169


الفصل الرابع
في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال على وجود الصانع
وهي من وجوه.
أحدها: النظر إلى مقادير هذه الأفلاك، فإنها مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية، اختص كل واحد منها بمقدار خاص، مع أنه لا يمتنع في العقل وقوعها على أزيد من ذلك المقدار أو أنقص منه بذرة، فلما قضى صريح العقل بأن المقادير بأسرها على السوية، قضى بافتقارها في مقاديرها إلى مخصص مدبر.
وثانيها: النظر إلى أحيازها، فإن كل فلك مماس بمحدبه فلكا آخر فوقه وبمقعره فلكا آخر تحته، ثم ذلك الفلك إما أن يكون متشابه الأجزاء أو ينتهي بالآخرة إلى جسم متشابه الأجزاء، وذلك الجسم المتشابه الأجزاء لا بد وأن تكون طبيعة كل واحد من طرفيه مساوية لطبيعة طرفه الآخر، فكما صح على محدبه أن يلقى جسما وجب أن يصح على مقعره أن يلقى ذلك الجسم، ومتى كان كذلك صح أن العالي يمكن وقوعه سافلا، والسافل يمكن وقوعه عاليا، ومتى كان كذلك كان اختصاص كل واحد منها بحيزه المعين أمرا جائزا يقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى.
وثالثها: أن كل كوكب حصل في مقعره اختص به أحد جوانب ذلك الفلك دون سائر الجوانب، ثم إن ذلك الموضع المنتفي من ذلك الفلك مساو لسائر جوانبه، لأن الفلك عنده جسم متشابه الأجزاء، فاختصاص ذلك المقعر بذلك الكوكب دون سائر الجوانب يكون أمرا ممكنا جائزا فيقضي العقل بافتقاره إلى المخصص.
ورابعها: أن كل كرة فإنها تدور على قطبين معينين، وإذا كان الفلك متشابه الأجزاء كان جميع النقط المفترضة عليه متساوية، وجميع الدوائر المفترضة عليه أيضا متساوية، فاختصاص نقطتين معينتين بالقطبية دون سائر النقط مع استوائها في الطبيعة يكون أمرا جائرا، فيقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى، وهكذا القول في تعين كل دائرة معينة من دوائرها بأن تكون منطقة.
وخامسها: أن الأجرام الفلكية مع تشابهها في الطبيعة الفلكية كل واحد منها مختص بنوع معين من الحركة في البطء والسرعة، فانظر إلى

الفلك الأعظم مع نهاية اتساعه وعظمه ثم إنه يدور دورة تامة في اليوم والليلة، والفلك الثامن الذي هو أصغر منه لا يدور الدورة التامة إلا في ستة وثلاثين سنة على ما هو قول الجمهور، ثم إن الفلك السابع الذي تحته يدور في ثلاثين سنة، فاختصاص الأعظم بمزيد السرعة، والأصغر بمزيد البطء مع أنه على خلاف حكم العقل فإنه كان ينبغي أن يكون الأوسع أبطأ حركة لعظم مداره، والأصغر أسرع استدارة لصغر مداره ليس إلا لمخصص، والعقل يقضي بأن كل واحد منها إنما اختص بما هو عليه بتقدير العزيز العليم.
وسادسها: أن الفلك الممثل إذا انفصل عنه الفلك الخارج المركز بقي متممان: أحدهما: من الخارج، والآخر: من الداخل، وأنه جرم متشابه الطبيعة، ثم اختص أحد جوانبهما بغاية
الثخن، والآخر بغاية الرقة بالنسبة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون نسبة ذلك الثخن والرقة إلى طبيعته على السوية، فاختصاص أحد جانبيه بالرقة والآخر بالثخن، لا بد وأن يكون بتخصيص المخصص المختار.
4


170
وسابعها: أنها مختلف في جهات الحركات، فبعضها من المشرق إلى المغرب، وبعضها من المغرب إلى المشرق، وبعضها شمالية، وبعضها جنوبية، مع أن جميع الجهات بالنسبة إليها على السوية، فلا بد من الإفتقار إلى المدبر.
وثامنها: أنا نراها الآن متحركة ومحال أن يقال إنها كانت أزلا متحركة، أو ما كانت متحركة، ثم ابتدأت بالحركة، ومحال أن يقال: إنها كانت أزلا متحركة لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، لأن الحركة انتقال من حالة إلى حالة والأزل ينافي المسبوقية بالغير
فالجمع بين الحركة والأزلية محال، وإن قلنا إنها ما كانت متحركة أزلا سواء قلنا إنها كانت قبل تلك الحركة موجودة أو كانت ساكنة، أو قلنا: إنها كانت قبل تلك الحركة معدومة أصلا، فالإبتداء بالحركة بعد عدم الحركة يقتضي الإفتقار إلى مدبر قديم سبحانه وتعالى ليحركها بعد أن كانت معدومة، أو بعد أن كانت ساكنة، وهذا المأخذ أحسن المآخذ وأقواها.
وتاسعها: أن يقال: إن حركاتها إما أن تكون من لوازم جسمانيتها المعينة، لكنا نرى جسمانياتها المعينة منفكة عن كل واحد من أجزاء تلك الحركة، فإذن كل واحد من أجزاء حركته ليس من لوازمه، فافتقرت الأفلاك في حركاتها إلى محرك من خارج، وذلك هو محرك المتحركات، ومدبر الثوابت والسيارات، وهو الحق سبحانه وتعالى.
وعاشرها: أن هذا الترتيب العجيب في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركاتها أترى أنها مبنية على حكمة، أم هي واقعة بالجزاف والعبث؟ أما القسم الثاني: فباطل وبعيد عن العقل، فإن جوز في بناء رفيع، وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر، ثم تولد منهما لبنات، ثم تركبها قصر مشيد وبناء عال، فإنه يقضي عليه بالجنون، ونحن نعلم أن تركيب هذه الأفلاك وما فيها من الكوكب، وما لها من الحركات ليس أقل من ذلك البناء، فثبت أنه لا بد فيها من رعاية حكمة، ثم لا يخلو إما أن يقال: إنها أحياء ناطقة فهي تتحرك بأنفسها أو يقال: إنه يحركها

مدبر قاهر، والأول باطل لأن حركتها إما أن تكون لطلب استكمالها أو لا لهذا الغرض، فإن كانت طالبة بحركتها لتحصيل كمال فهي ناقصة في ذواتها، طالبة للاستكمال أو لا لهذا الغرض، والناقص بذاته لا بد له من مكمل، فهي مفتقرة محتاجة، وإن لم تكن طالبة بحركتها للاستكمال، فهي عابثة في أفعالها، فيعود الأمر إلى أنه يبعد في العقول أن يكون مدار هذه الأجرام المستعظمة، والحركات الدائمة، على العبث والسفه، فلم يبق في العقول قسم هو الأليق بالذهاب إليه إلا أن مدبرا قاهرا غالبا على الدهر والزمان يحركها لأسرار مخفية، ولحكم لطيفة هو المستأثر بها، والمطلع عليها، وليس عندنا إلا الإيمان بها على الإجمال على ما قال: {جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا} (آل عمران: 191).

والحادي عشر: أنا نراها مختلفة في الألوان، مثل صفرة عطارد، وبياض الزهرة وضوء
الشمس وحمرة المريخ ودرية المشتري، وكمودة زحل واختلاف كل واحد من الكواكب الثابتة بعظم خاص ولون خاص وتركيب خاص، ونراها أيضا مختلفة بالسعادة والنحوسة، ونرى أعلى الكواكب السيارة أنحسها ونرى ما دونها أسعدها، ونرى سلطان الكواكب سعيدا في بعض الاتصالات تحسسا في بعض ونراها مختلفة في الوجوه والخدود واللثات والذكورة والأنوثة وكون بعضها نهاريا وليليا وسائرا وراجعا ومستقيما وصاعدا وهابطا مع 4


171
اشتراكها بأسرها في الشفافية والصفاء والنقاء في الجوهر فيقضي العقل بأن اختصاص كل واحد منها بما اختص به لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص.

والثاني عشر: وهو أن هذه الكواكب وكان لها تأثير في هذا العالم فهي إما أن تكون متدافعة أو متعاونة، أو لا متدافعة ولا متعاونة، فإن كانت متدافعة فإما أن يكون بعضها أقوى من بعض أو تكون متساوية في القوة وإن كان بعضها أقوى من بعض كان القوي غالبا أبدا والضعيف مغلوبا أبدا، فوجب أن تستمر أحوال العالم على طبيعة ذلك الكوكب لكنه ليس الأمر كذلك وإن كانت متساوية في القوة وهي متدافعة وجب تعذر الفعل عليها بأسرها فتكون الأفعال الظاهرة في العالم صادرة عن غيرها فلا يكون مدبر العالم هو هذه الكواكب، بل غيرها وإن كانت متعاونة لزم بقاء العالم على حالة واحدة من غير تغير أصلا وإن كانت تارة متعاونة وتارة متدافعة كان انتقالها من المحبة إلى البغضة وبالعكس تغيرا لها في صفاتها فتكون هي مفتقرة في تلك التغيرات إلى الصانع المستولي عليها بالقهر والتسخير.

والثالث عشر: أنها أجسام وكل جسم مركب وكل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل جسم هو مفتقر إلى غيره ممكن وكل ممكن مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فله مؤثر وكل ماله مؤثر فافتقاره إلى مؤثره إما أن يكون حال بقائه، أو حال حدوثه أو حال عدمه، والأول باطل لأنه يقتضي إيجاد الموجود وهو محال، فبقي القسمان الآخران وهما يقتضيان الحدوث الدال على وجود الصانع.

والرابع عشر: أن الأجسام متساوية في الجسمية لأنه يصح تقسيم الجسم إلى الفلكي والعنصري والكثيف واللطيف، والحار والبارد، والرطب واليابس، ومورد التقسيم مشترك بين كل الأجسام.
فالجسمية قدر مشترك بين هذه الصفات، والأمور المتساوية في الماهية يجب أن تكون متساوية في قالمية الصفات، فإذن كل ما صح على جسم صح على غيره، فإذن اختصاص كل جسم بما اختص به من

المقدار، والوضع، والشكل، والطبع، والصفة، لا بد وأن يكون من الجائزات، وذلك يقضي بالافتقار إلى الصانع القديم جل جلاله، وتقدست أسماؤه ولا إله غيره، فهذا هو الإشارة إلى معاقد الدلائل المستنبطة من أجسام السموات والأرض، على إثبات الصانع: {ولو أن * ما فى الارض * من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما * نفدت كلمات الله} (لقمان: 27).