الدليل السابع :

¬ دعوى الإجماع :

من شبهات القائلين بعدم العذر بالجهل ، دعوى إجماع السلف على عدم اعتبار الجهل عذرا ، على اختلاف مذاهبهم و عمدتهم في ذلك كلام لابن القيم ـ رحمه الله ـ في طريق الهجرتين عندما تكلم على طبقات المكلفين فقال :
اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار ، و إن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم و أئمتهم، إلا ما حكي عن بعض أهل البدع أنه لا يحكم لهؤلاء بالنار ، و جعله منزلة من لم تبلغه الدعوة ، و هذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين، لا الصحابة، ولا التابعين ولاى من بعدهم، و إنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام.
ثم قال : و الإسلام هو توحيد الله و عبادته وحده لا شريك له، و لاإيمان بالله و برسوله و اتباعه فيما جاء به ، فإن لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم ، و إن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل ، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين ، و عدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا ، فإن الكافر من جحد توحيد الله و كذب رسوله، أما عنادا أو جهلا أو تقليدا، و هذا و إن كان غايته أنه غير معاند ، فهو متبع لأهل العناد.[1]
و الجواب عن هذه الشبهة من وجوه :
أولا: أن كلام ابن القيم ـ رحمه الله ـ وارد في المشركين الأصليين لا في من وقع في شيء من الشرك و أسبابه جهلا و هو مسلم ، و هو كذلك في المشركين الذين بلغتهم دعوة الإسلام ، بدليل قوله: إلا ما حكي عن بعض أهل البدع أنه لا يحكم لهؤلاء بالنار ، و جعله منزلة من لم تبلغه الدعوة ؛ فكلام ابن القيم محمول على الكافر الذي بلغته دعوة الإسلام ، و موطن النزاع هو في المسم الجاهل الذي لم تبلغه الحجة كاملة جلية.
و قال ابن القيم في نفس الكتاب :
و أما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة و عدم التمكن من معرفتها ، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل .[2]
ثانيا : و مما يؤكد أن كلام ابن القيم السابق في الكفار الذين لم يدخلو في الإسلام أصلا ، هذا الكلام الذي يفرق فيه بين أحوال أهل البدع ، و ينص فيه على عدم تكفير الجاهل المقلد الذي عجز عن العلم.
قال ـ رحمه الله ـ أما أهل البدع الموافقون لأهل السنة و لكنهم مخالفون لهم في بعض الأصول كالرافضة و القدرية و الجهمية و غلاة المرجئة ، و نحوهم فهؤلاء أقسام:
أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له ، فهذا لا يكفر ولا يفسق و لا ترد شهادته ، إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى .
القسم الثاني : المتمكن من السؤال و طلب الهداية و معرفة الحق ، و لكنه يترك ذلك انشغالا بدنياه و رياسته و لذته و معاشه و غير ذلك . فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات ، فإن غلب ما فيه من البدعة و الهوى ما فيه من السنة و الهوى ؛ ردت شهادته . و إن غلب ما فيه من السنة و الهدى قبلت شهادته.
القسم الثالث : أن يسأل و يطلب و يتبين له الهدى ، و يتركه تقليدا و تعصبا ، أو بغضا أو معاداة لأصحابه ، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقا و تكفيره محل اجتهاد و تفصيل.[3]
ثالثا : أن هذا الإجماع معارض بإجماع قديم منقول عن عذر المسلمين بالجهل، نقله ابن حزم الأندلسي ـ رحمه الله ـ حيث قال :
و برهان ضروري لا خلاف فيه ، و هو أن الأمة مجتمعة كلها ، بلا خلاف من أحد منهم ، و هو أن كل من بدل آية من القرآن الكريم عامدا و هو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك ، أو أسقط كلمة عمدا كذلك ، أو زاد فيها كلمة عمدا ، فإنه كافر بإجماع الأمة كلها. ثم إن المرء يخطئ في التلاوة فيزيد كلمة أو ينقص أخرى ، و يبدل كلامه جاهلا مقدرا أنه مصيب ، و يكابر في ذلك و يناظر قبل أن يتبين له
الحق ، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرا ولا فاسقا ولا آثما .فإذا وقف على المصاحف أو أخبره بذلك من تقوم الحجة بخبره، فإن تمادى على خطئه فهو عند الأمة كافر بذلك لا محالة، و هذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة.[4]
رابعا : كلام العلماء ليس حجة شرعية ، فهو يستدل له ، ولا يستدل به، و كل يؤخذ من كلامه و يرد إلا صاحب الروضة عليه أفضل الصلوات و أزكى التسليمات.


1 طريق الهجرتين لابن القيم [607-608]

2 طريق الهجرتين [611]

1 الطرق الحكمية لابن القيم [255] . ( تحقيق نايف حمد الحمد ـ دار عالم الفوائد ـ الطبعة الأولى 1428).

1 الفصل في الملل و الأهواء و النحل [3/253]