Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : بعض أقطار أفريقيا - الدرس الرابع عشر

  1. #1
    Administrator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    5,053
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : بعض أقطار أفريقيا - الدرس الرابع عشر

    ع1:
    بعض أقطار أفريقيا
    ج1:
    حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة، لجميل عبد الله محمد المصري.

    قارة أفريقيا ودخول الإسلام:
    أفريقيا هي القارة الوحيدة التي يمكن تسميتها بالقارة المسلمة من بين قارات العالم. للإسلام.
    وحاضر القارة يشهد واقعًا إسلاميًّا ملموسًا، تنطق به الحقائق التالية:
    1- قرابة 70 % من المجتمع العربي المسلم في أفريقيا.
    2- 75 % من الأراضي العربية الإسلامية في أفريقيا.
    3- أكثر من 60 % من مجموع السكان مسلمون.
    4- تشهد الدعوة الإسلامية صدًى وتجاوبًا لدى الأفارقة، وتسير بخطى واسعة. فالأرض والسكان والتاريخ والواقع بكل أبعاده، كل هذا يعيش حاضره فيها ممتزجًا بالإسلام، لا انفصام عنه. فتستحق عن جدارة تسميتها بلقب: القارة المسلمة.
    تبلغ مساحة قارة أفريقيا أكثر من 30 مليون كم2. فهي تشكل خمس مساحة الكرة الأرضية، ومعظمها من ديار الإسلام، وعدد سكانها حوالي 500 مليون نسمة، أي: حوالي عشر عدد سكان العالم، الأمر الذي لا يتناسب مع مساحتها الكبيرة.
    تتكون هذه القارة من هضبتين كبيرتين:
    أ- هضبة شمالية: وتمتد من المحيط الأطلسي حتى البحر الأحمر، ومنها: الصحراء الكبرى، وبلاد السودان، وبعض المرتفعات مثل جبال تيبستي والحجارة الهقار، وبعض المنخفضات مثل القطارة والفيوم.
    ب- هضبة جنوبية: وهي أكثر ارتفاعًا من الهضبة الشمالية. ومن أهم مرتفعاتها: هضبة الحبشة شرقي أفريقيا، وهضبة البحيرات الكبرى في وسطها، وجبال كليمانجارو على الحدود بين تانزانيا وكينيا، وجبال دراكنزبرغ في الجنوب الشرقي.
    وتخترق أراضي أفريقيا أنهار كبيرة غزيرة المياه، منها: نهر النيل أطول أنهار العالم، ونهر الكونغو، ونهر النيجر، ونهر الزمبيزي، وأورنج، والسنغال.
    والقارة بِكر غنية بالعديد من مصادر الرزق:
    - فالغابات تغطي 20 % من مساحتها، وتضم أصنافًا من الأخشاب النادرة، والتي لا تستغل إلا القليل، حيث تسهم ب 2 % فقط من انتاج العالم من الأخشاب.
    - والمراعي تغطي مسطحات واسعة من أفريقيا، تتنوع بين السفانا والاستبس، مما يتيج الفرص النادرة لمضاعفة الثروة الحيوانية في قارة تعاني المجاعات حاليًا.
    - والإمكانيات الزراعية كثيرة، غير مستغلة، نتيجة التخلف، والطرق البدائية في الزراعة والري.
    - وأما المعادن فكثيرة، وثروتها الباطنة أكثر من الظاهرة، من المعادن الثمينة النادرة، ومن المعادن المعروفة.
    واسم القارة الحالي حديث، فكانت تسمى قديمًا ليبيا، وكانت مقسمة إلى عدة مناطق رئيسية، ثم أطلق عليها في العصور الوسطى: أثيوبيا، أي: قارة السود، وهي مشتقة من اليونانية. ثم استعملت في التعبير عنها كلمة أفريقيا وكانت تشير لدى القدماء إلى منطقة تونس، حيث رأس أفري الذي سُمي نسبةً إلى قبيلة من البربر، وقد اشتقت الكلمة من تعبير قديم عن المغارة أو الكهف أيضًا، حيث كان أهل المنطقة يسكنون ما يشبه المغارات، ثم استخدم العرب هذا المصطلح محورًا فصار أفريقيا.
    وتخصصت ليبيا وأثيوبيا للتعبير عن المنطقتين الجغرافيتين المعروفتين بهذين الاسمين، بينما استخدمت كلمة أفريقيا للتعبير عن القارة جملةً.
    ومن أهم ملامح هذه القارة التي أسهمت في عزلتها في العصور القديمة والوسيطة:
    1- يقسمها خط الاستواء إلى قسمين شمالي وجنوبي، فتمتاز أفريقيا الاستوائية بغاباتها الكثيفة، وشدة حرارتها ورطوبتها، دون تمييز بين الفصول.
    2- قصر سواحل القارة بالنسبة لمساحتها، بمعنى آخر: قلة تعاريج السواحل. الأمر الذي يؤدي إلى قلة الرؤوس والخلجان، ويترتب عليه قلة الموانئ الطبيعية، والموانئ في العادة هي المنافذ التي تطل منها القارة على العالم الخارجي، ويمد العالم الخارجي بصَرَه منها للقارة.
    3- امتداد معظم جبالها على السواحل، مما يؤدي إلى عزل الداخل، وإلى ضيق السهول الساحلية، وإضافة إلى ذلك أن هذه السهول الساحلية في جملتها ذات ظهير فقير تؤدي إلى مناطق صحراوية أو شبه صحراوية، أو غابات كثيفة، يصعب اختراقها. فتزيد من عزلة داخل القارة.
    4- قلة الجزر القريبة من الساحل: والجزر عادةً وأشباه الجزر يمكن اتخاذها كمناطق ارتكاز تنفذ إلى الداخل، وأفريقيا إجمالًا كتلة واحدة خالية الأطراف تقريبًا. وباستثناء بعض الرؤوس الصغيرة التي تفصلها عن بعضها مسافات شاسعة في غرب القارة وبعض الجزر الساحلية في الشرق، مثل زنجبار وبمبا ومافيا، لا تكاد تلعب هذه المناطق دورًا حيويًّا في تاريخ القارة. وهذه الظاهرة التي تنفرد بها القارة الأفريقية تعود أساسًا لصِغر مساحة الجزر الأفريقية نسبيًّا، باستثناء جزيرة مدغشقر التي رغم اتساعها فإنها بعيدة جدًّا عن الساحل الأفريقي، ويلعب تيار موزمبيق دورًا في عزلتها عن اليابس.
    5- قلة صلاحية أنهارها للملاحة: فرفغم كثرة أنهارها وغزارة مياهها كنهر النيل والنيجر والكونغو والزمبيزي والسنغال، إلا أن هذه الأنهار تنتهي إلى البحر بِدِلْتات كثيرة الفروع والمستنقعات والسدود أو مساقط مائية. وتكثر فيها الجنادل والشلالات مما يعوق الملاحة، ويحرم أفريقيا من أن تصبح هذه الأنهار شرايين تؤدي إلى الداخل.
    6- اتساع صحاريها: فمنعظم أفريقيا يقع في المناطق المدارية، ففي الهضبة الشمالية يمر مدار السرطان، وفي الجنوبية مدار الجدي. فتتسع الصحاري، فهناك الصحراء الكبرى في الشمال التي تصل مساحتها إلى 10 ملايين كم2 أي: ثلث مساحة القارة، وصحراء كلهاري في الجنوب، وهذا يؤدي إلى قساوة المناخ، وشيوع مناطق الجفاف وإلى العزلة.
    دخول الإسلام إلى أفريقيا:
    شق الإسلام طريقه إلى هذه القارة سالكًا الطرق الجغرافية التالية:
    1- طريق باب المندب: وعن هذا الطريق انتشر الإسلام في القرن الأفريقي وشرقي أفريقيا، وكانت معرفة العرب بساحل أفريقيا الشرقية قديمة تعود إلى ما قبل الدعوة الإسلامية بكثير، ولا زال الشاطئ الأفريقي يحمل أسماء من الجنوب العربي في مناطق مصوع وعصب، وما وراءها في الداخل، فقد استقر كثير من المهاجرين والتجار العرب واختلطوا بأهالي البلاد، وأدخلوا وسائل الري وأساليب البناء، وتنظيم عملية تربية الحيوانات، وكان الأثر اللغوي أقوى من أي أثر آخر تركه عرب الجنوب في شرق أفريقيا.
    كما حصلت هجرة مرتدة إلى شبه الجزيرة العربية، حيث عبر الأحباش البحر من أكسيوم إلى اليمن، وأغلبهم كان من المهاجرين العرب الأوائل وقد حاولوا الوصول إلى الحجاز بزعامة أبرهة -عام الفيل 571م- وهدم الكعبة في مكة رمز تجمع العرب؛ تعصبًا لنصرانيته، وقد عاقبهم الله عقوبةً عاجلةً كما جاء في سورة الفيل من القرآن الكريم. وفي العام نفسه ولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
    وعندما دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- الناس إلى الإسلام في مكة ووقفت قريش وقفتها المعروفة من الدعوة، أذن لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فكان الصحابة الطليعة الأولى من حملة الإسلام في أفريقيا.
    واستمرت السفن الإسلامية بعد أن قامت دولة الإسلام وضمت شبه الجزيرة، تحمل بين الحين والحين بعض الذين طاب لهم الإستقرار بالساحل الأفريقي، للاتِّجار، فزاد عدد الوافدين، وزادت العَلاقات مع الداخل، والتوغل فيه، وخاصة في زمن الدولة الأموية.
    وفي زمن عبد الملك بن مروان 65 - 86 هـ هاجر بعض الأمويين إلى شرقي أفريقيا وعاشوا بها، وكان هذا الاستقرار قد حدث بهدوء وبدون قوة أو عنف، ولا يذكر لنا التاريخ حروبًا أو معاركَ وقعت بين المهاجرين والسكان الأصليين. وأثر الإسلام في شرقي أفريقيا حتى اللغة السائدة أصبحت لغة أفريقية عربية اللغة السواحلية، وأصبح للعرب إمارات في سواحل القارة الشرقية لها اتصال بالجماعات العربية الملسمة في شبه الجزيرة العربية، وبالتجار والقبائل في القارة الأفريقية.
    وتتابعت الهجرات المسلمة إلى بر الزنج كما دعاه المسلمون، فانتشرت أولًا في بعض الجزر الساحلية مثل مافيا وزنجبار وبمبا، ثم في المراكز السياحية الشهيرة مثل: سفالة، ومالندي، وكلوا، وممبسة، ودار السلام. وقد ازدهرت هذه المدن، واختلط العرب المسلمون بالأفارقة والشيرازيين من الفرس، حتى جنوب موزمبيق. وزاد ذلك من ازدهار مدينة مقديشو في الصومال، و"كلوا" على الساحل التانزاني، ومالندي وممباسا في كينيا، وسوفالا سفالة في موزمبيق. وكانت أشهرها جميعًا مدينة زنجبار. وقد زار ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي كلوةً ومممبسة ومقديشو ودهش؛ لما كانت عليه هذه المدن من تنظيم ومن حالة الرخاء السائدة في هذه المناطق. ووصف الشوارع المنظمة التي رآها ومنازل العرب المبنية هناك من الحجارة والمونة، ذات النوافذ الخشبية المزينة بالنقوش المحفورة، كما كانت للمنازل حدائق غناء، وشاهد المساجد المزينة بالنقوش. كما وصف اختلاط العرب بالسكان.
    وقد أوجد العمانيون مراكز تجارية على طول الساحل الأفريقي الشرقي، ثم تحول هذا الوجود إلى وجود سياسي، استطاع الأئمة في عمان أن يمدوا سلطانهم على سواحل الصومال، وأقاموا فيها إمارت تابعة لهم. وظل سلطانهم قويًّا في كلوة ومافيا وبمبا وزنجبار حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين بدأت الدول الأوربية تلتهم أملاك سلطان زنجبار. وكان العمانيون قد صارعوا البرتغاليين مدة طويلة، ووقفوا في وجههم واستمروا يناوئون الأوربيين من أواخر القرن السادس عشر إلى أن تم انشطار القسم الآسيوي عن القسم الأفريقي، باستقلال زنجبار عن عمان عام 1861م بأساليب الإنجليز الماكرة، وتحكيم لورد "كاننج" حاكم الهند العام بين الأخوين: ماجد وتويني. فأصبح ماجد يحكم زنجبار، وتويني يحكم عمان، فأصبحت عمان كلها تسير في الفلك البريطاني وذهب ريحها.
    وعن هذا الطريق تعمق الإسلام إلى قلب القارة الإفريقية، بالقدوة، والتزاوج مع السكان الأصليين البانتو. بل وتكونت سلطنات عربية داخلية مثل سلطنة حمد بن محمد الرجبي شرق الكونغو لقبه الأوربيون: تبوتيب، وكانت سلطنته تتبع اسميًّا سلطان زنجبار، وقد بدأ الرجبي يفقد سلطانه عام 1887م، إلى أن فقده نهائيًّا عام 1890 م تحت مطارق بلجيكا، وألمانيا، والإنجليز الذين اقتسموا البلاد.
    2- طريق البحر الأحمر: لم يكن البحر الأحمر عقبة كبيرة في وجه الانتقال بين شاطئيه الشرقي والغربي، فكان إقليم الحجاز على صلة بالشاطئ الأفريقي قبل الإسلام، وقويت هذه الصلة بعد ظهور الإسلام كمعبر قريب إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج. وقد زادت الأهمية في عهد الحروب الصليبية عندما كانت الموانئ الشمالية مهددة بالغزو فازدهرت من أجل ذلك، كميناء عيذاب. الذي قال عنه ابن جبير:
    "ورمنا في هذه الطريق إلى عيذاب إحصاء القوافل الواردة والصادرة قما تمكن لنا ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة إلى اليمن، ثم من اليمن إلى عيذاب، وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل لنا لكثرته أنه يوازي التراب قيمة.
    ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي بقارعة الطريق أحمال الفلفل والقرفة، وسائرها من السلع المطروحة لا حارسَ لها، تترك بهذا السبيل؛ إما لأعباء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار، وتبقى لموضعها إلى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المار عليها من أطوار الناس".
    3- طريق سيناء: وسيناء معبر يربط آسيا بأفريقيا، وكانت دائمًا في جميع العصور جزءًا متممًا لوادي النيل الأدنى، وأحدَ الطريقين الرئيسيين اللذين كانت تأتي منهما الهجرات إلى وادي النيل، والطريق الثاني هو باب المندب وشرق أفريقيا، فعن طريقها دخلت القوات الإسلامية من فلسطين بقيادة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- لتحرر مصر من الجاهلية، ثم برقة وطرابلس وأفريقيا تونس والمغرب الأوسط الجزائر والمغرب الأقصى المغرب من النفوذ الروماني، وتم كل ذلك في القرن الأول الهجري. وأصبح شمالي أفريقيا بأكمله ضمن ديار الإسلام وقاعدةً من قواعده الهامة، حيث انطلق الإسلام من هذه الأقطار إلى الجنوب عبر الصحراء بالتجارة والدعوة.
    كما كانت شبه جزيرة سيناء طريق هجرة العرب الشماليين إلى أفريقيا من مضر وربيعة، ثم هجرات بني هلال وسليم، وبين هذه القبائل قبائل يمنية، وأشهرها جهينة وبلي، التي اتجهت نحو الجنوب إلى صعيد مصر وسهول السودان الشمالي وغرب النيل، فأدى ذلك إلى تقريب شمال أفريقيا ووادي النيل. وظهرت الحواضر الإسلامية المشهورة: الفسطاط والقاهرة والإسكندرية وطرابلس وبرقة والقيروان وتونس ووهران وفاس ومراكش.
    4- الطرق الداخلية لانتشار الإسلام:
    أ- إلى غربي أفريقيا: عن طريق المغرب، فيقال: بأن الأمويين أرسلوا جيشًا إلى غانا من جهة مراكش 116 - 133هـ، و أن قلة من هذا الجيش بقيت وتأثرت بمعتقدات أهل غانة، وان بقيت محافظة على الامتيازات العنصرية، ثم وصل الإسلام عن طريق التجار وهجرات العرب والبربر حتى أصبح موجودًا في كل قرية وكل مدينة، فظهرت دولة غانا الإسلامية في ما يسمى اليوم مالي وموريتانيا، وأجزاء أخرى من أفريقيا الغربية التي وثقت صلاتها بديار الإسلام والخلافة العباسية.
    واتسع انتشار الإسلام في غرب أفريقيا على يد المرابطين في القرن الخامس الهجري. ثم قاد الفولانيون والمانديون حركة الإسلام في فوتاجالون، فأصبحت إسلامية في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي. وزاد انتشارًا بحركة عثمان دان فوديو.
    ب- بلاد السودان: وسلك الإسلام إليها الطرق التالية:
    1- من مصر إلى النوبة إلى البرنو إلى بلاد الهوسا.
    2- من طريق الحبشة إلى اليوروبا والأشانتي.
    3- من شمال أفريقيا عبر الصحراء إلى حوض النيجر الأوسط والغربي.
    وقد مثلت منطقة تشاد نقطة اللقاء الإسلامي القادم من المشرق ومن المغرب. وتكونت دول إسلامية شهيرة، مثل: دولة البرنو والكانم، ودولة مالي، ودولة صنغي والحوصا والفولاني. وكلها ارتبطت بعلاقات قوية مع ديار الإسلام، وخاصة مصر والمغرب والأندلس. كما ظهرت فيها حواضر إسلامية كانت مراكز للعلم والثقافةن مثل: كانو، وجني وتمبكتو، وفلاتة، وجوبير، ومالي.
    5- طريق المحيط الهندي: وقد سلكها التجار والدعاة من الجنوب العربي وعمان وفارس والهند، كما وصل الإسلام في الوقت الحاضر إلى شرقي أفريقيا وجنوبها بواسطة المسلمين الهنود والماليزيين والأندونيسيين، ونشطت الدعوات الخارجة على الإسلام كالدعوة الإسماعيلية والقاديانية في كينيا وتاتزانيا وجنوب أفريقيا عن هذه الطريق.
    وعلى الإجمال فقد اتسم تقدم الإسلام في أفريقيا بالطابع السلمي التجاري بصفة عامة.
    القرن الإفريقي:
    المكان الذي يلتقي عنده البحر الأحمر، والمحيط الهندي؛ لأنه يشبه الرأس حيث يشكل البر مثلثًا عند هذا المكان. ويشمل: أراضي الصومال، وجيبوتي، واريتريا وأثيوبيا، وكينيا.
    وصله الإسلام في القرنين الهجريين الأول والثاني، عن طريق الدعوة المباشرة، وبواسطة الدعاة والتجار، وهجرة العرب المسلمين، وتزاوجهم واختلاطهم بالسكان الأصليين.
    أثيوبيا:
    تقع في القسم الأوسط الشرقي من قارة أفريقيا. تحدها السودان من الغرب والشمال، وأرتيريا وجيبوتي من الشرق، وكينيا من الجنوب، والصومال من الجنوب والجنوب الشرقي.
    وتبلغ مساحتها مع ما استولت عليه من أراضي المسلمين: 1223600 كم2.
    وعدد سكانها حوالي 43 مليون نسمة. ينتسبون إلى ثلاثة أجناس رئيسة. جنس عربي نسبًا ولغةً، هاجر إليها بعد الفتح الإسلامي، وجنس من نسل العرب الذين هاجروا إليها قبل الإسلام يضرب إلى البياض، دقيق الأنف، مستدير الوجه، متناسق التقاطيع، رقيق الشفاه، سِبط الشعر، معتدل القوام. وهذا هو العنصر الغالب. وجنس أخير ينتمي إلى الجنس الزنجي، حالك اللون، تسرب إلى هذه البلاد من أواسط أفريقيا. فهي تمثل نقطة امتزاج العناصر السامية والحامية.
    وقد مثل المفكرون أثيوبيا بسفينة نصرانية وسط محيط إسلامي، فبسط لها الصليبيون المستعمرون يد الحماية، ومنحوها التأييد، وأشركوها في الغنيمة التي حازوها من ديار الإسلام، فأضافوا إليها مساحات واسعة من الأرض الإسلامية، مثل:
    أريتريا ومساحتها 124320 كم2.
    وهرر ومساحتها 254800 كم2.
    وبالي ومساحتها 128300 كم2.
    وسيدامو ومساحتها 116700 كم2.
    أي: أنها أضافت إليها من ديار المسلمين ما يعادل 51 % من مساحتها الكلية تقريبًا. فتمكنت بذلك من الوصول إلى البحر الأحمر بعد أن كان يحيطها من الجنوب والشرق ما يسمى بممالك الطراز الإسلامية.
    وأثيوبيا في حقيقتها بلاد إسلامية، تحكمها أقلية نصرانية متعصبة، تشربت الحقد على المسلمين بفعل الصليبيين الأوروبيين، إذ يمثل المسلمون أكثر من 60 % من سكانها عامةً، مقسمةً إلى مقاطعات، والمقاطعات إلى أقسام إدارية، يحكمها حكام ليس فيهم مسلم واحد، كما يعاني المسلمون من أسوأ تمييز عنصري في التعليم، فحقوقهم مهضومة من جميع الجوانب، واحتلت الكنيسة القبطية أراضيهم تدريجيًّا حتى وصلت إلى 90 % من المساحة الكلية للأراضي الزراعية في أثيوبيا.
    وعاصمة أثيوبيا اليوم أديس أبابا ولغتها الرسمية هي الأمهرية، وأثيوبيا كلمة يونانية تعني الوجه المحروق، أو صاحب الوجه الأسود، وهي تشمل جميع الأفارقة السود، وكانت سلطة النصارى لا تتجاوز الأمهرا وشوا وجوجام، وأطلقوا عليها اسم أثيوبيا في عهد الملك يكونو أملاك سنة 669هـ / 1270م الذي ربطت الكنيسة نسبه بسليمان -عليه السلام- بأسطورة تستنكرها المصادر التاريخية والدينية، ولكن الدول النصرانية دعمت هذه الدولة النصرانية وهذه الفكرة. وتخلت عن كلمة الحبشة؛ لاعتقادها أنها تعني الاختلاط، ويوحي بانتفاء الأصالة والتماسك عنها، وذلك لتبرر مخططاتها التوسعية؛ لإخضاع شعوب البلدان المجاورة. فقد أمر الملك يوحنا بتعبئة عامة ثم أعلن حربًا صليبيةً على المسلمين، وقد وصفه غوردون باشا، فقال:
    "إنه مثلي متعصب في الدين، إنه يشعر أنه يحمل رسالة، وأنه سوف يحققها، تلك الرسالة هي أن ينصر جميع المسلمين".
    وأما خلفه منليك 1307 - 1332 هـ 1889 - 1913م مهندس التوسع الأثيوبي وصاحب التوسعات، فقد كتب إلى جمعية بريطانية يحضها على مساعدته قائلًا: "إن زيلع وعدن تقع تحت أيدي المسلمين، ولا أستطيع الاقتراب منها".
    وسرعان ما وجدت عبارته تجاوبًا في الدوائر السياسية والكنسية الأوربية، واشترك في مؤتمر بروكسل عام 1890م؛ لتقسيم أفريقيا، فحصل على الدعم السياسي والمادي وبخاصة الأسلحة الحديثة التي حسمت الأمر لصالحه في نهاية الأمر، وخاصة من بريطانيا التي منحت منليك أوجادين من الصومال سنة 1899م، نظير معاونة أثيوبيا العسكرية لبريطانية في إخماد الثورة المهدية بالسودان. كما قدمت منطقة هود الصومالية هدية أخرى للحبشة عام 1375هـ / 1955م. عدا أريتريا وغيرها من الأقاليم الإسلامية.
    وكما زعمت الصهيونية أن لها حقًّا تاريخيًّا في فلسطين، فقد زعمت أثيوبيا أن لها حقوقًا تاريخيةً. وقد أعلن رئيس وزرائها في خطابه أمام مؤتمر تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1383هـ / 1963م أن أثيوبيا استمرت ثلاثة آلاف عام في الماضي، وأن حدودها كانت تمتد إلى البحر الأحمر وسواحل المحيط الهندي، بينما لم تكن هناك دولة تسمى الصومال. وهذا الادعاء هو الذي وصفه مارجري برهام في كتابه الشهير "أثيوبيا" عام 1368هـ / 1948م بأنه ادَّعاء يمثل إهانةً للتاريخ، وتجاوزًا للحقائق التاريخية، وتجاهلًا للواقع السياسي والديني، فإن الحقائق التاريخية تقول: أن الأحباش النصارى لم يكن الجنوب بالنسبة لهم يصل حتى نهاية القرن التاسع عشر إلا لتخوم مملكة أكسيوم بالقرب من حدود أريتريا شمالًا. بل أن العاصمة أديس أبابا لم تكن لهم إلا في نهاية ذلك القرن، وما جاء توسعهم إلا تحت حماية وتشجيع الدول الأوربية النصرانية.
    ومن أشهر الأقاليم الإسلامية التي ضمتها: إقليم هرر الشهير، وفيه مدينة هرر عاصمة الإسلام، ومدينة العلم والمآثر والمساجد، ومركز الإشعاع لشعوب القرن الإفريقي المسلمة. أنشأها التجار العرب المسلمون في القرن الأول الهجري، وسطع نجمها كحاضرة إسلامية للممالك والإمارات الإسلامية التي تعاقبت عليها، وقد خضعت للحبشة سنة 1314 هـ / 1896م، وحول جامعها إلى كنيسة في عهد هيلاسي لاسي بمساعدة الأوربيين.
    ولم تقف هرر مكتوفة الأيدي أمام التآمر الصليبي، فقد قام العلماء بواجبهم في مواجهة الاستعمار الإنجليزي والإيطالي بعد انسحاب القوات المصرية من هرر بأمر من الإنجليز الذين أخضعوا مصر عام 1882م. وتزعمهم الشيخ محمد عبد الله حسن الذي حمل راية الجهاد، ووقف في وجه المغريات التي رفضها، ومن بينها إعطاؤه منطقة خاصة به، تعترف الدول المستعمرة بها دولة، هو على رأسها.
    ولما فشل الإنجليز في إغرائه أشاعوا عنه: أنه أعلن عن نفسه أنه المهدي عام 1899م، ولقبه الإنجليز The Mad Mullah وتتالت الإشاعة حتى عرف بهذا اللقب، ولا يعرف الصوماليين هذه القصة أبدًا، فهي من أكاذيب الإنجليز ووأساليبهم في تشويه رجالات الإسلام. وما السلطان عبد الحميد المعاصر للشيخ ببعيد !! وقد أخذ المؤرخون هذه الكلمة من التقارير البريطانية، وقد عانَى السيد كثيرًا، وقاسى طيلة أيام حركته التي استمرت طويلًا حتى عام 1920م. ثم توفي عام 1921م.
    وقامت حركة أخرى في منتصف القرن العشرين قادها الشيخ بشير جام يوسف في منطقة برعو، وقد أثار روح الجهاد في الصوماليين الذين فترت همتهم عن روح الجهاد بشيوخ الصوفية. إذ جمع عددًا من المشايخ وأعيان الناس والتلاميذ في حفل عام أعده الشيخ، وبعد مناقشة أخذ كوبا فوضعه أمامهم، وطلب من الشيوخ أن يقرأوا عليه جميع الأدعية، بل أن يقرءوا القرآن كله لكسره بدون فعل مع الدعاء، فبقوا مدةً دون طائل، فتناول عصا غليظة وقال: بسم الله، وضرب الكوب فهشم الكوب. وهكذا أثبت لهم ضرورة العمل إلى جانب الدعاء، وقاد حركة الجهاد إلى أن استشهد بالفعل، فعلم الناس الجهاد بطريقة عملية. وقضايا المسلمين في أثيوبيا كثيرة، نتناول منها قضية أريتريا.
    ع1:
    بعض أقطار أفريقيا
    ج2:
    الأقليات المسلمة في أفريقيا، لسيد عبد المجيد بكر.

    الإسلام في أثيوبيا:
    وفقًا تعداد وطني لعام 1994، فإن الإسلام، الذي وصل البلاد سنة 615م، هو الدين الثاني الأكثر انتشارًا في أثيوبيا بعد المسيحية. يزيد عدد المسلمين عن 25 مليون أي 33.9 ٪ مجموع سكان أثيوبيا حسب تعداد عام 2007.
    يؤكد كتاب "حقائق العالم" المرتبة الثانية للإسلام كدين الأكثر ممارسة على نطاق واسع في أثيوبيًا، مشيرًا إلى أن نحو 45 في المئة من سكان أثيوبيا هم مسلمون. الإسلام هو الدين الرئيسي في عدة مناطق.
    أما أحمد محمود السيد، فقد ذكر أنه وفقًا لتقديرات عام 2006م، فإن عدد سكان أثيوبيا يقدر بـ 75 مليون نسمة، ونسبة المسلمين تتراوح ما بين (55-65%) من إجمالي السكان: أي: حوالي 48 مليون مسلم.
    تاريخ الوصول:
    تمثل أول وصول إلى الحبشة -إثيوبيا حاليا- في عدد صغير من المهاجرين من الصحابة في العام الخامس من البعثة النبوية. اختار رسول الله الحبشة كملجأ من الاضطهاد الذي كان يعانيه المسلمون في مكة، لأسباب عديدة. منها عدل حاكمها، والجوار الجغرافي، وصلة القربَى بها.
    كان هذا الوصول أول احتكاك، وبقية المجموعة المهاجرة مدةً من زمن، ثم عادت إلى شبه الجزيرة بعد أن تركت انطباعًا جيدًا في نفوس أهل الحبشة مما رأوه من أخلاق حميدة من المهاجرين. وليس غريبًا أن يُسلِمَ البعض من أهل الحبشة. فقد ورد في السيرة النبوية أن الرسول -صلى الله عيله وسلم- "صلى صلاة الغائب لما أدركه نبأ وفاة النجاشي"، وأخبر الصحابة بأنه كان يكتم إسلامه.
    غير أن الوصول الفعلي للإسلام إلى الحبشة جاء عن طريق محورين رئيسيين:
    أ- المحور البحري:
    أول هذه المحاور كان المحور البحري من بلاد العرب عبر البحر الأحمر، ومضيق عدن، فبعد أن استقر الإسلام بجزيرة العرب نقلت الدعوة خارج الجزيرة، ففي سنة عشرين هجرية أرسل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سريةً بحريةً؛ لتأديب قراصنة البحر الأحمر من الأحباش، ورغم عدم توفيق هذه السرية، إلا أن الدولة الأموية أرسلت قوات بحرية احتلت جزر "دهلك" قرب الشاطئ الإرتري، واتخذت الدعوة الإسلامية طرق التجارة، فانتشرت تحت جناح السلم.
    وظهرت جاليات عربية مسلمة في مدن الساحل مثل "باضع، وزيلع، وبربرة"، وبدأ نفوذ الدعوة ينتقل إلى الداخل في السهول الساحلية، وفي صلب الحبشة، وما أن حل القرن الثالث الهجري حتي ظهرت إمارات إسلامية في النطاق الشرقي، وفي الجنوب الشرقي من الحبشة، ودعم هذا الوجود الإسلامي هجرة بعض الجماعات العربية.
    وزاد اعتناق أبناء البلاد للإسلام، فظهرت سبع إمارات إسلامية في شرقي الحبشة وجنوبها، وهي "دوارو، وابديني، وهدية، وشرخا، وبالي، ودارة، وإمارة شوا، وهي الإمارة السابقة عليها جميعًا".
    وقامت عدة حروب بين الإمارات الإسلامية وملوك الحبشة الذين كانوا على صلة بالصلبيين منذ الحروب الصلبية بالشام، وأسفرت هذه الاتصالات عن تكوين حلف صليبي، لعب البرتغاليون فيه دورًا رئيسيًا. ومن ثمار هذا المحور انتشار الإسلام بين قبائل "الجلا، وأوروموا".
    ب- المحور البري:
    جاء بالإسلام من الشمال، فبعد فتح مصر استمر تقدم الإسلام نحوًا، وقامت قبيلة "البجاة" أو البجة الذين تمتد أرضهم من حدود مصر الجنوبية حتى حدود الحبشة بنقل الإسلام عبر هذا المحور الشمالي. ولقد انتشر فريق من التجار العرب عبره، وكانت منهم جماعات عديدة من جهينة وقيس وربيعة وعيلان. وتقدم الإسلام إلى عيذاب وسواكن، وتجاوزهما إلى الجنوب، والتقَى المحوران في أرض الحبشة.
    وساد الإسلام النطاق السهلي الساحلي في شرقي الحبشة، كما توغل إلى المرتفعات الجنوبية، بل وصل إلى وسط الحبشة، واستمر الصراع بين المسلمين والمسيحين، واضطهد المسلمين في عهد الامبراطور يوحنا في نهاية القرن الحادي عشر الهجري، وعندما سيطر "الجالا" أو الأرومو على الحكم، انتشر الإسلام بين قبائل "التقراي" في القسم الشمالي من هضبة الحبشة.
    اضطهاد المسلمين:
    تعرض المسلمون إلى الاضطهاد مرةً أخرى في عهد الإمبراطور تيودور قي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الذي دخل في صراع مع الثورة المهدية بالسودان، وفي عهد منليك خليفة يوحنا ظهر النفود الاستعماري، وأخد في التدخل للسيطرة على العديد من مناطق شرقي أفريقيا.
    الوضع الحالي:
    المسلمون أغلبية في مناطق الأوجادين، وهرر، وعفر، وأوروميه، وبني شنقول، أما وضع المسلمين فيثمتل في النسب الآتية: "51% مسلمون، 40% مسيحيون، 9% وثنيون". وتوجد هيئات ومؤسسات في أثيوبيا منها في أديس ابابا، كما توجد بعضها في ديوداوا، وباتَى، ووالدايا.
    ع2:
    دخول الإسلام إلى إرتريا والحبشة، وأفريقيا الغربية، ونيجيريا
    ج1:
    حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة، لجميل عبد الله محمد المصري.

    قضية أريتريا:
    موقع أريتريا:
    تتمتع أريتريا بموقع استراتيجي ممتاز، فهي تقع شرقي إفريقيا بين خطي عرض 15، 18 درجة شمالًا وخطي طول 36، 43 درجة شرقًا. ممتدةً على البحر الأحمر على مسافة 1000 كم، ويفصلها هذا البحر عن شبه جزيرة العرب. وتجاورها السودان في الشمال والغرب، وأثيوبيا في الجنوب، وجيبوتي في الجنوب الشرقي، كما تمتلك جزرًا كثيرةً في البحر الأحمر عددها نحو 126 جزيرة أكبرها جزيرة دهلك، وعددًا من الخلجان الهامة.
    ومساحتها 124320 كم2. وكانت تعرف عند المسلمين بأسماء متعددة منها: الطراز الإسلامي وبلاد الزيلع، وبلاد الجبرته، وعدل، وأريتريا، ودعاها الإيطاليون بهذا الاسم عام 1890م. وقد اشتق من الاسم اليوناني القديم للبحر الأحمر: سينوس ارتريوس كما عرفت باسم ميدري بحري، أي: البلاد المطلة على البحر، وسمي حاكمها بحر نجش، أي: ملك الإقليم المطل على البحر، كما عرفت باسم بلاد البوغوص، وأطلق عليها ميدري جبلتي، أي: أرض الأحرار.
    وهي تقسم إلى الأقسام الطبيعية التالية:
    1- السهول الساحلية والغربية: والساحلية منها تطل على البحر الأحمر ضيقة في الشمال ومتسعة في الجنوب. وتضم مقاطعات: كرن، بركة، الساحل. وتقوم فيها الزراعة وتضم 54 % من المساحة الكلية و 33 % من مجموع السكان.
    2- الهضبة: وهي تنحدر ببطء شمالًا إلى محافظة كرن حتى يبلغ انحدارها أقصاه في منطقة طوكر في السودان، بينما تنحدر انحدارًا شديدًا إلى السهول الساحلية. وتضم مقاطعات سراي، اقلي قوازي، حماسين وتضم 46 % من المساحة الكلية، و56 % من مجموع السكان.
    وأسمرة هي عاصمة أريتريا، وتقع في الهضبة بمديرية حماسين. ومن أشهر مدنها الأخرى: عصب ومصوع. وقد اختفت معظم المدن والمراكز والقرى، وأصبحت مهجورة من جراء القصف الأثيوبي المستمر بالطائرات والمدفعية الثقيلة الذي يهدف إلى إجبار المواطنين على ترك أراضيهم.
    ويزيد السكان على أربعة ملايين نسمة حسب تقديرات جبهة التحرير الأريترية، 80 % منهم مسلمون. والباقي من النصارَى الأقباط، ولغتهم الرسمية العربية والتجرينية. والعربية هي لغة الثقافة بالنسبة للمسلمين منذ عهد بعيد. وترجع الأصول العرقية للسكان إلى أصول عربية وأخرى أفريقية، نشأت من هجرات القبائل النيلية.
    دخول الإسلام إلى أريتريا والحبشة:
    إرتبطت أريتريا والحبشة إجمالًا باليمن في تاريخها ارتباطًا كبيرًا، فقد كانت اليمن مصدر هجرات العرب إلى الحبشة التي اكتسبت لسانها السامي الحالي. ومن أرجح الدراسات أن اسم الحبشة أو الحبشات بدأ يطلق على القبائل العربية المهاجرة من الجزيرة العربية عامة، ومن اليمن خاصة في القرن السابع ق. م. حيث أخذت هذه القبائل التي جاءت عبر البحر الأحمر تختلط بالسكان المحليين وتنشئ الإمارات.
    ومن أقدم الممالك الحبشية مملكة أكسيوم في هضبة تيجراي أقامها العرب اليمنيون ظهرت في القرن الأول الميلادي، واتخذ ملكها عيزانًا أذينة لقب نجاشي أي: ملك الملوك، واعتنق المسيحية على مذهب كنيسة اليعاقبة في مصر على يد الشقيقين فروفتيوس وايديسيوس عام 350 م. وقد تمكنت هذه الدولة من احتلال اليمن وحاولت هدم الكعبة تعصبا للنصرانية عام الفيل الذي شهد مولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد بعثة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- أذن للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة وأكرم النجاشي أصحمة وفادتهم، وكان أول من أسلم من أهل هذه البلاد، وعندما راسل -صلى الله عليه وسلم- الملوك والأمراء سنة 6 هـ. أرسل كتابًا إلى نجاشي الحبشة. كما أسلم بعض أهالي الحبشة بدعوة المهاجرين للإسلام، بدليل إعجاب بعضهم بالمسلمين بعد عرض حقائق الإسلام أمام النجاشي.
    وفي عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- 24 - 35 هـ توغل عبد الله بن أبي السرح والي مصر في إقليم البجة، وعقد الصلح مع أهلها، فتحركت دعوة الإسلام وسط قبائل البجة، حيث أصبح إقليم البجة الممتد من جنوب أسوان في مصر إلى جزر دهلك يضم إمارات إسلامية بعد ذلك على الساحل، حسب ازدياد إسلام القبائل التدريجي عن طريق احتكاك السكان بالتجار المسلمين والدعاة، وازدياد هجرة المسلمين إلى جزر دهلك والسواحل من العلماء والتجار والشعراء.
    وركز المسلمون وجودهم في دهلك عام 84 هـ، في عهد عبد الملك بن مروان، 65 - 86 هـ وفتحوا شاطئ مصوع وعدوليس، وبنوا القلاع والحصون، وأمنوا الطرق للتجارة، فازدهرت التجارة، وازدادت هجرة المسلمين إلى تلك المنطقة، وانتشر الإسلام عن طريق الدعوة والتجار والمصاهرة، وامتد نفوذ المسلمين بمن أسلم من أهل البلاد، فأسسوا مدينة هرر في الصومال في القرن الأول الهجري، حيث أصبحت مركزًا إسلاميًّا هامًّا في القرن الإفريقي.
    وفي عهد الخلافة العباسية تتابعت هجرة المجموعات الإسلامية إلى سواحل القرن الإفريقي بما فيه أريتريا، وتتابع إسلام أهل البلاد من النصارى والوثنيين، وزاد الاختلاط بين المسلمين القادمين والسكان الأصليين، بالمصاهرة والتعايش، ونمو العلاقات التجارية. وكان للخليفة هارون الرشيد العباسي 170 - 192هـ اهتمام خاص بساحل إفريقيا الشرقي فدفع الكثير إلى الهجرة إلى هناك. وظلت الهجرات العربية تتدفق طوال العصور الوسطى طلبًا للاستقرار أو التجارة أو الدعوة. ثم وصل الإسلام الحبشة عن طريق أريتريا.
    فقد سلك الإسلام إلى الحبشة طريقين:
    الأول: من مصر مخترقًا البحر الأحمر في السفن أو محاذيًا ساحله في البر مخترقة ديار البجة متجهة إلى أريتريا، حيث قام البجة الذين امتدت ديارهم من شمال الحبشة حتى حدود مصر بدور الوسيط في المبادلات التجارية بين مصر الإسلامية والحبشة، كما انتشرت القبائل العربية هناك من بلي وقيس عيلان وجهينة وأولاد كاهل وهلال، وبني عامر واختلطت بالبجة وصاهرتهم، فانتشر الإسلام بينهم منذ القرن الأول الهجري، كما آوت جماعة من الأمويين إلى أرض البجة وأقامت فيها، فاصطبغت البجة بالصبغة العربية الإسلامية وأخذوا يمدون الإسلام إلى الحبشة عبر أريتريا.
    يقول المسعودي: "وسكن في تلك الديار خلق من العرب من ربيعة بن نزار بن مضر بن عدنان، فاشتدت شوكتهم، وتزوجوا في البجة، فقويت البجة بمن صاهرها من ربيعة، وقويت ربيعة بالبجة على من ناوأها وجاورها من قحطان وغيرهم من مضر بن نزار ممن سكن تلك الديار".
    الثاني: الطريق بين بلاد العرب والحبشة عبر البحر الأحمر، فوجدت جماعات إسلامية قوية في دهلك وسواكن، وباضع وزيلع وبربرة، وامتدت الدعوة إلى داخل الهضبة الحبشية، واعتنق كثير من السكان الإسلام، وتحملوا مسئولية الدعوة، وبرز منهم علماء وفقهاء، ومحدثون، وأثمرت الدعوة قيام إمارات إسلامية، كانت أولها: إمارة شوا، قامت في الجزء الشرقي من إقليم شوا في القرن الثالث الهجري، واستمرت حتى نهاية القرن السابع الهجري. وقد أسسها بنو مخزوم. وقد سادت النطاق الأوسط من الهضبة الحبشية، وإليها يعود فضل وصول الإسلام إلى قلب الهضبة، وإلى حوض النيل الأزرق.
    واشتهرت السلطنات الإسلامية السبع التي عُرفت بسلطنات أو ممالك الطراز الإسلامي التي اتسمت بالطابع السلمي والتجاري بعد ضعف الدولة العباسية، وانحسار نفوذها عن القرن الإفريقي، وزاد ارتباطها بالعالم الإسلامي عن طريق الحج والتجارة، وانتقال طلاب العلم للدراسة في المدينة المنورة، ودمشق، والقاهرة، وبغداد، كما شجَّع حكام هذه الإمارات تعلم القرآن الكريم، وبناء المساجد، بفضل توافد العلماء والدعاة المسلمين، ووجود المراكز التجارية.
    واشتهر من هذه السلطنات: مملكة ايفات التي برزت أقوى ممالك الطراز السبع، وكانت نصيرًا أساسيًّا للمسلمين، قادت حركة الجهاد ضد النصرانية الأمهرية، إلى أن قضى عليها الإمبراطور عمد أصيون عام 729هـ؛ بسبب تفكك المسلمين. فانتقل عبء الجهاد أثر ذلك إلى مملكة عدل الإسلامية التي اتخذت منطقة هرر مركزًا لها. وكان ملوك النصارى الأمهرة يقومون بغارات مستمرة على هذه الممالك، واستعانوا بالصليبيين الأوروبيين، وخاصة البرتغال. في الوقت الذي كانت تجد فيه ممالك الطراز دعمًا إسلاميًّا من سلاطين المماليك في مصر، وخاصة زمن السلطان قلاوون، وزمن الدولة العثمانية.
    ومن أشهر من قاد الصراع الإسلامي ضد الصليبية الأمهرية والبرتغال الشيخ أبو عبد الله الزيلعي، وجمال الدين عبد الله بن يوسف، ثم برز الإمام أحمد بن ابراهيم أمير عدل الملقب بالقرين أو الأشول الذي اجتاح مملكة الحبشة بأسرها 935 - 950 هـ 1528 - 1543م بمساعدة الدولة العثمانية، واستطاع أن يقتل كريستوفر دي جاما ابن المكتشف المشهور عام 947 هـ / 1541م بوادي الدناكل في أريتريا.
    وقد توالت الإمدادات البرتغالية للنصارى، فاستشهد الإمام أحمد عام 949 هـ / 1543م. متأثرًا بجراح أصيب بها، ومع ذلك فقد استقرت دعائم الإسلام في جميع أجزاء الحبشة، وخاصة بين قبائل الجلا، ولكن احتل البرتغاليون شواطئ أريتريا، وفي الوقت نفسه شقت قبائل الجالا الزنجية المسلمة طريقها إلى قلب الهضبة الأثيوبية، حيث لا تزال الأماكن التي استوطنوها باقية إلى الوقت الحاضر. وقد واصل أتباع الإمام حركة الجهاد، وقادها من بعده الوزير عباس، ثم نور بن مجاهد بعده.
    وتمكن الأسطول العثماني من هزيمة البرتغاليين سنة 962هـ / 1554م. بقيادة سنان باشا، فاستولى العثمانيون على مصوع وسواكن وباقي سواحل البحر الأحمر وطردوا البرتغاليين إلى غير رجعة. فحفظوا للقرن الإفريقي إسلامه. وبقيت البلاد من ديار الإسلام بما فيها أريتريا. وتكونت ولاية الحبش التي أشرفت على مناطق الحبشة وأفريقيا، تابعة لوالي الحجاز. وكان لها أثر كبير في رسوخ الإسلام وبقائه أمام التيار الصليبي الذي اتخذ من الحبشة قاعدة له، وكانت جدة هي قاعدة باشوية ولاية الحبش.
    واستمر الحكم العثماني لأريتريا حتى سنة 1263هـ / 1846م. حين انتقلت إلى حكم والي مصر محمد علي باشا، وبقيت تابعة للإدارة المصرية إلى عام 1203هـ / 1885م حين احتلتها إيطاليا.
    استقر الإسلام في أريتريا والحبشة، وكان المسلمون أكثر حيويةً ونشاطًا من النصارى، إذ التزم كل مسلم بتعليم أولاده القراءة والكتابة في الوقت الذي كان فيه أبناء النصارى لا يتعلمون إلا عندما يزمعون القيام بأعمال الكهنوت. فتقدم الإسلام، وملك المسلمون ناصية التجارة، ونعموا بأملاك واسعة، وسيطروا على مدن كبيرة وأسواق هامة، وظفروا بنفوذ قوي على جمهرة الناس، وقد لوحظ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أنه عندما يراد شغل منصب من المناصب التي تتطلب أمانةً في الحبشة، كان يقع الاختيار دائمًا على شخص مسلم.
    وحدث عام 1296هـ / 1878م. أن اشتدت الهجمة الصليبية على مسلمي الحبشة، فعقد الملك جون مجمعًا ضم رجال الكنيسة الحبشية، وقرروا الاقتصار على دين واحد في جميع أنحاء المملكة، فألزم المسلمين بالتسليم في خلال ثلاث سنين، والوثنيين في خلال خمس سنين، ثم تخلى عن ذلك وأذاع بعد أيام انذارًا لكل الموظفين المسلمين أن يختاروا في خلال ثلاثة أشهر بين قبول التعميد أو التخلي عن مناصبهم. وقد أدى هذا التنصير الإجباري إلى زيادة البغضاء والعداوة في نفوس الأحباش المسلمين والوثنيين نحو النصرانية.
    أريتريا في ظل الإحتلال الإيطالي:
    1303 - 1360هـ / 1885 - 1941م:
    يعود النفوذ الإيطالي في شرق أفريقيا إلى النشاط التبشيري في هذه الجهات وأشهر المبشرين القس جوزيف سابيتو من جماعة التبشير سان لأزار الذي وفد إلى مقاطعة تيجري عام 1254هـ / 1838م. واقترح أن يكون لإيطاليا ميناء على البحر الأحمر، واستطاع أن يتصل فيما بعد بشيخ قبيلة رهيطة وغيره من مشايخ القبائل وزعماء الدناكل، ووفق إلى استئجار جهات واسعة من خليج عصب باسم شركة روباتينو، ورفع عليها العلم الإيطالي، فاحتج رضا باشا محافظ سواحل البحر الأحمر، فلم تقم إيطاليا بإجراء فعلي لاحتلال المنطقة حتى سنة 1300هـ / 1882م أي: بعد سقوط مصر بيد الإنجليز، وتونس بين الفرنسيين، وأرادت إيطاليا تعويض ما فاتها بالتوسع في شرق أفريقيا، فاشترت الحكومة الإيطالية ميناء عصب من الشركة الإيطالية مقابل 416000 ليرة، وأصبحت ركيزة للتوسع في الساحل الأفريقي.
    وبتشجيع من بريطانيا التي كانت ترغب في أن تجاورها دولة ضعيفة مثل إيطاليا، بدلًا من دولة قوية مثل فرنسا مدت إيطاليا سلطانها شمالًا وجنوبًا، فاحتلت بيلول عام 1303هـ / 1885م بعد انسحاب القوات المصرية، ثم قامت بغزو مصوع بأن سيرت سفنها الحربية عبر قناة السويس بتشجيع من بريطانيا عام 1303هـ / 1885م، وأجبرت وكيل محافظة مصوع المصري على مغادرتها، وتوغلت القوات الإيطالية فيما يلي مصوع غربًا ومدت سلطانها شمالًا حتى وصلت 100 ميل جنوب شرق سواكن، وجنوبًا حتى أصبحت المناطق التي احتلتها متاخمة لما احتله الفرنسيون ومقابلة لباب المندب.
    وفي عام 1306هـ / 1889م. احتلت بريطانيا كرن وأسمرة أي: معظم مناطق تيجري، وأصبحت بذلك تتحكم في الطرق الجبلية المؤدية إلى الحبشة [31] فتكونت مستعمرة أريتريا بمرسوم أصدره الملك همبرت الأول ملك إيطاليا عام 1890 م واتخذت أسمرة عاصمة لها بدلًا من مصوع. وعقدت اتفاقيتين مع بريطانيا اعترفت فيها بريطانيا بدائرة نفوذ إيطالية تمتد من ساحل أريتريا وتنتهي على ساحل المحيط الهندي في الصومال الذي عرف بالصومال الإيطالي، كما سمحت لإيطاليا باحتلال كسلا مؤقتًا على أن تبقى حقوق مصر في هذا الميناء دون مساس، فاحتلته إيطاليا بالفعل عام 1312هـ / 1894م، ووقع اختيار بريطانيا على الجهات المقابلة لعدن، فأجبرت مصر عام 1302هـ / 1884م على إخلاء بربرة وبلهار وزيلع، واحتلتها وكنت ما سمي بالصومال البريطاني.
    والغريب أن مصر ظلت تدفع مرتب نائب القنصل الإنجليزي الذي يكلف بإدارة هذه الجهات، وكذلك الإضافة السنوية التي كانت تدفعها للدولة العثمانية في مقابل ضم زيلع ومصوع وسواكن لها حتى بعد إخلائها، كخطة من بريطانيا لإضعاف الخزينة المصرية كما أجبرت بريطانيا مصر أيضًا على إخلاء هرر عام 1303هـ / 1885م وسمحت لمنليك ملك شوا بالزحف عليها، فاستولى عليها ولا تزال بيد الأحباش حتى اليوم. كما غنمت فرنسا ما سمي بالجانب الفرنسي جيبوتي، وأصبح هم الدول الاستعمارية بريطانيا وفرنسا وايطاليا تثبيت مناطق نفوذها في الصومال الذي أصبح ممزقًا إلى أربعة أجزاء لها وللحبشة.
    ولما هُزمت إيطاليا في معركة عدوة عام 1314هـ / 1896م أمام الحبشة ومن ورائها فرنسا وروسيا، عقدت معاهدة بين إيطاليا وأثيوبيا، أنهت الحرب واعترفت باستقلال أثيوبيا استقلالًا تامًّا، وعينت بموجبها الحدود بين أريتريا وأثيوبيا، وكان مما عمق العداوة بين أريتريا والحبشة ما قام به منليك من تعذيب الأسرى الأريتريين الذين شاركوا مع الإيطاليين في معركة عدوة حيث قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
    السياسة الإيطالية في أريتريا:
    لجأت ايطاليا إلى ضرب القبائل الأريترية بعضها ببعض، ودفعت السكان بعيدًا عن المدن والمناطق الخصبة، وعملت على تهجير الإيطاليين إلى هذه البلاد، واستيطانها واعتبرتهم مواطنين من الدرجة الأولى، وبدأت برنامجًا طويلًا لغرض استثمارها بدأت تنفيذه عام 1318 هـ / 1900م وتركزت معظم التجارة في منطقة أسمرة وما حولها، ومدت خطًّا حديديًّا يمتد من مصوع إلى أسمرة بطول 120 كم بدأ العمل فيه سنة 1306هـ / 1888م وتم عام 1329هـ / 1911م.
    واستخدمت الأريتريين في المشاريع بطريق السخرة، واتجه المستعمرون إلى الإنتاج الزراعي، ولذا عجزت المستعمرة عن أن تكون سوقًا للمنتجات الإيطالية، فأصبحت عبئًا على الخزانة الإيطالية، وكانت مقاومة المسلمين الأريتريين مستمرة في وجه السياسة الإيطالية، الأمر الذي جعل الجيش والمستوطنين يعيشون في ذعر مستمر وقلق دائم.
    وحاول الإيطاليون القضاء على الإسلام واللغة العربية، ولكن المحاولة لم تنجح، وسخر الإيطاليون أكثر الأريتريين في التجنيد الإجباري في صفوف الجيش الإيطالي. وأرسلوا عددًا منهم إلى مستعمرات إيطاليا الأخرى مثل ليبيا. وهذا مع التفرقة العنصرية بين المجندين في الجيش، وحِرمان الشعب من حق التعليم، ونشر الكنائس والمدارس اللاهوتية بصورة مذهلة في المدن الكبيرة. مع إهمال المساجد، والتعليم الديني الإسلامي، كما وقفت إيطاليا إلى جانب بريطانيا في مواجهة الحركة المهدية في السودان، وقامت بتشويه سمعة الحركة والقائم بها أمام الشعب الأريتري، وجندتهم لمواجهتها. وغَرَست الكره لقائد الحركة المهدية في قلوب الأريتريين.
    أريتريا تحت الحكم الإنجليزي:
    1360 هـ / 1941 م - 1371هـ / 1952م:
    وقفت إيطاليا الفاشية بزعامة موسوليني إلى جانب ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، فاتجه الحلفاء بكل قواهم لمساعدة أثيوبيا التي استولى عليها موسوليني، وكان موسوليني في سياسة منه لاستمالة المسلمين في أثيوبيا قد صرح ببناء المساجد، فأعدوا إصلاح وترميم المساجد الموجودة في المدن الإسلامية القديمة مثل مصوع وغيرها من المدن الساحلية، وقاموا ببناء مسجد أديس أبابا الكبير، وبنوا المساجد في مختلف المدن الإسلامية الأخرى من الأوقاف الإسلامية التي أطلق الإيطاليون لها حرية العمل، كما قامت الحكومة بتعيين القضاة الشرعيين لتطبيق الشريعة الإسلامية، وأدخل تدريس اللغة العربية في المدارس الإسلامية، وأنشئت في جيما التي كانت من مراكز المسلمين العظيمة كلية دار العلوم الإسلامية للتخصص في الفقه.
    وشهدت أريتريا بالذات انتعاشًا في كثير من المجالات الزراعية، والصناعية، والتجارية. ويرجع ذلك إلى نمو بعض الصناعات القائمة على الخامات المحلية المتوفرة، ولمرور وقت كاف على إنشائها، وتهيئة وإعداد صناعات معينة مرتبطة بالتجهيزات العسكرية لمواجهة متطلبات الحرب التي بدأ أخطارها تلوح في الأفق.
    ولم يكتفِ الإنجليز بإعادة حبشة هيلا سلاسي ولكن منحوها كل تأييد ومساعدة على اعتبار أنها مخلب القط للاستعمار الصليبي في أفريقيا، واتجهوا إلى خلق منفذ لها على البحر الأحمر، بعد أن استطاعت قوات الحلفاء ومعها هيلاسلاسي وبجهاد الفرقة السودانية من دخول أديس أبابا عام 1941م. وأعلن إيدن في العام نفسه: "أن بريطانيا ترحب بعودة الدولة الأثيوبية المستقلة، والاعتراف بحقوق الإمبراطور هيلاسلاسي في العرش، وأن الحكومة البريطانية تقدر ما أبداه الإمبراطور من حاجة البلاد إلى المعونة الخارجية، وترى أن مثل هذه المعونة والتوجه في الميادين الاقتصادية والسياسية، يجب أن تشملها الاتفاقيات الدولية عند عقد الهدنة، وتؤكد بريطانيا أنه ليس لها أية أطماع إقليمية في الحبشة، وأن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات البريطانية سوف تتم بالتفاهم مع الإمبراطور وينتهي عملها عندما يسمح الموقف بذلك".
    وأخذ الإمبراطور يعمل في هدوء وبراعة لكي يعيد المسلمين على ما كانوا عليه في السابق من حرمان وإهمال وظلم، ويرخي عليهم ستارًا كثيفًا من النسيان، يحجبهم عن العالم، ويحجب العالم عنهم، في الوقت الذي كان يعمل فيه على إطهار نفسه بمظهر الحاكم المتسامح بل المفرط في تسامحه، وعاونته على ذلك أجهزة الإعلام الغربية التي تسيطر على إعلام العالم.
    واتبع طريقة إثارة الخلافات القبلية والطائفية والعنصرية بين المسلمين، كما عمل على توسيع أسباب الشقاق والخلاف بينهم، وإذا لمسوا بادرة احتجاج من مسلم أنزلوا به أنواع المعاملة من تشريد وحرمان وسجن، ثم اغتيال إذا استدعى الأمر ذلك، وهذا هو الواجب الأول على الحكام الذين كان يعينهم الإمبراطور على مختلف مقاطعات الدولة.
    وسيطرت بريطانيا على أريتريا، فواجهت تدهورًا اقتصاديًّا متعمدًا لسوء الإدارة البريطانية، واضطراب الأمن، وتشجيع عمليات الإرهاب والنهب الواسعة التي تستخدم القوة والعنف وذلك من أجل أن تعدها للضم إلى الحبشة، فأهملت المصانع والمشروعات السابقة، وقامت ببيع كثير من المنشآت الأريترية، مثل قاطرات السكك الحديدية وقضبانها، وأعمدة التليفونات الحديدية، والمعدات الخاصة بالمشاريع الزراعية، واستخراج بعض المعادن، ومصانع الأسمنت، والأحواض العائمة لإصلاح السفن.
    كل ذلك بحجة أنه من غنائم الحرب، وبحجة استرداد الإعانات والديون التي في ذمة أريتريا. وعملت على إثارة الخلافات بين طوائف السكان، وقسمت أريتريا إلى مناطق على أساس الدين والثقافة، فجعلت اللغة العربية والإنجليزية لغتي التعليم في المناطق الإسلامية التي ضمت أغورادت، وكرن، ونفقه، وجعلت اللغة التجرينية والإنجليزية في المناطق النصرانية والتي ضمت: الهضبة، والشواطئ، فأذكت بذلك الخلافات الطائفية، وعمقت التفاوت من حيث المضمون في بعض المناهج الدراسية.
    وهذه السياسة نفسها التي اتبعتها في الهند، وفي فلسطين، وفي معظم البلاد الإسلامية التي وقعت فريسةً للسيطرة الإنجليزية. وشجعت الأحزاب السياسية على أسس طائفية، ثم اقترحت على هيئة الأمم تقسيم أريتريا على هذا الأساس الذي وضعته. وتركت لأثيوبيا حرية الدعاية لضم أريتريا إليها، فبذلت أثيوبيا الأموال عن طريق الكنيسة وشجعت قيام حزب أرتيري. يؤيدها باسم حزب الاتحاد مع أثيوبيا كان معظم أعضائه من النصارى، وبعض المسلمين المقتنعين بضرورة الوحدة. واتبع هذا الحزب أساليب التهديد، والاغتيال، والتظاهر، والدعاية لضم أريتريا إلى أثيوبيا، وأنشأ هذا الحزب بالتعاون مع الكنيسة القبطية، والحكومة الأثيوبية منظمةً سريةً إرهابيةً تدعو للوحدة مع أثيوبيا، باستخدام وسائل الاغتيالات، والتهديد، وإشعال الحرائق، ومصادرة الأموال، وعرفت هذه المنظمة باسم الانديننت أي: الوحدة.
    وأطقل عليها الأريتريون اسم الشفتا، أي: القتلة والسراق. وقامت على إرهاب المسلمين، فكانت تقطع رؤوسهم بالسيوف بعد تقييدهم أمام نسائهم وأطفالهم، وتصادر أموالهم ودوابهم، وكانت تحرق المزارع، وتترك على مسرح الجريمة خطابات ومنشورات يعلن فيها أفرادهم ولاءهم للإمبراطور هيلاسي لاسي ويهددون فيها أعداءهم بالموت. وكانت الصحف الأثيوبية تكيل لهم المدح، وتصفهم بالوطنيين. كما كانت الحكومة تمنحهم حق اللجوء السياسي، عندما تتظاهر بريطانيا بمضايقتهم. وهذا الدور الذي قامت به المنظمة يشبه تمامًا دور المنظمات الصهيونية في فلسطين، وفي الفترة ذاتها.
    فأسس المسلمون في مواجهة ذلك حزب الرابطة الإسلامية الأريترية عام 1946م برئاسة بابمر الميرغني، واختير محمد إبراهيم سلطان علي أمينًا عامًّا له، وهدفه استقلال أريتريا ووحدة أراضيها، كما أنشأت عدة أحزاب صغيرة تحالفت فيما بعد؛ لتكون الكتلة الاستقلالية الأريترية، وقد أنشأت هذه الأحزاب الصحف العربية والتجرينية.
    قضية أريتريا في هيئة الأمم المتحدة:
    فرض على إيطاليا معاهدة سنة 1947م تنازلت بمقتضاها عن جميع مستعمراتها في أفريقيا: أريتريا - وليبيا - والصومال - وعرضت قضية أريتريا في هيئة الأمم المتحدة، وطالبت المملكة العربية السعودية والأرجنتين بالاستقلال الفوري لها، في حين قامت بريطانيا بمشروعها للتقسيم، فهُزمت عند التصويت عليه.
    ونوقشت القضية عام 1369هـ / 1950م. وفاز المشروع الأمريكي، الذي يقضي باتحاد أثيوبيا وأريتريا تحت التاج الأثيوبي على أن يكون لأريتريا حكم ذاتي، وسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، ويقتصر اختصاص الحكومة الاتحادية على شؤون الدفاع والخارجية والمالية والمواصلات، وعلى أن يضم المجلس الاتحادي عددًا متساويًا من الأريتريين والأثيوبيين، يجتمع مرة كل سنة على الأقل؛ لإسداء النصح والمشورة فيما يتعلق بشؤون الاتحاد، وعلى أن تكفل الحكومة الاتحادية لجميع المواطنين التمتع بالحقوق والحريات الأساسية دون تمييز من حيث اللغة والدين والجنس.
    وتضمن المشروع الأمريكي أيضًا إيفاد مندوب من الأمم المتحدة، بمساعدة خبراء يعينهم السكرتير العام للأمم المتحدة، لإعداد مشروع للدستور الأريتري، وقد صدق الإمبراطور هيلاسلاسي على نصوص الاتحاد الفيدرالي سنة 1372هـ / 1952م.
    وانسحبت بريطانيا، وانطوت أريتريا تحت الاتحاد الفيدرالي، وقد علق المندوب السوفييتي على ذلك بقوله: "إن مشروع الاتحاد يعتبر زواجًا ضد إدارة أحد الطرفين، وأنه زواج لا يسمح بالطلاق". وكان كثير من الوفود أعربوا عن تأييدهم لاستقلال أريتريا، ولم يختلفوا إلا بالنسبة للوسائل، وفترة الانتظار، ولكن الضغط الأمريكي كان شديدًا، فقد بذلت أمريكا جهودها للربط بين أريتريا وأثيوبيا، على الرغم من معارضة الشعب الأريتري مقابل إقامة القواعد العسكرية الأمريكية في أريتريا.
    خطوات التسلط الأثيوبي على أريتريا:
    بعد إعداد الدستور وانتخاب الجمعية التمثيلية الأريترية رئيسًا للوزراء، سلمت الإدارة البريطانية السلطة رسميًّا للحكومتين الأريترية والأثيوبية، ورفع العلم الأريتري إلى جانب العلم الأثيوبي، وعين النصارى في المناصب الهامة، وكان عدد النواب في الجمعية التمثيلية 68 نائبًا نصفهم من المسلمين والنصف الثاني من النصارى مع أن 80 % من السكان مسلمون، وعندما شكلت إدارة للحكومة شغلت بنحو 90 % من النصارى نتيجة تواطؤ الإنجليز مع الحكومة الأثيوبية.
    وبعد انسحاب القوات البريطانية، دخلت القوات الأثيوبية واحتلت المعسكرات التي أخلاها البريطانيون. واستولت على المطارات والموانئ، والبريد، والبرق، والسكك الحديدية، وجميع وسائل المواصلات، والمباني، والمؤسسات الحكومية الأريترية. وظهرت العملية بصفة احتلال مفاجئ، وأما التبرير المزعوم فهو: أن الحكومة الأثيوبية لها صلاحيات الحكومة الاتحادية التي تشرف على المصالح العليا لطرفي الاتحاد.
    وهكذا فقد فرض هيلاسي لاسي نفسه رئيسًا فعليًّا على أريتريا، وتدخل في كل شأن من شئون الدولة الداخلية، ضاربًا بالدستور عرض الحائط، فأوقف الصحف، وحل الأحزاب والاتحاد العام لنقابات العمال، واستولى على حصة أريتريا في الجمارك، وخنق الاقتصاد الأريتري، وأفقر الشعب بكل الوسائل، وأغرب ما في سياسته أنه كان يساعد الإرساليات التبشيرية البروتستنتية والكاثوليكية. مع أنه أرثوذكسي متعصب؛ وذلك نكايةً بالمسلمين.
    وفي عام 1373هـ / 1953م، اتخذت الجمعية التمثيلية قرارًا بأغلبية ساحقة، طالبوا فيه رئيس الوزراء إنذار الحكومة الأثيوبية بوجوب إعطاء الضمانات اللازمة لسيادة دستور الاتحاد، فقدَّم تدلابايرو رئيس الوزراء النصراني استقالته، وكان رئيس حزب الاتحاد، واستقال معه حليفه علي موسى راداي رئيس الجمعية التمثيلية، وانتخب البرلمان الذي خضع كثير من أعضائه لمؤامرات الإمبراطور أسفها ولد ميكائيل رئيسًا للوزراء، مقابل انتخاب إدريس محمد رئيسًا للجمعية التمثيلية، ولكنه أقيل بعد عشرة أشهر؛ لكونه من الكتلة الاستقلالية، واستبدل به حامد فرج الموالي لأثيوبيا، ولم تُجْدِ الاحتجاجات التي قدمها ممثلو الأحزاب السياسية في الأمم المتحدة.
    فقد استمرت أثيوبيا في عملية إلغاء الاتحاد خطوةً بعد خطوةٍ، وزيفت الجمعية الأريترية وأصبحت ألعوبة في يد رئيس الوزراء، الذي عمد إلى إنزال العلم الأريتري، وألغى الشارات الأريترية، ومارس الإرهاب بواسطة الجيش الأثيوبي، وتركز الأمر على محو اللغة العربية، واعتقال القيادات الشعبية لمناهضة الإسلام مناهضة فعالة.
    وإزاء ذلك شكل الشعب الأريتري وفدًا إلى البلاد العربية والجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة؛ ليشرح لها مأساة أريتريا برئاسة إدريس محمد. وفي عام 1381هـ / 1961م، أعلنت جبهة تحرير أريتريا الثورة المسلحة، وانتقلت إلى جبال أريتريا بسبعين مقاتل، بقيادة المجاهد حامد إدريس عواتي، ثم أخذ العدد يتزايد حتى أصبح 40 ألف مقاتل. فكان رد الحكومة أن أعلن الإمبراطور عام 1382هـ / 1962م: أن أريتريا جزء لا يتجزأ من أثيوبيا، وأنه لن يتخلى عنها بأي حال من الأحوال، وأصبحت أريتريا المقاطعة الرابعة عشرة من مقاطعات أثيوبيا، وظلت الثورة مشتعلة، وبدأت المسألة تتعقد، وانشغلت الدول العربية عن أريتريا، فقد كان هناك ود عميق بين هيلاسيلاسي وجمال عبد الناصر، فضعفت الأصوات التي تساعد العرب المسلمين ضد هيلاسيلاسي في أثيوبيا، واستغل منظمة الوحدة الإفريقية التي اتخذت مقرها أديس أبابا كطاقية إخفاءٍ؛ لإخفاء بشاعة أعماله ضد المسلمين في أريتريا والصومال الغربي وتيجراي، وغيرها من أقاليم المسلمين في أثيوبيا.
    ومن الجدير بالذكر أن أمريكا تعهدت بدفع كل مصاريف إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية من خزانتها الخاصة، كما أن 50 % من مساعداتها الخارجية لدول أفريقيا ذهبت إلى الحبشة وحدها لضرب الإسلام هناك.
    الثورة الأريترية وتطوراتها:
    نزَح عدد كبير من سكان أريتريا إلى البلاد الإسلامية المجاورة بسبب البطش الأثيوبي، فقام فريق منهم عام 1378هـ. بتنظيم حركة التحرير الأريترية في بورسودان برئاسة محمد سعيد إدريس الذي أنشأ جبهة التحرير الأريترية سنة 1380هـ. وفي العام التالي 1381هـ / 1961م أعلن حامد إدريس عواتي الثورة ضد الإحتلال الإثيوبي، واعتصم مع رجاله في الجبال، وقام العلماء وخطباء المساجد بدعوة المسلمين إلى الجهاد. وتم تزويدهم بكميات من السلاح اشترتها الجبهة من الأقطار المجاورة بأموال التبرعات. واستشهد حامد إدريس عام 1962م فتولى القيادة محمد عبد الله أبو طيارة. وبدأ إنشاء الجيش بالفعل منذ عام 1384هـ، ولقيت الثورة دعمًا ماليًّا وعسكريًّا من بعض الأقطار العربية، فحققت انتصارات كثيرة، وسيطرت على كل الريف الأريتري.
    وبدأت ريج الانقسام بين المجاهدين. ففي عام 1965م طبقت الجبهة تجربة الثورة الجزائرية في تقسيم الثورة حسب المناطق. فأخذت النعرة الإقليمية، والقبلية، تبرز بين القيادات، وفي ظلها قفزت إلى القيادة عناصر شيوعية، وقومية، وعلمانية، ونصرانية، متخطية المجاهدين وباسمهم. فعقدت هذه القيادات مؤتمرًا عام 1969م، وأصدرت قرارًا: "يُمنع منعًا باتًّا تناول شئون الثورة الأريترية بالأساليب الدينية". ومحاربة كل النشرات التي تحمل هذه الصفة، ورفع شعار: "الدين لله، والوطن للجميع". وتكون المجلس الثوري بدلًا من المجلس الأعلى للجبهة، وقوات التحرير الشعبية، وقوات التحرير الأريترية، والجبهة الشعبية وهي مجموعة إسياس أفورقي، ومعظمها من النصارى وترفع الشعارات الماركسية اللينينية بصراحة.
    وأخذت المنظمات اليسارية تعلن عن أهدافها، وترفع شعاراتها، حتى أنها اعترضت على تدريس كتب المناهج الأريترية التي طبعت في المملكة السعودية، بحجة أن في هذه الكتب بسم الله الرحمن الرحيم فاشتعلت الحرب الأهلية سنة 1392 هـ / 1972م، واستمر الصراع الذي ذهب ضحيته العديد من الشباب المسلم الأريتري، من جميع الأطراف وانحسر التيار الإسلامي منذ عام 1395هـ / 1975م. حيث عقَد المؤتمر التنظيمي الثاني العام لجبهة التحرير الذي أكد على: استخدام اللغة العربية، وتوحيد فصائل المقاومة. واستخدم في وثائقه العبارات الاشتراكية. وأخذت تتقرب من الحكم الشيوعي الأثيوبي.
    فأصدرت المحكمة العسكرية في أثيوبيا نظام الدرق في 16 / 5 / 1976م إعلانًا سياسيًّا بشأن مستقبل أريتريا، ويسمى: إعلان النقاط التسع. يتضمن عرضًا للتصور الأثيوبي للقضية الأريترية. وفيه أن أريتريا إقليم أثيوبي، والتركيز على الحزب الاتحادي والإشادة به، والإصرار على القول: أن التخلص من نظام الإمبراطور الإقطاعي، واتخاذ الاشتراكية طريقًا للتقدم، يزيل الأسباب الحقيقية للمشكلة الأريترية. والدعوة إلى التعاون مع القوى التقدمية في أثيوبيا لسحق القوى الأريترية الرجعية !! فأسهم ذلك في الانشقاق بين الفصائل المتناحرة.
    واستمرت انشقاقات المنظمات إلى أن توصلت الفصائل: قوات التحرير الشعبية وجبهة التحرير الأريترية واللجنة الثورية إلى اتفاقية للوحدة الاندماجية عام 1404هـ / 1983م بجهود بذلتها المملكة العربية السعودية والسودان. وأقر المجلس الوطني الأريتري عام 1405هـ / 1985م وثائق التنظيم تحت اسم جبهة التحرير الأريترية التنظيم الموحد، وانتخب عثمان صالح سبي رئيسًا للجنة التنفيذية للجبهة، وأصدر المجلس بعد تشكيله عددًا من القرارات والتوصيات أهمها:
    1- عقد المؤتمر الوطني الأول للتنظيم الموحد في يناير كانون الثاني عام 1986 م.
    2- دمج الأجهزة المختلفة التي كانت تابعة للفصائل.
    3- الاهتمام بأسر الشهداء صحيًّا واجتماعيًّا وجرحى الحرب.
    4- أوصى بأهمية الحوار مع الجبهة الشعبية الأريترية، وهي الجبهة التي يتزعمها اسياس أفورقي النصراني. وتشير الدوائر إلى توصل النظام الأثيوبي الشيوعي إلى اتفاق معه لإنهاء الحرب بين الفريقين؛ لإعادة أريتريا إلى أثيوبيا ثانية، الأمر الذي يدعم ضرورة الإصرار على إسلامية التحرك.
    5- أوصى بقبول مبدأ المفاوضات مع أثيوبيا دون شروط مسبقة للوصول إلى حل سلمي عادل.
    6- تأييد منظمة التحرير الفلسطينية.
    وقد اعتبر التنظيم الجديد الكفاح المسلح الذي بدأه حامد عواتي عام 1961م هو بداية الثورة.
    وبرزت مشاريع جيدة لوحدة الفصائل في الثورة الأريترية، وفي ظل الصحوة الإسلامية المعاصرة، أخذت أريتريا تعود إلى وجهها الإسلامي المشرق، فبرزت مجهودات من أجل توحيد الصف المسلم الأريتري، أسفرت عن توقيع ميثاق توحيد العمل الإسلامي الأريتري من ممثلي الجبهة الإسلامية؛ لتحرير أريتريا، وممثلي منظمة الرواد المسلمين الأريترية. يوم 26 شعبان 1407هـ الموافق 24 من ابريل عام 1987م. وهذا إنجاز عملي ومبدئي لتحقيق وحدة الصف الإسلامي في أريتريا. ولكن تمكنت القوى المعادية للإسلام من تمكين الجبهة الشعبية من أريتريا.
    وقد أكد الميثاق على عدالة قضية الشعب الأريتري وحقه في تقرير مصيره، كما أبرز بوجه خاص مسئولية الدعاة والجماعات الإسلامية في أريتريا في تحمل تبعات الدعوة إلى الله، وتحقيق أغراضها والدفاع عنها. ودعا الميثاق إلى ضرورة إقامة اتحاد إسلامي شمولي جهادي، ليتصدى لكل الأخطار المحيطة بالإسلام والمسلمين في أريتريا. وعبر عن تلاحم المسلمين في أريتريا مع جميع إخوانهم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، والالتزام بقضاياهم، والانتصار لها.
    ومن أبرز ملامح قضية الإسلام في أثيوبيا الكفاح المشترك، فكما ظهرت جبهة تحرير أريتريا ظهرت جبهة تحرير الأوجادين، وأخرى في قلب أثيوبيا، وهي جبهة تحرير التيجراي في شمال وسط الهضبة الحبشية، وبدأت جولتها مع المجلس العسكري الحاكم في أثيوبيا، لتؤكد طبيعة الوضع المتدهور داخل الحبشة.
    المسلمون في أريتريا تحت ظل الحكم الشيوعي الأثيوبي:
    1394 هـ / 1974 م - 1405 هـ / 1985م:
    في عام 1394هـ / 1974م قام انقلاب في أثيوبيا، وأجبر الإمبراطور هيلاسلاسي على التنازل، ثم أعلن أثيوبيا جمهورية إشتراكية، وأعلن قادة الانقلاب كعادة الثورات الشيوعية أن من مبادئهم احترام القوميات وحل مشاكل البلاد، وخاصة مشكلة أرتيريا. واتجهت الأنظار إلى الصلح، وتقدم السودان باقتراح لوقف إطلاق النار وفتح حوار عاجل بين الجانبين. ولكن سرعان ما تبين أن قادة الانقلاب الحمر ليسوا بأقل من هيلاسلاسي وبقوى الاتحاد السوفييتي هذه المرة، بالإضافة إلى المساعدات الأمريكية، فقد قامت القوات الأثيوبية في 3 / 6 / 1975م باجتياح أراضي العفر الإسلامية شمال شرق الحبشة بما يشبه حرب الإبادة الجماعية.
    وكانت قد اشتدت هجمات المجاهدين الأريتريين، وحرروا أربع عشرة مدينة حتى عام 1397 هـ / 1977م و 90 % من أرض أريتريا، فاستعان المجلس العسكري الحاكم بالروس، فعملت روسيا على إعادة بناء الجيش الأثيوبي وتحديثه، ومده بالأسلحة الحديثة في ظل أضخم جسر عسكري مده السوفييت في تاريخ العالم ابتداء من الصواريخ إلى الطائرات الميج 21 و 23، إلى الدبابات الثقيلة، وتولت كوبا وألمانيا الشرقية مع السوفييت بناء تنظيم عسكري مواز للجيش، وهو ميليشيا الشعب الثورية التي بلغ عددها في فترة من الفترات ربع مليون مسلح.
    كما تدفقت على أثيوبيا موجات كثيفة من الجنود الكوبيين والخبراء العسكريين السوفييت وخبراء الأمن الألمان الشرقيين، وقالت التقديرات المحايدة: إن الكوبيين وصلوا إلى 25 ألف جندي، وعدد السوفييت ما بين 1500 و2000 خبير، وجاء نفس العدد تقريبًا من ألمانيا الشرقية.
    فتغير ميزان القوى وشهد عام 1397هـ / 1977م هجومًا أثيوبيًّا، وحملات متتابعة على مراحل لاستعادة المواقع التي خسرتها الشيوعية في أريتريا والصومال -وسميت هذه العملية بعملية النجم الأحمر- نفذها منجستو مريام بالخبراء الروس، وبدأت منذ أوائل عام 1978م بغارات جوية مكثفة على مدن الصومال، وعلى مواقع الثوار، فأخرجت الصومال من القتال. حيث وقعت موسكو وأثيوبيا اتفاقية صداقة وتعاون، لمدة عشرين سنة عام 1978م جاء فيها: التأكيد على: "مواصلة التعاون في المجال العسكري بهدف ضمان القدرة الدفاعية لأثيوبيا".
    وفي الوقت نفسه لم يتوقف الأمريكيون عن إمداد أثيوبيا بالسلاح، عبر نيروبي عاصمة كينيا، وقاعدة ايتزون اليهودية، حيث كانت الطائرات الأمريكية تضع حمولتها من العتاد الحربي، ويتم نقلها جوًّا بطائرات يهودية إلى أديس أبابا. كما أعطت أمريكا وعدًا نهائيًّا للعقيدة منجستو مريام في أديس أبابا في 17 / 2 / 1978م بعدم تقديم أي عون عسكري مباشر أو غير مباشر للصومال، ما دامت تسيطر على الحكم في الصومال الغربي، أوغادين، وهكذا يظهر بوضوح معاداة ما يسمى الدول الكبرى للإسلام والمسلمين، حتى ولو انخدع المسلمون وساروا في ركابهم.
    قارن ذلك بما حصل بين تركيا واليونان في أزمة قبرص وقضية فلسطين.
    وكانت الفترة ما بين أغسطس 1978م وفبراير 1979 هي أقصى فترات الحرج السياسي العسكري للأريتريين، مثلما كانت أقصى مراحل النصر العسكري والسياسي للأثيوبيين، فاستعاد الجيش الأثيوبي سيطرته الفعالة على أهم المناطق الأريترية المحررة وخاصة المدن الأساسية والطرق الهامة، ودخلت الثورة مرحلة من الكمون من جديد يسودها الصراع الداخلي كما سبق. وكان من نتيجة ذلك تشريد أكثر من مليون أريتري معظمهم في السودان، وتشريد أكثر من مليون لاجئ صومالي إلى الصومال.
    وخلا الجو للنظام الشيوعي الذي رسم محددات لطمس الوجود الأريتري مثل: إلغاء اللغة العربية والتجرينية، وإجبار التلاميذ والأطفال على الدراسة باللغة الأمهرية، وأسهم في حدة المجاعة التي تعانيها البلاد، بل وافتعلها النظام الشيوعي في بعض الجهات الإسلامية. ومنع النظام الشيوعي وصول المساعدات إلى البائسين الجياع في إقليم أريتريا وتيجري، وسمم الآبار في إقليم أوجادين. والغريب أن المساعدات المادية يتم تحويلها لشراء الأسلحة، والمساعدات الغذائية يتم بيعها من قبل الجيش الأثيوبي في السوق السوداء. أما روسيا فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، أنها زودت أثيوبيا بأسلحة تبلغ قيمتها أكثر من ألفي مليون دولار، بينما لم تزد المساعدات الإنسانية على قيمة ثلاثة ملايين دولارًا من الأرز.
    وقد أقدم النظام الشيوعي الأثيوبي على حجز شحنات المساعدة من مواد غذائية وطبية المرسلة إلى ضحايا الجفاف والمجاعة، ودمر المصادر الطبيعية وأحرق القرى والمزارع وشرد أبناءَها.
    ومن أمثلة الاستيلاء على المعونات:
    - استولت السلطات عام 1404هـ / 1983م على سفينة استرالية محملة بالمواد الغذائية في ميناء عصب.
    - أصدرت السلطات قوانين وتعليمات في مدن أريتريا الرئيسة التي تحت سيطرتها تعامل الذين يلقى القبض عليهم وهم يغادرون المدن وبحوزتهم أكثر من كيلو غرام واحد من السكر أو خمسة كيلو غرامات من الحبوب كأنهم مجرمون، كمهربي الأسلحة للقوات الأريترية.
    - دفعت أجزاء من رواتب الجنود الأثيوبيين بالحبوب؛ ليتسنى بيعها بأثمان مرتفعة في السوق السوداء. فالمعونات تذهب إلى جنوب ورجال الميليشيات الذين يدعمون النظام.
    ونختتم هذا الفصل بفكرة موجزة عن علاقة أثيوبيا بالدولة الصهيونية في فلسطين:
    نرى في أثيوبيا أوضح الأمثلة لتعاون الصهيونية والنصرانية والشيوعية لضرب الإسلام والمسلمين. فقد كان هيلاسلاسي سبط يهوذا يدعي بفخر واعتزاز انتسابه للدم اليهودي، ويطبع على رايات بلاده ذات الأكثرية المسلمة: أسد يهوذا. وفي نص الدستور الأثيوبي الذي صدر عام 1955م في المادة الثانية ما يلي: "تظل السلطة الإمبراطورية متصلة في سلالة هيلاسي لاسي الأول حفيد الملك سهلا سلاسي الذي ينحدر بدون انقطاع من أسرة منليك الأول ابن ملكة سبأ والملك سليمان ملك بيت المقدس، وشخص الإمبراطور مقدس، لا منافس لسلطته ولا نزاع في حكمه، وتقع على الإمبراطورية مسئولية حماية المذهب الأرثوذكسي".
    فباسم الأصل العرقي المشترك الموهوم وثق صلاته بالدولة الصهيونية، فقامت عام 1384 هـ / 1964م بعثة صهيونية برئاسة مدير المخابرات بزيارة أريتريا، استقدمت أثيوبيا على أثرها أربعين ضابطًا إسرائيليًّا لتدريب الجيش الأثيوبي على حرب العصابات. كما قام الضباط البهود بتدريب طلبة الكلية البحرية على حرب العصابات في جبال قندع؛ استعدادًا لمعارك برية وبحرية ضد أريتريا. كما اشترك الضباط اليهود في صفوف الجيش الأثيوبي أثناء الحرب. مع الصومال. مقابل إقامة قواعد أمريكية لتدريب رجال الكوماندوس الذين يوجهون للعمل على حدود الصومال والسودان وجيبوتي، حيث استأجرت أمريكا عدة جزر قرب مصوع لمدة 25 سنة لهذه الغاية.
    وتمكنت عدة شركات صهيونية من تأسيس مراكز لها في أديس أبابا وفروعها في أريتريا؛ لاحتكار السوق وتصريف المنتجات اليهودية، فحصلت شركة انكودي اليهودية للـلحوم مثلًا على مشروع سبأ الزراعي في تسنا وعلي قدر. كما حصلت عام 1386هـ / 1966م على خمسين ألف هكتار هدية من حكومة الإمبراطور لإسرائيل بعد أن نزعتها من أصحابها المسلمين بالقرب من ضفاف نهر ستيت الكبير النابع من جبال أريتريا. وأهدت حكومة الإمبراطور عشرين ألف هكتار لشركة إسرائيلية في منطقة عياش. كما منحت الدولة الصهيونية حق احتكار صيد السمك في البحر الأحمر، حيث تعمل في ميناء مصوع الأريتري المسلم، وتشحن الأسماك بدون أي معاملات أو رسوم جمركية.
    وفي عام 1387هـ / 1967م حشدت أثيوبيا قوات عسكرية على الحدود الشرقية للسودان، بقضد إشغالها عن التدخل الفعال ضد اسرائيل. وأرسلت نجدة غذائية مستعجلة إلى اليهود تتكون من 15 ألف بقرة.
    وكانت أمريكا عنصر ربط مشترك آخر بعد لعبة الأصل العرقي المشترك بين إسرائيل وأثيوبيا، فمن خلال أثيوبيا نجحت إسرائيل في الحصول على تسهيلات عسكرية وبحرية في السواحل والجزر الأريترية المطلة على باب المندب والتي تحتلها أثيوبيا، خاصة في مينائي عصب ومصوع وفي أراخبيل جزر دهلك التي أقامت عليها إسرائيل تحت الغطاء الأثيوبي مراكز مراقبة واتصال، وربما مجموعات عمل عسكرية محدودة بالإضافة إلى تدعيم الطيران الإسرائيلي ليصل مدى قوته الضاربة حتى باب المندب إذا ما زود بالوقود في الجو، ورددت بعض المصادر أن أثيوبيا سهلت لإسرائيل التواجد في جزيرتي جبل الطير وأبو عبل اليمنيتين في مدخل باب المندب بعد أن احتلتهما أثيوبيا، وأقامت عليهما منارات بحرية ونقاط إنذار واستطلاع ومراقبة.
    وفي عهد هيلاسي لاسي أيضا قام بإعطاء اليهود الأثيوبيين قوة سياسية لا حد لها، واهتم بدعم منظمة جندور التي تعتبر المركز الرئيسي لليهود الأثيوبيين اقتصاديًّا. وفي عهده ازداد وجود قبائل الفلاشا التي تركزت في هذا الإقليم في القرن التاسع عشر.
    هذا في عهد بطل الوحدة الإفريقية ورئيس منظمة الوحدة الإفريقية هيلاسي لاسي أسد يهوذا، فهل اختلف الوضع في زمن الحكم الشيوعي الأثيوبي؟
    لقد استمرت العلاقات قوية والتعاون تام بين النظام الشيوعي والصهيونية، فحصل منجستو مريام على السلاح الصهيوني مقابل السماح بترحيل يهود الحبشة الفلاشا في عملية قامت بها الصهيونية سميت عملية موسى بمساعدة أمريكا وبعلم رئيس جهاز أمن الدولة السوداني ورئيس المخابرات الأمريكية بواشنطن. ويذكر أن إسرائيل أعطت أسلحة لأثيوبيا عام 1404 هـ / 1984م ما قيمته 20 مليون دولار بالإضافة إلى الأسلحة وقطع الغيار التي أخذت كغنائم في جنوب لبنان أثناء الغزو عام 1982م.
    واستمر مريام رئيسًا لمنظمة الوحدة الأفريقية كخلفه، ومن العجيب أن يكون هو المشرف على اجتماعات مختلف وفود المجموعات السياسية الإحدى عشرة المختلفة في تشاد في مؤتمر مصالحة في أديس أبابا. تلك الحرب التي ابتدأت عام 1404هـ / 1984م ولا تزال مستمرة إلى هذا التاريخ 1406 هـ، وكذلك أشرف على اتفاق الميرغني قرنق عام 1409 هـ / 1988 م.
    ونلخص فيما يلي التحديات التي يواجهها الجهاد في أريتريا:
    1- الصليبية التي خلفت إرثًا مشحونًا بالكراهية والحقد، توارثته الأجيال.
    2- تعدد الجبهات جبهات التحرير في أريتريا وعدم توحيد جهدها، وتدخل القوى المختلفة في زيادة الهُوة بينها، خاصة بفعل تسلل العناصر الشيوعية، والنصرانية، والعلمانية، والقومية، إلى صفوف القيادة، وتنحية القيادات المسلمة المتآلفة مع الواقع الأريتري. وقد دخلت هذه الجهات المصطلحات السياسية الوهمية، والمعتقدات المخالفة للإسلام العامل المشترك بينهم.
    وبعضهم أعلن معارضةً للإسلام صراحةً، ونادى بالاشتراكية العلمية البحتة، واستخدم النساء في الجيش، فقد وصلت نسبة النساء في جبهة اسياس أفورقي الشعبية 40 %. وهذا انقلاب على عادات وتقاليد وعقيدة الشعب الأريتري المسلم، سبب الشروخ بين هذه المنظمات من جهة، ومع القاعدة الجماهيرية من جهة أخرى.
    3- تدخل القوى العالمية في الصراع الدائر، وخاصة الدول الكبرى روسيا ومن يدور في فلكها، وأمريكا ومن يدور في فلكها. كما أن العين اليهودية ترقب ما يجري من أحداث، وتحركها، ولعابها يسيل للسيطرة على البحر الأحمر كاملًا ومداخله السويس شمالًا، وباب المندب جنوبًا.
    4- تجاهل الرأي العام العالمي لما يدور في القرن الأفريقي أو بالقرب منه، وهو تجاهل مقصود فرضته القوى الكبرى المنفذة؛ لتلقي ستارًا على الجرائم التي ترتكب ضد المسلمين في القرن الأفريقي.
    5- كثرة عدد اللاجئين الأريتريين والصوماليين إلى السودان والمناطق المحررة والصومال. يزيد من أعباء الجهاد.
    والغريب أن فكرة تقسيم أريتريا عادت إلى الوجود، تلك التي رفضت عام 1947 / 1948م. ورفضت هذه الفكرة؛ لتظهر فكرة المناداة بالاتحاد الفيدرالي مع أثيوبيا، على أن تتمتع أريتريا بالحكم الذاتي.
    وهكذا تنحني قضايا العالم الإسلامي للمطالبة بأشياء لم تكن توافق عليها فيما سبق !!
    ع2:
    دخول الإسلام إلى إرتريا والحبشة، وأفريقيا الغربية، ونيجيريا
    ج2:
    مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حقائق عن نيجيريا، لعبد الرشيد هدية الله الأووى النيجيري، عدد 6.

    نيجيريا اسم مأخوذ من نهر "نيجر" الممتد من بلاد النيجر، ويصب هذا النهر من جبال "فوتا جالون" في أراضي غينيا الشقيقة.
    ولما كان نيجر مستمدًّا من "نيغرو" بمعنى الزنجي الأسود، أطلق هذا الاسم على النهر المنسوب إليه فأصبح نهر "نيغرو" أي: نهر "نيجر".
    وكان لهذا النهر الكبير شهرة عظيمة كما كان من أكبر الأنهار بنجيريا؛ وهو نهر استفاد منه كثير من المكتشفين القدماء ليصلوا إلى بعض بلدان إفريقيا حيث لا وسائل أخرى للتنقلات، ومن أولئك المكتشفين "منغو بارك" وقد سافر منه مرتين يستكشف منبع هذا النهر: المرة الأولى 1796م، والأخرى 1805م، فخسر نفسه قبل بلوغ المرام.
    ونظراؤه في ذلك الميدان "كلابارتن"، و"لا ندر"، و"بارث" وغيرهم، فتتبعوا نيجر إلى ان وصلوا إلى مصبه.
    وبالاستقراء والاطلاع على كتب تاريخ نيجيريا نرى أن الأسبان، ثم الإفرنج هم الذين أطلقوا على نيجيريا هذا الاسم.
    ولا يزال الفرق بين اسمي الأرضين المتجاورتين: "نيجر" و"نيجيري" دقيقًا جدًّا ولا سيما عند النسبة إليهما؛ والسبب في هذا هو اشتقاق الاسمين من اسم النهر.
    موقعها جغرافيا:
    تقع نيجيريا ما بين 4و41 شمالًا من درجة30 من خطوط العرض أسفل خط الاستواء، تحدها من شماًلا بلاد "نيجر"، وشرقًا بلاد "الجمهورية الكامرونية"، وغربًا بلاد "الداهومي"، وجنوبًا المحيط الأطلسي.
    وهي من أشهر الأقطار التي تنتج قسطًا كبيرًا من المنتجات العالمية، فريدة في نظامها وتقدمها المتواصل في قارة إفريقيا خصوصا وفي هذا المعمور أجمع.
    ومدينة "أبادن" عاصمتها الغربية تعتبر أكبر وأوسع المدن الرئيسية في إفريقيا الاستوائية، وعاصمتها الرئيسية "جزيرة لاجوس" الجميلة بمينائها الكبير وبقصورها الشاهقة وبناياتها العالية، وهي آخر ما انتهت إليه هذه المدنية الحديثة وتلك الحضارة العصرية، وفيها مجلس للنواب ومجلس للشيوخ، كما فيها محكمة عليا، ويسكنها رجال السلطة التشريعية والسفراء من جميع أنحاء العالم، والمتعمقون في شتى العلوم الثقافية والتجار الأثرياء من الأجانب والمدنيين ورجال الدين والجماعات الإسلامية، مثل جمعية "أحمدية"، و"أنصار الدين"، و"جماعة إسلامية"، و"نور الدين"، وغيرها من الجمعيات.
    وهي بلاد مطيرة تنعم بأمطار غزيرة طوال السنة.
    مساحتها:
    356,669 ميلًا مربعًا، وتعادل أربع مرات حجم مساحة المملكة البريطانية المتحدة بالتقري.
    سكانها:
    56 مليون نسمة، وهذا العدد المذكور يوافق تعداد عام 1963م وهو الأخير.
    المسلمون منهم75%، والباقي يضم المسيحيين وعبدة الأوثان، وغيرهم من البدائيين، بمعن:ى الذين ما دانوا بأي دين من الأديان، بل لا يعرفون سوى التناسل والعمل، وفيهم ينجح تبشير المبشرين المسيحيين الذين يدخلون المنازل لغرس فكرتهم الخادعة في قلوب ساكنيها.
    انقسام نيجيريا باعتبار القبائل والمناطق:
    انقسمت نيجيريا إلى أقاليم ثلاثة سابقًا، إقليم الشمال والغرب والشرق، وفي خلال سبع سنين خلت تفرعت من الغرب منطقة تدعى "الغرب الأوسط"، وسكانها أقل من سكان الأقاليم الثلاثة الأصلية، وهذه المناطق تتألف من حوالي مائتي قبيلة تتكلم بعدة لغات ولهجات مختلفة.
    والإقليم الشمالي يبلغ سكانه: 39,777,986 ومساحته: 381,783.
    والإقليم الغربي يبلغ سكانه: 10,378,500 ومساحته: 45,376.
    والإقليم الشرقي يبلغ سكانه: 13,388,646 ومساحته 46,065.
    ويبلغ سكان العاصمة الفدرالية "لاجوس": 675,353 وسكان منطقة الغرب المتوسط:3 ,533 ,337.
    أهم القبائل، وسكانها:
    1- قبيلة هوسا "7540000" وموطنهم الإقليم الشمالي.
    2- قبيلة أيبو في الشرق وعددها "7536000".
    3- قبيلة يوربا في الغرب والجنوب وعددها "5849000".
    4- قبيلة أيجو على مقربة من الغرب ويبلغ عددها "3,000,000".
    5- قبيلة فلاتة في الشمال وهي "3,030,000".
    6- قبيلة الكانوري "310,000".
    عادات هذه القبائل:
    اشتهر أهل الشمال بالكرم والوفاء، وتحمل المكاره التي تحدثها النوازل المفجعة والتنقلات، وهم أهل نسك وعبادة، ومعاملاتهم لغيرهم حسنة جدًّا، وبالشمال قبائل كثيرة، أشهرها هوسا وفلاتة وبرنو ونوفى، وهم مولعون بتجارة الطنبول أي: "غورو"، مع أن أشجاره لا توجد لديهم، بل في الغرب، والفول السوداني وبتربية المواشي من الإبل والبقر والغنم، وبزراعة الدخن والذرة والأرز والبقول والخضار وبحياكة الثياب والخياطة والحدادة والجزارة وصنعة القلانيس، وتكثر فيهم السياحة والتجول، حتى إنه لا تخلو بلدة من قبيلة هوسا والفلاة في غرب إفريقيا وفي بعض البلدان العالمية، ولغتهم الهوساوية، وأصبحت من اللغات الحية تدرس في بعض الجامعات والمدارس العالمية.
    وقد غلب على كثير من أبناء الشمال تلك الحضارة الحديثة إذ نبغوا في علوم وفنون شتى، وحصلوا بذلك على مناصب رفيعة وتقديرات فائقة. وقبائل يوربا مشتهرة في قديم الأزمان بقلة الصبر وعدم تحمل المصائب، وسرعة الانتقام من خصمهم إن مد إليهم يد الإيذاء والخيانة. والسبب تأخر الإسلام في الدخول إلى مملكتهم، وبعد نعمة الإسلام تخلقوا بفضائل الأخلاق، وقويت فيهم تعاليم الإسلام، كما تشهد صفحات التاريخ القديمة بشجاعتهم، ومثابرتهم، وثباتهم أمام الأعداء أيام الحروب.
    وهم قوم يرأسهم أمير منهم ويبالغون في إكرامه بأنواع الحفاوة والتكريم. وكل قبيلة تخضع لسيطرة رئيسها الذي كثيرًا ما يفرط في الاستعلاء عليها؛ خوفًا من أن تخرج عن سبيل آبائها الأوليين.
    وهذه العادات والتقاليد وأمثالها تعم البلاد كما لا يزال أثرها موجودًا إلى الآن.
    وأما الصغار ولاسيما الطلاب منهم فقد بلغ خوفهم من مشايخهم أو كبارهم إلى درجة لا يستحسنها الإسلام، حيث لا يسلمون عليهم ونعالهم بأرجلهم، بل بعد أن يخلعوها مهابةً وتكريمًا، ثم يبركون وهم ناكسون رؤوسهم حفاوةً وإجلالًا.
    وهذا مما أخذ عليهم؛ لأنهم علموا ببطلانه إلا أنه من صعب عليهم فراقه. ولا يخلو إقليم من نوع من هذا التسليم والتبجيل، ما عَدَا الذين رحمهم ربي مثل أهل "سوكوتو"، إحدى مدن الشمال الرئيسية، فقد اشتهر بين علمائها عدم البروك وخلع النعال منذ عهد بعيد، والآن -ولله الحمد والمِنة- قد نشطت حركات تقاوم هذه العادات التي لا يقرها كتاب الله الكريم ولا سنة ولا إجماع.
    حرفتهم:
    أهمها الزراعة ولكثرة الغابات والأراضي الرخوة الخصبة كان أكثرهم فلاحين، يكثرون من زراعة المأكولات والمطعومات ويعنون بها أكثر من غيرها.
    ويزرعون كذلك بعض المنتجات النيجيرية الرئيسية ومن الثانية "كاكاو"، التي تصنع منها أصناف من القهوة والشاي مثل" فيتاكوب"، و"ميلو"، و"أوفالتين" وغيرها.
    وهؤلاء المزارعون يجيدون زرع النخيل وعصر زيتها وزرع البقول التي تنتج منها كميات متعددة في كل عام.
    ومن مزروعاتهم"كاساف" باللغة الإنجليزية، أو أيغى باليوربا.
    الشرق: -عاداته وحرفه-:
    لقد شابهت مهنه التي للغرب وغيره من الأقاليم، إلا أن الثروات البترولية والمعدنية يستخرج معظمها من حقوله، وله معامل أخرى يمتاز بها عن غيره.
    وأما عاداتهم فننقل فيما يلي إلى أذهانكم نص مقالة العلامة النيجيري الجليل الشيخ آدم الألوري صاحب "موجز تاريخ نيجيريا" عن أخلاق وعادات قبائل أيبو الشرقية، قال: "وأما قبائل أيبو، فهي فِطرية إلى عهد غير بعيد، وإنما استيقظت منذ قرن، ومن طباعها سرعة الغضب، والاستبسال والتمرد، وحب الاستقلال.. وكانت قبائل متفرقة لا تجمعها أية رابطة، ولا تتكون القرية إلا من أسرة واحدة لا تخضع لرئيس ولا سلطان".
    كيف دخل الإسلام في نيجيريا؟:
    إن الإسلام لم يزل في نيجيريا منذ أوائل القرن الأول الهجري كلمع تلوح في سواد عظيم، وبورود الغرباء وهم في طريقهم إلى الحج من الديار المغربية يزداد اتضاحًا وكذلك بورود التجار.
    إلى أن ظهر "الشيخ المغيلي" الذي فتح مدرستين عظيمتين في "كشنة" و"كونو" ولم يزل أثرهما رغم طغيان المادة واشتداد أعاصير الظلام بالحروب التوسعية العادية ورغم البدع الفاشية إلى أن ظهر "الشيخ عثمان بن فود" مع أخيه عبد الله، مجددًا للدين، ومعيدًا له أنوارَه الآفلة، فحارب في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وأظهره الله على معظم بلاد نيجيريا شمالًا وغلابًا، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وهو جد الزعيم الشهيد "أحمدو بللو"، سردونا سوكوتو -رحمه الله- وذلك في القرن الثالث الهجري.
    وفيما يلي مقالة العلامة المذكور آنفًا عن كيفية دخول الإسلام في نيجيريا، وهي التي تزيد الموضوع وضوحًا:
    "لقد انبثق فجر الإسلام على سماء نيجيريا في أوائل القرن الأول الهجري الذي فتح فيه المسلمون العرب شمال إفريقيا وجزءًا من غربها، وقد اندفع تيار الإسلام إلى نيجيريا من منبعين:
    أولهما: من مصر عبر السودان العربي وبلاد فور وباغرمي وبرنو.
    وثانيهما: من شمال إفريقيا إلى جنوب الصحراء حتى وصل إلى المناطق الغابية الساحلية".
    ثم أضاف قائلًا: "لم يكتسح الإسلام القبائل والشعوب اكتساحًا ولا أدرجها إدراجًا في أول دخوله، ولكنه تسلل فيها تسللًا قد يتسرب إلى ناحية دون الأخرى، فتكون بجوار قبيلة مسلمة قبيلة أخرى كافرة، أو تكون في قبيلة واحدة مدينة مسلمة وبجانبها مدينة وثنية".
    بعض من آثار تمسكهم بالدين الإسلامي:
    تعلم المسلمون الدين وما يتعلق به من أركان وقواعد، ثم تمسكوا به حق التمسك كما أنهم لم يزالوا يقيمون الشعائر الدينية.
    بنوا مساجد ومدارس كثيرة، وبنوا كذلك مساجد جامعة، وفي "كنو" مسجد جامع مشهور، وفي سكوتو اثنان وفي كادونا اثنان، وفي لاجوس كذلك مساجد جامعة عدة، وكذا في أبادن التي يبلغ سكانها 600,000 مما يدل على اهتمامهم البالغ بالدين، وشعورهم الحي، وإيمانهم الراسخ برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم-.
    أيام العيد في نيجيريا:
    بهذا المشعر العظيم والذكرى الجليلة يستبين للقراء اهتمام مسلمي نيجيريا بدينهم وشعورهم المشكور نحو إحياء ذكرى ذلك اليوم الكبير، الذي فرج الله تعالى فيه عن سيدنا وأبينا إبراهيم -عليه السلام- بكبش عظيم. وإن أتيحت الفرصة للقراء فنيجيريا ترحب بهم وبشهودهم عيد الفطر أو الأضحى فيها.
    يستقبل المسلمون عيدهم وهم في غمرة من الفرحة والبشر، وقبل حلوله بأسبوعين تقريبًا، تُزين المدن كلها بأنواع من أدوات التجميل، مثل إنارتها بأنواع من مصابيح ملونة، وتعليق أعلام نيجيريا التي تتمثل في قطع صغيرة من الثياب في أكثر هذه المدن، ثم تصلح الشوارع وتمهد من جديد، وتوضع وسط كل مفترق من الطرق لوحات تحمل هذه الكلمات وأشباهها: "كل عام وأنتم بخير"، "مع تمنيات طيبة بالعام الجديد"، "عدت يا عيد مرة ثانية"، "عيد أولاد وأموال وسلامة"، وهلم جرًّا.
    يخيط المسلمون لأنفسهم وأزواجهم وأولادهم أفخر الملابس، ويشترون الأحذية، وغير ذلك من حلى فاخرة جميلة وخمر أنيقة زيادة على زينة العيال.
    ولا ينفرد أهل المدن بهذا كله، بل يشاركهم أهل الريف فيه كذلك، بحيث يرجع كبيرهم وصغيرهم ويئوب قويهم وعجوزهم إلى المدينة؛ لمشاركة بعضهم بعضًا في أفراحه وابتهاجاته، حتى ليكاد يحمل مريضهم إليها لشدة كراهتهم البقاء في القرية، لذا تمتلئ المدينة بالناس والزوار والمهنئين من كل جانب، ويتطلعون جميعًا إلى مجيء ذلك اليوم الكبير، يوم تخلو البيوت من سكانها صباحه، وتتضايق الطريق بالعائدين من المصلى ضحاه، وبجم غفير من الزائرين المهنئين أمسيته وعشيته.
    ذلك اليوم الذي يخرج المسلمون فيه إلى ميدان الصلاة متتابعين كالجراد المنتشر، تتوحد صفوفهم كما تتساوَى أصواتهم في ذكر الله تعالى الذي أنعم بالبقاء إلى ذلك اليوم، منهم ركاب الخيل والدراجات والسيارات، ومنهم رجالة لا يسأمون المشي ولا يتعبون من التهليل والتسبيح.. يجتمعون في المصلى وهم أجناس عديدة وقبائل شتى، وحدهم فيه الإسلام، وجمعهم في الصفوف أداء لصلاة العيد المبارك، واقتداءً بسنة نبينا محمد -عليه أطيب الصلاة والسلام-.
    وفي هذا اليوم السعيد والناس كلهم يتركون أعمالهم وحرفهم، ويغلقون مصانعهم، ويعطلون المدارس والإدارات الحكومية، وغيرها؛ حرصًا على إحياء هذا المشعر العظيم.
    صلة المسلمين بالمسيحيين:
    يعيش المسلمون في نيجيريا في جو من المحبة والأخوة الإسلامية، وأحوالهم مع المسيحيين أو الوثنيين سيئة جدًّا، لا يسالمونهم ولا يوادونهم، فضلًا عن الجلوس معهم. ويضطر لأجل ذلك من يقاربهم من المسيحيين إلى الانفراد بالسكن مع ما له وما عليه.
    ويبتعدون عن عبدة الأوثان أشد ابتعاد؛ لقبح حالتهم وعاداتهم التي منها وضع بعض الأطعمة عند مفترق الطرق في صحون مزينة بزيت أحمر مع مبلغ من النقود، وإن مر بالصحون من المسلمين كسرها ووضع على الزيت التراب؛ مبغضًا هذه الحالة الكريهة المنتنة وهذا الشرك الأكبر.
    وإذا عاد واضع الطعام وجاعل النقود ولم يعثر على شيء، ورأى ما حل بالصحون من كسر، طار فرحًا وضحكًا مغتبطًا قائلًا: إن الأوثان أكلته بل قبلته!! ولولا حسنُ تصرفاته وحركاته ما رحبن بتضحياته وقربانه، ولا يبالي بالصحون المكسورة الملوثة بالتراب مع أنه يرى ذلك.
    والمسلمون -أعانهم الله- لو شعروا بإفساد المسيحيين، وفُحشهم بجوارهم؛ لنهوهم عن ذلك ولا جروا عليهم كل ما نص عليه الدين من هجران وإعراض وعدم السلوك في مسالكهم.
    والغريب أنهم يشاركوننا في كثير من أفعالنا دون الصلاة، ولا يعتنقون الإسلام إلا نادرًا، بل يعملون ليلًا نهارًا على أن يتحول المسلم إلى المسيحية.
    وأبناء الوقت -مع شديد الأسف- لا يتخذون من ذلك عبرة، بل يصبحون ضعفاء أمام حيلهم ومكايدهم، فينضمون إليهم؛ لسهولة دينهم وخلوه من التكاليف على زعمهم؛ وغالبًا يحدث هذا لأبنائنا الذين يتلقون دروسهم في أوربا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وغيرها.
    هذا، وكثير ما يجالس المسلم أضداده في الدين في المدارس والإدارات الحكومية مع مراعاة حقوق بعضهم بعضًا، بحيث لا تحصل مشاغبة ولا مشاجرة.
    وقد جالست المدرسين والمدرسات المسيحيين إذ كنت مدرسًا معهم أدرس اللغة العربية في مدرسة ثانوية تدعى: "المدرسة العالية الإسلامية"، وأخرى مدرسة: "عصابة الدين العالية للبنات"، وأكثر الدروس تتلقَّى بالإنجليزية.
    قل المسيحي من الطلاب والطالبات وقل المسلم من المدرسين والمدرسات، إذ كنت الوحيد المسلم ضمنهم، العميد والعميدة مسيحيان، والمدرستان كما استبان من اسميهما لجمعيات مسلمة.
    ندخل صباحًا على دعاء أقرأه للطلاب وجميع الأساتذة يعرفون هذا الدعاء، كما علِموا كثيرًا من أناشيدنا العربية، ودائمًا يستطيبون قيامنا بديننا، وقد كلفتهم إدارة المدرستين مرافقتنا إلى المسجد الجامع مع بعده عن مقر الدراسة؛ ليحافظوا على الأولاد، ويمنعونهم من التخلف عن أداء الصلاة، وذلك في كل يوم جمعة، فتراهم ينفذون هذا الأمر طوعًا وكرهًا.
    دراسة اللغة العربية في نيجيريا:
    لقد فر الكثير من أبناء نيجيريا من تعلم اللغة العربية؛ ذلك لأن إخوانهم الذين يتعلمون اللغة الإنجليزية يرتقون إلى درجة المجد والعلا، وتسهل لهم قضاء حاجاتهم، وهم الفريق المنغمس في رغد العيش؛ فلا يبلغ قاصد اللغة العربية إلى هذه الدرجة الرفيعة مهما حمل من شهادات عليا، ومهما تفوق وتخصص في كثير من المواد الدراسية، مع أن اللغة العربية تعتبر أشرف لغات العالم، وهي لغة الرسول -عليه الصلاة والسلام- ولغة القرآن الكريم.
    إن اللغة الإنجليزية هي التي تُستعمل في الإدارات، وتعترف الحكومة بها أكثر من غيرها، إذ إنها اللغة الرسمية، والمستثنى من هذه المحن والمشاكل هو الشمال؛ لأنه يقضي فيه بكتاب الله، ويرتقي طلاب العلم إلى أسمى الدرجات.
    والواقع في الغرب والجنوب يخالف ذلك، فلذا يسارع أبناؤهما إلى دراسة اللغة الإنجليزية، ولكن وإن كان هذا هو الحاصل، لا بد من إصلاح نياتنا، وإحسان ظننا بالله، فما دامت اللغة العربية هي الوسيلة الموصلة إلى معرفة الله تعالى حق المعرفة، فلن يذهب تعبنا سدًى إن شاء الله؛ فإنه مَن ينصر الله ناصره، كما أنه ليس ببعيد أن ترتفع العربية التي يفرون منها إلى درجة لا تدرك ولا تمارَى في بلادنا إن شاء الله.
    هذا، ونشاهد الآن في كثير من المدن الرئيسية النيجيرية مدارس عربية مستقلة -أي: خاصة بتدريس اللغة العربية- وغيرها -تدرس فيها اللغة العربية والإنجليزية- وكذلك في بعض المساجد، وبذلك تنحل المشاكل شيئًا فشيئًا، إذ أنتجت هذه المدارس أساتذة يجيدون العربية، ويستفيدون بها، ولو لم ترق مراتبهم، وبالتدرج ستصبح لغةً معترفًا بها رسمية إن شاء الله.
    وإذ ذاك ينال الخريجون بالشهادة العليا حقوقهم كاملة، وإن خلت من اللغة الأجنبية، ولكن إذا فقدناها وما كان معنا من اللغة العربية إلا الشيء القليل، والبلاد بحاجة إلى من يجيدها ويتقنها، فكيف يكون مصيرنا؟
    وقد قيل: بأن فاقد الشيء لا يعطيه، فهبوا يا شباب نيجيريا خاصةً ويا شعوب العالم الإسلامي عامةً؛ لتعلم هذه اللغة المقدسة، ولا تتوانوا في تحصيل فنونها، ولا تقنطوا من روح الله، واصبروا لأنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون.
    والجدير بالذكر: أن هذه المدارس العربية المتنوعة، تهتم بتعليم طلابها التفسير والفقه والحديث والنحو والمطالعة والتجويد والخط والحساب والأدب العربي، مع تلخيص النصوص، والتاريخ والجغرافيا، وعلم الطبيعة، والإملاء والصرف، والأخلاق، والتوحيد، والبلاغة، والمنطق، وغيرها من المواد الثقافية.
    وتنقسم هذه المدارس إلى مراحل ابتدائية وإعدادية وثانوية ثم عالية جامعية.
    ويتلقى في بعض الجامعات دراسات أخرى إسلامية بشكل لا بأسَ به مثل جامعة "أحمدو بللو" بزاريا، وجامعة "أبادن" وهناك جامعة "لاجوس" وجامعة "أنسك" وجامعة "إيفي" ومعاهد دينية كالمعهد النيجيري بأبادن ومركز التعليم العربي"بأغيغي" ومعهد "شاغامو" ومدرسة النهضة العربية "بأبادن" والمدرسة المباركة "بأبادن" والمدرسة الأموية "باوو" ومعهد التعليم العربي "بأوو" ودار العلوم "بالورن" والمعهد العربي"باوو" ومركز التعليم"بأوو" وغياث الدين "بلاجوس" وغيرها.
    تجتمع فيهن عدة جنسيات؛ لتلقى علومها، ولإحراز الفوائد والتجارب الجسام، لتتمكن من بناء مستقبلها وخدمة أوطانها.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
    ع3:
    وسط أفريقيا، وجنوب السودان
    ج1:
    الأقليات المسلمة في أفريقيا، لسيد قطب.

    كيف وصل الإسلام إلى زائير؟:
    وصلها الإسلام من شرقي أفريقيا، من دولة زنجبار أيام ازدهارها، فلقد امتد سلطانها إلى داخل وسط أفريقيا عن طريق التجار المسلمين، وتوغل هؤلاء عبر تنزانيا في داخل القارة السوداء، حتى وصلوا إلى بحيرة تنجانيقيا، فأسسوا مركزًا تجاريًّا لهم في مدينة أوجيجي على الساحل الشرقي لبحيرة تنجانيقا، ورافقت الدعوة الإسلامية تحركاتهم، وأصبحت مركز اشعاع إسلامي في قلب أفريقيا ولا تزال حتى يومنا هذا، وتتبع جمهورية تنزانيا حاليًا، ومن أوجيجي انتقل التجار السواحليون المسلمون بالإسلام، والتجارة إلى داخل زائير، وانتقلوا إلى الضفة الغربية لبحيرة تنجانيقا، وأخدوا في انتشارهم داخل زائير طريقين:
    - كان الأول من مدينة أوجيجي إلى فيزى ويتجه غربًا إلى كابامباري وكاسنجو على نهر لولابا، فسلكوا هذا القطاع الأوسط من زائير، وتقدم التجار التجار المسلمون عبر هذا المسلك إلى المنطقة الواقعة بين نهري لولابا ولومامي.
    - أما الطريق الثاني فكان من أوجيجي إلى أفيرا صاعدًا نحو الشمال إلى روزيزي ثم إلى مدينة لوبوتو ويلتقي بنهر لولابا عند بلدة كيروندو في جنوب مدينة كيسنجاني ستانل فيل سابقًا، وأسسوا مركزًا إسلاميًا في موضع هذه المدينة، واندفع التجار المسلمون شمالًا شرقًا، وشقوا طريقًا لعودة قوافلهم نحو ممبسة على الساحل الشرقي لأفريقيا، وكان هذا النشاط في نشر الدعوة الإسلامية خلال القرن الثالث عشر الهجري.
    مناطق المسلمين:
    أبرز المناطق التي يوجد بها المسلمون في زائير في المنطقة الشرقية في مقاطعة كيفو في أفيرا، ويوكاما، وماتيما، وفي كامبونجو وستانلي فيل وكيروندو، وكيندووكيمبومبو، وفي معظم الحوض الأوسط من نهر زائير وفي القطاع الممتد على نهر لولايا من نيسنجاني إلى كنغولو، كما ينتشر المسلمون المهاجرون في مدينة كنشاسا في مناطق التعدين بزائير، بل وصل الإسلام إلى الأقزام في وسط غابات زائير وأسلم البعض وتعلموا اللغة الساحلية.
    وعندما احتلت السلطات البلجيكية زائير شجعت البعثات التنصيرية على العمل، وتزايد عددهم، حتى أن كنشاسا تضم وحدها أربعة عشر ألفًا من القسس والرهبان، فحدت من انتشار المدارس الإسلامية.
    المساجد:
    في زائير عدد كبير من المساجد، إلا أنها متواضعة المباني، وفي حاجة إلى إعادة البناء وفي حاجة إلى ترميم، ويلحق بهذه المساجد بعض المدارس القرآنية. أما المراكز الإسلامية لا تمثل في زائير.
    الهيئات الإسلامية:
    يوجد في زائير العديد من المؤسسات الإسلامية:
    اللجنة الإسلامية الزائيرية وهي الهيئة الإسلامية الوحيدة التي تعترف بها الحكومة.
    اتحاد المذاهب والجمعيات الإسلامية.
    اتحاد النساء المسلمات ولها فروع عديدة.
    الجمعية الخيرية الإسلامية.
    التعليم الإسلامي:
    عندما اعترفت الحكومة الزائيرية بالتعليم الإسلامي، أصبحت تدرس المواد الإسلامية واللغة العربية لمدة ساعة واحدة في اليوم. وتعاني هذه المدارس من نقص في الكتب والمدرسين. وهناك نوع آخر من المدارس يتمثل في المدارس الأهلية الابتدائية الإسلامية، وقد أنشئت بجهود ذاتية. وعليها إقبال كبير لسبب تركيزها على القرآن الكريم وبعض العلوم الإسلامية.
    التحديات:
    نشطت البعثات التبشيرية في ظل الاستعمار البليجيكي، والتي حاولت تشويه تاريخ المسلمين بإظهارهم بصور تجار رقيق، وترى القساوسة في كل مكان وتدفع الحكومة الزائيرية رواتبهم، ويشرفون على التعليم، وللبعثات التنصيرية من السيطرة والنفوذ بحيث "يُعمد" أبناء المسلمبن عقب ولادتهم، وإلا فلن يجدوا لهم أماكن في المدارس التنصيرية، ولن يكتب في السجلات المدنية، وفي زائير "20 ألف" بعثة تنصيرية في المرحلة الابتدائية، ويشرف المنصرون على الجامعات في زائير. ويوجد في زائير "15 ألف" بعثه تنصيرية من الولايات المتحدة وبلجيكا وإيطاليا وفرنسا. وهناك ترجمة وحيدة لمعانى القرآن الكريم، ملئ بالحقد والتشويه.
    ومن أبرز التحديات الوجودُ الحديث للقاديانية، والبهائية، والتحدي النصراني الأمثل في الكاثوليكية والبروتستانية والأرثوذكسبة.
    وهناك نشاط يهودي يتمثل في محاولة السيطرة على موارد البلاد وصحفها، وبضائع إسرائيل تغرق أسواق زائير، ويدرس بعض الطلاب من زائير في إسرائيل.
    المتطلبات:
    توحيد الجهد للعمل الإسلامي.
    الاهتمام بالقطاع الشرقي حيث الأغلبية الإسلامية.
    الاهتمام بالتعليم الإسلامي، وتوفير الكتب المدرسية ووضع منهج دراسي موحد.
    تحسين وضع الدعاة علميًّا وماديًّا.
    حل مشكلة المواصلات في هذه البلاد الشاسعة، وتسهيل مهمة الاتصال بالمسلمين.
    الاهتمام بالبعثات الدراسية للطلاب المسلمين بالجامعات الإسلامية، مع ملاحظة التوزيع الجغرافي للمسلمين.
    ع3:
    وسط أفريقيا، وجنوب السودان
    ج2:
    جريدة الأمان الدعوي، المسلمون في جنوب السودان.. الأغلبيّة المهمَّشة والوجود المسلم في الولايات الجنوبيّة يتقدّم، لأحمد سبيع، عدد 931، السنة 18.

    أصبح جنوب السودان هو الشغل الشاغل في الإعلام الدولي والإقليمي، وبات التبشير بانفصال الجنوب هو الهدف الذي سخَّر من أجله المجتمع الغربي آلته الإعلامية, من أجل إنشاء الدولة، التي تستولي على كل خيرات الجنوب، هكذا يسوِّق الإعلام الغربي للانفصال، مستغلًا مجموعة من المستفيدين والعملاء، ولكنهم للأسف يمتلكون صنع القرار داخل إقليم جنوب السودان. إلا أن الواقع الذي شاهدته خلال ثلاثة أيام قضيتها في الجنوب، وتحديدًا في مدينة جوبا عاصمة الجنوب, كان مغايرًا لما يتم تسويقه في كثير من الأوساط.
    يتكون جنوب السودان من عشر ولايات، موزعة في ثلاثة أقاليم كبرى، الأول: هو إقليم بحر الغزال المتاخم لإقليم دار فور وعاصمته واو، يحده إفريقيا الوسطى. والثاني: إقليم الاستوائية المتاخم للكونغو الديمقراطية وأوغندا وكينيا وعاصمته جوبا. وأخيرًا: أعالي النيل وعاصمته ملكال، وهو الإقليم الأكثر ارتباطًا بالشمال, ويحده دولة إثيوبيا. وبذلك ترتسم حدود الجنوب مع دول إثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو -زائير سابقًا- وإفريقيا الوسطى.
    وجنوب السودان بأقاليمه الثلاثة ليس وحدة متصلة, حيث تصعب الحركة بين الأقاليم الثلاثة التي تمثل نصف مساحة السودان تقريبًا.
    وتعدُّ قبيلة الدينكا كبرى القبائل في الجنوب، وأكثرها تأثيرًا في صناعة القرار, نتيجة اهتمام القبيلة منذ زمن بعيد بتعليم أبنائها في المدارس الإثيوبية التابعة للإرساليات الغربية في الجنوب، ثم الجامعات الخارجية، وخاصةً في الولايات المتحدة وكينيا وأوغندا، وتتركَّز الدينكا في إقليم أعالي النيل، ويليها في نفس الإقليم قبيلة النوير، ومعها في نفس المرتبة قبيلة الشلك، التي منها لام أكول المنشق عن الحركة الشعبية، ثم قبيلة الفراتيت التي تتركَّز في بحر الغزال، ثم القبائل الاستوائية التي تتركَّز في إقليم الاستوائية، ويلي ذلك العشرات بل المئات من القبائل الأخرى ذات التأثير المحدود، ومنها الزاندي وجور والبنقو والبور والهبتانية والحمر والرونق.
    التعداد ونسبة المسلمين:
    حتى كتابة هذه السطور ليس هناك إحصاء رسمي، سواء في الحكومة المركزية أو حتى في حكومة الجنوب بعدد الجنوبيين، سواء الذين يسكنون في الأقاليم الثلاثة أو من الموجودين في شمال السودان أو خارج البلاد، إلا أن التقديرات شبه المؤكدة تقول: إن عدد سكان أهل الجنوب مجتمعين لا يتجاوز عشرة ملايين نسمة، منهم أكثر من مليون ونصف المليون جنوبي في الشمال، بينما تؤكد حكومة الجنوب أن تعداد أهل الإقليم مجتمعين يتجاوز 12 مليون نسمة، منهم ما يربو على ربع المليون في الشمال، وبنفس الغموض في تعداد سكان الجنوب.
    هناك غموض آخر في التوزيع النسبي للديانات المختلفة، وخاصةً الإسلام والمسيحية واللاوحديين أو الوثنيين، حيث بلغت نسبة المسلمين في آخر إحصاء رسمي تم إجراؤه منتصف الثلاثينيات على يد مجلس الكنائس العالمي برعاية الاحتلال البريطاني 18%، أما المسيحيون فبلغت نسبتهم 17%، واحتل الوثنيون 65%.
    لكن هذه الخريطة شهدت تغيُّرًا كبيرًا، فطبقًا لآخر تقرير للمجلس الأعلى لتجمع المسلمين في جنوب السودان, فإن نسبة المسلمين قفزت إلى 35%، ويساويها اللاوحديون -وثنيون- 35%، ويليهم المسيحيون بنسبة 30%، وهي الإحصائيات التي أقلقت الكنائس الغربية, ما جعلها توعز إلى زعماء الحركة الشعبية بأن يتمسكوا بعدم تسجيل خانة الديانة في استمارات الاستفتاء القادم على مصير الجنوب, حتى لا تظهر النسب الحقيقية للمسلمين.
    ويعد إقليم بحر الغزال بولاياته المتعددة أكثر الأقاليم الثلاثة التي تضم مسلمين، تليها ولاية الاستوائية الوسطى، وتحديدًا مدينة جوبا التي يقطن معظمها مسلمون، ثم يأتي إقليم أعالي النيل، وخاصة في منطقة أبيي التي يسكنها أكثر من مليون مسلم منهم 600 ألف من قبيلة المسيرية، وهي القبيلة العربية الوحيدة الموجودة في الجنوب، التي تمَّ ضمها مؤخرًا طبقًا لقرار التحكيم الدولي في أحقية أهل المسيرية المشاركة في استفتاء تحديد المصير، ضمن منطقة أبيي ذات الأغلبية من قبيلة الدينكا, باعتبارهم من أهل الإقليم، وتوطَّنوا به منذ عشرات السنوات، وهو ما أخلَّ بالتوازن الديني في الاستفتاء المرتقب, خاصةً أن الأعداد المنضمَّة من قبيلة المسيرية شبه معروفة بخلاف بقية المدن والمناطق، إلا أن الخلاف تمَّ تسويقه على أنه خلاف على حقول البترول وليس خلافًا على نسبة التمثيل الديني.
    في الولايات الجنوبية العشر أكثر من 65 مسجدًا جامعًا، أشهرها وأقدمها مسجد الملك فاروق في ملكال أعالي النيل، وهو المسجد الذي بناه الملك فاروق في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، ثم مسجد الصباح بمدينة جوبا، الذي أنشأه الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت أواخر ثمانينيات القرن الماضي أيضًا.
    أشكال الاضطهاد:
    ويعاني المسلمون من إقصاءٍ شديدٍ، يتمثل في عدم حصولهم على أية مناصب، سواء في حكومة الجنوب أو في حكومات الولايات العشر، كما أنهم غير ممثلين في البرلمان الجنوبي بشكل مكافئ, نتيجة عدم ترشيح الأحزاب لهم في الانتخابات، كما أنه ليس لهم تمثيل في المجلس الاتحادي -البرلمان السوداني- لعدم ترشيح الحركة أيًّا من المسلمين على قوائمها في الانتخابات الماضية، ويُضاف إلى الاضطهاد السياسي الاضطهاد الخدمي والتعليمي, حيث استولت ولاية الاستوائية الوسطى منذ عامين على معهد جوبا العلمي، وهو المعهد الذي أنشأته هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية لتعليم المسلمين في الجنوب، وتمَّ اقتطاع جزء منه عام 2006م، وتحويله إلى مدرسة ثانوية باسم جون قرنق، وهو ما أحدث أزمةً كبيرةً في المنطقة.
    وهو نفس ما تكرَّر في مدينة واو عاصمة بحر الغزال عام 2008م, حيث استولى الوالي على مسجد ومدرسة للمسلمين هناك، وأراد تحويلهما إلى كنيسة، إلا أن المسلمين تجمعوا، وهدَّدوا بشنِّ حرب إذا لم يتم إعادة أملاكهم إليهم مرةً أخرى، وهو ما تم بالفعل، وبعدها أصدر سيلفا كير قرارًا ملزمًا للولاة بعدم التعدي على أملاك أيٍّ من الديانات الموجودة، وإعادتها إلى أصحابها.
    تزايد معتنقي الإسلام:
    ورغم هذه الحياة القبلية المسيطرة في الجنوب، فإن منظمة الدعوة الإسلامية رصدت دخول عدد كبير من الجنوبيين الإسلام يوميًّا، وسجَّلت نسب الدخول بين 10 إلى 15 شخصًا في الأسبوع, حيث يشهد مسجد الصباح في جوبا مع انتهاء كل خطبة جمعة إعلان أكثر من شخص إسلامه، وأرجع قيادي مسلم هناك أن السبب في انتشار ظاهرة الدخول في الإسلام يرجع إلى عاملين بارزين:
    أولهما: النزوح الإفريقي إلى جنوب السودان, حيث نزح عدد كبير من مسلمي أوغندا وإثيوبيا وكينيا إلى الجنوب، وهؤلاء كان لهم تأثير واضح على دخول عدد كبير من أهل الجنوب الإسلام، بينما لم يتم تسجيل حالات رِدة أو خروج عن الإسلام هناك رغم نشاط الإرساليات والكنائس التبشيرية.
    أما السبب الثاني: فهو انتشار الخلاوي، وهي تشبه كتّاب تعليم القرآن الكريم، وكان لهذه الخلوات دور كبير في تعليم القرآن.
    ويرصد أحد قيادات منظمة الدعوة الإسلامية في جوبا هذا التأثير بصلاة الجمعة في مسجد الصباح, حيث يتسع هذا المسجد لحوالي ثلاثة آلاف مصلٍّ، بل إن صلاة عيد الفطر الماضي سجَّلت أداء أكثر من عشرة آلاف مصلٍّ لصلاة العيد في هذا المسجد والساحة المحيطة به، التي تقع في وسط مدينة جوبا.
    إلا أن هناك مشكلةً حقيقيةً يتعرض لها مسلمو الجنوب، وهي مشكلة الخوف الذي تمَّ زرعه في نفوسهم منذ سنوات, نتيجة الكراهية التي يمارسها العديد من قادة الانفصاليين خلال الحرب، الذين نكَّلوا بالمسلمين في العديد من الولايات والأقاليم، انطلاقًا من أنهم يتعرضون لحرب دينية وعقائدية، كما صورت لهم ذلك الكنائس الموجودة هناك، بالإضافة إلى أنه نتيجة الفقر المدقع خلال سنوات الحرب، كان المسلمون يخفون هويتهم من أجل الحصول على المعونات التي تقدمها الكنائس ومنظمات الإغاثة لمواطني الجنوب، وهو ما يمكن أن يلاحظه أي صحفي زائر للجنوب عندما يهمس في أذنه أحد القيادات المسلمة بعد أن يقص عليه مأساتهم بضرورة عدم ذكر اسمه، حتى لا يتعرض للاضطهاد على يد الحركة الشعبية، بينما يختلف الوضع في الأدغال والغابات التي لم يصل إلى معظمها أي شكل من أشكال المدنية.
    تحسن طفيف في الأوضاع:
    حرص سيلفا كير قبل الانتخابات الماضية على مخاطبة ود المسلمين بالسماح لهم بإنشاء الخلوات التي كانت تتم في السر، كما سمح لهم ببناء المساجد، ووافق على وجود معاهد وفروع لمنظمة الدعوة الإسلامية التي أصبح لها أكثر من خمسين فرعًا في مختلف ولايات الجنوب، وتعد الهيئة شبه الرسمية لتنظيم أحوال المسلمين هناك، وأصبح هناك فرع لجامعة أم درمان الأهلية بجوبا، وهناك وجود أيضًا لجامعة القرآن الكريم التي امتد نشاطها في الأقاليم الثلاثة، كما تراجعت حدة الكرْه من القيادات والمسئولين تجاه المسلمين, كما تم إنشاء المجلس الأعلى لتجمع مسلمي جنوب السودان، وهذا المجلس يتم تشكيله بالانتخاب من الولايات العشر, حيث تنتخب كل ولاية مجلسها، ثم تنتخب مجالس الولايات العشر المجلس الأعلى.
    وقد أحدث هذا المجلس نقلةً نوعيةً في أوضاع المسلمين بعد انتخاب السلطان عبد الباقي أمينًا عامًّا ورئيسًا لمجلس الشورى به, حيث يتمتع هذا الرجل بشخصية قوية، وله مواقف صلبة تؤكد غيرته وحرصه على الإسلام، معتمدًا على أنه من قبيلة الدينكا، كما أن له قواته المنضمة إلى جيش حكومة الجنوب وللحكومة المركزية طبقًا لاتفاقية نيفاشا، الذين يقدر عددهم بأكثر من عشرين ألف مقاتل في الأقاليم الثلاثة، ما جعل صوته قويًّا في الحق، وهو ما عبَّر عنه خلال صلاة عيد الفطر الماضي، التي شهدت أول وجود للمجلس الوليد, حيث شن زعيم سلاطين المسلمين كما يلقبونه هناك هجومًا حادًّا على حكومة الجنوب.
    أوقاف مسلمي الجنوب:
    يبقى السؤال عن موارد دخل المسلمين، وكيف يعيشون هناك؟
    والإجابة عن هذا السؤال ترتبط بشكل كبير ببيئة الجنوب المعيشية ذاتها، إلا أن المسلمين لهم أوقافهم الممتدة في الأقاليم الثلاثة، وخاصة في سوق "تونكو تونكو" وهو من أكبر الأسواق في الجنوب، وقد أوقف تجار المسلمين من الشمال السوداني، الذين حضروا للتجارة في الجنوب عائد تأجير أرض هذا السوق وعششه للمسلمين، بالإضافة إلى أوقاف الأمير الصباح الملحقة بمسجده في جوبا, حيث قامت الكويت ببناء العديد من المنشآت والمنازل بالقرب من المسجد، وتم وقف ريعها للمسلمين هناك.
    المسلمون والاستفتاء:
    وفيما يتعلق بالاستفتاء القادم، أكد أحد العاملين ضمن إحدى بعثات الأمم المتحدة -وهو مسلم جنوبي- أنه لا خيارَ آخر لمسلمي الجنوب سوى الوحدة، فهم مرتبطون عقائديًّا بالشمال، وقادة المسلمين يعرفون جيدًا أن الانفصال معناه قيام دولة مسيحية تهدد وجودهم؛ لأنهم يعرفون جيدًا أن الحركة الشعبية ومسئوليها سوف ينهبون البلاد، بدليل أن الميزانية التي تدفعها الحكومة المركزية في الشمال للجنوب, من أجل تعميره وتنميته لإنجاز الوحدة الجاذبة -كما جاء في اتفاقية نيفاشا- قامت الحركة الشعبية بالاستيلاء عليها، وتوزيعها على المسؤولين والقادة، وحتى إذا ما يتم توزيعها على المواطنين يتم بشكل قِبلي، وهو ما جعل هناك قناعة لدى رجل الشارع أن الوحدة أفضل له، رافعين شعارهم القديم "احتلال الشمال للجنوب أفضل بكثير من احتلال الجنوب للجنوب".
    Attached Files Attached Files

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •