المطلب الأول : خطورة التسرع في التكفير.

المبحث الأول : أحاديث في التحذير من التسرع في التكفير:

الحديث الأول :
ما رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليعه و على آله و سلم قال: ((أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما.))[1]
وقد ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ :
- أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه.
- إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما.
- أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما.
- ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه.
- ما أكفر رجل رجلا قط إلا باء أحدهما بها، إن كان كافرا وإلا كفر بتكفيره.
قال ابن الصلاح : " قوله باء بها أحدهما معناه عند بعض أهل اللغة احتملها، وعند بعضهم معناه رجع بها" [2]
قال النووي ـ رحمه الله ـ في شرحه للحديث:
هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد ; وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا . وكذا قوله لأخيه : يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام . وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه :
أحدها : أنه محمول على المستحل لذلك ، وهذا يكفر . فعلى هذا معنى ( باء بها ) أي بكلمة الكفر ، وكذا حار عليه ، وهو معنى رجعت عليه أي : رجع عليه الكفر . فباء وحار ورجع بمعنى واحد.
والوجه الثاني : معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.
والثالث : أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين . وهذا الوجه نقله القاضي عياض - رحمه الله - عن الإمام مالك بن أنس ، وهو ضعيف ; لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون : أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.
والوجه الرابع : معناه أن ذلك يئول به إلى الكفر ; وذلك أن المعاصي ، كما قالوا، بريد الكفر ، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر . ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفرايني في كتابه ( المخرج على صحيح مسلم ) : فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر ، وفي رواية إذا قال لأخيه ( يا كافر ) وجب الكفر على أحدهما.
والوجه الخامس : معناه فقد رجع عليه تكفيره ; فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير ; لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا ; فكأنه كفر نفسه ; إما لأنه كفر من هو مثله ، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام . والله أعلم.[3]


1 البخاري [5 / 2263 ] : باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال. و مسلم [1/ 78 ] : باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر.

2 صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط، لابن الصلاح [235] ( لابن الصلاح دار الغرب الإسلامي ـ الطبعة الثانية 1408).

1 صحيح مسلم بشرح النووي [2/64]