Results 1 to 2 of 2

Thread: المرجع :معنى التورية لغةً واصطلاحًا، وعناصرها الدرس 19

  1. #1
    Super Moderator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    5,367
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    347

    المرجع :معنى التورية لغةً واصطلاحًا، وعناصرها الدرس 19

    ع1:
    معنى التورية لغةً واصطلاحًا، وعناصرها
    ج1:
    الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني.
    التورية:
    ومنه التورية وتسمى الإيهام أيضا وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد به البعيد منهما وهي ضربان مجردة ومرشحة أما المجردة فهي التي لا تجامع شيئا مما يلائم المورى به أعني المعنى القريب كقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
    وأما المرشحة فهي التي قرن بها ما يلائم المورى به إما قبلها كقوله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}.
    قيل: ومنه قول الحماسي:
    فلما نأت العشيرة كلها
    أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
    فما أسلمتنا عند يوم كريهة
    ولا نحن أغضينا الجفون على وتر

    فإن الإغضاء مما يلائم جفن العين لا جفن السيف وإن كان المراد به إغماد السيوف؛ لأن السيف إذا أغمد انطبق الجفن عليه وإذا جرد انفتح للخلاء الذي بين الدفتين وإما بعدها كلفظ الغزالة في قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيفية باردة:
    كأن كانون أهدى من ملابسه
    لشهر تموز أنواعا من الحلل
    أو الغزالة من طول المدى خرفت
    فما تفرق بين الجدي والحمل

    واعلم أن التوهم ضربان ضرب يستحكم حتى يصير اعتقادا كما في قوله:
    حملناهم طرا على الدهم بعدما
    خلعنا عليهم بالطعان ملابسا

    وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ ولكنه شيء يجري في الخاطر وأنت تعرف حاله كما في قول ابن الربيع:
    لولا التطير بالخلاف وأنهم
    قالوا مريض لا يعود مريضا
    لقضيت نحبي في فنائك خدمة
    لأكون مندوبا قضى مفروضا

    ولا بد من اعتبار هذا الأصل في كل شيء بني على التوهم فاعلم
    وقال السكاكي أكثر متشابهات القرآن من التورية.
    الاستخدام:
    ومنه الاستخدام وهو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما ثم بضميره معناه الآخر أو يراد بأحد ضميريه أحدهما وبالآخر الأخر فالأول كقوله:
    إذانزل السماء بأرض قوم
    رعيناه وإن كانوا غضابا

    أراد بالسماء الغيث وبضميرها النبت.
    والثاني كقول البحتري:
    فسقى الغضا والساكنيه وإن هم
    شبوه بين جوانح وضلوع

    أراد بضمير الغضا في قوله والساكنيه المكان وفي قوله شبوه الشجر ومنه اللف والنشر وهو ذكر متعدد على جهة التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه فالأول ضربان لأن النشر إما على ترتيب اللف كقوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقول ابن حيوس:
    فعل المدام ولونها ومذاقها
    في مقلتيه ووجنتيه وريقه

    وقول ابن الرومي:
    آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم
    في الحادثات إذا دجون نجوم
    فيها معالم للهدى ومصابح
    تجلو الدجى والأخريات رجوم

    وإما على غير ترتيبه كقول ابن حيوس:
    كيف أسلو وأنت حقف وغصن
    وغزال لحظا وقدا وردفا

    وقول الفرزدق:
    لقد خنت قوما لو لجأت إليهم
    طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
    لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا
    وراءك شزرا بالوشيج المقوم

    والثاني كقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فإن الضمير في قالوا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.
    والمعنى: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله: وأمنا من الإلباس لما علم من الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه فالأول ضربان لأن النشر إما على ترتيب اللف كقوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقول ابن حيوس:
    فعل المدام ولونها ومذاقها
    في مقلتيه ووجنتيه وريقه

    وقول ابن الرومي:
    آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم
    في الحادثات إذا دجون نجوم
    فيها معالم للهدى ومصابح
    تجلو الدجى والأخريات رجوم

    وإما على غير ترتيبه كقول ابن حيوس:
    كيف أسلو وأنت حقف وغصن
    وغزال لحظا وقدا وردفا

    وقول الفرزدق:
    لقد خنت قوما لو لجأت إليهم
    طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
    لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا
    وراءك شزرا بالوشيج المقوم

    والثاني كقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فإن الضمير في قالوا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمعنى وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله: وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه.
    ع1:
    معنى التورية لغةً واصطلاحًا، وعناصرها
    ج2:
    المثل السائر، لابن الأثير.
    النوع العشرون: في المغالطات المعنوية:
    وهذا النوع من أحلى ما استعمل من الكلام وألطفه لما فيه من التورية وحقيقته أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض والنقيض أحسن موقعا وألطف مأخذا.
    فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
    يَشُلُّهُمُ بِكُلِّ أقَبَّ نَهْدٍ
    لِفَارِسِهِ عَلَى الْخَيْلِ الْخِيَارُ
    وَكُلِّ أَصَمَّ يَعْسِلُ جَانِبَاهُ
    عَلى الْكَعْبَيْنِ مِنْهُ دَمُُ مُمَارُ
    يُغَادِرُ كُلَّ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِ
    وَلَبَّتُهُ لِثَعْلَبِهِ وِجَارُ

    فالثعلب هو هذا الحيوان المعروف، والوجار اسم بيته، والثعلب أيضا هو طرف سنان الرمح، فلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن ذكر الوجار في طرف السنان، وهذا نقل المعنى من مثل إلى مثله.
    وعليه ورد قول المتنبي أيضا:
    بِرَغْمِ شَبِيبٍ فَارَقَ السَّيْفَ كَفُّهُ
    وَكَانَا عَلَى الْعِلاَّتِ يَصْطَحِبَانِ
    أَنَّ رِقَابَ النَّاسِ قالَتْ لِسَيْفِهِ
    رَفيقُكَ قَيْسِيٌّ وَأَنْتَ يَمَانِي

    فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها وقتل على حصاره اكان من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له، "يماني" في نسبته إلى اليمن، ومراد المتنبي من هذا البيت: أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة وهي كالأولى إلا أنها أدق وأغمض.
    وكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا فجاء من جملتها قوله:
    وَخَلَطْتُمُ بَعْضَ الْقُرانِ بِبَعْضِهِ
    فَجَعَلْتُمُ الشَعَرَاءَ في الأَنْعَامِ

    ومعنى ذلك أن الشعراء اسم سورة من القرآن الكريم والأنعام اسم سورة أيضا والشعراء جمع شاعر والأنعام ما كان من الإبل والبقر وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب احمد بن حنبل -رضي الله عنه- ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة -رضي الله عنه- ثم انتقل إلى مذهب الشافعي -رضي الله عنه-:
    مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الْوَجِيهَ رِسَالَةً
    وَإِنْ كَانَ لا تُجْدِي لَدَيْهِ الرسَائِلُ
    تَمَذْهَبْتَ لِلنُّعْمَانِ بَعْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ
    وَفَارَقْتَهُ إِذْ أَعْوَزَتْكَ المَآكِلُ
    وَمَا اخْتَرْتَ رَأْيَ الشَّافِعِيِّ تَدَيُّناً
    وَلكِنَّمَا تَهْوَى الَّذي مِنْهُ حَاصِلُ
    وَعَمَّا قَلِيلٍ أَنْتَ لا شَكَّ صَائِرٌ
    إلَى مَالِكٍ فَافْطِنْ لِمَا أَنَا قَائِلُ

    ومالك هو مالك ابن أنس صاحب المذهب -رضي الله عنه- ومالك هو خازن النار وهذه مغالطة خفيفة.
    ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل:
    صلْبُ الْعَصَا بالضَّرْبِ قَدْ دَمَّاهَا
    تَودُّ أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْنَاهَا
    إِذا أرَادَتْ رَشَداً أغْوَاهَا
    محاله من رقه إياها

    فالضرب: لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين أحدهما يقال دماه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية، وهي الصورة، وهكذا لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال: أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه الفناءِ وهو عنب الثعلب.
    والرشد و الغوى: نبتان يقال: أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا إذا طلب الهداية وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز، وليس كذلك؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة.
    وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه واللغز هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليا في النوع الحادي والعشرين، وهو الذي يتلو هذا النوع فليؤخذ من هناك.
    ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال ممن القوم؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من ماء)) فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول من ماء من ماء لينظر أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية؛لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء.
    وقد جاءني شيء من ذلك من الكلام المنثور.
    فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج فقلت ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه والدمع في طرفه وربما تعدى إلى قليب الخاطر فأجفه أن يجري بوصفه فالشمس مأسورة والنار مقرورة والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي:
    والأرض شهباء غير
    أنها حولية لم ترض

    فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية أي لها حول ويقال أنها مروضة أي ذللت للركوب وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية وقولي "لم ترض" أي لم تسلك بعد.
    ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم فقلت: ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع أحنفي الأخلاق، ولقيته فكأني لم أرع ممن أحب بلوعة الفراق ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة فاستولدتها بجواره حسنا.
    وهذه تورية لطيفة فإن فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحسن -رضي الله عنه-ما- ولدها وفاطمة هي اسم فاعلة من الفطام يقال فطمت فهي فاطمةِ كما يقال: فطم فهو فاطم والحسن هو الشيء الحسن.
    ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان فقلت وعهده بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه وتبرز أنوار المعاني من ظلمائه وقد أصبحت يدي منه، وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب.
    وهذا أحسن من الأول وأخلب عبارة فانظر أيهل المتأمل إلى ما فيه من التورية اللطيفة ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقاد وملتهب ويذم فيوصف بأنه بليد وجاهل، وأبو لهب وأبو جهل هما الرجلان المعروفان.
    وكذلك حمالة الحطب هي المرأة المعروفة، وإذا ذم القلم قيل إنه حطب وإنه صاحبه حاطب فلما نقلت أنا هذا إلى المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة ووريت فيه تورية والمسلك إلى مثل هذه المعاني، وتصحيح المقصد فيها عسر جدا لا جرم أن الإجادة فيها قليلة.
    ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور وهو من أبر مساعيه أنه حاز قفل المكرمات، ومفتاحها فإذا سئل منقبة كان مناعها، وإذا سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصعاب، وألان جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها، وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها.
    والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح فإنهما لقب خليفتين من بني العباس، والسفاح أول خلفائهم والمنصور أخوه الذي ولي الخلافة من بعده وهما أيضا من النصر في حومة الحرب والسفح الذي هو الإراقة والمهجة دم القلبف كأني قلت: هو منصور في حومة الحرب ومريق لدم الخطوب وقد اجتمع في هذا الكلام المنصور والمنصور والسفاح والسفاح وهذا من المغالطة المثلية لا من النقيضية ولا خفاء بما فيها من الحسن.
    ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان فقلت: وقد علمت أن ذلك الأنس بقربه يعقب إيحاشا وأن تلك النهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا فإن من شيمة الدهر أن يبدل الصفو كدرا ويوسع أيام عقوقه طولا وأيام بره قصراِ وما أقول إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حد القطع ورأى العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع.
    والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع فإن الخفض هو سعة العيش والخفض هو أحد العوامل النحوية والرفع هو من قولنا: رفعت الشيء إذا أزلته والرفع هو أحد العوامل النحوية أيضا وهذا من المغالطات الخفية.
    ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمى وكنت إذ ذاك بحصن سميساط وهو بلد من بلاد الأرمن.
    فقلت: ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أن الحمى خيمت بها فاستقرت ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها فترى وقد أخذتها النافض فاقشعرت ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان وقد تشتبه الأمراض، وأهل بلادها في الأبان، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا وشكاتها لا تسمى شكاة، وإنما تسمى طعنا وضربا ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية، وليس موسمها في فصل معلوم بل كل فصول العام من مواسمها ولو كاتبتها نصيبين أو ميافارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها.
    والمغالطة ههنا في قولي:
    وأصبحت أيام نحرها في
    الناس غير مبتدأة بأيام تروية

    والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير ترو أي من غير تلبث ويوم النحر هو يوم عيد الأضحى وقبله يسمى يوم التروية فالمغالطة حصلت بين نحر الحمى للناس ونحر الضحايا إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم تروية ولا خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة.
    وأما القسم الآخر وهو النقيض فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا، فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم وهو قوله:
    وَمَا أشْيَاءُ تَشْرِيهَا بِمَالٍ
    فَإِنْ نَفَقَتْ فَأَكْسَدُ مَا تَكُونُ

    يقال: نفقت السلعة إذا راجت وكان لها سوق ونفقت الدابة إذا ماتت وموضع المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت فجاء بالشيء ونقيضه وجعل هذا سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة.
    ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من بلاد الكفار فقلت في آخر الكتاب: وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانا مؤهل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان، وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال والليالي والأيام لها رواة فما الظن برواية الأيام والليال.
    في هذا الفصل مغالطة نقيضه ومغالطة مثلية.
    أما المغالطة المثلية فهي في قولي: " وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال " وقد تقدم الكلام على هذا وما يجري مجراه في القسم الأول.
    وأما المغالطة النقيضية فهي قولي: " وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجل " وموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار فلان عدل صحيح الرواية وفلان مجروح أي سقيم الرواية غير موثوق به فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض فقلت صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل أي تجريحهم في الحرب وفي هذا من الحسن ما لا خفاء...
    وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع.
    فإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد قلت في الجواب إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر وذاك أن التجنيس يذكر فيه اللفظ الواحد مرتين فهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى كقول أبي تمام:
    بِكُلِّ فَتىً ضَرْب يُعَرِّضُ لِلْقَنا
    مُحَيَّاً مُحَلًّى حَلْيُهُ الطَّعْنُ وَالضَرْبُ

    فالضرب: الرجل الخفيف، والضرب هو: الضرب بالسيف في القتال، فاللفظ لابد من ذكره مرتين، والمعنى فيه مختلف، والمغالطة ليست كذلك؛ بل يذكر فيها اللفظ مرة واحدة، ويدل به على مثله وليس بمذكور.
    ع2:
    الفرق بين المجاز والتورية
    ج1:
    الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني.
    القول في الحقيقة والمجاز:
    وقد يفيدان باللغويين الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب فقولنا المستعملة احتراز عما لم يستعمل فإن الكلمة قبل الاستعمال لا تسمى حقيقة.
    وقولنا: فيما وضعت له احتراز عن شيئين:
    أحدهما: ما استعمل في غير ما وضعت له غلطا كما إذا أردت أن تقول لصاحبك: خذ هذا الكتاب مشيرا إلى كتاب بين يديك فغلطت فقلت خذ هذا الفرس.
    والثاني: أحد قسمي المجاز وهو ما استعمل فيما لم يكن موضوعا له لا في اصطلاح به التخاطب ولا في غيره كلفظة الأسد في الرجل الشجاع.
    وقولنا: في اصطلاح به التخاطب احتراز عن القسم الآخر من المجاز.
    وهو ما استعمل فيما وضع له لا في اصطلاح به التخاطب كلفظ الصلاة يستعمله المخاطب يعرف الشرع في الدعاء مجازا والوضع من تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه فقولنا: بنفسه احتراز من تعيين اللفظ للدلالة على معنى بقرينة أعني المجاز فإن ذلك التعيين لا يسمى وضعا، ودخل المشترك في الحد؛ لأن عدم دلالته على أحد معنييه بلا قرينة لعارض أعني الاشتراك لا ينافي تعيينه للدلالة عليه بنفسه.
    وذهب السكاكي إلى أن المشترك كالقرء معناه الحقيقي وهو ما لا يتجاوز معنييه كالطهر والحيض غير مجموع بينهما قال: فهذا ما يدل عليه بنفسه ما دام منتسبا إلى الوضعين أما إذا خصصته بواحد إما صريحا مثل أن تقول: القرء بمعنى الطهر.
    وإما استلزاما مثل أن تقول: القرء لا بمعنى الحيض فإنه حينئذ ينتصب دليلا دالا بنفسه على الطهر بالتعيين كما كان الواضع عينه بإزائه بنفسه ثم قال في موضع آخر وأما ما يظن بالمشترك من الاحتياج إلى القرينة في دلالته على ما هو معناه فقد عرفت أن منشأ هذا الظن عدم تحصيل معنى المشترك الدائر بين الوضعين وفيما ذكره نظر؛ لأنا لا نسلم أن معناه الحقيقي ذلك وما الدليل على أنه عند الإطلاق يدل عليه.
    ثم قوله إذا قيل: القرء بمعنى الطهر أو لا بمعنى الحيض فهو دال بنفسه على الطهر بالتعيين سهو ظاهر فإن القرينة كما تكون معنوية تكون لفظية وكل من قوله بمعنى الطهر وقوله: لا بمعنى الحيض قرينة.
    وقيل: دلالة اللفظ على معناه لذاته وهو ظاهر الفساد؛ لاقتضائه أن يمنع نقله إلى المجاز وجعله عاما ووضعه للمضادين كالجون للأسود والأبيض فإن ما بالذات لا يزول بالغير ولاختلاف اللغات باختلاف الأمم.
    وتأوله السكاكي رحمه الله على أنه تنبيه على ما عليه أئمة علمي الاشتقاق والتصريف من أن للحروف في أنفسها خواص بها تختلف كالجهر والهمس والشدة والرخاوة والتوسط بينها وغير ذلك مستدعية أن العالم بها إذا أخذ في تعيين شيء منها لمعنى لا يهمل التناسب بينهما قضاء لحق الحكمة كالفصم بالفاء الذي هو حرف رخو لكسر الشيء من غير أن يبين والقصم بالقاف الذي هو حرف شديد لكسر الشيء حتى يبين.
    وأن التركيبات كالفعلان والفعلي بالتحريك كالنزوان والحيدي وفعل مثل شرف وغير ذلك خواص أيضا فيلزم فيها ما يلزم في الحروف وفي ذلك نوع تأثير لأنفس الكلم في اختصاصها بالمعاني.
    والمجاز مفرد ومركب أما المفرد: فهو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في الاصطلاح به التخاطب على وجه يصح مع قرينة عدم إرادته فقولنا المستعملة احتراز عما لا يستعمل لأن الكلمة قبل الاستعمال لا تسمى مجازا كما لا تسمى حقيقة.
    وقولنا: في اصطلاح به التخاطب ليدخل فيه نحو: لفظ الصلاة إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في الدعاء مجازا فإنه وإن كان مستعملا فيما وضع له في الجملة فليس بمستعمل فيما وضع له في الاصطلاح الذي به وقع التخاطب.
    وقولنا: على وجه يصح احتراز عن الغلط كما سبق.
    وقولنا: مع قرينة عدم إرادته احتراز عن الكناية كما تقدم.
    والحقيقة لغوية وشرعية وعرفية خاصة أو عامة لأن واضعها إن كان واضع اللغة فلغوية وإن كان الشارع فشرعية وإلا فعرفية والعرفية إن تعين صاحبها نسبت إليه.
    كقولنا: كلامية ونحوية وإلا بقيت مطلقة مثال اللغوية لفظ أسد إذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في السبع المخصوص، ومثال الشرعية لفظ صلاة إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في العبادة المخصوصة ومثال العرفية الخاصة لفظ فعل إذا استعمله المخاطب بعرف النحو في الكلمة المخصوصة.
    ومثال العرفية العامة لفظ دابة إذا استعمله المخاطب بالعرف العام في ذي الأربع، وكذلك المجاز المفرد لغوي وشرعي وعرفي مثال اللغوي لفظ: أسد إذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في الرجل الشجاع.
    ومثال الشرعي لفظ صلاة إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في الدعاء ومثال العرفي الخاص لفظ فعل إذا استعمله المخاطب بعرف النحو في الحدث ومثال العرفي العام لفظ: دابة إذا استعمله المخاطب بالعرفي العام في الإنسان.
    التورية:
    ومنه التورية وتسمى: الإيهام أيضا وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد به البعيد منهما وهي ضربان مجردة ومرشحة أما المجردة فهي التي لا تجامع شيئا مما يلائم المورى به أعني المعنى القريب.
    كقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وأما المرشحة فهي التي قرن بها ما يلائم المورى به إما قبلها كقوله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} قيل ومنه قول الحماسي:
    فلما نأت العشيرة كلها
    أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
    فما أسلمتنا عند يوم كريهة
    ولا نحن أغضينا الجفون على وتر

    فإن الإغضاء مما يلائم جفن العين لا جفن السيف وإن كان المراد به إغماد السيوف لأن السيف إذا أغمد انطبق الجفن عليه وإذا جرد انفتح للخلاء الذي بين الدفتين وإما بعدها كلفظ الغزالة في قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيفية باردة:
    كأن كانون أهدى من ملابسه
    لشهر تموز أنواعا من الحلل
    أو الغزالة من طول المدى خرفت
    فما تفرق بين الجدي والحمل

    واعلم أن التوهم ضربان ضرب يستحكم حتى يصير اعتقادا كما في قوله:
    حملناهم طرا على الدهم بعدما
    خلعنا عليهم بالطعان ملابسا

    وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ ولكنه شيء يجري في الخاطر وأنت تعرف حاله كما في قول ابن الربيع:
    لولا التطير بالخلاف وأنهم
    قالوا مريض لا يعود مريضا
    لقضيت نحبي في فنائك خدمة
    لأكون مندوبا قضى مفروضا

    ولابد من اعتبار هذا الأصل في كل شيء بني على التوهم فاعلم.
    وقال السكاكي: أكثر متشابهات القرآن من التورية.
    الاستخدام:
    ومنه الاستخدام وهو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما ثم بضميره معناه الآخر أو يراد بأحد ضميريه أحدهما وبالآخر الأخر فالأول كقوله:
    إذانزل السماء بأرض قوم
    رعيناه وإن كانوا غضابا

    أراد بالسماء الغيث وبضميرها النبت.
    والثاني كقول البحتري:
    فسقى الغضا والساكنيه وإن هم
    شبوه بين جوانح وضلوع

    أراد بضمير الغضا في قوله والساكنيه المكان وفي قوله شبوه الشجر ومنه اللف والنشر وهو ذكر متعدد على جهة التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه.
    فالأول ضربان؛ لأن النشر إما على ترتيب اللف كقوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقول ابن حيوس:
    فعل المدام ولونها ومذاقها
    في مقلتيه ووجنتيه وريقه

    وقول ابن الرومي:
    آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم
    في الحادثات إذا دجون نجوم
    فيها معالم للهدى ومصابح
    تجلو الدجى والأخريات رجوم

    وإما على غير ترتيبه كقول ابن حيوس:
    كيف أسلو وأنت حقف وغصن
    وغزال لحظا وقدا وردفا

    وقول الفرزدق:
    لقد خنت قوما لو لجأت إليهم
    طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
    لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا
    وراءك شزرا بالوشيج المقوم

    والثاني كقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فإن الضمير في قالوا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.
    والمعنى: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الإلباس لما علم من الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه فالأول ضربان؛ لأن النشر إما على ترتيب اللف كقوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقول ابن حيوس:
    فعل المدام ولونها ومذاقها
    في مقلتيه ووجنتيه وريقه

    وقول ابن الرومي:
    آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم
    في الحادثات إذا دجون نجوم
    فيها معالم للهدى ومصابح
    تجلو الدجى والأخريات رجوم

    وإما على غير ترتيبه كقول ابن حيوس:
    كيف أسلو وأنت حقف وغصن
    وغزال لحظا وقدا وردفا

    وقول الفرزدق:
    لقد خنت قوما لو لجأت إليهم
    طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
    لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا
    وراءك شزرا بالوشيج المقوم

    والثاني كقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فإن الضمير في: (قالوا) لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمعنى: وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله: وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين، وتضليل كل واحد منهما لصاحبه.
    ع2:
    الفرق بين المجاز والتورية
    ج2:
    المثل السائر، لابن الأثير.
    وأما المجاز فهو: ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة، وهو مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع إذا تخطاه إليه فالمجاز إذا اسم للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما وحقيقته هي الانتقال من مكان إلى مكان فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل كقولنا: زيد أسد فإن زيدا إنسان والأسد هو هذا الحيوان المعروف.
    وقد جزنا من الإنسانية إلى الأسدية أي: عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة وقد يكون العبور لغير وصلة وذلك هو الاتساع كقولهم في كتاب كليلة ودمنة قال الأسد وقال الثعلب فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين بحال من الأحوال وإنما أجرى عليهما اتساعا محضا لا غير.
    ولهذا مثال في المجاز الحقيقي الذي هو المكان المجاز فيه فإنه لا يخلو إما أن يجاز من سهل إلى سهل أو من وعر إلى وعر أو سهل إلى وعر فالجواز من سهل إلى سهل أو من وعر إلى وعر هو كقولنا: زيد أسد فالمشابهة الحاصلة في ذات بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان والجواز من سهل إلى وعر كقولهم: قال الأسد، وقال: الثعلب فكما أنه لا مشابهة بين القول وبين هذين فكذلك لا مشابهة بين السهل والوعر، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك، وإشباع القول في تحقيقه في باب الاستعارة فليؤخذ من هناك.
    وقد ذهب قوم إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه.
    وذهب آخرون إلى أنه كله مجاز لا حقيقة فيه وكلا هذين المذهبين فاسد عندي.
    وسأجيب الخصم عما ادعاه فيهما فأقول:
    محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة أو أنها كله مجاز ولا فرق عندي بين قولك إنها كلها حقيقة أو إنها كلها مجاز فإن كلا الطرفين عندي سواء؛ لأن منكرهما غير مسلم لهما وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازا والحقيقة اللغوية هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني، وليست بالحقيقة التي هي ذات الشيء أي نفسه وعينه، فالحقيقة اللفظية إذا هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره.
    وتقرير ذلك بأن أقول:
    المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدل بها عليها ليعرف كل منها باسمه من أجل التفاهم بين الناس وهذا يقع ضرورة لا بد منها فالاسم الموضوع بإزاء المسمى هو حقيقة له، فإذا نقل إلى غيره صار مجازا.
    ومثال ذلك أنا إذا قلنا: شمس أردنا به هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه وكذلك إذا قلنا: بحر أردنا به هذا الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ملح، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه فإذا نقلنا الشمس إلى الوجه المليح استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة، وكذلك إذا نقلنا البحر إلى الرجل الجواد استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة.
    فإن قيل: إن الوجه المليح يقال له: شمس وهو حقيقة فيه، وكذلك البحر يقال للرجل الجواد، وهو حقيقة فيه فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: نظري والآخر وضعي.
    أما النظري: فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني، ولو كان ما ذهبت إليه صحيحا لكان البحر يطلق على هذا الماء العظيم الملح، وعلى الرجل الجواد بالاشتراك، وكذلك الشمس أيضا، فإنها كانت تطلق على هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وعلى الوجه المليح بالاشتراك، وحينئذ فإذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصصه فلا يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته.
    ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك فإنا إذا قلنا: شمس أو بحر وأطلقنا القول لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد، وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم لا غير فبطل إذا ما ذهبت إليه بما بيناه و أوضحناه.
    فإن قلت: إن العرف يخالف ما ذهبت إليه فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم يذهب الفهم منه إلا إلى المجاز دون الحقيقة كقولهم :الغائط فإن العرب خصص ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض.
    قلت: في الجواب هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم فهؤلاء لا يفهمون من الغائط إلا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم يعلموا أصل وضع هذه الكلمة، وأنها مطمئن من الأرض.
    وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلى الحقيقة لا غير ألا ترى أن هذه اللفظة لما وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك كقوله تعالى: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ}.
    فإن قوله: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ} دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقة والنقل عنه مجازا، وأما الجهال فلا اعتبار بهم ولا اعتداد بأقوالهم
    والعجب عندي من الفقهاء الذين دونوا ذلك على ما دونوه، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه وأما الوجه الوضعي فهو أن المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمى شمسا، ولا أن الرجل الجواد يسمى بحرا وإنما أهل الخطابة والشعر توسعوا في الأساليب المعنوية، فنقلوا الحقيقة إلى المجاز ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية.
    هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله فمن ذلك أنه أول من عبر عن الفرس بقوله قيد الأوابد ولم يسمع ذلك لأحد من قبله وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال يوم حنين: ((الآن حمي الوطيس)) وأراد بذلك شدة الحرب فإن الوطيس في أصل الوضع هو التنور فنقل إلى الحرب استعارة ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي.
    وواضع اللغة ما ذكر شيئا من ذلك، فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه ومجازا بتوسعات أهل الخطابة والشعر.
    وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من قبل ولو كان هذا موقوفا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده ولا زيد فيه ولا نقص منه.
    وأما الفرق بينه وبين الحقيقة، فهو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائر ألا ترى أنا إذا قلنا فلان عالم صدق على كل ذي علم بخلاف: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}؛ لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل القرية؛لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، وقد يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل.
    ع3:
    الفرق بين التورية والكناية
    ج2:
    البلاغةُ الواضِحَةُ، لعلي الجارم و مصطفى أمين.
    الكنايةُ:
    الأمثلةُ:
    1. تقولُ العربُ: فلانةٌ بعيدةُ مهوَى القُرط.
    2. قالت الخنساء في أخيها صخر :
    طويلُ النجادِ رفيعُ العمادِ
    كثيُر الرمادِ إذا ما شتا.
    الضَّاربين بكلِّ أبيضَ مخذَمٍ
    والطاعنينَ مجامعَ الأضغانِ

    5. المجدُ بين ثوبيكَ والكرمُ ملءَ بُرديكَ.
    البحثُ:
    مهوى القرط المسافةُ من شحمة الأذن إلى الكتف، وإذا كانت هذه المسافة بعيدة لزم أنْ يكون العنق طويلاً، فكأن العربي بدل أنْ يقول: "إن هذه المرأة طويلة الجيد " نفحنا بتعبير جديد يفيد اتصافها بهذه الصفة.
    وفي المثال الثاني تصف الخنساء أخاها بأنه طويل النجاد، رفيع العماد، كثير الرماد. تريد أنْ تدل بهذه التراكيب على أنه شجاع، عظيم في قومه، جواد، فعدلت عن التصريح بهذه الصفات إلى الإشارة إليها والكناية عنها، لأنه يلزم من طول حمالة السيف طول صاحبه.
    ويلزم من طول الجسم الشجاعة عادة، ثم إنه يلزم من كونه رفيع العماد أن يكون عظيم المكانة في قومه وعشيرته، كما أنه يلزم من كثرة الرماد كثرةُ حرق الحطب،ثم كثرة الطبخ، ثم كثرة الضيوف، ثم الكرم، ولما كان كل تركيب من التراكيب السابقة، وهي بعيدة مهوى القرط، وطويل النجاد، ورفيع العماد، وكثير الرماد، كُنيَ به عن صفة لازمة، لمعناه، كان كلُّ تركيبٍ من هذه وما يشبهه كناية عن صفة وفي المثال الثالث أراد الشاعر أن يقول: إن اللغة العربية وجدت فيكِ أيتها المدرسة مكاناً يذكرها بعهد بدواتها.فعدل عن التصريح باسم اللغة العربية إلى تركيب يشير إليها ويعدُّ كناية عنها وهو " بنت عدنان "
    وفي المثال الرابع أراد الشاعر وصف ممدوحيه بأنهم يطعنون القلوب وقت الحرب فانصرف عن التعبير بالقلوب إلى ما هو أملح وأوقع في النفس وهو " مجامعُ الأضغان "، لأنَّ القلوب تُفهم منه إذ هي مجتمع الحقد والبغض والحسد وغيرها.
    وإذا تأملت هذين التركيبين وهما: " بنت عدنان "، " مجامع الأضغان " رأيت أنَّ كلاً منهما كُني به عن ذات لازمة لمعناه، لذلك كان كل منهم كناية عن موصوف وكذلك كلُّ تركيب يماثلها.
    أما في المثال الأخير فإنك أردت أن تنسب المجد والكرم إلى من تخاطبه، فعدلت عن نسبتهما إلى ما له اتصال به، وهو الثوبان والبردانِ ' ويسمَّى هذا المثال وما يشبهه كنايةٌ عن نسبة. وأظهر علامة لهذه الكناية أنْ يصرحَ فيها بالصفة كما رأيت، أو بما يستلزم الصفة، نحو: في ثوبيه أسدٌ، فإن هذا المثال كناية عن نسبة الشجاعة.
    وإذا رجعت إلى أمثلة الكناية السابقة رأيت أنَّ كل منها ما يجوز فيه إرادة المعنى الحقيقي الذي يفهم من صريح اللفظ ومنها مالا يجوز فيه ذلك.
    القواعدُ:
    (26) الكنايةُ لفظٌ أطلقَ وأريدَ به لازمُ معناهُ مع جوازِ إرادة ذلك المعنَى.
    (27) تنقسمُ الكنايةِ باعتبارِ المكنَّى عنه ثلاثةَ أقسامٍ، فإنَّ المكنَّى عنه قد يكون صفةً، وقد يكون موصوفاً، وقد يكون نسبةً.
    نموذجٌ:
    1. قال المتنبي في وقيعة سيف الدولة ببني كلاب:
    فَمَسّاهُمْ وَبُسْطُهُمُ حَرير
    ٌ وَصَبّحَهُمْ وَبُسْطُهُمُ تُرَابُ
    وَمَنْ في كَفّه مِنْهُمْ قَنَاةٌ
    كمَنْ في كَفّه منهُمْ خِضابُ

    2. وقال في مدح كافور:
    إنّ في ثَوْبِكَ الذي المَجْدُ
    فيهِ لَضِيَاءً يُزْري بكُلّ ضِيَاءِ

    الإجابةُ:
    1- كنَّى بكون بسطهم حريراً عن سيادتهم وعزتهم،وبكون بسطهم تراباً عن حاجتهم وذلهم،فالكناية في التركيبين عن الصفة.
    2- وكنَّى بمن يحمل قناة عن الرجل،وبمن في كفه خضابٌ عن المرأة وقال:إنهما سواء في الضعف أمام سطوة سيف الدولة وبطشه،فكلتا الكنايتين كنايةٌ عن موصوف.
    3- أراد أنْ يثبت المجد لكافور فترك التصريح بهذا وأثبته لما له تعلق بكافور وهو الثوب، فالكناية عن نسبةٍ.
    تمريناتٌ
    (1)-بينِ الصفةَ التي تلزمُ منْ كلِّ كنايةٍ منَ الكناياتِ الآتيةِ:
    (1) نئومُ الضحا. ألقى فلانٌ عصاهُ.
    (3) ناعمةُ الكفين.
    (4) قرعَ فلانٌ سِنَّهُ.
    (5) يشارُ إليه بالبنانِ.
    (6) قال تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} (42) سورة الكهف.
    (7) ركبَ جناحي نعامةٍ.
    (8) لوتِ الليالي كفَّه على العصا.
    (9) قال المتنبي في وصف فرسه:
    وأصْرَعُ أيَّ الوحشِ قَفَّيتُهُ بِهِ
    وَأنْزِلْ عنهُ مثلَهُ حينَ أركَبُ

    (10) فلانٌ لا يضعُ العصا على عاتقِه.
    (2)بينِ الموصوفَ المقصودَ بكلِّ كنايةٍ من الكناياتِ الآتيةِ:
    (1) قال الشاعر:
    قَوْمٌ تَرَى أَرْمَاحَهُمْ يَوْمَ الْوَغَى
    مَشْغُوفَةً بِمَوَاطِنِ الكِتْمَانِ

    (2) وقال تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} سورة الزخرف.
    (3) كان المنصورُ في بستانٍ في أيام محاربتهِ إبراهيم بن عبد الله بن الحسن (2) ونظر إلى شجرة خلاف،فقال للربيع. ما هذه الشجرةُ ؟. فقال: طاعة ٌ يا أميرَ المؤمنين !
    (4) مرَّ رجلٌ في صحنِ دار الرشيد ومعه حزمة خيزران، فقال الرشيدُ للفضل بن الربيع : ما ذاك ؟ فقال: عروقُ الرماحِ يا أمير المؤمنين، وكره أنْ يقول: الخيزران، لموافقة ذلك لاسم أمِّ الرشيد.
    (5) قال أبو نواس في الخمر:
    فلما شَربناها ودَبَّ دبيبُها
    إلى مَوْضع الأسْرار قلتُ لها قفي

    (6) وقال المعري في السيف:
    سليلُ النار دقَّ ورقَّ حتى
    كأن أباه أورثَهُ السلالا

    (7) كبرتْ سنُّ فلانٍ وجاءهُ النذيرُ.
    (8) سئلَ أعرابيٌّ عن سببِ اشتعال شيبهِ، فقال: هذا رغوةُ الشبابِ.
    (9) وسئلَ آخرُ، فقال: هذا غبارُ وقائعِ الدهرِ.
    (10) يروى أنَّ الحجاجَ قال للغضبان بن القبعثري: لأحملنَّكَ على الأدهم، فقال: مثلُ الأمير يحملُ على الأدهمِ والأشهبِ، قال إنه الحديدُ، قال: لأنْ يكونَ حديداً خيرٌ منْ أنْ يكونَ بليداً.
    المحسناتُ المعنويةُ:
    (1) التوريةُ
    الأمثلةُ:
    (1) قال سِرَاجُ الدين الوَرَّاق:
    أصُونُ أديمَ وجهي عَن أُنَاس
    لقاءُ الموتِ عِنْدهُم الأديبُ
    وَرَبُّ الشعر عندهُمُ بَغِيضٌ
    وَلَوْ وَافَى بهِ لَهُمُ "حبَيبُ"

    (2) وقال نَصِيرُ الدين الحَمَّامي:
    أبْيَاتُ شِعْرك كالقُصـ
    ـور ولا قُصُورَ بهَا يَعوقْ
    ومنَ العجَائبِ لَفْظُها
    حُرٌّ ومعناها "رَقيقْ "

    (3) وقال الشَّابُّ الظريف:
    تَبَسَّمَ ثغْرُ البانِ عَنْ طِيبِ نَشْرِهِ
    وأَقْبَلَ في حُسْنٍ يَجِلُّ عن الوَصْفِ
    هَلُمُّوا إِليه بَينَ قَصْفٍ ولَذَّةٍ
    فإِنَّ غصونَ الزَّهْر تَصْلُحُ "للقَصْفِ"

    البحثُ:
    كلمة "حَبيبٍ" في المثال الأول لها معنيان: أحدهما المحبوب وهو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهنْ بسبب التمهيد له بكلمة "بغيض"، والثاني اسم أبي تمام الشاعر وهو حبيبُ بنُ أَوْس، وهذا المعنى بعيد. وقد أَراده الشاعر ولكنه تَلطف فَورَّى عنه وستره بالمعنى القريب.
    وكلمة "رقيق" في المثال الثاني لها معنيان: الأول قريب متبادر وهو العبد المملوك وسببُ تبادُره إلى الذهن ما سبقه من كلمة "حُرّ"، والثاني بعيد وهو اللطيف السهل. وهذا هو الذي يريده الشاعر بعد أَن ستَره في ظل المعنى القريب.
    وكلمة "القَصْفِ" في المثال الثالث معناها القريب الكسْر، بدليل تمهيده لهذا المعنى بقوله: "فإنَّ غصون الزهر" ومعناها البعيد اللعب واللهو، وهذا هو المعنى الذي قصد إليه الشاعر بعد أَن احتال في إخفائه ويسمَّى هذا النوع من البديع تورية، وهو فنٌّ بَرَعَ فيه شعراء مصر والشام في القرن السابع والثامن من الهجرة، وأَتوْا فيه بالعجيب الرائع الذي يدلُّ على صفاءَ الطبع والقدرة على اللعب بأَساليب الكلام.
    القاعدةُ:
    (71) التَّوْريَةُ: أَنْ يَذْكُرَ المتكلِّمُ لَفْظاً مُفْردًا له مَعْنَيانِ، قَريبٌ ظاهِر غَيْرُ مُرَادٍ، وَبَعيدٌ خَفيٌّ هُوَ المُرادُ.
    ع1:
    أقسام التورية
    ج2:
    البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها، لعبد الرحمن الميداني.
    وإني أذكر وأشرح من هذه البدائع ما هو مشهور ومتداول عند البلاغيين مع جمع بعضها ما أمكن ذلك، للتقليل من التفرد في الأنواع.
    البديعة المعنوية:
    (1): التورية:
    التورية وتُسَمّى "الإِيهام"
    التورية: أن يَذكُرَ المتكلّم لفظاً مفرداً له معنيان، على سبيل الحقيقة، أو على سبيل الحقيقة والمجاز، أحدهما ظاهر قريبٌ يَتَبَادَرُ إلى الذهن وهو غير مراد، والآخَرُ بعيد فيه نوع خفاءٍ وهو المعنى المراد، لكن يُورَّى عنه بالمعنى القريب، لِيَسْبِقَ الذهن إليه ويَتَوهّمَهُ قبل التأمّل، وبَعْدَ التأمّل يَتَنبَّه المتلَقِّي فيُدْرَكُ المعنى الآخر المراد.
    وأصل التورية في اللّغة: إرادةُ الشيءٍ وإظهارُ غيره إيهاماً، وقد جاء في كتب السيرة النبويّة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد غزاة أو سفراً إلى جهةٍ ورَّى بغيرها، ليعمّي الأخبار، حتَّى لا يترصَّد له الأعداء.
    قال الزمخشري: لا ترى باباً في البيان أدقَّ ولا ألطف من التورية، ولا أنفع ولا أعْوَنَ على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله منها.
    أقسام التورية:
    تنقسم التورية إلى ثلاثة أقسام: مجرّدة ومرشحة، ومبيَّنة.
    فالتورية المجرّدة: هي التي لم يقترن بما يلائم المعنى القريب، ولا بما يلائم المعنى البعيد.
    والتورية المرشّحة: هي التي اقترنت بما يلائم المعنى القريب، سواء أكان هذا المقارن قبل اللفظ المستعمل في التورية أو بعده.
    والتورية المبيَّنة: هي التي اقترنت بما يلائم المعنى البعيد المقصود باللّفظ.
    أقول: ولا يحسُنُ بلاغيّاً استخدام التورية إلاَّ إذا دعا داعٍ بلاغي يقتضيه حال المتلقّي، وهذا الداعي ممّا يُقْصدُ لدى أذكياء البلغاء، كإخفاء المراد عن العامة وإشعار الخاصة من طرفٍ خفي، وكالتعبير عن المقصود بكلام يتأتَّى معه الإِنكار عند الحاجة إليه، وكاختبار ذكاء المتلقّي والتأثير في نفسه بما يُعْجِبُه من أداءٍ فنّيّ يستخدم فيه الأسلوب غير المباشر حتى الإِلغاز، إلى غير ذلك من دواعي.
    فليس كلّ كلمة لها معنًى قريب ولها معنًى بعيد على وجه الحقيقة أو المجاز يحْسُنُ استخدامها، وقَصْدُ المعنى البعيد بها، على سبل التورية، دون مراعاة أو ملاحظة داعٍ بلاغي يُقْصَد لدى البلاء الفطناء.
    أمثلة:
    المثال الأول: قول الله عزَّ وجلَّ في حكاية قول بعض أولاد يعقوب عليه السلام له، حين أخذ يُحِسُّ بريح يوسف عليه السلام، ولم يكن قد وصل البشير إليه يحمل قميصه من مصر، ولم يكن قد علم بما حصل لباقي بنيه في مصر الذين ذهبوا ليطلبوا الإِفراج عن بنيامين شقيق يوسف، فقال الله تعالى في سورة (يوسف): {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ}.
    تُفَنِّدُونِ: تُخَطِّئُوني بأنّي أُحسُّ بإحْسَاسِ من أصابَهُ الخرفُ وضعُفَ رأيُه، فصار يتصوّر تصورات باطلات.
    وتلاحظ التورية في عبارتهم: {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} فهذه العبارة لها معنيان:
    المعنَى الأول القريب الذي أرادا الإِيهام به: هو أنّه ما زال ضالاً مع أوهامه، طعاماً بعد نيف وثلاثين سنة من غياب يوسف في أن يعود إليه أو يلتقي به، وضالاً في شغل نفسه بالحزن عليه حتَّى يكون حرضاً (أي: شديد المرض) أو يكون من الهالكين.
    المعنى الثاني البعيد الذي قَصَدُوه: هو أنّه ما زال ضالاً في إيثاره يوسف وشقيقه بنيامين على سائر بنيه، وهذا المعنى هو المعنى الذي كانوا ذكروه قبل أن يُلْقُوه يوسُفَ في غَيابة الجبّ، وقَدْ أبانه الله بقوله في أوائل السّورة.
    {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.
    والتورية في هذا المثال مجرّدة.
    المثال الثاني: قول الشاعر "صلاح الصفدي":
    وصَاحِب لمَّا أَتَاهُ الْغِنَى
    تَاهَ ونَفْسُ الْمَرْءِ طَمَّاحَهْ
    وَقيلَ: هَلْ أبْصَرْتَ مِنْهُ يداً
    تَشْكُرُها قُلْتُ ولاَ رَاحَهْ

    كلمة: راحة لها معنيان: أحدهما المعنى القريب وهو راحة اليد، وهو المعنى الذي تستدعيهِ عبارة "يداً تشكرها" والآخر المعنى المقصود وهو راحة الجسم من التعب.
    والتورية هنا مرشّحة لاقترانها بما يلائم المعنى القريب.
    المثال الثالث: قول الشاعر:
    أَيُّهَا الْمُعْرِضُ عَنَّا
    حَسْبُكَ اللَّهُ تَعَالَ

    كلمة "تَعَالَ" لها معنيان: المعنى القريب هو الثناء على الله بالعلوّ، وهو يلائم لفظ الجلالة "الله" والمعنى الآخر وهو الدعوة إلى الحضُور، وهو يلائم عبارة: "أيُّها المعرض عنّا".
    المثال الرابع: قول سراج الدين الورّاق شاعر مصري (615- 695هـ).

    أَصُونُ أَدِيمَ وَجْهِي عَنْ أُنَاس
    لِقَاءُ الْمَوْتِ عِنْدَهُمُ الأَدِيبُ

    وَرَبُّ الشِّعْرِ عِنْدهُمُ بَغِيضٌ
    وَلَوْ وَافَى بِهِ لَهُمُ حَبِيبُ

    كلمة "حبيب" لا يريد بها المعنى القريب وهو المحبوب، بل يريد بها المعنى البعيد، وهو اسم أبي تمّام الشاعر: "حَبِيبُ بن أوس".
    وهذه من التورية المجرّدة.
    المثال الخامس: قول الشابّ الظريف "شمس الدين بن العفيف التلمساني":
    تَبَسَّمَ ثَغْرُ اللَّوْزِ عَنْ طِيب نَشْرِهِ
    وأَقْبَلَ فِي حُسْنٍ يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ
    هَلُمُّوا إلَيْهِ بَيْنَ قَصْفٍ ولَذَّةٍ
    فَإِنَّ غُصُونَ الزَّهْرِ تَصْلُحُ لِلْقَصْفِ

    كلمة "القصف" في قافية البيت الثاني لها معنيان: المعنى الأول هو الكسْرُ، فغُصُون الزهر تُكْسَرُ عن شجرتها، للاستمتاع بزينتها، وهذا المعنى غير مراد. والمعنى الآخر البعيد هو اللَّهْو واللّعب والافتنان بالطعام والشراب، وهذا هو المعنى المراد.
    وفي سوابق هذه التورية ما يلائم المعنيين، فهي بقوّة المجرّدة.
    المثال السادس: قول بدر الدين الذهبي:
    رِفْقاً بخِلٍّ نَاصِحٍ
    أَبْلَيْتَهُ صَدّاً وهَجْر
    وَافَاكَ سَائِلُ دَمْعِهِ
    فَرَدَدْتَهُ فِي الْحَالِ نَهْر

    كلمة "نهراً لها معنيان: الأول القريب هو النَّهْرُ واحد الأنهار.
    والمعنى الآخر البعيد وهو المراد: هو الزَّجر، ويشير إلى قول الله تعالى: وأمّا السائل فلا تنهر.
    وفيه أيضاً تورية بكلمة "سائل" من سال يسيل، ومن سأل يسأل، إذ الدمع الذي يسيل يتضمَّن سؤال الوصال.
    Attached Files Attached Files

  2. #2
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Oct 2012
    Posts
    52,463
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    2

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •