المبحث الثاني: كلام أهل العلم عن المعلوم من الدين بالضَّرورة:

قال الآلوسي في تفسيره: "للآية الكريمة{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه}... لأنَّ ما هو من خواصه - عليه الصَّلاة والسَّلام - عموم البعثة لكافة الثَّقَلَيْنِ الجن والإنس، وذلك مُجمعٌ عليه معلوم من الدِّين بالضرورة، فيكفُرُ مُنكِرُه"[1]
قال الطاهر ابن عاشور: "الآية دالة على حجيَّة إجماع جميع الأُمَّة فيما طريقه النَّقل لشريعة، وهو المُعبَّر عنه بالتواتُر، وبما علم من الدِّين بالضَّرورة، وهو اتِّفاق المسلمين على نسبة قول أو فعل أو صفة للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مما هو تشريع مُؤصَّل، أو بيان مُجمل؛ مثل: أعداد الصَّلوات والركعات، وصفة الصَّلاة والحج، ومثل نقل القرآن، وهذا من أحوال إثبات الشَّريعة، به فُسِّرت المُجملات، وأُسِّست الشريعة، وهذا هو الذي قالوا بكفر جاحد المُجْمَعِ عليه منه، وهو الذي اعتبر فيه أبو بكر الباقلاني وفاق العوام، واعتبر فيه غيره عدد التَّواتُر، وهو الذي يصفه كثيرٌ من قُدماء الأصوليِّين بأنه مُقدَّم على الأدلَّة كلها."[2]
قال الزرقاني: "إنَّما يكفر من أنكر متواترًا معلومًا من الدِّين بالضرورة."[3]
قال الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي: "من جحد وجوب صلاة من الخمس أو ركوعها أو سجودها كفر، لأنه معلوم من الدين بالضرورة، وكل من جحد ما علم من الدين بالضرورة فهو كافر في الصلاة أو غيرها."[4]
وقال الشيخ أبو عبد الله محمد أحمد عليش المالكي في منح الجليل على مختصر العلامة خليل ما نصه: "وسواء كفر بقول صريح في الكفر كقوله: كفر بالله أو برسول الله أو بالقرآن أو إلاله اثنان أو ثلاثة، أو المسيح ابن الله أو العزير ابن الله، أو بلفظ يقتضيه، أي يستلزم اللفظ للكفر استلزاما بينا كجحد مشروعية شىء مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، فإنه يستلزم تكذيب القرآن أو الرسول، وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه...أو بفعل يتضمنه أي يستلزم الفعل الكفر استلزاما بينا كإلقاء أي رمي مصحف بشىء قذر."[5]
وقال الحنفية :" تتحقق الردة بإجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإسلام، كما تتحقق بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، كإنكار فرضية الصلاة أو الصيام أو الزكاة، ولا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن، أو كان فى كفره خلاف، ولو كان ذلك رواية ضعيفة. فإذا كان فى المسألة وجوه توجب الكفر وواحد يمنعه فعلى المفتى الميل لما يمنعه."[6]
و ذكر الإمام السيوطي مراتبَ ما فيه الكُفْر من المسائل، وذكر فيها المعلوم من الدِّين بالضَّرورة مُبَيِّنَه فقال:
أحدها: ما نكَفِّرُه قطعًا، وهو ما فيه نصٌّ، وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة بأنْ كان من أمور الإسلام الظَّاهرة، التي يشتركُ في معرفتها الخواصُّ والعوام؛ كالصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والحج وتحريم الزِّنا ونحوه.
الثاني: ما لا نكفره قطعًا، وهو ما لا يعرفه إلاَّ الخواص، ولا نصَّ فيه؛ كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف.
الثالث: ما يكفرُ به على الأَصَحِّ، وهو المشهورُ المنصوص عليه، الذي لم يبلغ رُتبة الضَّرورة؛ كحِلِّ البَيْع، وكذا غيرُ المنصوص على ما صححه النووي.
الرابع: ما لا على الأصح، وهو ما فيه نصٌّ؛ لكنَّه خفيٌّ غير مشهور؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب."[7]
وقال الإمام ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم": "وفي الجملة: فما ترك الله ورسوله حلالاً إلا مُبَيَّنًا، ولا حرامًا إلا مُبَيَّنًا؛ لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعُلِمَ من الدِّين بالضرورة من ذلك، لم يبقَ فيه شكٌّ، ولا يعذرُ أحدٌ بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما يشتهر بين حملة الشَّريعة خاصة، فأجمع العلماءُ على حِلِّه أو حُرْمَتِه، وقد يَخفى على بعض مَن ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا."[8]
و قال النووي في شرحه على صحيح مسلم :"و إن جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته و كفره ، و كذا من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة."[9]
و خلاصة القول أن المعلوم من الدين بالضرورة هو الذي الذي لا يجهله عالم و لا عامي ،و هذا أمر نسبي إضافي ، يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الأشخاص، فالمعلوم من الدين بالضرورة في زمن ظلال الشريعة فيه وافرة، و العلماء الربانيون منتشرون في بقاع الأرض ، يعلمون الناس دين الله ، ويقيمون الحجة على الجاهلين؛ غير المعلوم من الدين بالضرورة في زمن قل فيه العلم ، و فشا فيه الجهل ، وارتفع فيه صوت علماء السوء يلبسون على الناس دينهم،و أهل الحق فيه قليلون و صوتهم لا يصل إلى الناس كلهم.
فعلة عدم العذر بالجهل في المعلوم من الدين بالضرورة ، أنها أمور معلومة ، و لو فرض أن هناك شخصا جهل معلوما من الدين بالضرورة ،في زمان أو مكان ، فإن العلماء يعذرونه لعارض الجهل. فلم يقل أحد منهم بكفر من جهل معلوما من الدين بالضرورة ، بل الحكم متعلق بمن أنكر أو رد أو جحد .



روح المعاني للألوسي [8/149].[1]

تفسير التحرير و التنوير للطاهر بن عاشور [1/438] (الدار التونسية للنشر 1984).[2]

2 مناهل العرفان للزرقاني [1/328] ( لمحمد عبد العظيم الزرقاني ـ دار الكتاب العربي ـ 1995).

3 الدخيرة [2/482] ( شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ـ دار الغرب الإسلامي 1994).

4 منح الجليل على مختصر الخليل[9/205] ( لمحمد بن أحمد بن محمد عليش ـ دار الفكر 1989).

1 شرح الدر المختار للحصفكي [1/479] ( تحقيق عبد المنعم خليل ابراهيم ـ دار الكتب العلمية ـ الطبعة الأولى 2002).

2 الأشباه و النظائر للسيوطي [1/744] .

1 جامع العلوم و الحكم لابن رجب الحنبلي. [124] .

2 شرح صحيح مسلم [1/100] .