Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها - الدرس الثالث

  1. #1
    Super Moderator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    5,053
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها - الدرس الثالث

    ع1:
    تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها
    ج1:
    محاضرات في الأدب المقارن، لإبراهيم عوض.
    الملحمة:
    والملحمة، كما يعرفها كاتب المادة المخصصة لـ"Epic poetr" الشعر الملحمي في موسوعة wikipedia الويكيبيديا:
    هي قصيدة قصصية شديدة الطول، تدور عادةً حول أعمال بطولية، ووقائع ذات دلالة لأمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات.
    ويفرق الكاتب بين نوعين من الملاحم:
    النوع القديم كملحمة جلجامش السومرية وملحمة "الإلياذة" لهوميروس الإغريقي، والنوع الأحدث أو الثانوي مثل "الإنيادة" لفرجيل الروماني والفردوس المفقود لجون ملتون الإنجليزي. وهذا الأخير هو من إبداع أدباء كبار معروفين استعملوا له لغة أدبية راقية، ونسجوه عامدين على منوال تلك الملاحم القديمة التي كانت في الأصل شفوية غير مكتوبة، وإن كان قد تم تسجيلها كتابة بعد ذلك ووصلت من ثم على هذا النحو إلينا.
    ويمضي كاتب المادة مسجلًا الخصائصَ التي تميز الملحمة عن غيرها من الإبداعات الأدبية،، قائلًا:
    إنه لا بد أن يكون بطل الملحمة شخصًا جليلًا ذا مكانة كبيرة بين أبناء وطنه، أو في العالم أجمع: ويحظي بأهمية تاريخية أو أسطورية. كذلك ينبغي أن يكون ميدان الأحداث شديد الاتساع بحيث يشمل كثيرًا من الأمم والبلاد المختلفة، وأن تتسم تصرفات البطل بالشجاعة الفائقة حتى لتكون خارقة في كثير من الأحيان، فضلًا عن مشاركة الآلهة والملائكة والشياطين فيها، مع حرص المؤلف على فخامة الأسلوب والموضوعية في رواية الوقائع، ورسم الشخصيات بكل سبيل، وعلى وجه العموم نرى البطل يقوم برحلة يلقي فيها خصومًا يحاولون إنزال الهزيمة به؛ ليعود في نهاية المطاف إلى بلاده وقد تغير فلم يعد كما كان. وهو في كل ذلك يعكس الملامح القومية والخلقية التي تميز أمه ويأتي من الأعمال ما يمثل أهمية قصوى لتلك الأمية.
    وقد قام كاتب "الويكيبيديا" في نهاية المادة بتزويدنا بقائمة لأهم الملاحم المعروفة في العالم كله، مرتبةً تاريخيًّا بدءًا من القرن العشرين قبل الميلاد حتى عصرنا هذا. وتتوالَى في تلك القائمة عشرات بعد عشرات من أسماء الملاحم بعضها لا يزال موجودًا حتى الآن وبعضها مفقود. فعدد الملاحم إذن أضخم كثيرًا جدًّا مما يُظن عادة، وبخاصة إذا عرفنا أن هذه القائمة لا تضم كل الملاحم المعروفة، فضلًا عن أن هناك ملاحمَ لا تزال مجهولة حتى الآن.
    ولعل ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية يوم 31 ديسمبر 2004م تحت عنوان "اكتمال أقدم ملحمة صينية" يعطينا لمحةً في هذا الصدد، إذ جاء في الخبر أن الصين أعلنت عن اكتمال أطول ملحمة شعرية على مستوى العالم، وهي الملحمة المعروفة باسم "الملك قصار"، التي لا أذكر أن أحدًا أورد اسمها مجرد إيراد بين ملاحم العالم، وذلك إثر العثور على الجزء الناقص منها، ويستغرق ألف كلمة منقوشة على الأحجار والتماثيل الكائنة بمعبد السمكة الذهبية جنوب الصين.
    وقد وُصِفت تلك الملحمة بأنها أطول ملحمة شعبية عرفها العالم، إذ تقع في 36 مجلدًا، وتضم قرابة مليوني بيت من الشعر، كما وصفت أيضًا بأنها تضاهي في قيمتها الأدبية أشهر الملاحم الغربية حتى ليطلق عليها: "الإلياذة الشرقية"، وهذه الملحمة، كما جاء في الخبر، تدرس في عشرات المعاهد والكليات في أرجاء العالم.
    وبالمناسبة فقد ذكرت صحيفة "الشعب" الصينية على الإنترنت بتاريخ 23/10/2003م -والعهدة عليها في إيراد تلك الحكاية التي تند عن العقل وإقناعه- أن صبيًّا صينيًّا عمره ثلاثة عشرة سنة يحفظ هذه الملحمة عن ظهر قلب، وأن عملية الحفظ قد تمت على نحو خارق، إذ كان الصبي نائمًا ذات ليل، ثم استيقظ فوجد نفسه يحفظ عن ظهر قلب تلك الملحمة التي تشتمل على عشرة ملايين كلمة دون أن يبذل في حفظها أي جهد، بل دون أن تكون عنده النية أصلًا في هذا الحفظ. وفي موقع مجلة "الصين المصورة على الإنترنت"
    http: //www.chinapictorial.com.cn
    وتحت عنوان "نظرة تاريخية للشعب والأرض"، نقرأ أنه في عام 1979م أسست الصين معهدًا أكاديميًّا لحفظ تلك الملحمة، وأنه يوجد حاليًا في أرجاء الصين أكثر من مائة من رواة الشعر ينشدون الملحمة المذكورة بعضهم يبلغ من العمر تسعين عامًا.
    والسؤال الآن: هل في أدبنا العربي ملاحم كتلك التي يعرفها كثير من الآداب الأخرى؟
    فأما في الأدب الفصيح القديم فلا يوجد شيء يمكن أن يقال عنه: إنه ملحمة أو يشبه الملحمة بالمعنى الذي شرحناه هنا. ولقد أشاد ابن الأثير -من أهل القرنين: السادس والسابع الهجريين- في كتابه: "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" بما وجد في آداب الفرس من القصائد الطويلة التي تبلغ الواحدة منها عدة آلاف من الأبيات كـ"الشاه نامة" وما إليها، فكان رد صلاح الدين الصفدي -من أهل القرن الثامن الهجري- في كتابه: "نصرة الثائر على المثل السائر" هو التذكير بما في أدبنا من منظومات وقصص طويلة.
    ومن الواضح أنه ظن المسألة في الطول وحده، وإلا فإن الأمثلة التي ضربها على ما في بعضها من إبداع أدبي جميل ورائع ليست من سبيل الملحمة ولا الملحمة من سبيلها. وكان ابن الأثير في كتابه المذكور يوازن بين فني النثر والشعر ويرصد الفروق بينهما، إلى أن أتَى إلى مسألة التطول والتقصير، فقال: إنه مما لا يحسن في الذوق العربي أن يطول الشاعر قصائده، ويشقق المعاني، ويستوفي الكلام فيها مما هو أليق بالنثر. ثم انطلق في موازنة بين العرب والفرس في تلك النقطة قائلًا:
