كما أن السينما تعلمه مناهج جديدة في التشكيل والتجسيد والاتصال. وهكذا الشأن بالنسبة لبقية الفنون.‏
    على أن الأمر لا يقتصر كذلك على تطوير القيم الشكلية للأدب بتأثير الفنون الأخرى، بل إن تمرس الأدب بالأدوات الفنية الأخرى يفتح أمامه نوافذ أكثر رحابة من نافذة الكتاب يطل منها على ملايين الناس ويصبح بهذا أشد التصاقًا بهم.‏
    ومخاطبة الأديب للملايين والتصاقه بهم عن طريق السينما والإذاعة لا يعني ازدياد دخل الأديب أو ازدياد عدد المعجبين به. وإنما يعني في الحقيقة ارتباط الأديب بمسؤولية أكبر إزاء الناس. وهذا بغير شك يعود على أدبه بالتطوير والدفع والانضاج لا في حدود الصياغة التعبيرية فحسب، بل في القيم الإنسانية التي يبشر بها أدبه كذلك. إن مخاطبة الأديب للملايين من المواطنين بالإذاعة أو السينما مرحلة جديدة بغير شك في حساسيته بالناس وإحساسه بمسؤوليته إزاءهم وإحساسه بخطورة الكلمة التي يقولها والفكرة التي يصورها والقيمة المضيئة التي يقف إلى جوارها.‏
    هذه ظواهر ومظاهر متباينة لمدى الوحدة والتمايز والتداخل والتزامل وتبادل الخبرة بين الأدب والفن، وهي في الحقيقة تمتد إلى أساس واحد هو أن الأدب والفن تعبيران عن الحياة وبناءان علويان لحركة المجتمع البشري، ولهذا فيما يقومان بوظيفة اجتماعية واحدة، فهما يعبران أولًا عن حركة الحياة وصراعاتها، وما يعتمل فيها من عوامل نكوص وتقدم وهما يعملان كذلك على تنظيم المشاعر الإنسانية وتوحيدها، ولهذا نجد الأدب والفن على السواء أداة ثورية لتحويل المجتمع، كما نجدهما كذلك مِرآةً محولة تنعكس فيها الخصائص القومية الأصيلة لهذا المجتمع، والأدب والفن يتعاونان معًا لتحقيق هاتين الغايتين.‏
    بماذا نخلص بكل هذا؟‏
    ليس من المهم أن نكتفي بإقرار ما بين الأدب والفن من روابط وعلاقات، وإنما المهم حقًّا أن نتبين خطورة هذه الروابط لصالح الأدب والفن على السواء ولصالح أمتنا.‏
    لقد تبين لنا أن الفنون والآداب تتحد وتتمايز وتتداخل وإنها بهذا تزداد قوةً ونصاعةً وتجددًا. وتبين لنا أن الأدب والفن أداة لدفع الحياة وإنضاج الخصائص القومية للأمة. وتبين لنا كذلك أن التفاعل بين الفنون والآداب يتيح للأدب قيمة جديدة في التعبير ونوافذ رحيبة تطل على الناس والحقيقة.‏ وما أحوجنا أن نحقق هذا لأدبنا وفننا ولأمتنا. فالآداب والفنون في بلادنا تتلاقَى عفوًا أو يقوم على تلاقيها غير الأكفاء. أما أدباؤنا فمنصرفون عن الفنون غير مكترثين، أو غير مؤمنين بما ينجم عن هذا التفاعل معها من نضارة الأدب والفن على السواء.‏
    فأدباؤنا أولًا منصرفون تمامًا عن التمثيلية المسرحية. لا نكاد نجد في تاريخ مسرحنا المعاصر أسماء تقف إلى جانب اسم توفيق الحكيم على الرغم مما يتسم به مسرح الحكيم من ذهنيه وتجرد. وإن كنا نلمح طليعة جديدة من شباب الأدب تشق طريقها إلى المسرح على رأسها نعمان عاشور والفريد فرج. إلا أنهما ما زالَا في بداية التجربة.‏
    كما نجد شعراءنا منصرفين تمامًا عن التمثيلية الشعرية مع الحاجة الماسة إليها، إذ تكاد التمثيلية الشعرية ألا يكون لها وجود بعد في أدبنا العربي. فتمثيليات شوقي ومدرسته -مع تقديرنا البالغ لها- أقرب إلى الشعر الغنائي منها إلى الشعر الدرامي بحق.‏
    وما يزال أدباؤنا كذلك ينظرون إلى السينما والإذاعة نظرة استخفاف وتعال، فمنهم لا يكتبون للإذاعة سوى المقالة التحليلية الوقورة، ولا يفكرون في إنتاج التمثيلية الإذاعية، وأن كنا كذلك نلمح بين طليعة أدباء الشباب من أخذ يتخصص بالأدب الإذاعي ويشق طريقه إلى ذلك في أصالة. وعلى رأس هؤلاء محمد علي ماهر وأحمد عباس صالح ونعمان عاشور.‏
    أما السينما فأسوأ حظًا من الإذاعة في الوقت الذي يعلن فيه المخرجون والمنتجون أن أزمة الفيلم أنها ترجع إلى انعدام القصص وإلى امتناع الأدباء عن الإبداع للسينما. على أننا نلمح كذلك طائفة من أدباء الشباب يتجهون بإنتاجهم إلى السينما وعلى رأسهم أمين غراب وعبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ومحمود صبحي.‏
    أما أدباؤنا الكبار فلا يعترفون بالأدب الإذاعي أو السينمائي، فتوفيق الحكيم على سبيل المثال يحرم كاتب السيناريو، وكاتب التمثيلية الإذاعية من صفة الأديب، على أساس أن السيناريو والتمثيلية الإذاعية لا نستطيع أن نقرأها في ذاتها. والحق أن القراءة ليست شرطًا جوهريًّا في الأدب. إن سيناريو السينما عمل أدبي، والتمثيلية الإذاعية عمل أدبي، وما أجدرنا أن نتيح لها مكانها اللائق في الأدب، وأن نوليها عنايتنا نقدًا وتوجيهًا وإنتاجًا.‏
    إن احتفالنا بالسينما والإذاعة واجب لا يحتمه فحسب حرصنا على أن نتيح لأدبنا أشكالًا جديدة للتعبير، وإنما يحتمه كذلك حاجة أدبنا إلى أن يطل من نافذة أرحب على أمتنا وأن يؤدي رسالته أبلغ الأداء.‏
    إن بلادنا ما تزال متخلفة وما تزال أركان منها يتجاذبها الإقطاع والاحتكار والرجعية، وأن الأغلبية من شعبنا أمية لا تقرأ ولا تكتب، وقد نحتاج أجيالًا من التثقيف والتوعية لشعبنا لو اخترنا طريق الكتاب وحده. إن استعانتنا بهذه الفنون الجماهرية كالإذاعة والسينما في تصوير أدبنا وإذاعة رسالتنا لكفيل بأن يُعجل بحركة التقدم في بلادنا، لكفيل بأن ينضج الوحدة بين مشاعرنا وأفكارنا لكفيل بأن يرفع من مستوى الوعي والتذوق والإبداع بين أمتنا، وكفيل كذلك أن يحقق أهدافنا القومية في حماية الاستقلال وإنجاز الوحدة الشاملة.‏
    ومن واجبنا أن نؤكد أن احتفالنا بالسينما والإذاعة والمسرح لا يعني أبدًا القضاء على أصالة الأدب وذاتيته، وإنما تفاعل بين الأدب وبقية الفنون، يضيف إلى الأدب قيمًا جديدةً في الصياغة والمضمون على السواء، بل يضيف إلى ذاتيته أبعادًا جديدة.‏
    ومن حقنا أن نعترف بأن السينما في بلادنا ما تزال تحتكرها فئة من الرأسماليين الجشعين الذين يتخذون منها تجارةً للمباذل في كثير من الأحيان. حقًّا هنالك انتصارات جليلة في الفيلم العربي جديرة بالتنويه والإشادة، إلا أنها في مجملها لا تشجع الأديب على أن يسلم أدبه ورسالته لمن لا يثق بضميره الأدبي والفني على الأقل.‏
    من أجل هذا كله كان من واجبنا نحن الأدباء العرب أن نناضل من أجل تحرير السينما من الاستغلال والاحتكار، وأن نجعلها فنًّا شعبيًّا وطنيًّا،وأن نشارك في الإبداع فيه مشاركةً جادةً منيرةً. كما أن من واجبنا كذلك أن ننظم مسؤوليتنا إزاء الإذاعة والمسرح، وأن نسعَى جاهدين إلى تنظيم هذه المسؤولية، وأن لا نكتفي بالكلمة المكتوبة من عندنا، بل ما أجدرنا بالمشاركة في التوجيه والإرشاد، وما أجدرنا كذلك بأن تزداد معرفتنا بحرية هذه الفنون حتى تزداد كفاءتنا على كشف النفع المتبادل وإبداع الأشكال الفنية الجديدة، وتخصيب أدبنا بخيرات الفنون الأخرى في اقتدار وأصالة. وما أجدرنا من أجل ذلك أن نعمق الرابطة بيننا وبين رجال الفن جميعًا، فننظم المحاضرات والمؤتمرات معهم. لنتبادل الرأي والخبرة، ولنكتشف معًا سبلًا جديدة للعمل المشترك المثمر.‏
    إننا بهذا نتيح لأدبنا مستويات جديدة من النضج والإبداع، ونتيح لـه كذلك أن يكون بحق أداة اجتماعية ثورية وأداة للتوجيه بين مشاعرنا القومية.‏ وبهذا كذلك نحقق رسالتنا نحو أمتنا العربية التي هي رسالة الوحدة الشاملة والاستقلال الكامل والديمقراطية الصحيحة والرفاهية والسلام.
    ع3:
    الصلة التي تربط بين الأدب والفنون الجميلة
    ج2:
    مجلة عالم المعرفة الكويتية، عدد 119 - 1987، قصيدة وصورة، لعبد الغفار مكاوي.

    في* ‬بداية القرن العشرين تأثر الشعراء الشبان بالتصوير الزيتي*، ‬وجيل ما بعد الحرب العالمية الأولى كان* ‬يبحث عن توجهاته عند الفنانين التشكيليين، متجهين نحو شعر بصري* ‬أكثر*، ‬وهؤلاء الشعراء أقاموا علاقاتٍ حميمةً مع بيكاسو وبراك ودوران*. ‬بل إن بعض الشعراء،* ‬مثل ريفردي* ‬وسالمون وسندرار،* ‬شرعوا في* ‬كتابة مقالات عن أعمال التشكيليين*، أما الشاعر أبو لينير فقد صار منظّر التكعيبية والمدافع عنها بكتابه* ‬الرسامون التكعيبيون* ‬الصادر في* ‬1913.
    والحركة السريالية، ‬منذ بدايتها، أكدت على حقيقة أن الشعر* ‬يمدّد تخومه وراء حدود الاتصال اللفظي* ‬ليشمل أشكالًا وطرائقَ من التعبير الفني*. ‬لذا بدأوا، ‬على نحو مقصود، في* ‬إلغاء التخوم بين الشعر والرسم، ‬واختاروا أن* ‬يفعلو ذلك بأساليب* ‬غامضة ومدروسة لإثارة الخيال عن طريق خلق التنافر والتعارض*.‬
    ‬إن العلاقة الوثيقة بين الرسم والشعر ‬على اعتبار أن الرسم هو* ‬حقل الإيحاء الأكثر خصوبةً للشعر،* ‬شَرَط أن* ‬يتحرّر من همّ* ‬استعادة الأشكال كما هي* ‬من العالم الخارجي*،‬ ولقد شهدت الحركة الدادائية ‬- وبعدها السريالية- ‬تعاونًا كبيرًا بين الشعراء والرسامين والموسيقيين، ‬ولم* ‬يسبق للشعر والتصوير أو التشكيل أن تضامنَا وتفاعلَا مثلما حدث في* ‬هذه الفترة، ‬حيث كان الشعراء* ‬يرسمون والرسامون* ‬ينظمون القصائد*، عندما نستعرض أسماء التشكيليين، ‬سواء ضمن الحركة السريالية أو* ‬غيرها.
    نلاحظ بأن عددًا* ‬منهم كان* ‬يمارس الرسم إلى جانب كتابة القصيدة، ‬مثل*: وليام بليك، ‬هوجو بال، ‬تريستان تزارا، ‬إل جريكو، ‬جان آرب، ‬ماكس جاكوب، ‬فرانسس بيكابيا، ‬ماياكوفسكي، ‬بول إيلوار، ‬أندريه بروتون، ‬بيكاسو، ‬جان كوكتو، ‬جاك بريفير، ‬مارسيل دوشان*.. ‬ *صلاح جاهين وغيرهم.
    إن التماثل بين الشعر والتشكيل يتجلَّى من خلال طبيعة العلاقة بين كل منهما؛ نظرًا لما يشكلهما من خطابات إبداعية متماثلة ومتناظرة، وتاريخ هذه العلاقة يرجع إلى ما قبل العصرين الإغريقي والروماني، عندما ساد التأثر بين الأجناس الفنية خصوصًا بين "الرسم والشعر" لدرجة أصبح فيها الحديث عن قصيدة للوحة أمرًا بديهيًّا لا وجودَ لأثر الشك فيه.. وهكذا أصبحنا نقرأ عبارات مثل: فضاء الأشكال، بحر الرموز، موسيقَى الألوان، إيقاع الزخارف، أصوات اللوحة.
    ولعل أقدم نص نعرفه في تاريخ الأدب والنقد الغربي عن هذه العلاقة الساحرة الغامضة بين الشعر والفنون التشكيلية هي العبارة المنسوبة إلى سيمونيدس الكيوسي -من جزيرة كيوس في بلاد اليونان، وقد عاش حوالي 556 إلى حوالي 468 ق.م- الذي يقول فيه: إن الشعر صورة ناطقة أو رسم ناطق، وأن الرسم أو التصوير شعر صامت.
    والمهم في هذه المقولة الشهيرة، التي كثرت شروحاتها وتعددت تأويلاتها عبر العصور، أنها أكدت التماثل القائم بين الأجناس الإبداعية، وبصفة خاصة الشعر والتشكيل، إلى درجة دفعت النقاد في عصر النهضة -القرن الخامس عشر- إلى قراءتها بشكل آخر، كما يقول هوارس: كما يكون الشعر يكون الرسم.
    وإذا كانت العلاقة بين الشعر والتشكيل لم تتجاوز في العصور القديمة حدود المؤالفة بينهما، فإنها أخذت في إرساء دعائمها، انطلاقًا من أواخر القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، حيث بدأ الإحساس بشاعرية الرسوم، وبنزعة الشعر إلى الرسم والتشكيل، ومن أبرز الأعمال التي أنجزت في هذا السياق، النماذج التالية:
    - "السمات القصصية في أعمال الفنانين السورياليين" منهم: جورجيو دوشيريكو - ماك إرنست.
    - "تأثير الفنون التشكيلية الحديثة: رودان، سيزان، كالي، بيكاسو على شعر ريلكه".
    - "القراءات العديدة التي ارتبطت بلوحة الجيوكاندا -الموناليزا- والتي أسالت العديد من القصائد كان أبرز هذه القصائد التي أنجزت بلغة شعرية خالصة:
    موناليزا - إدوارد دودوف.
    المرأة - برونو ستيفان شيرر.
    جيوكاندا - توماس مكجرفي.
    كما استلهم العديد من الشعراء الصور واللوحات التشكيلية في قصائدهم، فالشاعر بييت برشبيل ألف ديوانًا كاملًا مستوحًى من الصور واللوحات الفنية لمختلف الرسامين سماه "الصور" كان ذلك عام 1968، ولوحة الزرافة المحترقة لسلفادور دالي بمتحف الفن في مدينة بازل السويسرية، استلهمها الشاعر برستيل، كما استلهم الشاعر الألماني بيتر يوكوسترا لوحةَ أشخاصٍ وكلبٍ أمام الشمس للفنان الأسباني خوان ميرو.
    ولوحة حقل القمح مع الغربان لفانسان فان كوخ، التي أسالت مطرًا من النصوص الشعرية لشعراء عظام، والتي تعتبر آخرَ ما رسم فان كوخ قبل إقدامه على الانتحار.
    أما في الشعر العربي، فربما يكون الجاحظ أول مَن التفت إلى طبيعة الشعر من حيث هو ضرب من النسيج وجنس من التصوير.
    إن صلة الشعر بالموسيقى أو الرقص بعيدةً عن إدراك النقاد، بينما رسَخ في أذهانهم عقد الصلة بين الشعر والفنون التصويرية، وهذا ما يتفق عليه د. عبد الغفار مكاوي حيث يقول: إن مئات من الشعراء والفنانين تبادلوا التأثير والتأثر، فاستلهم الشاعر اللوحة والصورة والنقش والتمثال، والمعبد والمسلة والزهرية والإيقونة، وسجل إلهامه في قصيدة، كما استوحَى الرسام والمصور والمثال والخطاط ومصمم البناء والمعمار... إلخ، قصيدةَ شاعرٍ من الشعراء، فرسم وصوَّر وخطط وجسَّم ما كان الشاعر قد تخيلُه وصوَّره بالكلمة والوزن والإيقاع، وقصة هذا التأثير المتبادل بين الفنون -خصوصًا فن الشعر وفن الرسم- قصة طويلة يقدر عمرها بثلاثة آلاف سنة في تاريخ الأدب والفن.
    Attached Files Attached Files
    • File Type: pdf 1.pdf (293.1 KB, 0 views)

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •