Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : الرمزية وأثرها في الأدب العربي - الدرس الثامن عشر

  1. #1
    Administrator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    10,199
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : الرمزية وأثرها في الأدب العربي - الدرس الثامن عشر

    ع1:
    الرمزية وأثرها في الأدب العربي
    ج1:
    المذاهب الأدبية لدى الغرب، لعبد الرزاق الأصفر.
    الرَّمزيّة Le Symbolisme:
    نشأت الرمزية في أواخر القرن التاسع عشر نتيجة ردّ فعل على الرومانسية والبرناسيّة، واستمرت حتى أوائل القرن العشرين معايشةً البرناسيّة والواقعية والطبيعيّة، ثم امتدت حتى شملت أمريكا وأوربا.
    لم تكن الرمزية واضحة المعالم في البدء، فقد ذكرنا سابقًا أن جماعة "البرناسّ" انقسمت على نفسها وانفصل عنها "فيرلين، ومالارميه" ليكوّنا اتجاهًا سيعرف بالرمزية ولم يعرف اصطلاح "الرمزية ورمزيّ" إلاّ في عام 1885. حتى إن "فيرلين" كان يكره هذه التسمية بعد ظهورها.
    وقد ورد هذا الاصطلاح للمرة الأولى في مقالة كتبها الشاعر الفرنسي جان موريس ردًا على الذين اتهموه وأمثاله بأنهم شعراء الانحلال أو الانحدار. فقال: "إن الشعراء الذين يُسمّون بالمنحلين إنما يسعَون للمفهوم الصافي والرمز الأبدي في فنهم قبل أي شيء آخر" ثم اقترح استخدام كلمة رمزي بدلًا من كلمة منحدر أو منحل الخاطئة الدلالة.
    وفي عام 1886 أنشأ جريدة سماها "الرمزيّ" ونشر في العام نفسه، في جريدة الفيغارو، بيان الرمزية، وفي عام 1891 أعلن أن الرمزية قد ماتت..! ولكنها خلافًا لما رآه استمرت وقويت وانتشرت وأصبحت ذات شأن عظيم في مجالات الأدب والفن بقيت آثاره خلال القرن العشرين على الرغم من تعرضها لكثير من الهجمات والتقطعات والتداخلات.. وبقيت معايشةً للمدارس الجديدة كالسرياليّة والمستقبلية والدّادائية والوجوديّة وغيرها من الحركات... ولئن مالت إلى التلاشي في فرنسا فقد قويت في غيرها ولقيتْ رواجًا كبيرًا، حتى قيل إن الأدب الأمريكي في القرن العشرين كان كلّه رمزيًا..!
    كان رواد الرمزية الأوائل قد أخذوا على الرومانسية مبالغتها في الذاتية والانطواء على النفس بحيث غدت غير آبهة بما يجري خارج الذات، وإفراطها في التهاون اللغوي والصياغة الشكليّة. ثم أخذوا على البرناسية بالمقابل المبالغة في الاحتفاء بالشكل ولا سيما في الأوزان مما قد يحرم الشاعر من إمكانية التلوين والتنويع ومواءمة التموجات الانفعالية، وأخذوا عليها أيضًا شدة الوضوح والدقّة بينما توجد في عالم الشعر مناطق ظليلة واهتزازات خفية يصعب التعبير عنها بدقة ووضوح فالوضوح والدقة والمنطق والوعي والقيود اللغوية والفنية كلّها شروط تخنق الإبداع وتكبح تيار الانفعال.. ولا بدّ من الانطلاق مع العفوية والحرية الكاملة ليجري الإبداع في أجواء خالية من القيود والسدود..! ولا بد من التماس أدوات لغوية جديدة هي الرموز للتعبير عن الحالات النفسية الغائمة بطريقة الإيماء لا بالطريقة المباشرة الواضحة.
    فالرمزية إذن مدرسة جديدة عملت على محورين أولهما محاولة التقاط التجربة الشعرية في أقصى نعومتها وارتعاشها ورهافتها، وثانيهما التماس الإطار الفنّي الحرّ المرن الذي يستطيع التعبير عن التجربة الشعرية ونقل أحوالها إلى القارئ بخلق نوع من المغناطيسية التي تسري إليه من الشاعر، تمامًا كما هو الأمر في الموسيقى والفنون التشكيلية.
    ولئن كان الرمز عماد هذه المدرسة فالرمزية الفنية الجديدة تختلف عن الرمزية التي كانت معروفة في العصور السابقة، فالتعبير بالرمز كان مألوفًا في كثير من المدنيات، تجده في العصور الوسطى وأدب التصوّف، وفي روائع الرواية الواقعية، وكان الرومانسيون والبرناسيون يستخدمون الرمز أحيانًا ولنذكر مثلًا "بردوم وكوبيه.." فالرمز أداة تعبير عالمية قديمة. واللغة في حدّ ذاتها مجموعة من المنظومات الرمزية، وكان الناس، ولا يزالون يعبرون بالرموز عن مقاصدهم سواءٌ بالإشارة أو بالرسم أو بالألفاظ.. وكان مألوفًا التعبير بالنار عن الإحراق، وبالطير عن السرعة، وبالريح عن القوة مع السرعة، وبالصليب عن التخليص، وبالبحر عن الاتساع، وبالراية عن سيادة الأمة وبالجماعة عن السلام، وبالمقصّ عن الرقابة الصحفيّة.. فهذه كلها رموز، لكن المدرسة الرمزية شيء آخر، لقد أصبحتْ منهجًا فنيًّا متكاملًا ذا مواصفات عديدة وأصبح الرمز فيها قيمة فنيّة وعضوية ودخلت في نطاقه الرموز التاريخية والأسطورية والطبيعية والأشياء ذات الدلالة الموحية كما تميّزت بالاستفادة من المقومات الموسيقية واللونيّة والحسيّة والمشابكة بينها في لغةٍ تعبيرية جديدة.
    خصائص المدرسة الرمزيّة:
    1-مجافاة الأسلوب القائم على الوضوح والدقّة والمنطق والتفكير المجرّد والمعالجات الخطابية والمباشرة والشروح والتفصيلات.. لأن هذه الأمور ليست من طبيعة الفنّ بل من طبيعة النثر ولغةِ التواصل العاديّة..
    2-بالمقابل يسعى الرمزيون إلى الدخول في عالم اللا حدود، عالمِ الأطياف والاندياح والارتعاشات الرجراجة والحالات النفسية الغائمة أو الضبابيّة والمشاعر المرهفة الواسعة، والتغلغل إلى خفايا النفس وأسرارها ودقائقها ولُويْناتها.
    3-من ناحية الأسلوب التعبيري عن التجارب النفسيّة. نهجت الرمزية منهجًا جديدًا يختلف عن نهج الرومانسية والبرناسيّة ويوافق ما ذكرناه آنفًا في التجربة الشعرية فقد وجدَ الرمزيون أن معجم اللّغة بما في ذلك المجازات والتشبيهات قاصرٌ عن استيعاب هذه التجربة والتعبير عنها بشكل مناسب صادق، ولا بد من البحث عن أسلوب جديد ولغةٍ ذات علاقاتٍ جديدة تتيح التعبير عن أرجاء العالم الداخلي ونقلَ حالاته إلى المتلقيّ عن طريق إثارة الأحاسيس الكامنة وتحريك القوى التصوّرية والانفعالية لإحداث ما يشبه السيّالة المغنطيسية التي تشمل المبدع والمتلقي. هذا الأسلوب الجديد يقوم على اللمح والومض ونقل المشاعر جملةً بشكلٍ مكثفٍ غير مباشر..
    ...... ولذا لجئوا إلى الرمز للتعبير عن الأفكار والعواطف والرؤى لأنه أقدر على الكشف عن الانطباعات المرهفة والعالم الكامن خلف الواقع والحقيقة. إن الرموز نوع من المعادل الموضوعي، وهي من طبيعة خارج التراث، أيْ إنها تُشتق من الواقع الخارجي، ولكنها تختلف عن الطرائق التصويرية التقليديّة: فالشاعر يتجنب معها عقد المماثلات والتشبيهات والتوازيات بين طرفي الصورة، ويجعل الرمز وحده يؤدي الدلالة أو الشيء المرموز إليه عن طريق النشاط الذهني للمتلقي. والرمز يوحي بالحالة ولا يصرّح بها، ويثير الصورة ثم يتركها تكتمل من تلقاء ذاتها كما تتسع الدوائر في الماء، وذلك عن طريق الفعّالية الذهنية للمتلقي إنّ وظيفة الرمز الإيحاءُ بالحالة لا التصريح بها والكشف التدريجيّ عن الحالة المزاجيّة لا الإفضاء بها جملة واحدة، وهو وسيلة قادرة على الإشعاع الطيفيّ كالآثار الموسيقية والتشكيليّة، ومنه يصبح القارئ مشاركًا للمبدع في إنجاز عملية الخلق الفنيّ. والرمز أقدر على التعبير عن المشاعر المبهمة والأحلام والنزوعات الخفية العميقة وترجمة السرّ الخفيّ في النفس الإنسانية، وهذه هي المملكة الحقيقية للشعر، ولا تستطيع اللغة العادية التعبير عنها تمامًا كما يستطيع الرمز الذي يمكنه الكشف عن أدقّ اللوينات النفسية وفروقها الخفيّة.
    4-العناية بالموسيقى الشعرية، موسيقى اللفظة والقصيدة، والاستفادة من الطاقات الصوتية الكامنة في الحروف والكلمات مفردةً ومركبة ومن التناغم الصوتي العام في مقاطع القصيدة، بحيث تصبح هذه الطاقة موظفة في التعبير عن الجو النفسيّ لدى المبدع ونقله إلى القارئ، أي أنها تصبح أداة تعبيرية تضاف إلى المقدرة اللغوية والتصويرية بما تحدثه من الإيحاء بالجو النفسيّ.. فهي إذن تدخل في عضوية الفنّ ولا تأتي تجميلًا أو دغدغة لحاسة السمع.
    ...... لقد أصبح شعار الرمزيين قول "فيرلين" "مزيدًا من الموسيقى والموسيقى قبل كل شيء.." وأرادوا أن يحمّلوا الموسيقى من الدلالات والتأثيرات ما عجزت عنه المدارس السابقة وأن يستعيدوا الخاصيّة الشعرية الحميمة للشعر التي انفصل عنها الشعراء طويلًا. ولذلك تمرّدوا على الأطر الموسيقية الشعرية في الأوزان والقوافي وتكوين المقطع والقصيدة ولم يحفلوا بالقواعد الكلاسيكية والرومانسية والبرناسيّة، وراحوا يبدعون موسيقاهم الشعرية الخاصة بكل منهم بل بكل قصيدةٍ على حدة. وكان رامبو أجرأهم في ذلك. ووصل بهم الأمر إلى الاستهانة بالقوافي وإلى تبني اللغة الشعرية النثرية الممسوقة داخليًّا، وقرّروا أنها خيرٌ من ذلك النثر الموزون المقفى وتجلى هذا النثر الشعري عند بودلير في "قصائد نثرية صغيرة" و"رامبو" في "إشراقات" وأوغل في هذا المجال وحرّص عليه الشاعر الرمزي "غوستاف" كاهن الذي كان يرى أن الرمزية هي مذهب الحريّة في الفنّ. وبهذا فتحت الرمزية باب التمرّد على القيود الذي دخلته فيما بعد حركات فنيّة وأدبية عديدة.
    5-لغة الإحساس: تعوّلُ الرمزيّة في صورها على معطيات الحسّ بشتى أنواعها كأدوات تعبيريّة، كالألوان والأصوات والإحساس اللّمسيّ والحركيّ ومعطيات الشمّ والذوق.. وترى في كلّ من هذه المعطيات رمزًا معبرًا موحيًا. فالحواسّ نوافذ الإنسان على العالم الخارجي. وهذا العالم "غابة من الرموز" كل ما فيها ينطق. والطبيعة عند الرمزيين تختلف عنها لدى الرومانسيين إنها هنا تتخاطب فيما بينها وتتراسل، وتؤلف لغةً متشابكة لا يفهمها إلاّ الشعراء.
    ...... الشاعر الرمزيّ مستوفز الإحساس، متيقظّ الجوارح، يَغْرق في الطبيعة فيصبحُ مصوّرًا تلتقطُ عينه الألوان والظلال والأشكال بل اللوينات الدقيقة ثم يترجمها بمختلف صفاتها ودرجاتها ودلالاتها وينتبه لما يعنيه الملمس والشكلُ وما تؤدّيه الحركة من معنى، ولا يهملُ روائع الأشياء.. من هذه النوافذ الطبيعية يدخل، ومنها ينطلق ويسوح. وإنّ مظاهر العالم الطبيعي تشعره بالتماثل مع العالم البشريّ والتخاطب معه. وكلّ معطيات الحواسّ تتشابك وتتخاطب وتتبادلُ وتتراسل.. فالشّعر يُنْثَر والرمادُ يُسكب، وللنجوم حفيف، وللوهم ظل، والخضرة تثقب، والنهرُ يغنّي، والأشعة تزْبد، والأنوار تهطل، والانتحاب طويل، والصوت ناعم أو خشن، والسخرية صافية أو ثقيلة، والثقوب زرقاء، والرنين أزْرق، واللاّزورد يُغَنّي.. ولكل شيء محسوسٍ دلالة ومعنى. فالأحمر ثورة، والأسودُ عدم، والرمادي كآبة، والأخضر حياة.. الخ والأصوات لها ألوان، كما في قصيدة الحروف الصوتية لرامبو: Aأسود، Eأبيض، Uأخضر، Oأزرق..
    ...... فهنالك -كما ترى- لغة جديدة تقوم على إسنادات وتركيبات جديدة وغريبة ولكنها ليست عابثة ولا مجانية، إن المعطيات الحسيّة، باجتماعها تغدو كيمياء تصنع دلالات جديدة بالغة البلاغة على ما فيها من إيجازٍ وتكثيف، وما تمنحه من شعورٍ بالجدة والدهشة والمفاجأة.
    6-الغموض: إذا كانت المدرسة الرمزية قد فتحت باب الغموض في الشعر فمن الإنصاف القول بأن هذا الحكم ليس مطلقًا ولا عامًا، فالرمزيون الأوائل قاربوه ومارسوه، ولكن دون مبالغة أو شطط أو تعمّد، وكانت أشعارهم تتراوح بين الوضوح والشفافية والغموض، وهم في ذلك على درجات. إنهم لم يخرجوا فجأة من الرومانسية والبرناسيّة، بل احتفظوا ببعض ملامح المدرستين، ولذا نجد "بودلير وفيرلين" أكثر وضوحًا من "رامبو" والوضوح هنا يختلف عن المباشرة المرفوضة نهائيًا. إنه يعني عدم التعقيد في الفكرة وعدم الأغراب في الصورة، بحيث يلتقط المتلقي المعنى بسهولة ويُسْر. أما الغموض -وهو غير الإبهام المحيّر- فيأتي من أسباب عديدة أبرزها:
    1-التصرّف بمفردات اللغة وتراكيبها بشكلٍ غير مألوف.
    2-الرمز الذي بطبيعته لا يوضح المرموز إليه، بل يترك ذلك لخيال القارئ وتأويله.
    3-التعبير بمعطيات الحواسّ ومراسلاتها وتقاطعاتها.
    4-الإشارات والتلميحات والأعلام التي تحتاج إلى معرفة واسعة أو إلى شروح وتعليقات.
    5-التكثيف وشدة الإيجاز.
    6-الانطلاق من أفق الدقائق النفسية والحالات المبهمة التي يصعب تصويرها والتعبير عن لويناتها الدقيقة.
    7-الاقتراب من الموسيقى والفن التشكيلي حيث يكون التواصل من خلال الانطباع.
    مراحل الرمزيّة.
    المرحلة التمهيديّة أو مرحلة "بودلير" "1867".
    يعد بودلير من أعلام المدرستين البرناسية والرمزية في آن واحد، سواءٌ في الأوجه الإيجابيّة أو السلبيّة، فهو لا يمعن في عبادة الطبيعة ولا يُفْرط في العاطفة شأن الرومانسيين، وهو يمقت البساطة ويُعنى عناية فائقة بالشكل والإيقاع الموسيقي شأنَ البرناسيين، وهو يتميز بروحٍ شاعرية فذة، وحساسيّة تبلغ أحيانًا درجة المرض، وإحساس بالغريب والنادر، ويهتم بالخيال الخلاق الذي يفضي إلى معنى ميتافيزيقي أو علاقة إيجابيّة مع اللانهائي، يغترف من الطبيعية ولكنه يعيد تشكيلها ويضفي عليها الطابع الإنساني، فلا توجد لديه مسافة بين الذات والموضوع وبين الإنسان والطبيعة.. والشعر عنده سحرٌ موحٍ يضمّ بين الذات والموضوع.. إنه الشاعر بكل معنى الكلمة الذي لا تستوعبه مدرسة واحدة، وقد قال فيه "هوغو": "منح "بودلير" الفنّ رعشةً جديدة" وهو الذي بشرّ بقدوم الرمزية وبقي شعره متقنًا كأقوى أشعار البرناسيين. برزت شهرة "بودلير" في ديوانه "أزهار الشرّ" "1857" الذي تطالعك فيه كآبة غير عادية ومعالجات لجوانب مستغربة من الواقع، تصدم القارئ، كما تبهرك فيه موسيقاه وأناقته التعبيرية العذبة...
    المرحلة الثانية: مرحلة النضج والقمة:
    1- "ستيفان مالارميه" Stephane Mallarme"1842-1898":
    كان "مالارميه" الرأس الحقيقي المنظر للمدرسة الرمزية. وتميّز بالموهبة والتواضع. تضلّع من اللغة الفرنسية وآدابها وعمل مدّرسًا للغة الانجليزية. وكان يستقبل في بيته حلقة من الشبان المحبين للشعر. وكان زملاؤه وتلاميذه يحبونه ويعجبون بشعره ويعدونه أمير الشعراء بعد "فيرلين". جمع أجمل آثاره في كتابه "شعر ونثر"، وكان منها ما يتّسم بالرمزية الشفافة ومنها بالرمزية الغامضة المقبولة. وعلى العموم كان ينفر من السهولة والوضوح ولغة التفاهم العادية وكأنها أسوأ العيوب. علم أتباعه التركيب الغامض وجماليته، وبقي مخلصًا للقواعد الشعرية والإتقان البرناسيّ.
    أصبحت اللغة عنده سحرًا والكلمات أشياء، والأشياء رموزًا موحية لا تقصد لذاتها، ولذلك نعته بعضهم بالصوفيّة. أراد مالا رميه أن يسعى إلى الكمال وأن يحقق المستحيل وأن يعبّر عن سرّ الكون الغامض ولكنه لم يجد سوى العقم والعدم والخواء والصمت، فراح يبحث عن المطلق لكنه عجز عن الوصول إليه. ورأى الفن وحده الذي يدوم لينقذ شيئًا من حطام العالم..! وبهذه الفلسفة المتشائمة التي تذكرنا الرومانسية، انفصل شعره عن الواقع المجسّد وتغرّب عن الطبيعة والذات.
    يصف "تيودور وايزيوا" شعره فيقول: "التزم أن يضمّن كل بيتٍ عدة معانٍ متراكبة، وتعمّد أن يجعل كل بيت صورة تشكيلية وتعبيرًا عن عاطفة، ورمزًا فلسفيًا ونغمة موسيقية تنسجم متكاملة مع الموسيقى العامة للقصيدة مع الحفاظ على قواعد النظم المعروفة، بحيث تبدو قصيدته كلًّا متكاملًا ومكتملًا يجسّد بالفن حالة نفسية كاملة".
    من أشهر قصائده: أمسية أحد الفونات والنوافذ،
    واللازورد، وطائر التمّ...
    2- بول فيرلين: P.Verlaine" 1844-1896":
    بدأت شهرة "فيرلين" عام 1881 عندما عمل في الصّحافة وأخذ يرتاد الحيّ اللاتيني والتف حوله جماعة من الشعراء الشبان المعجبين به. وكان أوّل الأمر برناسيًّا ثم تطور شعره تدريجيًّا وبشكل عفوي نحو فنٍ أكثر تحرّرًا، ولكن دون نظريات ومدارس، حتى إنه أصبح رمزيًّا بل مؤسسًا للرمزية دون قصدٍ أو وعي لشيء اسمه الرمزيّة، بل كان يكره هذه التسمية..! وكانت حياته مأساةً غريبة بسبب انسياقه مع نزواته. تنقل بين باريس وبروكسل ولندن، وسجن عامين لإطلاقه النار على صديقه رامبو. وتلقى من هذه التجربة درسًا في السلوك العاقل، فعاد إلى زوجته وكاثوليكيته، وكتب أشعار مجموعته "حِكْمة" لكنه سرعان ما عاد بعد وفاة أمه إلى الخمرة والتشرد والبؤس واعتراه المرض فقضى سنواته الأخيرة بين المقاهي والمستشفيات، وفي عام 1884 انتخبه الشعراء أميرًا لهم. ولكن هذه الإمارة لم تطل إذ اختطفته المنية بعد عامين.
    وكانت أشعاره صدى إحساسه وتجاربه. فهو يعيش شعره ويندفع من بواعث شعورية ولا شعوريّة. قال عنه جول لوميتر: إنه شاعر بوهيميّ وبربري وطفل، لكن لهذا الطفل موسيقاه الروحية. وهو يسمع أحيانًا أصواتًا لم يسمعها أحدٌ قبله"، وكان جرسُ أشعاره وإيقاعها يتطابق مع إلهامه ويمتلك المضمون والشكل معًا في تدفق شعري واحد يصدر دائمًا عن الفطرة والعفوية حتى لكأنه الشاعر البدائي أو الطفل إضافة إلى كل الإرهافات العصرية والتقليديّة في الشعر. وكان يتميز دون غيره من شعراء الرمز بالشفافية والسهولة والتناغم الموسيقي العذب.
    ويمكن أن نستشف معالم منهجه من قصيدته "فن الشعر" 1874 التي أرسلها إلى صديقه الشاعر شارل موريس، والتي تعدّ دستورًا للرمزية يقابل في الكلاسيكية "الفن الشعري" لبوالو. وهو يوصى فيها قبل كل شيء بمزيد من الموسيقا، لأن بها يمكن التعبير عن الأحاسيس المرهفة الدقيقة التي لا تسعها الكلمات! ولهذا السبب كان يؤثر الأوزان ذات المقاطع الفرديّة خمسة مقاطع أو سبعة أو تسعة أو أحد عشر، ولا يفضل الاثني عشري المزدوج. وهذه الأوزان التي كان يفضلها ليست جديدة بل كانت موجودة في القرن السادس عشر، وفي بعض أشعار "رونسار".
    ثم يوصي باستعمال الكلمات في غير معناها الدقيق وبعدم المبالغة في الاهتمام بالقافية "تلك الحلية الجوفاء" وبليّ عنق الفصاحة وبشيءٍ من الغموض يتزاوج مع الدقة والوضوح، وهذا ما عبّر عنه بالأغنية الرمادية التي هي أصل الأغاني والتي كأنما تنظر من خلف أسداف، وأخيرًا بأن تكون القصيدة مغامرة مشتّتة تطوف مع أنسام الفجر الباردة لتشمّ عبق النعنع والسعتر..
    أصدر فيرلين مجموعات عديدة منها: أشعارٌ زُحَلية، وأعياد زاهية، وفي هاتين المجموعتين يغلب الطابع البرناسيّ. وله أيضًا: الأغنية الجيدة، وغزلٌ دون كلام، والحكمة، والمدائح، والأناشيد الدينية الحميمة، وبالتوازي، وقديمًا وبالأمس القريب، وأغانٍ إليها، وسعادة.. كما أن له بعض الآثار النثريّة...

    ...3-أرتور رامبو Arthur Rimbaud "1854-1891":
    وُلِدَ رامبو لأبٍ صارمٍ وأمّ شديدة، وشعر وهو تلميذ برغبة جامحة في الهرب. وشاءت الظروف أن تجمع بينه وبين الشاعر فيرلين إثر أبيات أرسلها إليه، وتوثقت الصلة بينهما، حتى أسكنه فيرلين في بيته وقدّمه إلى المنتديات الأدبيّة، واصطحبه في أسفاره إلى بلجيكا وانجلترا، ولكن الفتى قرّر أن يتحرّر منه، ولما استقل القطار أطلق عليه "فيرلين" النار فجرحه ونقل إلى المستشفى ودخل الجاني السجن..
    ثم تجول "رامبو" في أنحاء العالم فزار دول أوربا من الشمال إلى الجنوب وسافر إلى جزائر "السوند" ومصر وعدن والحبشة، وعمل جنديًا ومترجمًا وعامل سيرك وموظفًا تجاريًا.. ولم تطل حياته فقد توفي في أحد مستشفيات مرسيليا في السابعة والثلاثين دون أن يدري أحد أن شاعرًا عظيمًا قد مات..
    دخل رامبو عالم الشعر كعاصفة مفاجئة سريعة بحيث لم تكتشف منزلته إلا بعد وفاته بزمن طويل. بدأ نظم الشعر في الخامسة عشرة وأقلع عنه في العشرين، لكن أشعاره طبعت مرات عديدة وأهمّها: فصلٌ في الجحيم، وأشعار، وإضاءات.
    كان "رامبو" من طليعة الشعراء الرمزيين الذين تركوا أثرًا عميقًا في الحركة الشعرية الشابّة، موهبةٌ متوقدة ومخيلةٌ خلاقة ذات صور غريبة وعنيفة وشباب مشردٌ محموم وانطلاق مغامرٌ مبكر.. وإعجابٌ "ببودلير وفيرلين".. كل ذلك جعل منه الشاعر المتمرد المبتكر الذي لا يحفل بالقيود التقليدية بل ينساق مع الموهبة العفويّة. تتراوح أشعاره بين الوضوح والغموض وبين البساطة والتعقيد والسهولة والصعوبة. وقد عرف كيف يوفق في بعض الأحيان بين الشعر والواقعيّة، ولكن بعض رموزه عسير على الفهم كقوله في وصف جندي ميْت: شاحبٌ في سريرهِ الأخضر حيث يهطلُ النور..
    وقوله:
    نُزُلي في الدبّ الأكبر ونجومي لها في السماء حفيفٌ لطيف...
    ...المرحلة الثالثة: ما بعد العمالقة:
    منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأت المدرسة الرمزية تتغيّر وتميل إلى الانحدار، فأولئك الشعراء الشبان الذين كانوا يلتفون حول مالارميه، لم يكونوا يمتلكون ذكاءه ومعارفه وموهبته، ولذا مضوا في مذهبه إلى حد المبالغة، فبحجة الحرص على المرونة الشعرية والتحرّر من القيود الثقيلة جردوا الشعر من الإيقاع والجرس الموسيقيّ والقافية، فأصبح لديهم شبيهًا بالنثر المصطنع المتقطع في أسطرٍ متفاوتة الطول. وبدعوى الارتفاع عن العاديّة سقطوا في الغموض الذي لا طائل تحته. أما معجمهم اللغوي فكان مملوءًا بالأغلاط التي لا يقع فيها إلا الأجنبي الذي يجهل اللغة وأصبحت تراكيبهم خارجة عن المنطق والحسّ السليم، والواقع أن عددًا منهم كانوا ينتمون إلى أصول أجنبية، وتذكر من هذه الفئة: "فرديناند غريغ وأفراييم ميخائيل وغوستاف كاهن"..
    ولكن يجب أن نميز بين أولئك الرمزيين الذين يمتلكون المهارة والمعرفة والذين يحاولون الإغراب، وبين الفنانين الحقيقيين الذين مرّوا بفترة من المحاولة والتدريب ثم ما لبثوا أن أصبحوا شعراء حقيقيين مفهومين، محتفظين بمزايا الرمزية ومبتعدين عن مثالبها ومزالقها.
    ومن الرمزيين الشبان أناسٌ موهوبون لكنهم يحبون الإيغال في الصور الغامضة ويبتعدون عن التناغم الموسيقي.. مما حدا ببعض النقاد لأن يصنفوهم ضمن اللاشعوريين أحيانًا وضمن الدجالين المخادعين أحيانًا أخرى.
    ومنهم من تحاشى المبالغة الرمزية وحافظ على الإيقاع والوضوح وتمتع بقسط من الحريّة وسلمتْ أشعارُه من الإبهام والتنافر والعَرَج واستطاع شق طريقته بقوةٍ وأصالة موازنًا بين شتى معطيات المدارس الشعرية، ومن هؤلاء البارزين نذكر:
    1- ألبير سامان: Albert Samain "1858-1900":
    لم يكن "سامان" رومانسيًّا ولا برناسيًّا ولا رمزيًّا بل تجمعت لديه تأثيرات شتّى من المدارس القديمة والحديثة بشكل عفوي غير مقصود. وكان ينظم الشعر لنفسه يبثه أحلامه وأحزانه الخاصة. فقد عاش حياةً شاقة ذاق فيها اليتم والحاجة. ولما حلّ باريس انضم إلى بعض المجموعات الأدبية المؤلفة ممن كانوا يدعونهم "الشعراء المنحلين" وأخذ يلقي منظوماته وينثرها، ثم بدأت شهرته حين نال جائزة من الأكاديمية وقدمه الناقد "برونتيير" إلى جريدة "العالَميْن" يتميز شعره بواقعية ملوّنةٍ خلابة وتعبير عن الألم والحزن بصدق. استفاد من صور الرمزية دون أن يفقد الوضوح. ويعد حقًا من بين أفضل الشعراء الفرنسيين. من مجموعاته "في بستان الوريث، على جوانب الإناء، العربة الذهبية".
    2-هنري دو رينيه Henri de Regnier "1864-1936":
    شغف "رينيه" أولًا بالشعر الحرّ الواضح، الذي رأى أنه يوافق موضوعات معينة، ثم مال إلى البرناسية والرمزية متأثرًا: بـ"سولي برودوم وفيرلين" وجماعة الشعر الحرّ، وعبر عن شجونه بالرموز، وكان يحب جمال الطبيعة وجمال الأشياء ويجد فيها سحرًا أخاذًا، ومن ذلك إعجابه بجمال الخريف، كما أولع بالأساطير القديمة. نال "رينيه" إعجاب كبار الشعراء مثل: "سولي برودوم ولو كنت دوليل وهوغو ودفينيي" و"هيريديا" الذي أسكنه عنده وزوجه ابنته من أشهر. مجموعاته الشعرية "الوسام الخزفيّ، ومدينة المياه والحذاء المجنح ومرآة الساعات.." وله مؤلفات قصصية كثيرة.
    3-فرنسيس جامّ Francis Jammes"1868-1938":
    ينتمي إلى الرمزية من حيث الموسيقى الحرة، ويخالفها بوضوحه وبساطته ولغته العفوية القريبة إلى روح الطفولة. وكان لا يصف إلاّ الأشياء العاديّة البسيطة ويعرضها ببساطة وبشكل واقعي صادق. وإن القارئ ليبتسم أمام بعض أوصافه كما يبتسم أمام صورة خرقاء ولكنها قوية التأثير. وقد عرّف نفسه بقوله:
    "إلهي، لقد ناديتني من بين البشر، فلبيك! إنني أتألم وأحب، وقد تكلمتُ بالصوت الذي منحتني، وكتبت باللغة التي علمتها أمي وأبي اللّذين نقلاها إليّ. أمشي في الطريق كحمار محمّل، يضحك منه الأطفال فيخفض رأسه. سأمضي حيث تريد، وحين تريد، ها هي النواقيس تقرع..!".
    4-بول فاليري: paul Valery "1871-1945":
    من الشعراء الشبان الذين تتلمذوا على "مالارميه". وكان في شبابه شديد التأثر به والافتتان بموضوعاته والولع بالمناظر الجميلة والأشياء النفيسة، وقد جعل أشعار الشباب في مجموعته "الأشعار القديمة" وبعد فترة من الصمت درس خلالها الرياضيات وقويت ملكته اللغوية عاد إلى الشعر بنفسٍ جديد قوامه الإتقان اللغوي والبحث عن الكلمات الدقيقة المعنى والتزام الأطر الموسيقية التقليدية مع قليل من التسامح- والتأمل في العالم الداخليّ وكدّ الذهن والتصوير الرمزي والأداء المكثف المختصر الذي يكثر فيه التلميح والحذف.. ولذا اعترى أشعاره بعض الغموض وعسر الفهم والبرودة العاطفيّة، وأصبح شعره وقفًا على الخاصّة المثقفة، ولكنه نجا مما شاع في القرن العشرين من فساد الصورة وتشويشات اللاشعور في السريالية، وكانت رمزيته نهجًا خاصًّا تصالح فيه مع التقاليد الشعرية والواقع المحسوس.
    قال في قصيدته "المقبرة البحريّة 1920":
    كما تذوب الفاكهة معطية لذة
    كما تُمتصّ وتتحول إلى متعة
    في الفم الذي تنتهي فيه حياتها
    هكذا أنا هنا، أشم وأتذوق التراب
    والرماد الذي سأصير مستقبلًا..!
    وقال في قصيدته "ربة القدر الصغرى 1912":
    دَعْ جسدي يكسر قيود الفكر
    دعني استنشق الهواء الوليد
    نسيم منعشٌ يهبّ من البحر فينعش روحي
    دعني أقذف بنفسي في وسط الأمواج
    ثم أخرج منها كائنًا حيًا مرة أخرى
    ومن أشهر قصائده الأخرى: "نرسيس، والأفعى، والغزّالة النائمة".
    امتداد الرمزيّة:
    لا شكّ أن الشعر كان الجنس الأدبيّ الأَوْلى بالرمزيّة، لأنها مدرسةٌ فنيّة. ولكنّ هذا لم يمنع انتقال آثارها إلى أجناس أدبية أخرى:
    فقد جرت محاولاتٌ مبكرة لنقلها إلى المسْرح. ومنها محاولة الشاعر مالارميه في مسرحيته "أمسيّة أحد الفونات".
    وفي الرواية انصرف بعض الكتاب الدراميين عن الواقعية لإيجاد نوع من اللغة الرمزية غير الواقعية. ومنهم: "فيلارز دي ليزيل آدم، وموريس ماتيرلنك، وبول كلوديل". ومنهم أيضًا "مارسيل بروست" في رواية "البحث عن الزمن المفقود "1913-1922" على الرغم من أنه كان ينكر وجود جمالية رمزيّة. وقد اتضحت آثارها لديه في رواية "الزمن المستعاد 1926".
    ولكن الرمزية في المسرح والرواية لم تنل من النقاد ومؤرخي الأدب حظًّا وافرًا كما في الشعر.
    وفي خارج فرنسا، انتقلت آثار الرمزية إلى بلدان أوربا وأمريكا بسرعة، وفي إطار من الإعجاب، ففي انجلترا التي لم تُفهم فيها الرمزية الفرنسية جيدًا، ظهر من ممثليها "سيمنز" الذي زار فرنسا وألمانيا والتقى أعلام الرمزية، كما تأثر "و.ب ييتس باعمال فيلارز" وتأثر "أكسيلي" بأعمال "بودلير ورامبو".
    وفي ألمانيا ظهر في النصف الأول من القرن العشرين "ريلك، واستيفان جورج" متأثرين بكتابات "فاليري" وطريقة الشعر الحرّ.
    وفي أمريكا نحا "إزرا باوند" "حوالي 1908" منحًى رمزيًّا يختلف عن المنحى الفرنسيّ. ولكن زعيم الرمزيين كان "ت.س إيليوت" "في الربع الأول من القرن العشرين"، وكان شعره ذا طابع تشاؤمي كئيب "الأرض اليباب" متبعًا في ذلك خطا "بودلير" ولكن بطريقة جديدة مبالغة في الرمز. وهو الذي نقل أسلوب الشعر المنثور إلى الإنجليزية. وظهر بعده "ستيفنز، وكرين، وفوكتر، وأونيل وملفيل" ولكن بطرق مختلفة، حتى لقد قيل: "إن الأدب الأمريكي كله رمزي!".
    وفي روسيا ظهرت الرمزية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد أمثال بريسوف وفولونسكي وبيلي...
    وامتدت أثار الرمزية أيضًا إلى إيطاليا واسبانيا وغيرها من الأقطار الأوربية.
    أما في الأدب العربي فقد ظهرت في أعقاب الحرب العالمية في شعر: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، وخليل حاوي، وشعراء الأرض المحتلة، وغيرهم...
    ولا تزال أصداء الرمزيّة تتردّد في أزمنة متعاقبة وبلدانٍ كثيرة، وفي أشكالٍ مختلفة، وكل هذه الأصداء إنما تعود مباشرة أو بشكل غير مباشر إلى المحور الرمزي الفرنسيّ في القرن التاسع عشر.
    ع1:
    الرمزية وأثرها في الأدب العربي
    ج2:
    الموسوعة العربية العالمية، لمجموعة علماء.
    الرمزيةSymbolism:
    الرمزية حركة أدبية بدأت بمجموعة من الشعراء الفرنسيين في الفترة من 1885- 1895م، حيث قاد هذه الحركة الأديب الفرنسي "ستيفان ملارميه" لكن شعر "بول فرلين" كان أكثر اجتذابًا للشعراء في فرنسا.
    وتتضمن قائمة المنظرين للرمزية كلًّا من: "رينيه جيل، وجوستاف كان، وجين موريس، وتشارلز موريس". وتبعهم في تبني أسلوب الرمزية بعد ذلك العديد من الشعراء الأوربيين في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، واهتمت الرمزية بالجانب الروحي، والأحاسيس المعنوية الأخرى.
    تولدت الفكرة الأساسية للرمزية من الفيلسوف: "إيمانويل سويد ينبورغ" الذي اعتبر أحد الزعماء الدينيين السويديين لأنه قال: "إن الحقائق المنظورة رموز للعالم الخفي الروحي. وصوّر الشاعر الفرنسي "شارل بودلير" البشرية -من خلال متتالياته الشعرية المسماة المراسلات- بأنها تسير في غابة من الرموز التي تتحدث إليها بكلمات لا تستطيع أن تفهمها بصورة كاملة.
    ويعبر الشعر الرمزي دائمًا عن تخيل الشاعر الذي يمكن تفسيره بطرق شتى. وشعراء الرمزية يُعنون بالإيقاع الموسيقي للألفاظ، وهم يعبرون عن أنفسهم بصورة مجازية، ويعملون على إيجاد تحويرات فنية في الهيكل الأصلي للشعر. ورمى بعض من النقاد هذه الحركة بالانحلال والانحطاط نظرًا لتسلط فكرة الموت والتشاؤم بصورة عامة عليها. انظر أيضًا: المسرحية؛ الروسي، الأدب الفرنسي، الأدب "فيرلين، بول ملارميه، ستيفان"....
    الرمزية:
    كانت الرمزية الفرنسية حركة أدبية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. واستعمل هذا المصطلح أيضًا للدلالة على عدد من الكتاب الفرنسيين الذين لا ينتمون إلى هذه الحركة بعينها. انظر: الرمزية.
    وكان أهم شخصيات الحركة الرمزية هم الشعراء: "شارل بودلير، وستيفان ملارميه، وبول فيرلين، وآرثر رامبو". وكان هؤلاء يريدون أن يحرروا تقنيات الشعر من الأساليب التقليدية لإيجاد تراكيب من الشعر تتمتع بحرية أكبر.
    وكان هؤلاء الرمزيون يرون أن الشعر يجب أن يأتي بمعانٍ جديدة من خلال الانطباعات والإيحاءات والمشاعر بدلًا من وصف حقائق موضوعية. ويلاحظ أن كثيرًا من شعر هؤلاء الرمزيين شخصي يكتنفه الغموض.
    كان "شارل بودلير" هو السابق للرمزية. وكان ديوانه أزهار الشر (1875م) مجموعة من نحو 100 قصيدة. ويعكس هذا الإنتاج الأدبي رؤيا "بودلير" الكئيبة عن الإنسانية وشرورها. ولكنه قال مع ذلك بأن للإنسانية قدرتها على إبداع الجمال الشعري.
    أما "ستيفان ملارميه" فقد كان أول شاعر رمزي مشهور. وكان يأمل في أن تتمكن اللغة الشعرية من بلوغ الحقيقة المطلقة. وهناك صعوبة في فهم أعماله الأدبية بسبب تراكيبها غير العادية وكلماتها العلمية المحضة واستعاراته الفضفاضة ومادة موضوعاته المعنوية. وتعتبر قصيدة "بعد ظهر فون" (1876م) أحد آلهة الحقول والقطعان في الأساطير الرومانية القديمة؛ أكثر قصائده الشعرية شهرة.
    ألف "بول فيرلين" شعرًا غنائيًّا لطيفًا أنيقًا موسيقيًّا. وقد حاول في ديوانه أغان بلا كلمات (1874م) أن يصوِّر إحساسًا بالموسيقى في شعره.
    وكان "آرثر رامبو" صبيًّا عبقريًّا، نظم شعرًا غاية في الأصالة وهو في السادسة عشر من عمره. وعندما بلغ التاسعة عشر ألف "رامبو" "موسم في الجحيم" (1873م)، وكان هذا العمل مجموعة من النثر والشعر تتناول سيرته الذاتية، وكانت تصف تجاربه النفسية المعذبة.
    لم يكن هناك من الروائيين أو كتاب المسرحيات من يضارع الشعراء. مع ذلك، فإن المسرحيات الرمزية الحالمة التي ألفها "موريس ميترلينك" قد جذبت بعض الانتباه. وكان "ميترلينك" مؤلفًا بلجيكيًّا، ولكنه كان يكتب باللغة الفرنسية.
    القرن العشرون والأساتذة الأربعة. في خلال السنوات الأولى من القرن العشرين سيطر أربعة من المؤلفين على الأدب الفرنسي. وكان هؤلاء هم: "بول كلوديل، وأندريه جيد، وبول فاليري، ومارسيل بروست". وقد وُلِد كل هؤلاء حوالي عام 1870م، كما أنهم جميعًا مروا بمرحلة الرمزية في حياتهم الأدبية الأولى. وعندما حل عام 1920م كان كل منهم قد اعترف به أستاذ للأدب الفرنسي.
    كتب "كلوديل" في: المسرحية والشعر والنقد والتعليقات الدينية، تلك التعليقات التي عكست معتقداته الكاثوليكية القوية. وقد امتلأ شعر "كلوديل" بالاستعارات الجسورة والعواطف العنيفة والمحسّنات اللغوية. إلا أن أحسن أعماله الأدبية هي مسرحياته الدينية وخاصة تحطيم القمر التي كتبها عام (1906م)؛ والأنباء التي حُملت إلى ماري(1912م).
    أما "جِيدْ" فقد كان الروائي الذي كثر حوله الجدل بسبب أفكاره المتطرفة عن الدين والأخلاق. وكانت قصص "جيد" قد وجدت ثناءً واستحسانًا لأسلوبها وعمقها في علم النفس، وهي تسبر أغوار النفوس عند إبراز شخصياتها. وفي عام 1909م ساعد في تأسيس مجلة المراجعة الفرنسية الجديدة، وهي من أشهر المجلات الأدبية الفرنسية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين الميلادي.
    وربما كان "بروست" هو أشهر الروائيين الفرنسيين منذ ظهور "بلزاك" وكانت روايته التي تتعلق بسيرة حياته الذاتية قد ظهرت بعنوان "ذكريات أشياء غابرة" وقد نشرت في سبعة أجزاء بدءًا من عام 1913 وحتى عام 1927م. والرواية في حد ذاتها عمل شعري ذاتي للغاية، إضافة إلى أنه دراسة لمَّاحة للأخلاق الاجتماعية وسيكولوجية الشخصية.
    ونظم "فاليري" شعرًا يظهر تأثير التقاليد العقلانية في الأدب الفرنسي. وكان يؤكّد وجوب كبح العاطفة والصيغ الكلاسيكية في شعره. ومن بين أعماله المهمة قصيدته الطويلة "القَدَر الصغير" (1917م) والقصائد العاطفية التي جمعت في الرُّقى (1922م). وكان "فاليري" مع ذلك من أبرز نقاد الأدب.
    ع2:
    السريالية وأثرها في الأدب العربي
    ج1:
    المذاهب الأدبية لدى الغرب، لعبد الرزاق الأصفر.
    السُّرياليّةLe Surrealisme :
    1- السُّرياليّة والعالم الباطن:
    تعني كلمة السّريالية في اللغة الفرنسية مذهبَ ما وراء الواقع. والواقعُ ما هو موجود؛ سواءٌ في عالم المادّة أم الحسِّ أو الوعي؛ أي ما يدركه الإنسان مباشرة في العالم الخارجي أو ما يشعُر به ويعيه في عالمه النفسي. والسّرياليّة لا تهمل هذا الواقع، ولا تنكره، ولكنها لا تثق به ولا تعوّل عليه. فهو في رأي بروتون زعيم السريالية "معادٍ لكلّ ارتقاء فكريّ وخُلُقي" ولذلك فهم يبحثون عن واقع خفيّ يقبع في أعماق النفس دون أن يشعر الإنسان بوجوده، وقد تكوّن درسا في الأعماق منذ زمن الطفولة، أو ربما في الأجيال السابقة. إنه واقعٌ موجود، ولكنْ في عالم اللاشعور أو اللاوعي، وهو يؤثر في شخصيتنا وسلوكنا وتصرفنا ودوافعنا دون أنْ نعي آلية هذا التأثير، ويظهر بين الحين والآخر حين تنعدم رقابة الشعور في أشكال مختلفة كالأحلام النوميّة وأحلام اليقظة وهذيانات السَّكْر أو التخدير أو الحمّى وزلاّت اللسان والأخطاء غير المقصودة، والميل أو عدم الميل نحو شخص من الأشخاص أو شيءٍ من الأشياء، وفي التنويم المغناطيسي والأمراض النفسية والمخاوف التي لا نجد لها مبرّرًا معقولًا والنزوات والجرائم الغامضة التفسير....
    هذا هو عالم ما وراء الواقع. إنّه جزءٌ من الذات. وهو موجود ولكنه غير مرئيّ ولا ملاحظ، كالوجه الآخر للقمر.. ويرى العالم السويسري تيودور فلورنوا "أن الذات الواعية لا تؤلف إلاّ جزءًا يسيرًا من الكيان الفرديّ؛ بل هي تغوص في لجج الذات اللاواعية التي تلوح في بعض الأحيان بشكل وَمَضاتٍ وتجليات روحية" ".
    وقد كان العالمُ الباطنيّ معروفًا منذ العصور السابقة، ولكنّ الذي انكب على دراسته تجريبيًا، وأوضحَ معالمه، ووضع نظرياته هو الطبيب النمساوي "فرويد" Freud" 1873-1930" الذي توصّل من خلال تجاربه وملاحظاته ومعالجاته النفسية إلى وضع منهجٍ في "التحليل النفسيّ" يرمي إلى تفسير كثير من الأمراض النفسية والانحرافات السلوكيّة، ويبحث عن العقد النفسيّة القديمة المترسّبة في أعماق اللاشعور، التي تعمل في ظلام اللاّوعي بمنزلة المنبع والدافع لكثير من الرّغبات والميول وضروب السلوك...
    وكان "فرويد" يستعين أيضًا بتحليل الأساطير والنصوص الأدبيّة لتدعيم نظرياته، وبهذا لفت النظرَ إلى الصّلة الوثيقة بين الإنتاج الأدبي والعالم الباطنيّ، وجعل من كشوفات التحليل النفسيّ اتجاهًا أدبيًا ونقديًا وفكريًا جديدًا كان له تأثير كبير في توجيه الإبداعات في القرن العشرين.
    وكان من أبرز نظرياته أن العُقد الجنسيّة المكبوتة والمتراكمة في أعماق اللاشعور هي المحركُ الأساسيُّ للتصرف البشريّ. ولاسيّما ما دعاه -عقدة أوديب.
    والمدرسة السّريالية هي التجسيد الفنّي والأدبيّ لمنهج فرويد في التحليل النفسي القائم على العالم الباطنيّ اللاشعوري. وهذا ما يعتبره السّرياليون الواقع النفسيّ الحقيقيّ. وقد تجلّت في الأدب والمسرح والفنون التشكيليّة والسّينما. وكانت هذه المدرسة تحاول دومًا الغوصَ في الأعماق النفسيّة والاغتراف منها ومشابكتها مع معطيات الواقع الواعي. مجافيةً معطيات المنطق والعلم الموضوعي ورقابة الفكر، وغير مكترثة بالواقع الاجتماعي وما يفرضه من المواصفات الأخلاقية والنظم وما يسوده من العقائد والفلسفات.. إنّ كلّ هذه الأمور عندهم قشور يجب أن تنسف ليتفتح الإنسان الحقيقي ويبني عالمه ومستقبله الجديد منطلقًا من أرضٍ نظيفة يلتقي على صعيدها كل البشر في عالم الحب والحرية والسعادة!.
    2- نشأة الحركة السّريالية وتطوُّرها:
    نشأت الحركة السريالية في حجر الدادائية وتفرّعتْ عنها وخَلَفتْها؛ ففي أثناء الحرب العالمية الأولى، وفي أعقابها، صحا الأدباء والمفكرون على واقع مرير خلّفتْهُ الحرب، واقع الموت والدّمار والتمزّق، واقعٍ أكّد إفلاسَ المدنيّة الغربية وانسحاق الإنسان وفشل كل مؤسساته ونظمه في جلب السّعادة والخير له؛ فكان لابدّ من إعادة النظر في القيم السائدة والبنى المسيطرة التي تكبح إرادة الإنسان، وتكبت أحلامه وتقوّض آماله. وكان أن وُلدت الحركة الدادائية، إلا أنها كانت حركة هدمٍ فقط، ولذلك انفصل عنها أدباء شعروا بفراغها وعبثيتها ويأسها وعدم جدواها، وفي الوقت نفسه آمنوا بمسؤولية الإنسان وقدرته على التغيير؛ فوُلدت الحركة السرياليّة من هذا المنطلق، وكان شعارها تحريرَ الإنسان من ضغوط الحياة الاجتماعية المغرقة في النفعيّة...
    وهكذا كان عليها إيجاد مفاهيم بديلة لعالم جديد يعقب ذلك العالم المتفسّخ؛ أيْ تهيئةُ الإنسان لإنسانيّةٍ متجدّدة ومتحرّرة وفعّالة انطلاقًا من حقيقته الإنسانية العميقة النظيفة التي طالما شوّهتها القوى المسيطرة والنظم والأفكار السائدة.. فالسريالية من هذه الوجهة حركةْ مخلِّصيّة. وليست الوحيدة في طرح هذه الأفكار، بل لم تكن هذه الأفكار وليدتها فحسب؛ فكثيرًا ماسبقَ الإعلانُ عنها بأشكالٍ مختلفة تتراوح بين السّخط والثورة، منها الرومانسية في نظرتها إلى دَوْر الأدباء والفنّانين في تغيير طريقة الحياة، ولاننسى أن رامبو في تحرّره وانطلاقاته العفويّة المجدِّدة كان أحد الجسور المؤديّة إلى السرياليّة. وقبَيْل الحرب الأولى ظهرت أعراض تعبّر عن بؤس الحضارة تجلّت في الفلسفة والحركات المستقبلية والتكعيبيّة، أدانت القواعد الكلاسيكية وتمرّدتْ عليها.
    وفي أثناء الحرب صدرت مجلة SiC بمبادرة من الشاعر "غيّوم أبولينير" "-1918" فوحّدت على صفحاتها كلّ الساخطين على الأشكال الفنية والواقع بشكل عام.
    وفي بيته تعارف أرغوان وفيليب سوبو وبروتون وأصدروا مجلة "أدب" في الوقت الذي مازال فيه بروتون على اتصالٍ بتزارا في زيوريخ متعاونًا معه في إصدار مجلة "دادا" التي كانت تتضمّن أحيانًا نصوصًا سرياليّة مبكرة. ثم انفصل بروتون عن الدادائية وأصبح رائد الزمّرة السريالية التي أنشأها حوله في عام 1924 وأصدر بيانها الأولَ مازجًا بين الدادائية والفرويديّة، وداعيًا، بعد عملية الهدم، إلى عملية بناءٍ متفاعل مع المذاهب الفكرية الثورية والسياسية الجديدة، بغية معالجة هذا الإنسان المريض الذي خلّفته الحرب بعد أن فشلتْ في تخليصه وإسعاده كل الأديان والنظم والثقافات.
    وهكذا تفوقت موجة السرياليّة على الدادائية، وانضمَّ إليها: "إيلوار، وأراغون وسوبو، وروبير، ديسْنوس، وبنجامان بيريه" الذين ارتضوا النهج السّريالي والتزموه، إضافة إلى فنانين تشكيليين كان أبرزهم جان كوكتو وسلفادور دالي، وأصبح أندريه بروتون منظّرها الأول وراعيها النشيط الدائب الحركة والناطق باسمها. ثم توسعت الجماعة وألّفت مكتبًا للبحوث السّريالية ومجلةً اسمها "الثورة السريالية" بقيت حتى عام 1929 وصار لها فروع وأنصار في أوربا وأمريكا، وصدرت عنها منشورات وإعلانات ناقدة وساخرة، وأخذت تقيم معارض وندوات ومحاضرات لعرض أفكارها ونتاجها والدعوة إلى مؤازرتها. وقد ظهر أحد منشوراتها بعنوان "جُثّة" وفيه احتفلت المجموعة -بطريقتها الخاصّة- بوفاة "أناتول فرانس".
    ومما جاء فيه: "بوفاة فرانس زال جانبٌ من الصَّغار الإنساني، فليكن لنا هذا اليوم عيدًا ندفن فيه الاحتيال والتقليد والمواطنة والانتهازية والريبيّة ونضوب الروح...". وكانوا يستنكرون التعصّب العرقي وكراهية الألمان المنهزمين في الحرب، ويدعون إلى مساواة الشعوب والأفراد. وفي إحدى الأمسيات الأدبية أعلنت إحدى الأديبات أَنّ على المرأة الفرنسيّة أن لا تتزوّج ألمانيًّا.
    فما كان منهم إلا أن أثاروا ضجيجًا واستنكارًا وعيّشوا ألمانيا وسقّطوا فرنسا... وانتهى بهم الأمر في تلك الليلة إلى الزج في النظارة...
    وكان الناس ينظرون إليهم كشبُّان بورجوازيين مشاغبين يعيشون في بطالة وفراغ ويبحثون عن التسلية واللّهو... ولكنهم وسّعوا دائرة عملهم وبحوثهم وخرجوا من الأحلام في الغُرف المغلقة إلى الحياة اليومية في الشارع والمقهى والمعابر ودور السينما ذات الأفلام الرديئة والمسارح التي تعرض المسرحيات الحمقاء، باحثين عما يختفي وراء تلك المظاهر، محطمين الحواجز المرئيّة للوصول إلى غير المرئيّ. واقتصر نشاطُهم في السنواتِ الخمس الأولى على هذه المظاهر لأن الوصول إلى الحياة، كما هي، أساسْ لكل عمل فنّي، وبعد ذلك تغدو الحياة هي الفن والفن هو الحياة، ويصبح الفن وسيلة للوصول إلى حياة أفضل...!
    ويعدُّ عام 1928 عام الإنجازات فقد نشر "بروتون": "ناديا" و"السريالية والفن التشكيليّ" وصدرتْ مجلة "اللعبة الكبرى" التي ورد في إحدى مقالاتها: "سنبذل جهودنا دائمًا وبكل قوانا في سبيل جميع الثورات الجديدة...". ولكن هذا العام شهد من ناحية ثانية تفكك الجماعة بسبب السياسة؛ فقد كانت الشيوعية المذهب السياسي الوحيد الذي ينسجم مع طموحاتهم، فعملوا في صفوفها منتظمين أو مؤيّدين، وراحوا يطالبون بإعلانٍ جديد لحقوق الإنسان... "افتحوا السجون، سرّحوا الجيش" وبانتقال السلطة إلى أيدي "البروليتاريا".
    ثم بدأ الشقاق فقد أعلن "أراغون" انحيازه إلى الشيوعية في عام 1930 ورفْضَه للفروديدية التي....وَصَفها..... وصفها بأنها معادية للثورة. وكتبَ مقالةً بعنوان "الجبهة الحمراء" اتُهِمَ على أثرها بالتحريض على الاغتيال السياسيّ، ثم فُصل من الجماعة السريالية، وانسحب بروتون من الحزب الشيوعي مقتنعًا بأن السريالية لا يمكن أن تنسجم مع الشيوعية... وتكونت مجموعات جديدة أخذت تهاجمه لكنه استطاع نقل السريالية إلى عددٍ من أقطار أوربا والمكسيك والولايات المتحدة. واستأنفت نشاطها بعد الحرب الثانية وأبْدَت مواقفها اليسارية في قضايا الساعة مثل حرب "فيتنام" وثورة الجزائر والتمرّد في هنغاريا وحركات الشباب في أمريكا وأوربا.
    وفي عام 1966 توفي بروتون. وبفقده توقَّفت الحركة السريالية رسميًّا، ولكن أفكارها واتجاهاتها استمّرت هنا وهناك، دون حاجة إلى مرجعٍ مركزيْ.د
    3- تقنيات السّريالية وطقوسها:
    إذا كانت السريالية إملاءً من الفكر اللاوعي في غياب كل مراقبة من العقل والمنطق فكيف يمكن الوصول إلى هذا الفكر؟ للسُّرياليين في ذلك تقنياتٌ وأنشطةٌ أبرزها:
    1- الكتابة الآليّة: وهي عند بروتون عفوية الفكر الطليق، وهذا ليس مقتصرًا على العباقرة، بل يشترك فيه كلّ الناس، والمراد بالآلية هنا تسييرُ الفرد من قبل قوة داخلية تقهر كل المقاومات الواعية اليومية، والكتابة الآلية هذياناتٌ كما في حالات الأحلام والجنون يجري فيها تدفّقُ تيار اللاّوعي، وتتخلّلها صَحَوات. والذي يدخل هذه التجربة يطلق نفسه على سجيّتها ويُملي كل ما يخطر بباله من التداعيات أو يدوّنه في حالة الصحو دون تنقيح أو تجميل أو زيادة أو نقص. وقد يستعينون للدخول في هذه التجربة بالمخدرات. وهم يرون أن حصيلة هذه الكتابة الكشفُ عن قرارة اللاشعور الذي يزخر بتياراتٍ فكرية هي أغنى وأعمق مما تنتجه الذات الخارجية الواعية.
    ...... وإذا كان كلّ فنانٍ إنسانًا تراوده الأحلام والرؤى والتداعيات، ويطلق العنان للخيال والشعور واللاشعور ويعبّر عن كل ذلك بالعبارات والرموز، فالفرْق في السريالية أن هذه الحالة ليست واعية ولا منطقية ولا مقصودة ولا مترابطة ولا يُراعى فيها الشكل الفنّي أو القيمة الأخلاقية.
    2- لعبة الجيفة الشهيّة: يجلس السرياليون ويتناولون ورقةً يتناوبونها فيما بينهم، فيما يدون كلٌ منهم فيها كلمة أو عبارة، كلٌ بدوره. مما يخطر بباله فورًا دون تفكير ورويّة ودون أن يكون هنالك رابط بين هذه العبارات والكلمات. وبالنتيجة يحصلون على نصٍّ عجيب كتبته الجماعة، يعكفون على تحليله ليستنبطوا من خلاله اللاّشعور الجمعي...! وسبب هذه التسمية أن التجربة الأولى أسفرت عن هذا النصّ: "الجيفة- الشهيّة -ستشرب- الخمر- الجديد". وفي مرة أخرى حصلوا على النصّ الآتي:
    ... "النجار المجنح يغوي الطير المسجون -بحّار السنغال سيأكل الخبز المثلث الألوان...".
    ... وقد يعمدون إلى الرسم بَدَل الكلمات فيرسم الأول خطًا ثم يضيف كلٌ بدوره خطًا بالتناوب مكملًا الرسم؛ فيخرج رسمٌ سريالي من إنتاج عدة أشخاص أو ربما يعمدون إلى كتابة قصيدة مشتركة بهذه الطريقة الآلية لاوزن لها ولا قوافي ولا موضوع.
    3- وسيلة التنويم المغاطيسي: وقد لجئوا إليها فيما بين 1922-1924، وكان "روبير ديسنوس" "1900-1945" خبيرًا بالتنويم المغناطيسي، ينوَّم شخصًا ويخاطبه فيتكلم دون وعي أو ذاكرة فيسجّل ما يقوله، ثم يجري تحليله.
    4-إطفاء النور والكلامُ دون وعي، في جوٍّ من الفوضى والاختلاط وكأنهم سُكارى أو مجانين يهذون ولا يعرفون حدودًا لاستبصارهم الخيالي.
    5-قراءة المواقع الخفيّة في اللاشعور من خلال استنطاق الأحلام النومية التي ينفلت فيها اللاشعور في واقعه الحقيقي قبل أن تضبطه وتفسره الثقافة والعادات والأخلاق.
    6- تدوين أحلام اليقظة: وفيها يستسلم الإنسان في حال من الهدوء إلى شريط من الذكريات والتداعيات والتصورات التي تتوالى حرّةً تلقائية من دون ضبط أو رقابة أو إيقاف، ثم يدون فورًا كلّ ما عبر في هذا التيار ليعود من ثم إلى تحليله وتأمّله.
    7- التقاط كلام المجانين وهذياناتهم ورَصْدُ تصرفاتهم كوسيلة لمعرفة أعماق ذواتهم. فالجنون حلمٌ ممتدّ يتمسّك به المريض للهروب من واقع غير مرغوب فيه؛ ويصبح هذا الحلم عنده حقيقة، وهو يسمح بتدفق حرّ لتيار الرغبات المكبوتة.
    8-اختراع أو تخيّل أشياء غريبة ذات مفارقات وتناقضات: "سيارة ضخمة مصنوعة من الجبس وملفوفة بألبسة داخلية نسائية -كتاب على ظهره عفريت خشبيّ ذو لحية آشورية تتدلى إلى قدميه.." فحين ينعدم الفكر المنطقي والرقابة الواعية يتاح المجال للصدفة والوهم والمدهش والغريب وعالم الأشباح والتجليات وانفلات الخيال.
    9- تحليل الآثار الأدبيّة الشعرية والروائية التي يخلقُ فيها الخيال أشياء وأجواءً جديدة وغريبة، وتبرز من خلالها الانفعالات العميقة للكائن الإنساني، ويصير المستغرب وغير العادي داخلًا في الحياة اليوميّة. "رؤية الأشباح أو سماع هاتف خفيّ...". ولذلك أكثر السرياليون من تتبع أعمال شكسبير واستلهامها والروايات الانجليزية السوداء المملوءة بالغموض والأوهام والغرائب والطلاسم، والتي تشبه كوابيس يغيب فيها الإنسان عن الواقع مثل روايات "شارل ماتوران، وم.ج لويس" والروايات الشعبية الفرنسية من نوع "أسرار باريس" لـ"أوجين سو".
    10- الدعابة الساخرة والتهكم الناقد اللاذع: وكان هذا دأبهم في كل اجتماع وحديث وكأنما وجدوا فيه وسيلة للاحتجاج على الواقع وتهديمه وإحلال كونٍ جديد مكانه، إن السخرية عندهم عملية محو وبناء في آن واحد، وهي وسيلة أمينة لقول الحقيقة وهز وجدان الإنسان العاديّّ الذي ترهقه الضغوط، والإنسان المتعب اليائس المحبط للتغلب على ضغوطات العالم الخارجي الرديء. ومن جهة أخرى يمكن القول: إن السّخرية وسيلةٌ يقاوم بها الإنسان آلامه الخارجية من داخل ذاته. إنها إطلاق شحنة حبيسة بشكل عدواني متوتّر. وليست أبدًا للإمتاع والضحك ولكنها سوداء مؤلمة، وقد كانت أجمل أغانيهم أكثرها يأسًا وسخرية وإيلامًا.
    11- التجوال في الشوارع وارتياد الأماكن الشعبية والمريبة للبحث عن الغرابة والمصادفة والمتوقع وغير المتوقّع والتقاط المدهشات....
    4- ماهيّة السُّريالية:
    السريالية تفكير وعمل، نظرية وتطبيق. إنها مغامرة للبحث عن طريق يجمع بين المعرفة والخلاص ونظامٌ متكامل للحياة لا تنفصل فيه الروح عن المادة ولا الفرد عن المجتمع والعالم، إنها كالأديان والماركسية من حيث الرؤية الشاملة؛ لكنها تختلف عنهما في المنطلق والهدف والوسائل وطريقة العمل. إن كل نشاطها يتجه إلى الوصول إلى نقطة مركزية عليا تختصر العالم وتهيمن عليه، ومنها ينطلق الفكر ويشع في جميع جهات الحياة المرئية والخفية لتجديد الفرد والحياة الاجتماعية والانتصار على الواقع والتحكّم في المستقبل. والأمرُ الخاص بها والمميّز لها محاولتُها الربطَ بين عالم اليقظة والحُلُم، والواقع الخارجيّ والداخلي، والعقل والهلوسة والجنون، وهدوء المعرفة وحمّى الحبّ وتمّرد الثورة.
    هذا هو على الأقل ادّعاء السريالية فهل وفّقت في تحقيقه؟ لقد تمردت السريالية على الأديان، لكنها لم تستطع الإتيان بدين جديد بديل. وتركت الإنسان قلقًا مرتعدًا في مهبّ العواصف. وأرادت إصلاحًا جذريًّا شاملًا لعالم البشر، لكنها لم توجد نظامها الكلّي وأدواتها المناسبة واضطرت إلى الانسياق مع الماركسيّة على ما بينهما من الخلاف لأنها وجدت فيها نظامًا فكريًا وعمليًا جاهزًا هو أقرب الأنظمة إلى طبيعتها الثورية. ولكن اختلاف المنطلق بينهما أدى إلى تفسخ الحركة بعد أن اتضح عدم إمكانية تعايشهما في نهج واحد. "إذا كنت ماركسيًّا فلا داعي لأن تكون سرياليًّا" لأن الشيوعيين رموها بالمثاليّة والغيبيّة والروحانية والغموض والحيرة وضبابية الهدف والتخبط في الوسائل. فبقيت في حيز الأدب والفن وعلى نطاق الأفراد والمجموعات الصغيرة وتعرضت لكثير من الهزات والانقسامات ولم تصمد كنظام متكامل واضح المعالم والشخصيّة لخلق الحياة الجديدة.
    وفي موقف السريالية من الروح العلميّة، نجد أنها رفضت سلطة السماء وفكرة الخطيئة الأولى وبقي السرياليون يحاولون التعامل مع السلطات الخفيّة السوداء كالشياطين والأرواح والأساطير والخوارق والأحلام والشّطح الخياليّ مما كانت تنجذب إليه نفوسهم الحسّاسة، وعكفوا على أساليب غير علميّة كالبحث عن ماء الشباب وحجر الفلاسفة وممارسة السيمياء "الكيمياء القديمة التي كانت تحاول تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب" والنظر في السحر والتنويم المغناطيسي... الخ
    وعلى الرغم من أن ذلك كله لا يتفق مع العلم فقد أرادت السريالية أن تمتطي مراكب العلم والتحليل النفسيّ والمادية التاريخية وعلم الاجتماع للوصول إلى النقطة المركزية العليا الكفيلة بتحرير الإنسان وتحقيق سيطرته على مصيره ومستقبل العالم.. ولكنها لم توفق إلى الجمع بين هذا الشّتات كلّه وبقيت نزواتٍ قلقةً ومتنافرة هي إلى طبيعة الفنّ أقربُ منها إلى بناء النظام الكوني والبشري الشامل.
    5- السّريالية والأدب:
    لم يكن للدادائية أيّة أهميّة أدبيّة، بخلاف السريالية التي تعتبر الحركة الشعرية الوحيدة ذات الأهمية فيما بين الحربين. فما عطاء السرياليّة في مجال الأدب؟
    يقول بروتون: "السريالية آليّةٌ نفسيَّةٌ ذاتية خالصة تستهدفُ التعبير قولًا أو كتابة أو بأية طريقة أخرى عن السير الحقيقي للفكر وهي إملاءٌ من الذهن في غياب كل رقابةٍ من العقل، وخارج أيّ اهتمامٍ جماليٍ أو أخلاقي". وهذا القول يدلنا على أن السريالية رفضت كل المعايير الأدبية السابقة مثل معطيات الفكر ومعالجة الواقع المباشر والاستمداد منه والقيم الأدبية والجمالية... لأن ذلك في رأي بروتون "لا يسفر إلاّ عن كتبٍ مَشينة ومسرحياتٍ مَهينة ودأبه تملّق العامة في ذوقها المنحط" ولذلك صرفت السريالية اهتمامها صوب العالم الباطني وإملاءاته وهذياناته غير عابئة بما سوى ذلك. فالإبداع السريالي هو تفجير الينابيع العميقة الخبيئة وتركها تتدفق وتجري على هواها. وهذا الاختراق المدهش هو مصدر الجمال، ولا جمالَ فيما سواه. ولا مكان للقيم الأدبية والتقاليد السابقة المتعارف عليها في مختلف الأجناس الأدبية، ولا قيمة لها ولا حُرْمة ولا رعاية...! "ولا سيطرة للماضي على الحاضر؛ وكل المراكب يجب أن تحرق منعًا للعودة، ولا ينبغي لأحدهم أن يلتمس أسلافًا، كما يجب الحذر من تقديس البشر مهما كانوا عظماء في ظاهرهم". والبديل عند السرياليين الثقة بالإنسان الراهن وما ينطوي عليه من القُدرات، وإيمانهم بأنه الوحيد القادر على تغيير العالم إذا استطاع النفوذ إلى هذه القدرات وإطلاقها بحريّة تامّة.
    فما الذي أسفرت عنه السريالية في عالم الأدب؟
    أصدرت الحركة السريالية بياناتٍ ونشراتٍ وإعلانات لتوضيح المذهب وكسب الأصدقاء والأعضاء وظهرت لهم أعمال جديدة امتزج فيها الروعة الشعرية بالثورة ولاسيما لدى بروتون الذي ألحّ على أولوية الحلم وامتزاجه باليقظة. وفي الشعر أصدر بنيامين بيريه "النوم في الحجارة" و"بول إيلوار" "عاصمة الألم" وظهرت مؤلفات لديسنوس منها "أجساد وخيرات" و"الحرية أو الموت" ثم أصدر بروتون "ناديا" في عام 1928 والبيان الثاني عام 1930.
    وبرز من كتابها الروائيين الكاتب الأيرلندي "جيمس جويس" "1882-1948" الذي ظهرت لديه السريالية بأوضح أشكالها في روايته المطولة "يوليسيس" التي تصور العالم الداخلي غير المنظم وغير المحدود لبطل الرواية لـ"يوبولد بلوم" وهو يوليسيس خلال يوم كاملٍ في دبلن. إنها ارتحالاته النفسية اللاوعية إزاء الأمور اليومية التي تشبه ارتحالات يوليسيس بطل الإلياذة المغامر في البحار. وأصدر بيريه رواية "اللعبة الكبيرة" و"غروفيل" "الروح في مقابل العقل".
    وكان الشاعر آراغون أبرعهم وأقربهم إلى الفهم. وأجملُ أوصافه في "فلاح باريس". وله مطولة روائية باسم " مُسافرو عربة الإمبريال". يصف فيها انهيار المجتمع البورجوازيّ الآخذ في الاحتضار بعد أن بلغ غاية التفسّخ.
    ومنهم الكاتبة الفرنسية "ناتالي ساروت" في روايتيْها "تروبيزم" و"صورة رجل مجهول - 1940". وتتميز كتابتها بالغموض والتعقيد والانطلاق من الواقع النفسي. وتصور تفاهة الإنسان وانطواءه ومخاوفه وأوهامه وشعوره بالاضطهاد. وهي تعكس عذاباتها وارتباكها إزاء كل صغيرة أو كبيرة من شؤون الحياة اليومية. وتجمع بين الحقيقة والشك في الفرد والمجتمع والوجود- ويقول "سارتر" عنها: "إن لرواياتها صفة ثورية" من حيث انفصامها عن الواقع الكريه.
    أما أهم سمات الأدب السريالي فتتلخص في الآتي:

    1- التأليف بين عالمي الواقع والحلم والعبور من أحدهما إلى الآخر فالأحلام والذكريات إضاءات للمواقع الخفية في الإنسان؛ وهي تتشابك وأرجاءَ الواقع الراهن. وقد ألحَّ بروتون في بيانه الأول على أهميّة الأحلام وامتزاجها باليقظة، وبنى على هذه الصّلة كتابه "الأواني المستطرقة" الذي سجل فيه بعض أحلامه ثم عكف على تحليلها.
    2- الدخول في عالم الغرابة والإدهاش. فالمصادفة التي تعدّ عنصر ضعفٍ في الرواية العادية تغدو عندهم عنصرًا هامًا. وكذلك اللجوء إلى عالم الأشباح والتجسّدات وانفلات الخيال...
    3- الاغتراف من الهذيانات بمختلف أنواعها حتى الجنوني منها لأنها ترشد إلى أعماق الذات.
    4-الحب عندهم وسيلة لتصور العالم القادم، إنه الحب الكلّي المطلق المزيج من كل أنواع الحب. إنه وسيلة للمعرفة، أفضل أحوالها تجسُّدها في المرأة. وفي مجال الحب يغدو الممنوع مباحًا، ويصبح الحب سلاحًا ثوريًا يباح معه كل شيءٍ محبوب، وتغيب الخطيئة الأولى -خطيئة آدم- التي مازالت تثقل ضمائر الناس. والحب لا يعمل إلا مع الأمل، وبهما يتجدد العالم، ويصبح فردوسًا آخر غير الفردوس الإلهي ومن هذا المنطلق، أساء بعضهم فهم السرياليّة إلى حدٍّ بعيد ورأوا فيها انحلالًا خلقيًا حتى على صعيد الجنس والشذوذ. وفي الحقيقة بذل السرياليون جانيًا من جهودهم لدراسة قضايا الجنس وربطوه بالحرية ولكنهم لم يستبيحوا الشذوذ المِثليّ، إلا أنهم اعتبروه راسبًا قديمًا لا يد للإنسان فيه، فهو ليس فسادًا، والمسئول عنه هو الكبت والحرمان والمعايير الاجتماعية التي هي أساس الفساد والشرور .
    5- الخيال والصور: السريالية ديوان الأخيلة والصور الغريبة والمتناقضة العسيرة عن الفهم يقول "آراغون": "السريالية هي الاستعمال غير المنظم والهوجائي للصورة المذهلة التي تولّد الشعور بالغرابة والدهشة والشذوذ والذهول" .
    وسبب هذه الغرابة أنها خلقٌ ذهنيّ خالص لا يمكن أن يتولّد من مقاربة أو مشابهة بين طرفين، بل من مقاربة بين واقعين متباعدين بنسبة أو بأخرى، وكلما كانت الصلة بين هذين الواقعين بعيدة جاءت الصورة قوية. وقد شبهها بروتون بصور الأفيون التي تأتي من ذاتها تلقائيةً طاغية لا يستطيع الإنسان صرفها عنه لانعدام سيطرته على إرادته وأكثر ما تولدها الكتابة الآلية، وتجربة الجثة الشهية، ولغموضها لا ينتظر من القارئ فهمها من القراءة الأولى، بل لابد له من أن ينسى كل ما اكتسبه من ثقافته المصطنعة وينغمس مع السرياليين في حياتهم الداخلية . وإليك نماذج من هذه الصور: المسدس الأشيب- السمكة الذوّابة -اليأس عِقْد من الجواهر ليس له قفل -في الجدول أغنية تسيل -كنيسة براقة كجرس... الخ.
    6- اللغة:يقول "بيير روفيردي": "دع الكلمات تتكلّم وتقول ماتريد قوله متناسيًا ما كانت تحمله من المعاني في الآداب السابقة. دعها تعمل وتؤثر مستقّلةً، تتزواج فيما بينها أو تتنافر مؤلفة صورًا وكاشفةً عن واقعٍ لم يقُلْه أحدٌ بالضرورة .
    ... هذا هو موقف السرياليين من اللغة؛ مثال ذلك قول "لوتريامون" "-1870" الذي كانوا يعجبون به: "إنه جميل مثل اللقاء المفاجئ بين آلة خياطة ومظلّة على طاولة تشريحٍ" . ولما كانت السرياليّة تحطيمًا للقواعد وازدراءً للشكل ورفضًا للمنطق فقد أهملت الاهتمام باللغة والخضوع لقواعدها الصافية وراحت في عباراتها تتقطع وتتناقض بمنأى عن كل أساس منطقي أو عقلاني"5". فإذا بها مجموعة من التداعيات النابعة من اللاشعور قد تنمّقها أو تشوهها المقدرة الفنيّة الواعية.
    7- الشّعر: الشعر السريالي ناشئٌ عن دافع لاشعوري يبتدع القصيدة كما يخلُق الحلم. ويرى "إيلوار" أن القصيدة مجموعة من الهلوسة والجنون والتذكر والقصص القديمة والمشاهد المجهولة والأفكار المتضاربة والتنبؤات البعيدة وحشد العواطف والعري وتشويش العقل والعبث. إنها باختصار انطلاقٌ الوحي الحرّ، من أعماق النفس وتدفقه بحرية تامة مخترقًا جميع الحواجز. وقد نهجوا في ذلك منهج الشاعر "غ. أبو لينير" "-1918" الذي يقول:
    يا أعماق الشعور
    سننقّب فيك غدًا
    ومن يدري أيةُ كائنات حيّة
    ستبرز من هذه الهاويات
    مع عوالم كاملة!
    8- المسرح السريالي: هو المسرح غير المألوف. وهم يرون أن المسرح ضرورة لا بد منها، لشدة تأثيره على المشاهدين، وقصدهم منه التعبير عن الفردية والمزاجية والفوضى المشبعة بالحرية وإثارة الدهشة. وله وظيفتان: الهدم والبحث عن البديل. إنه مسرحٌ يصدم الحواسّ ويعمد إلى الإخراج المهوّل والمضخّم، والديكور الغريب والملصقات والمؤثرات المذهلة. وتبرز من خلاله الأحلام والغرائز والعنفُ والدّم والسرعة والصراحة الجنسية المكشوفة والتعبير عن الحياة المكبوتة لتحرير الإنسان من كوابيسها، فله إذن، من هذه الوجهة، وظيفة العلاج النفسيّ؛ إنه مسرح الانطلاق من سجن الجسد والظروف المكانية والزمانية. وخيرُ مثال عليه مسرحيتا ألفرِد جارّي: "أوبو ملكًا، وأوبو مقيدًا".
    ... ولكنهم بعد ثورتهم على الواقع عادوا إليه من خلال لقائهم مع الماركسية وتسليمهم بالواقعية الاشتراكية. ومن ثم انتقلوا بالسلوك البشري اللا عقلي إلى العقلي.
    خاتمة:
    ما نهاية السريالية وما أسدت إلى الأدب؟ يقول "كليبر هيدنز" تحت عنوان: الأدب الفرنسي من 1918- 1948: "لقد كان عطاء السريالية للشعر الفرنسي ضعيفًا" وهو يرى أن نقطة ضعف السريالية تكمن في انغلاق الشاعر من رؤاه الخاصة وعالمه المجهول معبرًا بأشعار لا تعدو كونها قرزماتٍ أدبية بدائية إلى حدٍ بعيد. ثم يضيف: ولكنْ يجب الاعتراف بفضل اكتشافها واستصلاحها بقاعًا جديدة وجاء في الموسوعة الفرنسية "لاروس": "في الوقت الحاضر لا توجد مجموعات سريالية كالمعهود من قبل؛ ولكن روحها لم تمت.. لقد بقيت في رفض التسلط بمختلف أنواعه والبحث بكل وسيلة لتحرير الأرواح المعوّقة...".
    والحق أن السريالية بقيت أصلًا في كل حركات التمرّد الشبابيّة والأدبية ولاسيما في الشعر والرواية المعاصرين حيث يستمد الرفض والقرف والغرابة والدهشة والغموض واللا معقول والعنف والجنس والتجريب الباحث عن أشكال إبداعية جديدة دائمة التجدُّد، لا تكون أبدًا في خدمة الدولة أو الدين أو الإنتاج الصناعي الذي يمرُّ أمام الإنسان الكادح سريعًا، على البساط الدائر، ولا يستطيع أن يمسك به.
    فهل كانت السريالية "يوتوبيا" أو ضربًا من اللامعقول؟ يمكن الإجابة بنعم إذا نظرنا إلى الفروق الشاسعة والحواجز العتيدة بين الواقع الراهن والمشروع السرياليّ. ويمكن القول بأنها أملٌ أو يقين إذا اعتبرنا هذا الواقع بعيدًا عن تحقيق رغبات الإنسان العميقة.
    إن السريالية رسّخت قضية تحطيم القيود والسّدود والحدود وتحدّت الممنوعات، وبحثت باستمرار عن التجدّد والتغيّر في تيار الصيرورة، حيث أرادت أن يبقى العالم دومًا مثل "طاولة نظيفة يمكن أن يولد عليها كل شيء". وهذا من أسس ما يُدعى بالحداثة الأدبية. وربما كانت السريالية نفسها ضحيَّة هذا المبدأ حين تلاشت تدريجيًّا تاركة أصداءَها في عالم الأدب وعالم الحياة هنا وهناك.. فلا شيءَ يفنى بل يتغيّر.
    ع2:
    السريالية وأثرها في الأدب العربي
    ج2:
    الموسوعة العربية العالمية، لمجموعة علماء.
    السِّريالية:
    السريالية حركة أسستها جماعة من الكتّاب والفنانين في باريس عام 1924م. وكانت هذه الحركة تريد أن تحدث ثورة في المجتمع. وكان أعضاؤها يستكشفون عمليات الفكر اللاواعي، وخاصة الأحلام التي كانوا يعتقدون بأنها ستثمر الحقيقة في النهاية. انظر: السريالية.
    وكان الشاعر "غييوم أبولينيير" مؤثرًا رئيسيًّا في السريالية. وكان ديوانه "الكولز" (1913م) مجموعة من القصائد العاطفية الجميلة التي رفعت من شأن الخيال. وكان "أندريه بريتون" صاحب النظريات الرئيسي وقائد السرياليين.
    وكان أبرز الشعراء هم: "رينيه شار، وبول بولارد، ولويس أراجون". ورغم كل هذا فإن ثلاثتهم قد نظموا أحسن أشعارهم بعد أن تركوا الحركة في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين. وكانت أهم موضوعاتهم التي طرقوها هي الحب والوطنية...
    السريالية مذهب في الفن والأدب، أسسه في باريس عام 1924م الشاعر الفرنسي "أندريه بريتون" وكالمذهب الدادي الذي انبثقت منه السريالية فإنه يستخدم الفن سلاحًا ضد الشر والقيود التي يراها السرياليون في المجتمع. وعلى عكس الدادية فإن السريالية تُحَاول أن تكشف عن واقع جديد يتجاوز الواقع الفعلي.
    والسريالية كلمة جديدة تعني ما فوق الواقعية.
    يَدِّعي السرياليون أنهم يصنعون أشكالًا وصورًا بدون وعي، وبدون تفكير، لكن بإحساس فطري خالص، وعن طريق المصادفة. وباستخدام هذا المنهج يدّعي السرياليون أن بإمكانهم صنع عالم في مجال الفن والأدب أكثر جمالًا من العالم الحقيقي.
    وبهذه الطريقة يحاول السرياليون مفاجأة المشاهد أو القارئ، وعرض ما يعتقدونه العالم العميق والحقيقي من الطبيعة البشرية.
    والحركة السريالية ليست قوية الآن، كما كانت في السابق، إلا أنها لا تزال تُؤَثِّر على الفنانين والكُتَّاب في العالم.
    Attached Files Attached Files

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •