الدليل الثامــن:

¬ تقسيم الدين إلى أصول لا يعذر فيها ، و فروع يعذر فيها :

يقسم بعض القائلين بعدم العذر بالجهل الدين إلى أصول لا يعذر الإنسان بجهلها، مهما كانت أحواله، و فروع يسع المكلف جهلها و يكون معذورا بذلك.
و لرد هذا التقسيم ننقل كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه ـ في مجموع الفتاوى :
فأما التفريق بين نوع و تسميته مسائل الأصول ، و بين نوع آخر و تسميته مسائل الفروع ، فهذا الفرق ليس له أصل ، لا عن الصحابة ، ولا عن التابعين لهم بإحسان ، ولا أئمة المسلمين ، و إنما هو مأخوذ عن المعتزلة و أمثالهم من أهل البدع، و عنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم.
و هو تفريق متناقض ، فإنه يقال لمن فرق بين النوعين : ما حد الأصول التي يكفر المخطئ فيها ؟ و ما الفاصل بينها و بين مسائل الفروع؟ فإن قال : مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ، و مسائل الفروع هي مسائل العمل . قيل له : فتنازع الناس في محمد ـ صلى الله عليه و على آله و سلم ـ هل رأى ربه أم لا ؟ و في عثمان أفضل من علي ، أم علي أفضل ـ رضي الله عن الصحابة أجمعين ـ ؟ و في كثير من معاني القرآن و تصحيح بعض الأحاديث، و هي من المسائل الاعتقادية العلمية ، ولا كفر فيها بالاتفاق. و وجوب الصلاة و الزكاة و الصيام والحج ، و تحريم الفواخش و الخمر هي مسائل عملية، و المنكر لها يكفر باتفاق .
و إن قال : الأصول هي المسائل القطعية . قيل له : كثير من مسائل العمل قطعية، و كثير من مسائل العلم ليس قطعية ، و كون المسائل قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية ، و قد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور القطعي لها ، كمن سمع النص من الرسول ـ صلى الله عليه و على أله و سلم ـ و تيقن مراده منه . و عند رجل لا تكون ظنية ، فضلا عن أن تكون قطعية لعدم بلوغ النص إياه. أو لعدم ثبوته عنده ، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته . [1]



1 مجموع الفتاوى [23/346-347] .