والرواية الثانية: في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع، ووصل الخبر إلى الكفار، فركب منهم سبعون راكبا وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم، ففيهم نزلت هذه الآية، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه

ابتغاء مرضاة الله منبها بذلك على حال هؤلاء الشهداء.

القول الثاني: في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة، ونقل عن محمد بن كعب القرظي، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفا بتلك الصفات
والتحقيق في المسألة أن قوله: {ومن الناس} إشارة إلى بعضهم، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع، وقوله: {ويشهد الله} لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم، بل نقول: فيها ما يدل على العموم، وهو من وجوه أحدها: أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، فلما ذم الله تعالى قوما ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات، فيلزم أن كل من كان
موصوفا بتلك الصفات أن يكون مستوجبا للذم وثانيها: أن الحمل على العموم أكثر فائدة، وذلك لأنه يكون زجرا لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة وثالثها: أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى، إذا عرفت هذا فنقول: اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا، والصحيح أنها لا تدل على ذلك، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة، وشيء منها لا يدل على النفاق فأولها قوله: {يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا} وهذا لا


169
دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله: {وقال إنما اتخذتم} لأن الإنسان إذا قيل: إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعا من المذمة وثانيها: قوله: {ويشهد الله على ما فى قلبه} وهذ لا دلالة فيه على حالة منكرة، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما في قلبه مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق، لأنه ليس في الآية أن الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد، فإنه يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون منافقا، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ويظهر ضده حتى يكون مرائيا وثالثها: قوله: {وهو ألد الخصام} وهذا أيضا لا يوجب النفاق ورابعها: قوله: {وإذ * تولى سعى فى الارض ليفسد فيها} والمسلم الذي يكون مفسدا قد يكون كذلك وخامسها: قوله: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} فهذا أيضا لا يقتضي النفاق، فعلمنا أن كل هذه الصفات المذكورة في الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في المرائي، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا المذكور يجب أن يكون منافقا إلا أن المنافق داخل في الآية، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون موصوفا بهذه الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي، وإذا عرفت هذه الجملة فنقول: الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة.

الصفة الأولى:قوله: {يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا} والمعنى: يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس.

أما في قوله: {وقال إنما اتخذتم} ففيه وجوه أحدهما: أنه نظير قول القائل: يعجبني كلام فلان في هذه المسألة والمعنى: يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا والثاني: أن يكون التقدير: يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا يعجبك قوله وكلامه في الآخرة لأنه ما دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو

الكلام، وأما في الآخرة فإنه تعتريه اللكنة والإحتباس خوفا من هيبة الله وقهر كبريائه.

الصفة الثانية: قوله: {ويشهد الله على ما فى قلبه} فالمعنى أنه يقرر صدقة في كلامه ودعواه
بالاستشهاد بالله
ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين، ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول: الله يشهد بأن الأمر كما قلت، فهذا يكون استشهادا بالله ولا يكون يمينا، وعامة القراء يقرؤن {ويشهد الله} بضم الياء، أي هذا القائل يشهد الله على ما في ضميره، وقرأ ابن محيصن {يشهد * الله على ما فى قلبه} بفتح الياء، والمعنى: أن الله يعلم من قلبه خلاف ما أظهره.

فالقراءة الأولى: تدل على كونه مرائيا وعلى أنه يشهد الله باطلا على نفاقه وريائه.

وأما القراءة الثانية: فلا تدل إلا على كونه كاذبا، فأما على كونه مستشهدا بالله على سبيل الكذب فلا، فعلى هذا القراءة الأولى أدلى على الذم.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وهو ألد الخصام} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الألد: الشديد الخصومة، يقال: رجل ألد، وقوم لد، وقال الله تعالى: {وتنذر به قوما لدا} (مريم: 97) وهو كقوله: {بل هم قوم خصمون} (الزخرف: 58) يقال: منه لد يلد، بفتح اللام في يفعل منه، فهو ألد، إذا كان خصما، ولددت الرجل ألده بضم اللام، إذا غلبته بالخصومة، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه، ولديدي الوادي، وهما جانباه، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين


170
وشمال في أبواب الخصومة غلب من خاصمه.

وأما {الخصام} ففيه قولان أحدهما: وهو قول خليل: إنه مصدر بمعنى المخاصمة، كالقتال والطعام بمعنى المقاتلة والمطاعنة، فيكون المعنى: وهو شديد المخاصمة، ثم في هذه الإضافة وجهان أحدهما: أنه بمعنى {فى} والتقدير: ألد في الخصام والثاني: أنه جعل الخصام ألد على سبيل المبالغة.

والقول الثاني: أن الخصام جمع خصم، كصعاب وصعب، وضخام وضخم، والمعنى: وهو أشد الخصوم خصومة، وهذا قول الزجاج، قال المفسرون: هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق على ما شرحناه: وفيه نزل أيضا قوله: {ويل لكل همزة} (الهمزة: 1) وقوله: {ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم} (القلم: 10 ـ 11) ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة، قال مجاهد {ألد الخصام} معناه: طالب لا يستقيم، وقال السدي: أعوج الخصام وقال قتادة ألد الخصام معناه أنه جدل بالباطل، شديد القصوة في معصية الله، عالم اللسان جاهل العمل.

المسألة الثانية: تمسك المنكرون للنظر والجدل بهذه الآية، قالوا إنه تعالى ذم ذلك الإنسان بكونه شديدا في الجدل، ولولا أن هذه الصفة من صفات الذم، وإلا لما جاز ذلك وجوابه ما تقدم في قوله: {ولا جدال في الحج} (البقرة: 197).

الصفة الرابعة: قوله تعالى: {وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} اعلم أنه تعالى لما بين من حال ذلك الإنسان أنه حلو الكلام، وأنه يقرر
صدق قوله بالاستشهاد بالله وأنه ألد الخصام، بين بعد ذلك أن كل ما ذكره باللسان فقلبه منطو على ضد ذلك فقال: {وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها} ثم في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قوله تعالى: {وإذا تولى} فيه قولان: أحدهما: معناه وإذا انصرف من عندك سعى في الأرض بالفساد، ثم هذا الفساد يحتمل وجهين أحدهما: ما كان من اتلاف الأموال بالتخريب والتحريق والنهب، وعلى هذا الوجه ذكروا روايات منها ما قدمنا أن

الأخنس لما أظهر للرسول عليه السلام أنه يحبه وأنه على عزم أن يؤمن فلما خرج من عنده مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر، ومنها أنه لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا وأهلك مواشيهم وأحرق زرعهم.

والوجه الثاني في تفسير الفساد: أنه كان بعد الإنصراف من حضرة النبي عليه السلام يشتغل بإدخال الشبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا المعنى يسمى فسادا، قال تعالى: حكاية عن قوم فرعون حيث قالوا له: {أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الارض} (الأعراف: 127) أي يردوا قومك عن دينهم، ويفسدوا عليهم شريعتهم، وقال أيضا: {إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض الفساد} (غافر: 26) وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الارض} (البقرة: 11) ما يقرب من هذا الوجه، وإنا سمي هذا المعنى فسادا في الأرض لأنه يوقع الإختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام وينسفك الدماء، قال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض وتقطعوا أرحامكم} (محمد: 22) فأخبر أنهم أن تولوا عن دينه لم يحصلوا إلا على الفساد في


171
الأرض، وقطع الارحام، وذلك من حيث قلنا وهو كثير في القرآن، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من حمله على التخريب والنهب، لأنه تعالى قال: {ويهلك الحرث والنسل} والمعطوف مغاير للمعطوف عليه لا محالة.

القول الثاني: في تفسير قوله: {وإذا تولى} وإذا صار واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل، والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن المقصود بيان نفاقه، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد.

المسألة الثانية: قوله: {سعى فى الارض} أي اجتهد في إيقاع القتال، وأصل السعي هو المشي بسرعة ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس، ومنه يقال: فلان يسعى بالنميمة قال الله تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} (التوبة: 47).