الدليل السادس :

¬ تحكيم العقل :

من شبهات الواقعين في تكفير المسلمين المتلبسين بالشرك دون اشتراط قيام الحجة ، و انتفاء عارض الجهل ، أن حقيقة التوحيد مدركة بالعقل ، متوصل إليها بالنظر و الاستدلال ، غير متوقفة على بعثة الرسل ، و هذا مذهب المعتزلة و الماتريدية .
قال أبو منصور الماتريدي في تفسيره قول الله عز و جل { رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَ مُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }[النساء 165]، نفيه الحجة إنما هي في العبادات و الشرئع ، التي سبيل معرفتها الرسل . أما معرفة الله فإن سبيل لزومها العقل ، فلا يكون لهم ذلك على اللله حجة. [1]
و قد اختلف الناس في مسألة تحكيم العقل إلى ثلاثة أقسام:
الأول : أن الحسن و القبيح إنما يدرك بالعقل ، فالعقل هو الحاكم بالقبح والحسن، والفعل حسن أو قبيح في نفسه إما لذاته أو لصفة حقيقية توجب ذلك ، أو لوجوه و اعتبارات هو عليها، و هذا قول المعتزلة و من وافقهم.[2]
الثاني : أن الحسن و القبح إنما يدرك بالشرع ، والعقل لا يدل على الحسن و القبح قبل ورود السمع، فلا يجب على العباد شيء قبل ورود السمع، و هذا قول الأشاعرة و من وافقهم.[3]
الثالث : و هو وسط بين القولين ، فالتحسين و التقبيح للأشياء ليس عقليا أو شرعيا بإطلاق، فمن الأشياء ما يعلم حسنها أو قبحها بالعقل ، و منها ما يدرك بالشرع ، و منها ما يدرك بهما معا، فحسن الصدق و قبح الكذب يدرك بالعقل ، و حسن التطهر بالتراب و قبح التطيب في حال الإحرام يدرك بالشرع، و من الأشياء ما يعلم قبحها و حسنها بهما معا؛ كحسن الصلاة و قبح تعطيل الحدود.[4]
و الجواب عن هذه الشبهة أن يقال : أنه لا تلازم بين هذين الأمرين ، فالأفعال حسنة و قبيحة في نفسها ، لكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب ألا بعد الأمر والنهي، و قبل ورود النهي لا يكون الفعل القبيح موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه ، بل هو غاية القبح و الله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل ـ عليهم السلام ـ فمتثلا الكذب و الزنا كلها أفعال قبيعة في ذاتها ، لكن العقاب عليها مشروط بالشرع...
و قد دل القرآن العظيم أنه لا تلازم بين الأمرين ، و أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد إرسال الرسل،{ و مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء 15] . .و في هذه الآية إشارة إلى أن العذاب لا يكون إلا بعد بعثة الرسل ، و ذلك دليل على أن العذاب لا يثبت إلا بالشرع.[5]


1 الماتريدية دراسة و تقويما [147] (لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي ).

2 المعتزلة و أصولها الخمسة و موقف أهل السنة منها [163] ( لعواد بن عبد الله المعتق ـ مكتبة الرشد ـ الطبعة الثانية 1995).

3 الإرشاد للجويني [258] .( إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ـ دار السعادة ـ مصر).

1 مجموع الفتاوى [8/434]

2 المعتزلة و أصولها الخمسة [165].