    "إن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة ذوات معانٍ مختلفة في شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلثمائة أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي. والكاتب لا يؤتي من ذلك، بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله، وهذا لا نزاع فيه لأننا رأيناه وسمعناه وقلناه.
    وعلى هذا، فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها، فغن شاعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بـ "شاه نامه" وهو ستون ألف بيت من الشعر يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه.
    وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر".
    فكان من جراء ذلك أن ألف صلاح الدين الصفدي كتابه "نصرة الثائر على المثل السائر" للرد على بعض ما جاء في كتاب ابن الأثير كما هو واضح من عنوانه. وهذا الرد يجري على النحو التالي:
    "قد ختم ابن الأثير -رحمه الله تعالى- كتابه بهذه النكتة التي مال فيها إلى الشعوبية، وما قال معمر بن المثنى ولا سهل بن هارون ولا ابن غرسيه في رسالته مثل هذا. وقد وجد في أهل اللسان العربي من نظم الكثير أيضًا. وإن عد هو الفردوسي عددت له مثل ذلك جماعة، منهم من نظم تاريخ المسعودي نظمًا في غاية الحسن، ومنهم من نظم كتاب "كليلة ودمنة" في عشرة آلاف بيت، ونظمها أبان اللاحقي أيضًا.
    وأخبرني الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي أن مكي بن أبي محمد بن محمد بن أبيه الدمشقي -عُرف بـ"ابن الدجاجية"- نظم كتاب "المهذب" قصيدةً علي روي الراء سماها: "البديعة في أحكام الشريعة"، انتهى. قلت: و"المهذب" في أربع مجلدات.
    وبعض المغارية امتدح سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قصيدة عدتها ثمانية عشر ألف بيت. ولابن الهبارية كتاب "الصادح والباغم" في ألفي بيت، كل بيت منها قصر مشيد، ونكته ما عليها في الحسن مزيد، يشتمل على الحكايات والنوادر والأمثال والحكم، وكلها في غاية الفصاحة والبلاغة ليس فيها "لو" ولا "ليت".
    وأما مَن نظم الألف وما دونه فكثير جدًّا لا يبلغهم الحصر، وأما "الشاطبية" وما اشتملت عليه من معرفة القراءات السبع واختلافها، وتلك الرموز التي ظاهرها الغزل وباطنها العلم، فكتاب اشتهر وظهر، وخلب سحره الألباب وبهر ... وأما أراجيز النحو والعروض والفقه، كللاذي نظم "الوجيز" و"منظومة الحنفية" وغير ذلك من الطب وغيره من العلوم فكثير جدًّا إلى الغاية التي لا يحيط بها الوصف.
    إذن ففي أدبنا الفصيح القديم لا وجود لهذا الفن الشعري. ولكن لدينا مع هذا ما يمسى بـ"السير الشعبية"، كسيرة عنترة، ويرة سيف بن ذي يزن، والسيرة الهلالية، وسيرة ذات الهمة، وسيرة حمزة البهلوان، وسيرة فيروز شاه، وسيرة علي الزيبق، وسيرة أحمد الدنف... وهي تقترب جدًّا من فن الملحمة: فهي قصص، وهي شديدة الطول حتى لتتجاوز سيرة عنترة مثلًا ثلاثة آلاف صفحة وخمسين، إلا أن هذه السير ليست مصوغة كلها شعرًا، بل هي عمر نثري في المقام الأول تكلله الأشعار على ألسنة بعض أبطالها وفي خلال السرد، مع تفاوت في مقدار هذا الشعر بين سيرة وأخرى.
    ومع هذا لا يصح أن تغفل أنها مصبوبة في قالب السجع، الذي يقترب خطوة من الشعر. أي: أن أسلوب لسيرة النثري ليس خاليًا من النغم، هو أيضًا كذلك لا يوجد لها مؤلف معين، إذ هي من إبداع المخيلة الشعبية. ولعلنا لم ننسَ أن الملاحم الأولى الموغلة في القدم هي أيضًا عارية عن أسماء مؤلفيها. بل إن من الدارسين من ينفي أن يكون هوميروس هو صاحب الإلياذة قائلًا: إنها عمل شعبي عام أكمل على مدار الزمان. ومن هنا كان أسلوب السير الشعبية مختلفًا عن أسلوب الأدب الرسمي، رغم أنها مكتوبة بالفصحى، إذ هي فصحى تنفح بالنكهة الشعبية من حيث بساطتها وعدم احتفالها بالصياغة اللغوية بوجه عام.
    وفوق ذلك ففي السير تداخل بين الأماكن والأحداث والأزمنة التاريخية، كما هو الحال مثلًا في سيرة عنترة، حيث نرى عنترة في اليمن وفارس والشام ومصر، وحيث تستغرق الأحداث عدة قرون، وكما هو الحال أيضًا في سيرة الظاهر بيبرس، حيث يشتبك العصر العباسي والعصر الأيوبي والعصر المملوكي. ووجه الشبه بين السير الشعبية والملاحم أنها شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزون بالشجاعة الخارقة، كما تختلط الأحداث التاريخية بكثير من الخرافات والأساطير، فضلًا عن اتساع رقعة الميدان الذي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات. كذلك فللجن والسحر والمعجزات والكرامات والروي والنبوءات الصادقة وجود في تلك السير. وقد أشار إلها روجر ألن في كتابه: An lntroduction to Arabic literature بوصفها ملاحمَ شعبية. وللدكتور عبد الحميد يونس ود. نبيلة إبراهيم والأستاذ فاروق خورشيد وغيرهم دراسات هامة حول تلك الأعمال.
    أما في العصر الحديث فقد ظهرت بعض الأعمال الشعرية العربية التي أطلق عليها: "ملاحم"؛ لأن فيها بعضَ السمات التي تصلها على نحو ما بذلك الجنس الأدبي: فهي أعمال قصصية طويلة يقع بعضها في عدة آلاف من الأبيات كـ"ملحمة الغدير" لبولس سلامة اللبناني الذي لم تمنعه نصرانيته من الإعجاب ببطولة ختن الرسول الكريم -صلوات الله عليه- والعكوف على سيرته وشخصيته يدرسهما ويستوحيهما حتى أخرج لنا في نهاية الأمر عملًا ملحميًّا يصور بطولاته -صلوات الله عليه- وإنجازاته الخارقة، على حين يكتفي البعض الآخر بعدة مئات من الأبيات كما هو الحال في "ترجمة شيطان"، التي صور بها العقاد ما حاق بنفسه عقب الحرب العالمية الأولى من شكوك في قدرة البشرية على مصارعة عوامل الشر والتغلب عليها، ويأس من انتصار الخير في دنيانا هذه بسبب الأهوال وألوان الدمار والتقتيل التي أنزلتها تلك الحرب بجنس الإنسان.
    والأولى تتناول سيرة بطل عربي ملم مشهور بالشجاعة غير الاعتيادية، وله إنجازاته الحربية التي أسهمت في تغيير مجرى التاريخ، وهو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أما الثانية فتحكي قصة الشيطان في تمرده المستمر على رب العباد، وعمله على بث الغواية في كل مكان رغم معرفته بما ينتظره من عقاب رهيب في نهاية المطاف. فهي إذن تدور حول قضية فلسفية ودينية خطيرة، هي قضية الخير والشر والصراع بينهما ووقوع الإنسان بين شقي الرحى.
    وقد أثارت قصيدة العقاد إعجابَ ناقدٍ كالدكتور زكي نجيب محمود إلى أبعد مدى، حتى إنه ترجمها إلى الإنجليزية ترجمةً مرموقةً في تقدير مَن اطلعوا عليها. كما لفت النظر إلى أن العقاد بقصيدته هذه قد فتح في الشعر العربي فتحًا سبق به قصيدة الأرض الخراب لإليوت تلك القصيدة التي كان لوقعها من الدوي ما جعلها معلمًا من معالم القرن العشرين الأدبية.
    وكما يرى القارئ فإن في هاتين الملحمتين العنصرَ الخارق.
    وهناك أيضًا "ملحمة عبقر" لشفيق المعلوف، و"محمد" لعلي شلق، و"الإلياذة الإسلامية" لأحمد محرم الذي جاء عمله أقرب إلى السرد التاريخي منه إلى الملحمة، رغم أن الأسلوب الذي كتب به ذلك العمل أسلوب شعري، إذ ينقص تلك الإلياذة الوحدة العضوية التي يتطلبها البناء القصصي.
    ولا مانعَ أن تعد تلك الأعمال الحديثة بوجه عام من الملاحم، ولا ريبَ أن من الصعب استمرار ملامح جنس أدبي ما دون تغيير أو تعديل أو تطور طوال كل هاتيك القرون الشاسعة. وهناك مقال لماتيا كافانيا Mattia cavagna يتناول بعض الأعمال الأدبية الفرنسية المعاصرة، فيعدها من الملاحم رغم أنها لا تتوفر فيها كل العناصر الملحمية. ذلك أن هذه الأعمال قد ساهمت في إحداث ذلك التغيير الذي كان من جرائه، أن أصبحت الملاحم تكتب نثرًا بعد أن كانت على الدوام تصب في قالب الشعر، علاوةً على غلبة الطابع العاطفي عليها.
    وقد كانت ترجمة سليمان البستاني الشعرية لـ"إلياذة هوميروس" إلى لسان العرب ونشره إياها في أول القرن العشرين، خيرَ دافعٍ لشعرائنا المحدثين إلى دخولل هذا الميدان الذي كان الشعر العربي يخلو منه قبلًا. وكان د. يعقوب صروف قد شجع البستاني على ترجمة طالإلياذة" أثناء زيارة الأخيرة لمجلة "المقتطف" بالقاهرة سنة 1887م، وكان البستاني من جانبه مشغوفًا بالشعر القصصي هائمًا بأساطيره وخرافاته، وكان ينظم المقطوعات الشعرية، فاختمرت الفكرة من يومها في ذهنه، وأخذ يطلع على ترجمة "الإلياذة" باللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، فضلًا عن قيامه بتعلم اليونانية، التي كتب ذلك العمل بها، ثم قام بتعريبها شعرًا مع آلاف الهوامش التي يشرح فيها كل ما يحتاج إلى توضيح. وصدرت الترجمة بالقاهرة سنة 1904م، فأقام له المفكرون والأدباء في مصر حفلةً تكريميةً بفندق "شبرد" ذلك العام.
    ولم يكتفِ البستاني بترجمة "الإلياذة" وشرح ما يحتاج فيها إلى شرح، بل زاد فوضع معجمًا ملحقًا بها، كما كتب مقدمة مطولة عرف فيها بفن الملاحم، وقام ببعض المقارنات بين الشعر العربي وأشعار الأمم الغربية، وغير ذلك من الموضوعات الشديدة الأهمية. وهذه المقدمة هي في واقع الأمر بمثابة كتاب قائم بذاته. ومع هذا كله لا ينبغي أن يفوتنا النص على أن ترجمة البستاني لملحمة "نوميروس" قد غلب فيها النظم على النفس الشعري.
    ويجدر بنا في هذا السياق أيضًا أن نبرز الدور الذي نهض به محب الدين الخطيب صاحب مجلة "الفتح" القاهرية في حث الشعراء المسلمين على أن يجتهدوا في إبداع ماسماه: "إلياذة إسلامية"، إذ بعث إلى الشاعر أحمد محرم برسالة في 5/3/1353هـ يقول فيها: "سيدي الأستاذ الجليل مفخرة البيان العربي، شاعر مصر الكبير، الأستاذ أحمد محرم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فكنت همت أكثر من مرة أن أكب إليكم أقترح عليكم مشروعًا، كنا نحاول إقناع شوقي بك -رحمه الله- به، ولكن خشيت أن يصرفكم ذلك عن معاني الجهاد الأخرى.
    وهذا المشروع هو إرسال نظركم الكريم بين حين وآخر إلى مفاخر التاريخ الإسلامي الخلقية والعمرانية والسياسية والإصلاحية والحربية... إلخ، ونَظْم كل مفخرة منها في قطعة خالدة تنقش في أفئدة الشباب، فإذا زخر أدبنا بكثير من هذه القطع على اختلاف أوزانها وقوافيها، أمكن بعد ذلك ترتيبها بحسب تاريخ الوقائع وتأليف إلياذة إسلامية من مجموعها.
    أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع ديوان مفاخر يغطي فيه البيان على العيوب -يشير إلى "شاه نامة" الفردوسي- وأن يكون اليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم الصبيانية ديوانَ مفاخرَ كـ"الإلياذة" تغني بها الإنسانية إلى يوم الناس هذا؟".
    وكان هذا الخطاب هو الشرارة التي أججت شُعلةَ التحمس في نفس الشاعر أحمد محرم، فكان أن نظم "الإلياذة الإسلامية"، التي عرض فيها خلاصة التاريخ الإسلامي في قالب شعري قوي التعبير؛ كي يلفت شباب الإسلام إلى مفاخر تاريخهم، ويدفع عنهم الشعور بالضالة تجاه آداب الأمم الأخرى وما تشتمل عليه من ملاحم.
    وكان محب الدين الخطيب قد ذهب قبل هذا إلى أحمد شوقي، عارضًا عليه فكرة نظم ملحمة إسلامية، إلا أن شوقي صمت ولم يعلن قبوله أو رفضه، فقصد عندئذٍ أحمد محرم، وأعاد عرض الاقتراح، فقبله على الفور، وبدأ في نظم "الإلياذة الإسلامية" أو "مجد الإسلام"، ناشرًا إياها على أجزاء في مجلة "الفتح"؛ ليكون بذلك أول مَن راد هذا الطريق وعبَّدَه لغيره من الشعراء العرب المحدثين رغم ما تفتقر إليه إلياذته من الوحدة العضوية القصصية.
    ثم فاجأ شوقي الناس بعد ظهور إلياذة محرم بنشر مطولته "دول العرب وعظماء الإسلام"، التي يرصد فيها تاريخ الإسلام منذ فجر الدعوة حتى أيامه.
    فكما نرى: كان الشعور بأن أدبنا ينقصه هذا الفن هو السبب الرئيسُ في التحمس لإدخاله عندنا؛ كيلا يكون أدبنا أقلَّ من الآداب الأخرى. ومن ناحية ثانية فإن هذا الأمر دليلٌ على ما يمكن أن يؤدي إليه التفاعل بين الآداب وتعاونها فيما بينها واستعارة بعضها من بعض من نتائج طيبة.
    ع1:
    تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها
    ج2:
    نصرة الثائر على المثل السائر، للصفدي.

    إن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة، ذوات معان مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي. والكاتب لا يؤتَى من ذلك، بل يطيل في الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة. وهو مجيد في ذلك كله. وهذا لا نزاع فيه، لأننا رأيناه وقلناه.
    وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها. فإن شاعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال، يكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف "شاه نامه" وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أنه لغة العرب بالنسبة إليها كقطرة من بحر.
    أقول:
    قد ختم ابن الأثير -رحمه الله تعالى- كتابه بهذه النكتة التي مال فيها إلى الشعوبية، وما قال معمر بن المثنى ولا سهل بن هارون، ولا ابن غرسية في رسالته مثل هذا. وقد وجد في أهل اللسان العربي من نظم الكثير أيضًا، وإن عد هو الفردوسي، عددت له مثل ذلك جماعة، منهم من نظم تاريخ المسعودي نظما في غاية الحسن، ومنهم من نظم كتاب "كليلة ودمنة" في عشرة آلاف بيت ونظمها أبان اللاحقي أيضًا.
    وأخبرني الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي أن مكي بن أبي محمد بن محمد بن أبيه الدمشقي عرف بابن الدجاجية، نظم كتاب المهذب قصيدة علي روي الراء سماها "البديعة في أحكام الشريعة". انتهى. قلت: و"المهذب" في أربع مجلدات.
    وبعض المغاربة امتدح سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قصيدة عدتها ثمانية عشر ألف بيت. ولابن الهبارية كتاب "الصادح والباغم" في ألفي بيت، كل بيت منها قصرٌ مشيد، ونكته ما عليها في الحسن مزيد، يشتمل على الحكايات والنوادر والأمثال والحكم، وكلها في غاية الفصاحة والبلاغة ليس فيها لو ولا ليت.
    وأما من نظم الألف وما دونه فكثير جدًّا لا يبلغهم الحصر، وأما "الشاطبية" وما اشتملت عليه من معرفة القراءات السبع واختلافها، وتلك الرموز التي ظاهرها الغزل وباطنها العلم، فكتاب اشتهر وظهر، وخلب سحره الألباب وبهر، وأما أراجيز النحو والعروض والفقه، كالذي نظم الوجيز ومنظومة الحنفية وغير ذلك من الطب وغيره من العلوم، فكثير جدًّا، إلى الغاية التي لا يحيط بها الوصف.
    وما سمعنا بمن اشتغل من العجم بالعربية إلا وفضل اللغة العربية، برهان هذه الدعوى أن أبا علي الفارسي، وبندار، وأبا حاتم والزمخشري وغيره هؤلاء، لما اشتغلوا بالعربية وذاقوا حلاوتها، هاموا بها وكلفوا بمحاسنها، وأفنوا الليالي والأيام في تحصيلها، وأنفقوا مدة العمر في تأليفها وتدوينها وتتبع محاسنها وقواعد أقيستها وغرائب فنونها.
    ومن المستحيل أن يكون هؤلاء القوم اجتهدوا هذا الاجتهاد في العربية، وأفنوا مدة العمر وهي ما لا يخلف في شيء هو دون غيره. والأولى بهم وبكل عاقل الاشتغال بالأحسن والأفصح والأبلغ والأحكم، ولو علم هؤلاء القوم أن اللغة الأعجمية لها أفعل التفضيل، ما عرجوا على العربية إلا ريثما عرفوها، ثم عاجوا إلى لغتهم.
    ومن "الكلم النوابغ" للزمخشري: فرقك بين الرطب والعجم، فرق بين العرب والعجم.
    ومنها: العرب نبعٌ صلب المعاجم، والغرب مثلٌ للأعاجم.
    فانظر إلى الزمخشري كيف جعل العرب رطبًا والعجم عجمًا. والعجم -بتحريك الجيم-: هو النوى. وكيف جعل العرب مثل شجر النبع، وهو صلب تتخذ منه القسي، وجعل العجم مثل شجر الغرب، وهو خوار.
    قال المتنبي:

    فلا تنلك الليالي إنّ أيديها إذا ضربن كسرن النبع بالغرب

    فإن قلتَ: ما كان علماء العربية من العجم عالمين باللغة العجمية كما ينبغي.
    قلت: أليس أنهم كانوا يعرفون العجمية، ثم أنهم تمهروا في العربية وبالغوا في إتقانها. ومن وصل في لغة من اللغات إلى ما وصل إليه أبو علي والزمخشري وغيرهما من معرفة الاشتقاق الأكبر والأصغر والأبنية والتصريف، في الاسم والفعل الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل والمفعول وصارت له تلك الملكة، كان عنده من الأهلية أن ينظر في كل لغة عرف لسانها، وأن يستخرج قواعدها ويتبع أصولها، فيقع على غرائب حكمها ومحاسن قواعدها؛ لاشتباك العلوم بعضها ببعض، واجتماع شملها في الغاية التي أوجبت وضعها. ولا يضع اللغة إلا حكيم.
    ألا ترى أن بعض النحاة رتب اللغة التركية على القواعد النحوية، وميز الاسم من الفعل، والماضي من المضارع من الأمر، وضمير المتكلم من المخاطب من الغائب، والجمع من الإفراد، وعلامة الجمع، والمضاف من المضاف إليه إلى غير ذلك، وهذا أمر غير خاف.
    وأما قوله: إن كتاب "شاه نامه" ستون ألف بيت، كلها في غاية الحسن من الفصاحة والبلاغة، وما فيها ما يعاب، فإن هذه الدعوى لا تسمع مجردةً عن البرهان الذي يؤيدها.
    ومن يأتي بستين ألف كلمة، أو بستة آلاف كلمة تكون في غاية الفصاحة في الألفاظ، والبلاغة في المعنى حتى إنها لا تعاب بوجه؟! هذا ليس في قوى البشر في لغة من اللغات.
    سلمنا أن ذلك ما يعاب في تلك اللغة، فمن أين لك أن جيد شعر العجم في طبقة جودة شعر العرب. كما تقول: القمر أشد نورًا من النجوم، والشمس أشد نورًا من النجوم، فالشمس والقمر اشتركَا في الفضيلة على النجوم، ولكنهما في نفسيهما لا يستويان مثلًا.

    وكلٌّ له فضله والحجو لــ يوم التفاضل دون الغرر

    فهل جيد العجم مثل جيد العرب، كوصف امرئ القيس في الخيل، والنابغة في الاعتذار، وزهير في المدائح، والأعشى في الخمر؟ أو كجيد جرير، والفرزدق، والأخطل، وبشار بن برد، ومسلم بن الوليد، وأبي نواس، وديك الجن، والحسين بن الضحاك، والمتنبي، وأبي تمام، والبحتري، وابن الرومي، وابن المعتز، وأبي فراس، وغيرهم، وإلى هذا العصر، وما بين ذلك من الشعراء الذين تغرق قطرات العجم في لججهم، حتى إنه يقول: إن ذلك كله جيد لا يعاب. هل يستويان مثلًا في الجودة من حيث هي:

    ألم تر أنّ السيف ينقص قيمةً إذا قلت إنّ السيف أمضى من العصا

    وإنما قلّ الجيّد في الشعر؛ لأن البلغاء وعلماء الأدب انتقوا الجيد العالي الذي يكون نهاية في الفصاحة والبلاغة، وجعلوه أنموذجًا ومثالًا يُحتذَى، على ما قرروه بقوة فكرهم وصحة انتقادهم. فكان ذلك الجيد في الطبقة العليا. ولا جرمَ أن الساقط من الشعر أكثر من العالي عند أئمة البلاغة، وإلا فعلى الحقيقة الذي يعده أرباب البلاغة من ساقط الشعر يكون جيدًا عند غيرهم غير معيب، إلا ما هو ساقط إلى الغاية. وهذه النكتة هي العلة في قلة الجيد من الشعر.
    ومن أين في شعر العجم ما في شعر العرب من المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه والتورية والاستخدام والجناس، على اختلاف كل نوع من هذه الأنواع وتشعب أقسامه؟ إلى غير ذلك من أنواع البديع وهو ما يقارب المائة نوع. هيهات ما بينهما صيغة أفعل.
    وذكر الحصري في "زهر الآداب" أن أعرابيًّا قال لشاعر من أهل الفرس: الشعر للعرب، وكل مَن يقول الشعر منكم، فإنما نَزَا على أمه رجل منا. انتهى.
    وقد أنصف ابن خلف في قوله: وللعرب بيت وديوان، وللعجم قصر وإيوان.
    وأما دعواه أن الشاعر لا يحسن في الأكثر، فالعذر في ذلك ظاهر؛ لأنه في ضائقتين شديدتين إلى الغاية. وهما: الوزن، ولزوم الروي الواحد. والناثر غير مضطر إلى شيء منهما، بل هو مخلًّى ونفسه، إن شاء أتى بسجعتين على حرف واحد، وإن شاء على أكثر، وإن شاء أتَى بالسجعة على عشرين كلمة، أو على أقل إلى كلمتين. ولو أتى الكاتب برسالة مطولة على حرف واحد في سجعه، وعدد مخصوص من كلمات السجع، لكان حاله حال الشاعر، بل كان كلامه أسمج وأثقل على الأسماع والقلوب، لأن الشعر يروجه الوزن، ولا كذلك النثر. فحينئذ لا يصلح هذا أن يكون فضيلة في النثر على النظم.

