أما قوله تعالى: {فلا تخشوهم واخشونى} فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج
ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم واخشوني، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه: خشية عقاب الله، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة، وأن
لا يكون مشتغل القلب بهم، 4


128
ولا ملتفت الخاطر إليهم.


أما قوله تعالى: {ولاتم نعمتى عليكم} فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه.
أحدها: أنه راجع إلى قوله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة ولاتم نعمتى عليكم} فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين.
إحداهما: لانقطاع حجتهم عنه.
والثانية: لتمام النعمة، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة.
وثانيها: أن متعلق اللام محذوف، معناه: ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك.
وثالثها: أن يعطف على علة مقدرة، كأنه قيل: واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل: إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى} (المائدة: 3) فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية: {ولاتم نعمتى عليكم} قلنا: تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به، وفي الحديث: "تمام النعمة دخول الجنة" وعن علي رضي الله عنه: تمام النعمة الموت على الإسلام.

واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت المقدس، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك فقد أصاب، لأن شيئا من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما بيناه، وإن أراد به إنكاره أصلا، فبعيد، لأن الأخبار في ذلك قريبة من المتواتر، ولأبي مسلم رحمه الله أن يمنع التواتر، وعند ذلك يقول: لا يصح التعويل في القطع بوقوع النسخ في شرعنا على خبر الواحد والله أعلم.


2( {كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا

عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} )2

اعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة والسلام بوجوه، بعضها إلزامية، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله، وهو المراد بقوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} (البقرة: 130) وبعضها برهانية وقوله: {قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط} (البقرة: 136) ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية
شبهتين لهم.
إحداهما: قوله: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} (البقرة: 135).
والثانية: استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة، وهو قول: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها} (البقرة: 142) وأطنب الله 4


129
تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام النسخ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة، وختم ذلك الجواب بقوله: {ولاتم نعمتى عليكم} فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيها على عظيم نعم الله تعالى، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوبا فيه، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب.

أما قوله: {كما أرسلنا} ففيه مسائل:
المسألة الأولى: هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده، فإن قلنا: إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه.
الأول: أنه راجع إلى قوله: {ولاتم نعمتى عليكم} (البقرة: 150) أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف، وفي الآخرة بالفوز بالثواب، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول.
الثاني: أن إبراهيم عليه السلام قال: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويزكيهم} (البقرة: 129) وقال أيضا: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا} (البقرة: 128) فكأنه تعالى قال: ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولا إجابة لدعوته عن ابن جرير.
الثالث: قول أبي مسلم الأصفهاني، وهو أن التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولا، أي كما أرسلنا فيكم رسولا من شأنه وصفته كذا وكذا، فكذلك جعلناكم أمة وسطا، وأما إن قلنا: أنه متعلق بما بعده، فالتقدير: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين والشرع، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتابا، ولا تعلمون رسولا، ومحمد صلى الله عليه وسلم رجل منكم ليس بصاحب كتاب، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء، وفيه الخبر عن أحوالهم، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه

التنبيه على الأخلاق الشريفة، والنهي عن أخلاق السفهاء، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال: كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلا، فاذكروني بالشكر عليها، أذكركم برحمتي وثوابي، والذي يؤكده قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} (آل عمران: 164) فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل: (كما) هل يجوز أن يكون جوابا؟ قلنا: جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين.
أحدهما: {كما}.
والثاني: {أذكركم} ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته، قال القاضي: والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى.

المسألة الثانية: في وجه التشبيه قولان: إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى
أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى: {*اذكروني} دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة.

المسألة الثالثة: {فى ما} في قوله: {كما أرسلنا} مصدرية كأنه قيل: كإرسالنا فيكم، ويحتمل أن تكون كافة.

أما قوله تعالى: {فيكم} فالمراد به العرب وكذلك قوله: {منكم} وفي إرساله فيهم ومنهم، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.
4


130

أما قوله تعالى: {يتلو عليكم * ءاياتنا} فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فيستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة، فكأنه يحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة.

أما قوله: {ويزكيكم} ففيه أقوال.
أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن.
وثانيها: يزكيهم بالثناء والمدح، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به، كما يقال: إن المزكي زكي الشاهد، أي وصفه بالزكاء.
وثالثها: أن التزكية عبارة عن التنمية، كأنه قال يكثركم، كما قال: {إذ كنتم قليلا فكثركم} (الأعراف: 86) وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا، عن أبي مسلم، قال القاضي: وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك.

أما قوله تعالى: {ويعلمكم الكتاب} فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم، وأما (الحكمة) فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه (الحكمة) هي سنة الرسول عليه السلام.

أما قوله: {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمدا بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم.


2( {فاذكرونى صلى الله عليه وسلم
1764; أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} )2

اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين: الذكر، والشكر، أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع.
أحدها: أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة القادحة في تلك الدلائل.

وثانيها: أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا
كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد، وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم.
وثالثها: أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له، أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله: {فاسعوا إلى ذكر الله} فصار الأمر بقوله: {*اذكروني} متضمنا جميع الطاعات، فلهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال: اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه، أما قوله: {فاذكرونى أذكركم} فلا بد من حمله على ما يليق بالموضع، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح، وإظهار الرضا والإكرام، وإيجاب 4


131
المنزلة، وكل ذلك داخل تحت قوله: {أذكركم} ثم للناس في هذه الآية عبارات.
الأولى: اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي.
الثانية: اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله: {ادعونى أستجب لكم} (غافر: 60) وهو قول أبي مسلم قال: أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة.
الثالثة: اذكروني بالثناء والطاعة أذكركم بالثناء والنعمة.
الرابعة: اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة.
الخامسة: اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات.
السادسة: اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء.
السابعة: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي.
الثامنة: اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي.
التاسعة: اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص.
العاشرة: اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية في الخاتمة.


2( {ياأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلواة إن الله مع الصابرين} )2

اعلم أنه تعالى لما أوجب بقوله: {فاذكرونى} جميع العبادات، وبقوله: {واشكروا لي} ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما فقال: {استعينوا بالصبر والصلواة} وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم، ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده: {ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله} (البقرة: 154) وأيضا فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال: {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} (الأنفال: 45) وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا

فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} (آل عمران: 147).

إلا أن القول الذي اخترناه أولى لعموم اللفظ وعدم تقييده، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال: {اتل ما أوحى إليك من الكتاب} (العنكبوت: 45) ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة، وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

ثم قال: {إن الله مع الصابرين} يعني في النصر لهم كما قال: {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} (البقرة: 137) فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقا وتسديدا وألطافا كما قال: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} (مريم: 76).

4


132

2( {ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} )2

اعلم أن هذه الآية نظيرة قوله في آل عمران: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم أحياء عندي وههنا مسائل:
المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فمن المهاجرين: عبيدة بن الحرث ابن عبد المطلب، وعمر بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله.
ومن الأنصار: سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن الهمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء، وكانوا يقولون: مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم أنهم ماتوا.
وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: {أموات} رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: لا تقولوا هم أموات.

المسألة الثالثة: في الآية أقوال:
القول الأول: أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم وهذا قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور، فإن قيل: نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور، فكيف يصح ما ذهبتم إليه؟ قلنا: أما عندنا فالبنية ليست شرطا في الحياة ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة
إلى التركيب والتأليف، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا بد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف، ويحتمل

أيضا أن يحييهم إذا لم يشاهدوا.

القول الثاني: قال الأصم: يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء الأحياء ويحتمل أن المشركين قالوا: هم أموات في الدين كما قال الله تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه} (الأنعام: 122) فقال: ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون، ولكن قولوا: هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون، يعني المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد عليه الصلاة والسلام حي في الدين، وعلى هدى من ربه ونور كما روي في بعض الحكايات أن رجلا قال لرجل: ما مات رجل خلف مثلك، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته: موتوا بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح.

القول الثالث: أن المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء، وهؤلاء الذين قالوا ذلك، يحتمل أنهم كانوا 4


133
دهرية ينكرون المعاد، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فلذلك قالوا هذا الكلام، فقال الله تعالى: ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا، ولكن اعلموا أنهم أحياء، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله: {أحياء} بأنهم سيحيون غير بعيد، قال الله تعالى: {إن الابرار لفى نعيم * وإن الفجار لفى جحيم} (الإنفطار: 13،14) وقال: {أحاط بهم سرادقها} (الكهف: 29) وقال: {إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار} (النساء: 145) وقال: {فالذين ءامنوا وعملوا الصالحات فى جنات النعيم} (الحج: 56) على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول، والذي يدل عليه وجوه.
أحدها: الآيات الدالة على عذاب القبر، كقوله تعالى: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} (غافر: 11) والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر، وقال الله تعالى: {أغرقوا فأدخلوا نارا} (نوح: 25) والفاء للتعقيب، وقال: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب} (غافر: 46) وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضا لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى، فاسقاط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر، كان ذلك في الثواب أولى.
وثانيها: أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله: {ولكن لا تشعرون} معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم القيامة، وأنهم ماتوا على هدى ونور، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في قبورهم.
وثالثها: أن قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم} (آل عمران: 170) دليل

على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث.
ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران" والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر
صلاته: "وأعوذ بك من عذاب القبر".
وخامسها: أنه لو كان المراد من قوله: أنهم أحياء أنهم سيحيون، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة، أجاب عنه أبو مسلم بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} (النساء: 69) فأرادهم بالذكر تعظيما.