    وكيف ولم يزل للشعر ماءٌ يرفّ عليه ريحان القلوب

    وليكن هاهنا آخر ما أردته من الكلام على المثل السائر وقد سامحته في كثير سقطه فيه ظاهر.
    على أنني لا أنكر ما له فيه من الإحسان، والنكت التي هي لعين هذا الفن إنسان، فإنه لم يأل جهدًا في التوقيف الذي وقفه، ولم يقصر في التثقيف الذي ثقفه.
    ع2:
    المسرحية، ودورها كجنس أدبي
    ج1:
    الفن المسرحي العربي "إطلالة مقارنة على النشأة والتطور"، ليسري عبد الغني عبد الله.
    النشأة:
    نشأت المسرحية عن الشعر الغنائي في صورتي الملهاة والمأساة، ويرجع أصل الملهاة إلى أناشيد المرح والسرور التي كان يرددها اليونانيين القدماء في أعياد الآلهة، وذلك مثل آلهة الخصب والنماء والمرح، ويقوم بالإنشاد في المهرجانات المقامة بمناسبة هذه الاحتفالات ما يسمى الجوقة أو الكورس.
    أما المأساة فتعد تطورًا لأشعار المديح، وهي ذات طابع ديني، وترجع أيضًا إلى أناشيد دينية غنائية تقوم بإنشادها جوقة تتغنَّى فيها بصفات بعض الآلهة، ثم تدرجت فكانت تضيف إلى مدح الإله مدحًا لبعض الأبطال المعروفين.
    وقد بدأت بعض المسرحيات اليونانية بممثل واحد، ثم بممثلين، وبعد ذلك زاد عدد الممثلين إلى ثلاثة أو أكثر، وعظم مع مر الأيام شأن المسرحية، فالمأساة خطت خطوات واسعة على يد بعض الشعراء اليونانيين، الذين أضفوا عليها الصفة الإنسانية، وجعلوها أكثر تصويرًا للعواطف والمشاعر الإنسانية.
    وكذلك الأمر بالنسبة للملهاة، فقد خطت خطوات واسعة، وأصبح لها شعراؤها اليونانيين الذين برزوا في الأساليب المسرحية وفي الحوار المسرحي، وأبرزوا الروح الفنية للعمل الدرامي ككل.
    المسرح اللاتيني:
    وقد ظهر بعد ذلك المسرح اللاتيني محاكيًا للمسرح اليوناني ومقلدًا له، وكان ذلك في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد، وقد اتخذ موضوعاته ومناظره وملابس الممثلين عن الطراز الإغريقي، لذلك ليس من المستغرب أن يردد الباحثون في مسألة التأثير والتأثر مقولة: "كان اليونانيون هم المبدعين، وكان الرومانيون هم المقلدين".
    وبرع من الرومانيين في فن الملهاة عدد كبير من الشعراء الذين نجحوا بتفوق في التعبير عن العواطف الإنسانية بحوار جيد يصل إلى عقل وقلب المشاهد، وهؤلاء الشعراء من الرومانيين أثروا بعد ذلك تأثيرًا كبيرًا وعميقًا في الآداب الأوربية.
    ومثال على ذلك ملهاة "أولولاري" أو "وعاء الذهب"، التي ألفها "بلوتوس" حاكاها الكاتب الفرنسي / موليير في ملهاته الشهيرة "البخيل"، وكذلك بعض الملاهي الأخرى التي قلدها العديد من كتاب الغرب الأوربي.
    بين الوسيط والحديث:
    وفي العصور الوسيطة اتجهت المسرحيات وجهة دينية محتذية نشأتها اليونانية الأولى، فتناولت بعض الموضوعات الدينية مثل قصة نبي الله ورسوله عيسى بن مريم "عليه السلام"، وخروج أبو البشر آدم "عليه السلام" من الجنة.. إلى غير ذلك من القصص والموضوعات الدينية.
    وكان التأثير البارز في الآداب الأوربية هو تأثير المسرحيات اللاتينية، إلى جانب التأثر بالمسرحيات اليونانية.
    وعندما جاء عصر النهضة الأوربية، عاد الأوربيون ليقلدوا اليونانيين واللاتينيين في الموضوعات والأفكار والمناحي الفنية جمعاء، في نفس الوقت الذي كان فيه النقد الفني والأدبي يجري على أساس ارتباط المسرحيات الأوربية بمسرحيات الأدبين اليوناني والروماني.
    وعندما ظهرت الرومانسية في أواخر القرن الثامن عشر، والنصف الأول من القرن التاسع عشر، تغيرت الأصول الفنية للمسرحية، فلم يعد شرط توافر خمسة فصول كاملة قائمًا آنذاك، كما نقضت الكثير من الأصول التي جرى عليها الكلاسيكيون، وخلطت المأساة بالملهاة، ليظهر نوع جديد يسمى الدراما الرومانسية.
    وبعد أن كانت المأساة تتحدث عن الأبطال الإلهيين والنبلاء والأرستقراطيين، اتجهت اتجاهًا آخر في العصر الرومانسي،فتناولت الكلام عن بعض القضايا الاجتماعية والنفسية والإنسانية، وتناولت أشخاصًا عاديين من عامة الشعب.
    وبعد الرومانسيين وجدنا المسرحية تتجه إلى: الواقعية، والرمزية، والوجودية، والعبث، و اللامعقول.. إلى آخر هذه الاتجاهات.
    وفي مجال المقارنة في هذا النوع الأدبي، نقول: إن بعض المسرحيات الغنائية الأوربية تأثرت بالأدب العربي، وبالآداب المشرقية، فمثلًا المسرحية التي عنوانها "علاء الدين والمصباح السحري" مأخوذة عن حكايات ألف ليلة وليلة، ومثلها ملهاة "شهرزاد" التي ألفها / موريس رافيل، عام 1903 م.
    المسرح الشعري في الأدب العربي الحديث:
    المعروف لنا أن المسرح بدأ شعرًا، أي: أنه كان يكتب بالشعر، ثم تطور بعد ذلك وأصبح يكتب في أغلبه بالنثر، لذلك سنقسم كلامنا عن المسرح في الأدب العربي الحديث إلى جزئيتين:
    الجزئية الأولى: سنتحدث عن المسرح الشعري أو الشعر المسرحي في الأدب العربي الحديث، والجزئية الثانية: سنتكلم فيها عن المسرح النثري في نفس الأدب.

    أولًا: المسرح الشعري في الأدب العربي الحديث:
    عرف الفن الشعبي خيال الظل، ولكنه كان من السذاجة بحيث لا يعد من المسرح أو من فن التمثيل، كما سنوضح عند الكلام عن المسرح النثري.
    وكانت أولى المسرحيات الشعرية التي عرفناها مسرحية "المروءة والوفاء"، التي كتبها اليازجي سنة 1870 م، وهي تردد الحكاية المشهورة عن الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة العراقية، ويومي بؤسه ونعيمه، ووفاء العربي الذي ضمن للنعمان أن يقدم نفسه للقتل إذا لم يف بعهده له، ولكن هذه المسرحية كانت ضعيفة في لغتها، وفي تكوينها الفني.
    وكتب أبو خليل القباني عدة مسرحيات استوحاها من التاريخ الإسلامي منها: "عنترة" و "ناكر الجميل"، وهي خطوة على طريق الناحية الفنية، ولكن أسلوبها مزيج من الشعر والنثر على طريقة المقامات العباسية المعروفة، وسوف نعود للكلام عن أبي خليل القباني، ونحن نتحدث عن المسرح النثري.
    استمرت بعد ذلك المحاولات تتعثر وتستقيم ولا تحقق كيانها الفني، حتى ظهرت مسرحيات أحمد شوقي فكانت فتحًا جديدًا في هذا المجال، وله من المسرحيات: "مصرع كليوباتر" التي كتبها سنة 1927م أو 1929 م، ثم مسرحية "مجنون ليلى" سنة 1931 م، ثم مسرحية "قمبيز" التي كتبها سنة 1931 م أيضًا، ثم مسرحية "أميرة الأندلس" سنة 1932 م، أي: نفس العام الذي كتب فيه مسرحيته "عنترة".
    وكانت آخر مسرحيات شوقي هي "الست هدَى"، وقد توفي قبل أن ينشرها، كما أن له مسرحية قصيرة تم اكتشافها، بعنوان "البخيلة"، أذكر أن مجلة الدوحة التي كانت تصدر في قطر، قامت بنشرها في السبعينيات من القرن العشرين.
    وجميع مسرحيات شوقي في قالب شعري، ما عدا مسرحيته "أميرة الأندلس" التي كتبها نثرًا، كما أنها جميعًا تستوحي موضوعاتها من التاريخ، ما عَدَا ملهاته الوحيدة "الست هدى"، فإنها تصور موضوعًا اجتماعيًا من الحياة العصرية.
    وغني عن البيان أن أحمد شوقي تأثر تأثرًا كبيرًا في كتاباته المسرحية بالمسرح الأوربي، الذي شاهده وقرأه خلال رحلته التعليمية إلى فرنسا، ورغم هذا التأثر فإن مسرح شوقي تميز بالأسلوب العربي، والحبكة الفنية، وظهور ملامح واضحة للشخصيات في كثير من مسرحياته، وتلوين اللغة إلى حد ما بما يتفق معها، ورغم قول بعض النقاد بأن أحمد شوقي كتب شعرًا مسرحيًا، ولم يكتب مسرحًا شعريًا، فإننا نؤكد على أن أحمد شوقي كان رائدًا في مجاله، وللريادة دائمًا أخطاء.
    ومن بعد شوقي ظهر عزيز أباظة، وله من المسرحيات: "شجرة الدر"، و"قيس وليلى"، و"العباسة"، و"غروب الأندلس"، و"الناصر" ... وغيرها.. والحوار في مسرحياته أكثر حركة وأكثر اقترابًا من روح الشخصيات.
    وبعض الكتاب جرب كتابة المسرحيات الشعرية في إطار ما يسمى بشعر التفعيلة أو الشعر الحر، مثل عبد الرحمن الشرقاوي الذي كتب "مأساة جميلة" سنة 1962 م، ومسرحية "الفتى مهران" سنة 1966 م، ثم "الحسين شهيدً" و"الحسين ثائرً"، وأيضًا صلاح عبد الصبور في "ليلى والمجنون"، و"مأساة الحلاج"، و"الأميرة تنتظر" وغيرها من أعمال.
    ثم جاء جيل قدم جهودًا إبداعية في المسرح الشعري نذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر: فاروق جويده الذي كتب "الوزير العاشق"، و"دماء على أستار الكعبة"، و"الخديوي"، ونذكر أنس داود في مسرحيتيه "الشاعر" و"الصياد"، كما نذكر جهود كل من: محمد إبراهيم أبو سنة، ومحمد مهران السيد، وعبده بدوي وغيرهم من الكتاب العرب في أرجاء بلادنا العربية، وقد ذكرنا بعض الكتاب المصريين كموع من الاستشهاد فقط لا غير.
    وعلى كل حال، فإن كتابات كل هؤلاء كانت متأثرة بشكل أو بأخر بالكتاب الأوربيين والأمريكيين والروس، وهذا أمر لا غضاضة فيه، فالتأثر والتأثير أمران مشروعان.
    وختامًا لهذه الجزئية: فإن الاتجاه العام الآن نحو المسرحية النثرية؛ لأنها أكثر تحررًا وأقدر على التوغل في المشكلات والظواهر الاجتماعية.
    المسرح النثري في الأدب العربي الحديث:
    لم يعرف في الأدب العربي القديم شيء من المسرحيات أو فن التمثيل، وإن وجد فيه بعض الحكايات القصصية التي برزت في فن المقامة العربية، لكنها لا تعتمد على فن التمثيل.
    أما الأدب الشعبي العربي ففيه بعض عناصر بدائية للتمثيل، مثل فن "القراقوز"، ومثل تلك التمثليات التي عرفت باسم "البابات" وهي منسوبة إلى ابن دنيال العراقي الأصل، والذي انتقل إلى مصر وعاش بها في القرن الثالث عشر الميلادي وأوائل القرن الرابع عشر الميلادي، أي: في الفترة ما بين عامي 1248 م و 1310 م.
    وبقيت من بابات ابن دنيال، بابة "الأمير وصال"، وبابة "عجيب وغريب"، وبابة "المتيم والضائع الغريب"، والبابة تقوم على عرائس من الورق المقوى أو الجلد تتحرك بطريقة خاصة، ويوضع خلفها ليلًا مصباحًا يعكس ظلالها على ستارة بيضاء، ويدور حوار ينطق به صاحب البابة مع مساعد آخر له، بحيث يتغير الصوت بتغير الشخصيات وتنوع مواقفها.
    وعندما جاءت النهضة الحديثة واتصلت الثقافة العربية بثقافة الغرب، وأثمرت ثمارها، كانت المسرحية من القوالب الأدبية التي عظم الاهتمام بها، فأنشئ في عهد الخديوي / إسماعيل مسرح الكوميدي سنة 1869 م، كما أنشأ دار الأوبرا المصرية القديمة، ومثلت عليها ولأول مرة في الشرق أوبرا عايدة لفرداي الإيطالي.
    ولكن أول من أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية كان مارون نقاش -اللبناني الأصل- وقد اقتبسه من إيطاليا حين سافر إليها سنة 1846 م، وكانت أولى المسرحيات التي قدمها للجمهور العربي في لبنان، مسرحية "البخيل " للكاتب الفرنسي / موليير، وكان ذلك في أواخر سنة 1847 م.
    غير أن هذا الفن لم يقابل في أول الأمر بترحاب أو تقدير أو تشجيع، إذ كان الجمهور العربي في لبنان أو في غيره من البلاد العربية بوجه عام يفضل الغناء والطرب والفكاهة، ولذلك استقبل هذا الفن الطارئ أو الوافد، الذي لم يألفه أو يتعود عليه بشئ من الفتور.
    أما في مصر فأول مسرح عربي هو الذي أنشأه يعقوب صنوع، والمعروف لنا بأبي نظاره، وذلك سنة 1876 م، وقد مثل خلال سنتين على مسرحه هذا ما يقرب من 32 مسرحية بين مقتبس من الأدب الغربي صبغه بأسلوبه صبغة محلية، وما بين موضوع يعالج المشكلات الاجتماعية، وكانت اللهجة العامية هي الغلبة على مسرحياته.
    وفي أخريات سنة 1876 م، وفد سليم نقاش ابن شقيق مارون نقاش، تصحبه فرقة تمثيلية أخرجت مسرحيات مارون نقاش، وأضاف إليها مسرحية "هوراس" للفرنسي / كورني، ومسرحية "ميتردات" لراسين، ثم استدعى إليه من لبنان صديقه / أديب اسحق لشد أزره، وكان أديب قد ترجم من قبل مسرحية "أندروماك" لراسين، ثم ترجم مسرحية "شارلمان" التي أعجب بها المصريون، ولكن الخديوي إسماعيل على سليم نقاش وأديب اسحق عندما شاهد مسرحية "الظلوم" وظن أنهما يعرضان به، فأمر بإغلاق المسرح.
    ولما جاء أبو خليل القباني من دمشق إلى مصر سنة 1884 م مع فرقته التمثيلية، دخل المسرح العربي في طور جديد؛ لأن القباني اعتمد على التأليف المسرحي مستمدًّا موضوعاته من التاريخ العربي والإسلامي، ومن التراث القصصي الشعبي مثل حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها، فمثلت فرقته مسرحيات: "عنترة"، و"الأمير محمود نجل شاه العجم"، و"ناكر الجميل"، و"نفح الرب"، و"الشيخ وضاح"... وغيرها.
    وقد كتب أبو خليل القباني كل مسرحياته باللغة العربية الفصحى المسجوعة على طريقة المقامات العربية التي شاعت في العصر العباسي، وخلط فيها النسر المسجوع بالشعر، وقلده في هذه الطريقة عدد كبير من الأدباء.
    ولكن كان الغالب على المسرحيات إذ ذاك كثرة المقطوعات الغنائية، مع عدم الدقة الفنية في التأليف، والضعف العام في عملية الإخراج المسرحي.
    ثم انتقل المسرح العربي إلى مرحلة جديدة وذلك حين تهيأ له المؤلف المجيد، والممثل الممتاز، وذلك حين عاد جورج أبيض من باريس سنة 1910 م، بعد أن درس هناك الفن المسرحي وأصوله، وقد ألفت لهذا المسرح الجديد عدة مسرحيات اجتماعية، مثل مسرحية "مصر الجديدة" التي كتبها فرح أنطون، وشاهدها النظارة سنة 1913 م.
    ونحب أن نشير هنا إلى أنه بعد ذلك عربت الكثير من المسرحيات العالمية بأسلوب راق، كما فعل الشاعر / خليل مطران، في تعريبه لروايات شكسبير "تاجر البندقية"، و"عطيل"، و"ماكبث"، و"هاملت"، كما تم إعادة ترجمة بعض أعمال موليير بلغة فصيحة جميلة.
    وبعد الحرب العالمية الأولى ظهرت في عالم المسرح العربي المدرسة الجديدة التي عنيت بالتأليف المسرحي، وتناولت في المسرحيات معالجة المشكلات الاجتماعية علاجًا واقعيًّا، ومن رواد هذه المدرسة: محمد تيمور في أعماله "عبد الستار أفندي"، و"عصفور في القفص"، و"الهاوية"، ثم محمود تيمور في مسرحياته: "حفلة شاي"، و"الصعلوك"، و"أبو شوشة"، و"الموكب"، وغيرها من المسرحيات التي تأثر فيها بالأدب الفرنسي تأثرًا كبيرًا.
    ثم ظهر أكبر كتاب المسرح العربي، وهو توفيق الحكيم الذي اتصل اتصالًا وثيقًا بالأدب الفرنسي، وقدم المسرحية العربية المكتملة في بنائها وموضوعها وحوارها وشخصياتها، وتنوعت مسرحياته، وكثرت وتعددت اتجاهاتها، فكان منها التاريخية والاجتماعية والواقعية والفكرية، ثم قدم مسرحيتين هما "يا طالع الشجرة" و"طعام لكل فم"، وهما من مسرح اللامعقول، وقد اهتم الغربيون بمسرحياته، ونقلوا كثيرًا منها إلى لغاتهم.
    ولا يمكن لأي باحث أن ينكر الجهود الإبداعية التي قام بها لفيف من كتاب المسرح العربي في عصرنا الراهن، مما أدَّى إلى تنوع المسرح العربي في اتجاهاته وفي بنائه الفني، ونذكر من هؤلاء على سبيل الذكر لا الحصر: علي أحمد باكثير، والفريد فرج، وسعد الدين وهبة، و يوسف إدريس، ومحمود دياب.. وغيرهم، وغيرهم ممن كان لهم الأثر الواضح في النهوض بالمسرح العربي.
    وندرك مما سبق مدى تأثر فن المسرحية في الأدب العربي بالآداب الأوربية في أول الأمر، ولكن سرعان ما انطلق الأدب العربي المسرحي بعد ذلك إلى مرحلة التأصيل، فظهرت شخصية الإبداع الفني فيه، بعيدةً عن المحاكاة والتقليد.
    ع2:
    المسرحية، ودورها كجنس أدبي
    ج2:

    المسرحية؛ نشأتها، وتاريخها، وأصولها، لعمر الدسوقي.

    في الأدب المصري الحديث:
    لم تبدأ العناية بالمسرح إلا في عصر إسماعيل، وكان مغرمًا بتقليد الحياة الأوربية، ولا بدع فقد تربى في فرنسا صغيرًا فكان كل همه أن يحاكي الحياة الأوربية، ويود لنفسه ورجال حاشيته والطبقة الحاكمة وسائل اللهو والمتعة، ومن أهم ما عنى به المسرح، فافتتح مسرح الكوميدي، عام 1969 لأول عهدد بالحكم حين احتفل بافتتاح قناة السويس، ثم أنشأ مسرح "الأوبرا" في العام نفسه ومثل فيهما جماعة من الممثلين والممثلات الذي أحضرهم من أوربا، وأول مسرحية مثلت في الأوبرا هي "ريجوليتو" ثم كلف إسماعيل مريت باشا بوضع أوبرا مصرية يستقى حوادثها من التاريخ المصري القديم. فأشرك مريت معه اغيسلانسوني الإيطالي في تأليف "عائدة" ولحن موسيقاها "فردي".
    وأول من أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية هو مارون نقاش اللبناني الذي اقتبسه من إيطاليا حين سافر إليها في سنة 1846 ، وابتدأ تمثيله باللغة العربية الدارجة، وكانت أولى المسرحيات التي قدمها لجمهوره العربي في بيروت هي رواية "البخيل" المعربة عن موليير، وذلك في أواخر سنة 1847 ثم قدم روايته الثانية -أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد- في سنة 1849 .
    أما في مصر فأول مسرح عربي أنشيئ بها هو ذلك الذي قام به يعقوب بن صنوع. بالقاهرة في يوليو سنة 1876 وقد اقتبسه كذلك من إيطاليا التي درس بها ثلاث سنوات. وكان يجيد عدة لغات مكنته من أن يدرس هذا الفن دراسة متقنة، وقد مثل في خلال سنتين عاشهما مسرحه اثنتين وثلاثين مسرحية ما بين مقتبس من الأدب الغربي صبغه صبغة محلية، وما بين موضوع يعالج مشكلات اجتماعية.
    وقد شجعه إسماعيل وأثابه على جده في وضع المسرحيات وإخراجها وتمثيلها، وحضر بعض مسرحياته ولقبه بموليير مصر.
    وكانت فيه جرأة، ورغبة جامحة للإصلاح، فانتقد بعض الأمراء وسخر منهم ومن الأداة الحكومية؛ وندد بظلم إسماعيل، وتعسف الحكام في عهده وبخاصة في مسرحية الوطن والحرية، مما أثار عليه حفيظة الطبقة الحاكمة وعلى رأسها إسماعيل فأمر بإغلاق مسرحه.
    ثم وفد إلى مصر من لبنان سليم النقاش في أواخر سنة 1876 ، تصحبه فرقة تمثيل، ومسرحيات عمه مارون نقاش: "البخيل" و"أبو الحسن المغفل" و"السليط الحسود" وترجم "أوبرا عايدة" إلى اللغة العربية؛ محافظًا على طابعها الغنائي، واقتبس من الفرنسية هوراس لكورني وميتردات لراسين.
    وقد شجعه إسماعيل على تكوين فرقته والقيام بالتمثيل وابتدأ عمله في الاسكندرية وهناك دعا إلى صديقه أديب اسحق ليشد أزره، وكان أديب قد ترجم من قبل مسرحية "أندروماك" لراسين، فلما قدم الإسكندرية قدماه لمسرح نقاش، ثم ترجم مسرحية "شارلمان" وقد أعجب بها المصريون كثيرًا، ثم اشترك مع سليم النقاش في تأليف المسرحيات وتمثيلها، بيد أنهما وجدَا بعد فترة أن عملهما هذا لا يعود عليهما بربح، وأنهما لم يصادفَا من النجاح ما يبشر بمستقبل باسم، فانصرفا إلى الصحافة سويًّا، واتصلا بالسيد جمال الدين الأفغاني، تاركين فرقتهما إلى يوسف خياط الذي عمل معه الشيخ سلامة حجازي في مستهل حياته التمثيلية، كما عمل مع سليمان القرداحي الذي استقل بفرقته عن يوسف خياط.
    ومن الذين عنوا بالمسرح والترجمة له محمد عثمان جلال وكان ينقل من الفرنسية ويضفي على مسرحياته روحًا مصرية خالصة. وكان بحق يسمى أبا المسرحيات الوطنية في العصر الحديث.
    ومن أوائل المسرحيات التي كتبت شعرًا مسرحية "المروءة والوفاء" لخليل اليازجي سنة 1786 وقد مثلت على مسرح بيروت عام 1888.
    ثم انتقل المسرح المصري إلى طور جديد بقدوم أحمد أبو خليل القباني وفرقته المسرحية من دمشق إلى مصر في يونية سنة 1884؛ لأن المسرح ظل إلى أن جاء القباني معتمدًا في الغالب على المسرحيات الأجنبية المعربة سواء مُصِّرت أو لم تمصر، فلما جاء القباني اتجه نحو التاريخ العربي والإسلامي فوضع مسرحيات: "عنترة"، و"الأمير محمود نجل شاه العجم"، و"ناكر الجميل"، و"هارون الرشيد"، و"أنس الجليس"، و"نفح الربى"، و"الشيخ وضاح"، وغيرها. وقد امتاز أسلوبه في تلك المسرحيات بأنه كان أرقى لغةً وأقرب إلى العربية الفصحى، وقد استعمل السجع والشعرَ معًا، على أن مسرحياته كانت أوهى حبكةً وأضعف سياقًا من المسرحيات المعربة.
    وعلى هذا النمط أُلِّفت عدة مسرحيات في تلك الحقبة، وفي هذه الفترة حاول أحمد شوقي -وهو بعدُ طالب في باريس- كتابة المسرحيات مثل مسرحية "علي بك الكبير" ولكنه لم يظهرها للجمهور في ذلك الوقت، وربما كان من أسباب هذا أنه لم يكن راضيًا عنها كل الرضا، أو أن الجمهور لم يكن مستعدًّا في رأيه لتلقي مثل هذه الرواية تلقيًا حسنًا، وهي تختلف عن مسرحية "علي بك الكبير" كما ظهرت فيما بعد بعض الاختلاف.
    في الأدب الغربي:
    أقدم المسرحيات التي عرفها الأدب الغربي هي المسرحيات الإغريقية، وكان لنشأتها في بلاد اليونان علاقة بعقائدهم -حيث كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة-.
    وكان من آلهتهم التي قدسوها "ديونيسوس" أو "باخوس" إله النماء والخصب وبخاصة العنب والخمر، وقد اعتادوا أن يقيموا له حفلين أحدهما في أوائل الشتاء، بعد جني العنب وعصر الخمور، ويغلب عليه المرح وتنشد فيه الأناشيد الدينية، وتعقد حلقات الرقص، وتنطلق فيه الأغاني، ومن هذا النوع المرح نشأت الملهاة -الكوميديا- والحفل الثاني في أوائل الربيع حيث تكون الكروم قد جفت وتجهمت الطبيعة، وهو حفل حزين ومنه نشأت المأساة -التراجيديا- وكان التمثيل أول الأمر لا يعدو بعض الرقص والأناشيد الجمعية، والأغاني التي تعبر عن حزنهم لغياب الإله، والابتهال إليه أن يعود ثانية.
    ثم مثل شخص "ديونيسوس" فكانت الجوقة تشير إليه وهو على مسرح مرتفع، ثم أدخل الحوار بينه وبين الجوقة، ثم مثلت شخصيات أخرى يرد ذكرها في الأغاني والأناشيد.
    وكان الممثلون يظهرون على نشز وسط قومهم على هيئة البشر في نصفهم الأعلى وصور الماعز في نصفهم الأسفل، ومن هنا اشتقت لفظة "تراجيدي" أي: المأساة وهي مركبة من كلمة "أغنية" وكلمة "الجدي" تركيبًا مزجيًّا.
    وأخيرًا وضع "أسخيلوس" 525 - 456 ق. م أول مسرحية شعرية وهي الضارعات سنة 490 ق.م ، وكان فيها ممثلان رئيسيان بجانب الفرقة، ثم توالى نتاجه المسرحي إلى أن ظهر "سوفوكليس" الشاعر اليوناني الكبير 495 - 416 ق. م ، وأضاف ممثلًا ثالثًا إلى الممثلين اللذين أدخلهما "أسخيلوس" وقوى جانب التمثيل على جانب الغناء، وقد أدى هذا إلى تقدم سريع في الحوار المسرحي بدل ترانيم الجوقة، وأتاح فرصًا أكبر للتباين بين الأشخاص، وسمح بألوان متنوعة من الحوادث، وفوق كل شيء فقد حمل الذين يكتبون للمسرح على مزيد من العناية بالفن المسرحي.

    ويعتبر اليونان أول من اهتم بالمسرح، ووضع له نظامًا خاصًّا، وعنهم أخذ العالم هذا الفن. وكما أن المسرح ابتدأ عند اليونان من أصل ديني فكذلك ابتدأ لدى الإنجليز.
    ولما كانت جمهرة الشعب حينذاك أمية لا تقرأ، فكر رجال الكنيسة في تقريب قصص التوراة لأذهانهم بوضعها في صور تمثيلية، وهنا يبتدأ ما يسمى في تاريخ الأدب "بتمثيل المعجزات" "مثل قتل هابيل ومولد المسيح وصلبه، وإقدام إبراهيم على ذبح والده وطوفان نوح ويوم الحساب وأنباء القديسين المسيحيين... إلخ" وكان ذلك في نهاية القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر.
    ثم أدخل على موضوع هذه المسرحيات الدينية شيء من الأخلاق كالعدل والسلام والصدق والكذب، وأخيرًا استقلت المسرحية "الخلقية" عن مسرحية المعجزة، حينما استطاع الناس أن يقرءوا التوراة بأنفسهم، ولم يعودوا في حاجة إلى تمثيل قصصها لهم.
    وكانت المسرحية الخلقية درسًا في الأخلاق يعطى على أيدي ممثلين قولًا وعملًا، وهؤلاء يمثلون أشياء معنوية كالخطيئة والعدل والصدق والكذب والذكاء والغباوة.
    واستمرت المسرحية الخلقية حتى أوائل القرن السابع عشر، ثم أخذ الناس يملون النصائح والمواعظ الخلقية، ويطلبون معالجة مشكلات الحياة ورؤية شخصيات مألوفة. وقد نشأ في القرن السادس عشر نوع جديد من المسرحيات، كان يمثل في حفلات الطبقات العليا ومآدبها ليملئوا به الفراغ بين مرحلتين من مراحل الحفل لتسلية الحاضرين وإدخال المسرة على قلوبهم وكان يسمى "رواية الفترة". وهي مسرحية قصيرة مليئة بأسباب المرح.
    وأنشى أول مسرح حقيقي مستقل بذاته عام 1576 على مقربة من لندن، ونهض المسرح الإنجليزي بعد ذلك نهضته العظيمة على يد شكسبير "1564 - 1616 م".
    Attached Files Attached Files
    • File Type: pdf 3.pdf (205.6 KB, 0 views)

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •