Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : تعريف القصر، وبيان أنواعه - الدرس السابع عشر

  1. #1
    Administrator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    6,268
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : تعريف القصر، وبيان أنواعه - الدرس السابع عشر

    ع1:
    تعريف القصر، وبيان أنواعه
    ج1:
    التعريفات، للجرجاني.

    القصر:
    في اللغة: الحبس، يقال: قصرت اللقحة على فرس، إذا جعلت لبنها له لا لغيره.
    وفي الاصطلاح: تخصيص شيء بشيء وحصره فيه، ويسمى الأمر الأول: مقصورًا، والثاني: مقصورًا عليه، كقولنا في القصر بين المبتدأ والخبر: إنما زيد قائم، وبين الفعل والفاعل، نحو: ما ضربت إلا زيدًا، والقصر في العروض: حذف ساكن السبب الخفيف، ثم إسكان متحركه، مثل: إسقاط نون فاعلاتن وإسكان تائه، ليبقى: فاعلات، ويسمى: مقصورًا.
    والقصر الحقيقي: تخصيص الشيء بالشيء بحسب الحقيقة، وفي نفس الأمر بأن لا يتجاوزه إلى غيره أصلًا.
    والقصر الإضافي: هو الإضافة إلى شيء آخر، بألا يتجاوزه إلى ذلك الشيء، وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شيء آخر في الجملة.
    ع1:
    تعريف القصر، وبيان أنواعه
    ج2:
    البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها، لعبد الرحمن الميداني.

    القصر:
    تعريف القصر:
    القصر: يأتي في اللّغة بمعنى التّخصيص، يقال لغةً: قَصَرَ الشَّيْءَ على كذا، إذا خصّصه به، ولم يجاوز به إلى غيره. ويُقالُ: قَصَر غلَّةَ بستانه على عياله، إذا جعلها خاصّةً لهم، وقَصَر الشيءَ على نفسه، إذا خصَّ نفسَه به، فلم يجعل لغيره منه شيئًا.
    ويأتي الْقَصْر أيضًا بمعنى الحبْسِ، يُقال لغة: قَصَر نفسه على عبادة رَبّه، إذا حَبَسها على القيام بعبادة ربّه، وقَصَر جُنْدَهُ على ممارسة التدريب العسكريّ في القلعة، إذا حَبَسَهُمْ وألزَمَهُمْ بذلك فيها.
    والقصر في اصطلاح علماء البلاغة: تخصيص شيءٍ بشيءٍ بعبارة كلاميّةٍ تدلُّ عليه.
    ويقال في تعريفه أيضًا: جعْلُ شيءٍ مقصورًا على شيءٍ آخر بواحدٍ من طُرُقٍ مخصوصة من طُرُق القول المفيد للقصر.
    والمقصور عنه على وجهين:
    الوجه الأول: أن يكون جميع ما سوى المقصور عليه، ويسمَّى عند البلاغيين "قصرًا حقيقيًّا" مثل: "لا إلَه إلاَّ الله" أي: لا يُوجَدُ في الوجود كُلّه معبودٌ بحقٍ سوى الله -عزَّ وجلَّ-.
    وهذا "القَصْر الحقيقيّ" إذا كان مضمونه مطابقًا للواقع سمّوه "حقيقيًّا تَحْقيقيًّا" أي: صادقًا مطابقًا للواقع.
    وإذا كان غير مطابق للواقع، وإنما ذُكر عَلَى سبيل المبالغة والادّعاء المجازيَ، سمَّوْهُ "حقيقيًّا ادّعائيًّا" أو مجازيًّا" مثل قولهم: لا سيف إلاَّ ذو الفقار.
    الوجه الثاني: أن يكون المقصور عنه شيئًا خاصًّا يُرادُ بالْقَصْر بيانُ عَدَم صحَّة ما تصوَّرَهُ بشأنه أو ادَّعاهُ المقصودُ بالكلام، أو إزالة شكّه وتردّده، إذا الكلام كلُّه مُنْحَصِرٌ في دائرة خاصّة، ويسمَّى "قصرًا إضافيًّا" أي: ليس قصرًا حقيقيًّا عامًّا، وإنّما هو قَصْرٌ بالإِضافة إلى موضوع خاصٍّ يدور حول احتمالين أو أكثر من احتمالاتٍ محصورة بعَدَدٍ خاصّ، ويُسْتَدلُّ عليها بالقرائن.
    مثل: {وَمَا مَحمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل} لقد جاء هذا البيان لتصحيح تصوُّر الَّذِين يتوهَّمُونَ أنّ محمدًا رسولٌ لاَ يموتُ كما يموت سائر الناس.
    فالموضوع الخاصّ الذي يدور الكلام حوله هو كون محمّدٍ رسولًا مبرَّءًا من أن يكون عرضةً للموت، فجاء النصّ مبيّنًا قَصْرَهُ علَى كونه رسولًا فقط، والمقصورُ عنه أمْرٌ خاصٌّ هو كونه لا يموت، لا سائر الصفات غير صفة كونه رسولًا، إذْ له صفات كثيرة لا حصر لها، وهي لا تدخل في المقصور عنه.
    إذن: فالقصر في هذا المثال هو من قبيل"القصر الإِضافي".
    يرى البلاغيّون أنّ "قَصْرَ الإِفراد، وقَصْرَ الْقَلْبِ، وقَصْر التَّعْيِين" أقسامُ للقصر الإِضافِيّ فقط، إلاَّ أنّي لست أرَى هذا، ففي الأمثلة الّتي أَوْرَدْتُها للأقسام، منها ما هو قصْرٌ حقيقيٌ، منها ما هُوا قَصْرٌ إضافي.
    فالأقسام الأربعة السابقة نستطيعُ أن نعتبرها أقسامًا للقَصْر بوجْهٍ عَامّ، وحَالُ المقصود بتوجيه الكلام له هو التي تحدّد كون الْقَصْر قَصْرَ إعلامٍ ابتدائي، أو قَصْرَ إفراد، أو قصر قلب، أو قصر تعيين.
    طُرُقُ القصر:
    يُسْتفادُ القصر بعدة طرق:
    الطريق الأول: أن يكون بعبارة تدلُّ عليه بمادَّتها اللّغويَّة صراحةً، مثل: "دخولُ مكةَ مقصورٌ على المسلمين - غرفة القصر العليا خاصّةٌ بسيِّد القْصَر - سبق الفارس خالدٌ جميعَ الْمُتَسابقين - دخل الزوج إلى مخدع العروس وحده - سدُّ الصّين أعظم سَدٍّ في الأرْض وأطولُه - أبو حنيفة مُنْفَرِدٌ من بَيْنِ المجتهدين في باب الاعتماد على الرأي الثاقب".
    الطريق الثاني: أَنْ يكون بدليلٍ خارجٍ عن النصّ، كدليل عقلي، أو دليل حِسِّي، أو دليل تجريبي، أو دليل من القرائن الذّهنيَّةِ أو الحاليّة، مثل:
    "فلانٌ رئيسُ الجمهوريّة - اللهُ رَبُّ السّماوات والأرض وهو على كُلّّ شيءٍ قدير - تبثُّ الشَّمْس ضياءها على الأرض فَتُمِدُّها بالحرارة -.
    لاَ يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأَذَى حتَّى يُرَاقَ عَلَى جَوانِبِهِ الدَّمُ
    أَرُوِني أُمَّةً بَلَغَتْ مُنَاهَا بَغَيْرِ الْعِلْمِ أَوْ حَدِّ الْيَمَانِيّ
    لكِنَّ الْقَصْرَ بواحدٍ من هذين الطريقين لا يدخل في اهتمامات علماء البلاغة تفصيلًا وتقسيمًا وشرحًا، إلاَّ أنّ القصر المستفاد بواحد منهما -فيما أرى- مشمولٌ بكلّ أحكام القصر وتفصيلاته من جهة المعنى، والسبب في أنَّ البلاغيين لم يوجّهوا لهما اهتماماتهم، أنّهما طريقان يتعذَّر حَصْر عناصرهما أو يَعْسُر.
    الطريق الثالث: أن يكون القصر ببعص الأدوات التي تدلُّ عليه بالوضع اللّغوي، وهي: النفي والاستثناء - وكلمتا "إنَّما" و "أَنَّما" - والعطف بالحروف التالية: "لا - بل - لكن".
    أركان الْقَصْر:
    ممّا سبق يتضح لدينا أنّ للقصر أربعة أركان:
    الركن الأول: المقصور، صفةً كان أو موصوفًا.
    الركن الثاني: المقصورُ عليه، صفةً كان أو موصوفًا.
    الركن الثالث: المقصورُ عنه، وهو المنفيُّ المستَبْعَدُ بالْقَصر.
    الركن الرابع: القولُ الْمَقصُورُ به.
    (1) ففي كلمة التوحيد: "لا إلَه إلاَّ الله" وهي من القصر الحقيقي بقصر صفةٍ على موصوف:
    * المقصور: صفة الإِلَهيَّة للمعبود بحقّ.
    * المقصور عليه قصرًا حقيقًا: الله -عزَّ وجلَّ- الموصوف بأنَّه الإِلَه بحقّ.
    * المقصورُ عنه: كلُّ ما سوى الله -عزَّ وجلَّ-.
    * القول المقصور به: النفي والاستثناء في العبارة: "لا..إلاَّ..".
    (2) وفي عبارة: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ} وهي من القصر الإِضافي بقصر موصوف على صفة:
    * المقصور: {مُحَمَّدٌ} الموصوف بأنه رسول.
    * المقصور عليه قصرًا إضافيًّا: صفة رسالته، المفهومة من: {رَسُولٌ}.
    * المقصور عنه قصرًا إضافيًّا: صفة تبرُّئِه من أني كون عرضةً للموت، لتصحيح تصوُّر متوهمي ذلك فيه، ظانين ظنًّا توهميًّا أنه لا يموت.
    * القول المقصور به: النفي والاستثناء في العبارة: "مَا...إلاَّ...".

    أقسام الْقَصْر بحسب أحوال من يوجّه له الكلام:

    من المعلوم أنّ الكلام يوجّه لمن يراد إعلامه بمضمونه وهو خالي الذّهن، أو يراد تصحيح تصوّره الذي هو مخطىء فيه بحسب اعتقاد مُوَجَّه القول، أو يُرادُ رَفْعُ شَكَّه وتردّده، ويستخلص من هذا أربعة أقسام في القصر:
    القسم الأول: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجّهًا لخالي الذّهن، أو إعلانًا عن اعتقاد المتكلم، أو اعترافه بمضمون ما يقول، أو تعبيره عما في نفسه لمجرّد الاعلام به، وأُسمِّيهِ: "قصرًا إعلاميًا ابتدائيًا". وأشير إلى أنَّ البلاغيين لم يذكروا هذا القسم اكتفاءً بالمفاهيم العامّة المعروفة من توجيه الكلام.
    القسم الثاني: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجّهًا لمن يُرادُ إعلامُه بخطأِ تصوُّرِهِ مُشَارَكةَ غيرِ المقصور عليه في المقصور. ويُسمِّي البلاغيُّون هذا "قَصْرَ إفراد". مثالُه: يعتقد المشرك أنّ الأربابَ التي يُؤْمِنُ بها تَخْلُق، كما أنَّ اللهَ يخلُق، فنقول لَهُ: "لاَ خَالِقَ إلاَّ الله".
    هذا قصر حقيقيٌّ، من قصر الصفة على الموصوف، ويُرادُ منه إفراد الله -عزَّ وجلَّ- بالخلْقِ، ونَفْيُ صفةِ الخلْقِ عن كلّ ما سواه ومن سواه من الشركاء، لتعريف الخالفِ بأنه مخطئ في تصوّره مشاركةَ غَيْرِ اللهِ للهِ في الخلْق، فهو "قَصْرُ إفراد".
    القسم الثالث: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجّهًا لمن يُرادُ إعلامه بخطأ تصوُّره نسْبَةَ المقصور إلى غَيْر المقصور عليه.
    ويُسَمِّي البلاغيون هذا "قَصْرَ قَلْب".
    مثاله: يعتقد الملحد الذي يَجْحَدُ وجُود اللهِ -عزَّ وجلَّ- وينْسُبُ أحداثَ الكون المتقنة العجيبة إلى التطوّر الذاتيّ، وإلى المصادفات، فنقول له: "لا مُحْدِثَ لأحداث الكون إلاَّ الله".
    هذا قصرٌ حقيقيٌّ، من قصر الصفة التي هي إِحْداثُ أَحْداثٍ الكون، على موصوف واحدٍ هو الله -عزَّ وجلَّ- ويُرادُ منه قلْبُ تصوُّر من يُوَجَّهُ له الخطاب، وتعريفُهُ بأنَّ ما يَنْسُبُه إلى التطوُّر الذّاتي وإلى المصادفات هو الله وحده، فهو "قَصْر قلْب".
    القسم الرابع: أن يكون الكلام المشتملُ على القصر موجَّهًا لمن يُرادُ إزالَةُ تردُّدِه وشكِّهِ، هل المقصورُ منسوبٌ إلى المقصور عليه أوْ إلى غَيْره. ويُسمِّي البلاغيّون هذا "قَصْرَ تعْيين". مثاله: يسأل متردّد شاكٌ: هل لفظ الكسوف يُسْتَعْمَل لاختفاء ونقصان ضوء الشمس أو نور القمر، فنقول له: "لا يُسْتَعْمَل لفظ الكسوف إلاَّ للشمس، أمّا ما يحدث للقمر فيُسَمَّى الْخُسُوف".
    هذا قصرٌ إضافي؛ لأنّ كلمة "الكسوف" تُسْتَعْمَلُ لمعانٍ أخرى غير ما يحدث للشمس، ومنها تنكيس الطَّرْف، وهو من قصر الصفة على الموصوف. وُيرَادُ منه إزالة شكِّ وتردّد من يوجّه له القول بتعيين المقصور عليه، فهو "قصْرُ تعيين".

    ملاحظة:

    يرى البلاغيّون أنّ "قَصْرَ الإِفراد، وقَصْرَ الْقَلْبِ، وقَصْر التَّعْيِين" أقسامُ للقصر الإِضافِيّ فقط، إلاَّ أنّي لست أرَى هذا، ففي الأمثلة الّتي أَوْرَدْتُها للأقسام، منها ما هو قصْرٌ حقيقيٌ، منها ما هُو قَصْرٌ إضافي.
    فالأقسام الأربعة السابقة نستطيعُ أن نعتبرها أقسامًا للقَصْر بوجْهٍ عَامّ، وحَالُ المقصود بتوجيه الكلام له هو التي تحدّد كون الْقَصْر قَصْرَ إعلامٍ ابتدائي، أو قَصْرَ إفراد، أو قصر قلب، أو قصر تعيين.
    ع3:

    تعريف القصر، وبيان أنواعه

    ج1:
    مختصر المعاني، لسعد الدين التفتازاني.

    القصر في اللغة: الحبس.
    وفي الاصطلاح: تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص. وهو "حقيقي وغير حقيقي" لأن تخصيص شي بشي إما أن يكون بحسب الحقيقة، وفي نفس الأمر بأن لا يتجاوزه إلى غيره أصلًا وهو الحقيقي. أو بحسب الإضافة إلى شي آخرَ بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشيء وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شي آخرَ في الجملة، وهو غير حقيقي، بل إضافي، كقولك: ما زيد إلا قائم، بمعنى: أنه لا يتجاوز القيامَ إلى القعودِ لا بمعنى أنه لا يتجاوزه إلى صفة أخرى صلًا. وانقسامه إلى الحقيقي والإضافي بهذا المعنى لا ينافي كون التخصيص مطلقًا من قبيل الإضافات.
    ع2:

    أقسام القصر باعتبار طرفيه: المقصور، والمقصور عليه

    ج1:
    البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها، لعبد الرحمن الميداني.

    أقسام القصر بحسب أحوال المقصور والمقصور عليه:
    كُلٌّ من القصر الحقيقيّ والقصر الإِضافي ينقسم إلى قسمين:
    القسم الأول: قصر موصوف على صفةٍ دون غيرها. ويكون قصرًا حقيقًا، وقصرًا إضافيًّا.
    القسم الثاني: قصر صفةٍ على موصوفٍ دون غيره. ويكون قصرًا حقيقًا، وقصرًا إضافيًّا.
    وليس المقصود بالوصف في باب القصر النعتَ النحويَّ الذي يَتْبَعُ منعوتَه، بل هو كلُّ معنًى من المعاني يتّصف به موصوف ما، كالفعل يتصف به الفاعل باعتبار كونه فاعلًا، ويتصف به المفعول به باعتبار كونه مفعولًا به، كَالخبر يتَّصفُ به المبتدأ، وكالحال يتّصفُ به صاحبُ الحال، وكَفِعْلٍ مَا يتَّصفُ بكونه قد وقع في مكانٍ ما أو زمانٍ ما، وهكذا.
    فقد يريد المتكلّم أن يَقْصُرَ مثلًا الفعلَ على الفاعل، أو على المفعول به، أو يقصر الخبر مثلًا على المبتدأ، أو الحال مثلًا على صاحب الحال، وهكذا.
    وقد يريد المتكلّم أَنْ يقصر مثلًا الفاعل أو المفعول به على الفعل، أو المبتدأ مثلًا على الخبر، أو صاحب الحال على الحال، وهكذا.
    الأمثلة:
    * حينما نقول: "لا إلَه إلاَّ الله" فإنّنا نقصر وصف الإِلَهيّة الحق على موصوف هو الله وحده "هذا من قصر الصفة على الموصوف، وهو قصر حقيقي".
    * وحينما نقول: "ما لإِبليس من عمل في الناس إلاَّ الوسوسة والإِغواء" فإنَّنا نقصر عمل إبليس في الناس على صفتي الوسوسة والإِغواء. عمل إبليس في النّاس موصوف، والوسوسة والإِغواء صفة "هذا من قصر الموصوف على الصفة".
    فإذا كان لا صفة لعلمه في الناس بحسب الواقع إلاَّ الوسوسة والإِغواء كان قصرًا حقيقيًّا، وإذا كان لعمله صفات أخرى غير الوسوسة والإِغواء كان قصرًا إضافيًّا.
    * وحينما نقول: "ليس في كلام الله باطلٌ بل كُلُّه حقٌّ" فإننا نقصر كلام الله في موضوع الحق والباطل على صفة كونه حقًّا "هذا من قصر الموصوف على الصفة، وهو قصر إضافي".
    * وحينما نقول: "علم قيام الساعة عند الله لا عند غيره" فإننا نقصر علم قيام الساعة على الله وننفيه عن غيره "هذا من قصر الصفة على الموصوف، وهو قصر حقيقيّ".
    * وحينما نقول: "طاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- حول الكعبة راكبًا ناقته لا ماشيًا" فإننا نقصر طواف الرسول -صلى الله عليه وسلم- على حالة الركوب دون المشي، "هذا من قصر الموصوف وهو الطواف على الصفة وهي كونه ركوبًا، وهو من القصر الإِضافي".
    * وحينما نقول: "إنّما تُشْرِق الشَّمْسُ في النهار" فإننا نَقْصُر شروق الشمس على كونه في النهار دون اللّيل، هذا من قصر الموصوف وهو شروق الشمس على الصفة، وهي كونه في زمن النهار، وهو من القصر الإِضافي؛ لأن الشروق له صفات أخرى كثيرة غير كونه في النهار، لكنّ الموضوع المتحدَّث عنه خاص بزمن الشروق.
    ع2:

    أقسام القصر باعتبار طرفيه: المقصور، والمقصور عليه


    ج2:
    الإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني.
    القصر حقيقي وغير حقيقي، وكل واحد منهما ضربان:
    - قصر الموصوف على الصفة.
    - وقصر الصفة على الموصوف.
    والمراد الصفة المعنوية لا النعت، والأول من الحقيقي: كقولك: ما زيد إلا كاتب، إذا أردت أنه لا يتصف بصفة غير الكتابة، وهذا لا يكاد يوجد في الكلام؛ لأنه ما من متصور إلا وتكون له صفات تتعذر الإحاطة بها أو تتعسر، والثاني: منه كثير، كقولنا: ما في الدار إلا زيد، والفرق بينهما ظاهر، فإن الموصوف في الأول لا يمتنع أن يشاركه غيره في الصفة المذكورة، وفي الثاني يمتنع، وقد يقصد به المبالغة لعدم الاعتداد بغير المذكور، فينزل منزلة المعدوم. والأول من غير الحقيقي تخصيص أمر بصفة دون أخرى أو مكان أخرى، والثاني منه تخصيص صفة بأمر دون آخر أو مكان آخر، فكل واحد منهما ضربان والمخاطب بالأول من ضربي كل، أعني: تخصيص أمر بصفة دون أخرى وتخصيص صفة بأمر دون آخر، مَن يعتقد الشركة أي: اتصاف ذلك الأمر بتلك الصفة وغيرها جميعًا في الأول، واتصاف ذلك الأمر وغيره جميعًا بتلك الصفة في الثاني.
    فالمخاطب بقولنا: ما زيد إلا كاتب، مَن يعتقد أن زيدًا كاتب وشاعر، وبقولنا: ما شاعر إلا زيد، مَن يعتقد أن زيدًا شاعر، لكن يدعي أن عَمرًا أيضًا شاعر، وهذا يسمى قصر إفراد؛ لقطعه الشركة بين الصفتين في الثبوت للموصوف أو بين الموصوف وغيره في الاتصاف بالصفة، والمخاطب بالثاني من ضربي كل، أعني: تخصيص أمر بصفة مكان أخرى وتخصيص صفة بأمر مكان آخر.
    أما مَن يعتقد العكس، أي: اتصاف ذلك الأمر بغير تلك الصفة عوضًا عنها في الأول، واتصاف غير ذلك الأمر بتلك الصفة عوضًا عنه في الثاني، وهذا يسمى قصر القلب؛ لقلبه حكمَ السامع، وأما مَن تساوَى الأمران عنده، أي: اتصاف ذلك الأمر بتلك الصفة واتصافه بغيرها في الأول واتصافه بها، واتصاف غيره بها في الثاني، وهذا يسمى قصر تعيين. فالمخاطب بقولنا: ما زيد إلا قائم، مَن يعتقد أن زيدًا قاعد لا قائم، أو يعلم أنه ما قاعد أو قائم، ولا يعلم أنه بماذا يتصف منهما بعينه، وبقولنا: ما قائم إلا زيد، مَن يعتقد أن عمرًا قائم لا زيدًا، أو يعلم أن القائم أحدهما دون كل واحد منهما، لكن لا يعلم مَن هو منهما بعينه.
    وشرط قصر الموصوف على الصفة: إفرادًا عدم تنافي الصفتين حتى تكون المنفية في قولنا: ما زيد إلا شاعر كونه كاتبًا أو منجمًا أو نحو ذلك لا كونه مفحمًا لا يقول الشعر؛ ليتصور اعتقاد المخاطب اجتماعهما، وشرط قصره قلبًا: تحقق تنافيهما حتى تكون المنفية في قولنا: ما زيد إلا قائم كونه قاعدًا أو جالسًا أو نحو ذلك، لا كونه أسودَ أو أبيضَ أو نحوَ ذلك؛ ليكون إثباتها مشعرًا بانتفاء غيرها وقصر التعيين أعم؛ لأن اعتقاد كون الشيء موصوفًا بأحد أمرين معينين على الإطلاق لا يقتضي جواز اتصافه بهما معًا ولا امتناعه.
    وبهذا علم أن كل ما يصلح أن يكون مثالًا لقصر الأفراد أو قصر القلب يصلح أن يكون مثالًا لقصر التعيين من غير عكس، وقد أهمل السكاكي القصر الحقيقي وأدخل قصر التعيين في قصر الإفراد، فلم يشترط في قصر الموصوف إفرادًا عدم تنافي الصفتين، ولا في قصره قلبًا تحقق تنافيهما.
    وللقصر طرق منها: العطف كقولك: في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا: زيد شاعر لا كاتب، أو ما زيد كاتبًا بل شاعر، وقلبًا: زيد قائم لا قاعد، أو ما زيد قاعدًا بل قائم. وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادًا أو قلبًا بحسب المقام: زيد قائم لا عمرو، أو ما عمرو قائمًا بل زيد. ومنها: النفي والاستثناء كقولك في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا: ما زيد إلا شاعر، وقلبًا ما زيد إلا قائم، وتعيينًا كقوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} أي: لستم في دعواكم للرسالة عندنا بين الصدق والكذب كما يكون ظاهر حال المدعي إذا ادعى، بل أنتم عندنا كاذبون فيها.
    وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين: ما قائم أو ما من قائم أو لا قائم إلا زيد، وتحقيق وجه القصر في الأول: أنه متى قيل: ما زيد، توجه النفي إلى صفته لا ذاته؛ لأن أنفس الذوات يمتنع نفيها، وإنما تنفى صفاتها كما بين ذلك في غير هذا العلم، وحيث لا نزاع في طوله وقصره، وما شاكل ذلك، وإنما النزاع في كونه شاعرًا أو كاتبًا تناولهما النفي، فإذا قيل: إلا شاعر، جاء القصر، وفي الثاني أنه متى قيل: ما شاعر، فأدخل النفي على الوصف المسلم ثبوته، أعني: الشعر لغير من الكلام فيهما كزيد وعمرو مثلًا، توجه النفي إليهما، فإذا قيل: إلا زيد، جاء القصر.
    ومنها: إنما، كقولك في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا: إنما زيد كاتب، وقلبًا إنما زيد قائم، وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين: إنما قائم زيد، والدليل على أنها تفيد القصر كونها متضمنة معنى ما وإلا؛ لقول المفسرين في قوله تعالى: {حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} بالنصب معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهو المطابق لقراءة الرفع؛ لما مر في باب: المنطلق زيد، ولقول النحاة: "إنما" لإثبات ما يذكر بعدها، ونفي ما سواه، ولصحة انفصال الضمير معها كقولك: إنما يضرب أنا، كما تقول: ما يضرب إلا أنا.
    قال الفرزدق:
    أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
    وقال عمرو بن معديكرب:
    قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا
    وقال السكاكي: ويذكر لذلك وجه لطيف يسند إلى علي بن عيسى الربعي، وهو أنه لما كانت كلمة "إن" لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه، ثم اتصلت بها "ما" المؤكدة لا النافية كما يظنه مَن لا وقوفَ له على علم النحو، ناسب أن يضمن معنى القصر؛ لأن القصر ليس إلا تأكيدًا على تأكيد، فإن قولك: زيد جاء لا عمرو، لمن يردد المجيء الواقع بينهما يفيد إثباته لزيد في الابتداء صريحًا، وفي الآخر ضمنًا. ومنها: التقديم كقولك في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا: شاعر هو، لمن يعتقده شاعرًا أو كاتبًا، وقلبًا: قائم هو، لمن يعتقده قاعدًا.
    وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادًا: أنا كفيت مهمك، بمعنى: وحدي، لمن يعتقد أنك وغيرك كفيتما مهمه، وقلبًا: أنا كفيت مهمك، بمعنى: لا غيري، لمن يعتقد أن غيرك كفَى مهمه دونك كما تقدم، وهذه الطرق تختلف من وجوه:
    الأول: أن دلالة الثلاثة الأولى بالوضع دون الرابع.
    الثاني: أن الأصل في الأول: أن يدل على المثبت والمنفي جميعًا بالنص، فلا يترك ذلك إلا كراهة الإطناب في مقام الاختصار كما إذا قيل: زيد يعلم النحو والتصريف والعروض والقوافي، أو زيد يعلم النحو وعمرو وبكر وخالد، فتقول فيهما: زيد يعلم النحو لا غير، وفي معناه ليس إلا، أي: لا غير النحو ولا غير زيد، وأما الثلاثة الباقية فتدل بالنص على المثبت دون المنفي.
    الثالث: أن النفي لا يجامع الثاني إلا شرط المنفي بـ"لا" أن يكون منفيًّا قبلها بغيرها، ويجامع الآخرين، فيقال: إنما زيد كاتب لا شاعر، وهو يأتيني لا عمرو؛ ولأن النفي فيهما غير مصرح به، كما يقال: امتنع زيد عن المجيء لا عمرو، قال السكاكي: شرط مجامعته للثالث: أن لا يكون الوصف مختصًّا بالموصوف كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} فإن كل عاقل يعلم أن الاستجابة لا تكون إلا ممن يسمع، وكذا قولهم: إنما يعجل من يخشَى الفوت، وقال الشيخ عبد القاهر:لا تحسن مجامعته له في المختص كما تحسن في غير المختص، وهذا أقرب. قيل: ومجامعته له إما مع التقديم كقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} وإما مع التأخير كقولك: ما جاءني زيد وإنما جاءني عمرو، وفي كون نحو هذين مما نحن فيه نظر.
    الرابع: أن أصل الثاني أن يكون ما استعمل له مما يجهله المخاطب وينكره، كقولك لصاحب وقد رأيت شبحًا من بعيد: ما هو إلا زيد، إذا وجدته يعتقد غير زيد ويصر على الإنكار، وعليه قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} وقد ينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب فيستعمل له الثاني إفرادًا نحو: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} أي: أنه -صلى الله عليه وسلم- مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الهلاك نزل استعظامهم هلاكه منزلة إنكارهم إياه، ونحوه: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} فإنه -صلى الله عليه وسلم- كان لشدة حرصه على هداية الناس، يكرر دعوة الممتنعين على الإيمان ولا يرجع عنها، فكان في معرض من ظن أنه يملك مع صفة الإنذار إيجاد الشيء فيما يمتنع قبوله إياه أو قلبًا، كقوله تعالى حكايةً عن بعض الكفار: {أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} أي: أنتم بشر لا رسل، نزلوا المخاطبين منزلةَ مَن ينكر أنه بشر لاعتقاد القائلين أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يكون بشرًا مع إصرار المخاطبين على دعوى الرسالة.
    وأما قوله تعالى حكايةً عن الرسل: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} فمن مجاراة الخصم للتبكيت والإلزام والإفحام، فإن مِن عادة مَن ادَّعى عليه خَصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه، أن يعيد كلامه على وجهه كما إذا قال لك مَن يناظرك: أنت من شأنك كيت وكيت، فتقول: نعم، أنا من شأني كيت وكيت، ولكن لا يلزمني من أجل ذلك ما ظننتَ أنه يلزم، فالرسل -عليهم السلام- كأنهم قالوا: إن ما قلتم من: {أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} هو كما قلتم لا ننكره، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون الله تعالى قد مَنَّ علينا بالرسالة.
    وأصل الثالث أن يكون ما استعمل له مما يعلمه المخاطب، ولا ينكره على عكس الثاني كقولك: إنما هو أخوك وإنما هو صاحبك القديم، لمن يعلم ذلك ويقربه، وتريد أن ترققه عليه وتنبهه لما يجب عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب. وعليه قول أبي الطيب:
    إنما أنت والد والأب القا طع أحنى من واصل الأولاد
    لم يرد أن يعلم كافورًا أنه بمنزلة الوالد ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى الإعلام، ولكنه أراد أن يذكره منه بالأمر المعلوم؛ ليبني عليه استدعاء ما يوجبه، وقد ينزل المجهول منزلة المعلوم؛ لادعاء المتكلم ظهوره فيستعمل له الثالث نحو: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ادعوا أن كونهم مصلحين ظاهر جلي، ولذلك جاء: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} للرد عليهم، مؤكدًا بما ترى من جعل الجملة اسمية وتعريف الخبر باللام، وتوسيط الفصل والتصدير بحرف التنبيه، ثم بإن. ومثله قول الشاعر:
    إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء
    ادعى أن كون مصعب -كما ذكر- جلي معلوم لكل أحد على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في كل ما يصفون به ممدوحيهم الجلاء، وأنهم قد شهروا به حتى أنه لا يدفعه أحد، كما قال الآخر:
    وتعذلني أفناء سعد عليهم وما قلت إلا بالتي علمت سعد
    وكما قال البحتري:
    لا أدعي لأبي العلاء فضيلة حتى يسلمها إليه عداه
    واعلم أن لطريق إنما مزية على طريق العطف، وهي أنه يعقل منها إثبات الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعةً واحدةً بخلاف العطف، وإذا استقريت وجدتها أحسن ما يكون موقعًا إذا كان الغرض بها التعريض بأمر هو مقتضى معنى الكلام بعدها، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} فإنه تعريض بذم الكفار، وأنهم من فرط العناد وغلبة الهوى عليهم في حكم من ليس بذي عقل، فأنتم في طمعكم منهم أن ينظروا ويتذكروا كمن طمع في ذلك من غير أولي الألباب، وكذا قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} المعنى على أن مَن لم تكن له هذه الخشية فكأنه ليس له أُذن تسمع وقلب يعقل، فالإنذار معه كَلَا إنذارٍ. قال الشيخ عبد القاهر: ومثال ذلك من الشعر قوله:
    أنا لم أرزق محبتها إنما للعبد ما رزقا
    فإنه تعريض بأنه قد علم أنه لا مطمع له في وصلها فيئس من أن يكون منها إسعاف به وقوله:
    وإنما يعذر العشاق من عشقا .................................................. ..
    يقول: ينبغي للعاشق أن لا ينكر لومَ مَن يلومه، فإنه لا يعلم كنه بلوى العاشق، ولو كان ابتلي بالعشق مثله لعرف ما هو فيه فعذره. وقوله:
    ما أنت بالسبب الضعيف وإنما نجح الأمور بقوة الأسباب
    فاليوم حاجتنا إليك وإنما يدعى الطبيب لساعة الأوصاب
    يقول في البيت الأول: إنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب إليه، وفي الثاني أنا قد طلبنا من جهته حين استعنا بك فيما عرض لنا من الحاجة، وعولنا على فضلك، كما أن من عول على الطبيب فيما يعرض له من السقم كان قد أصاب في فعله.
    ثم القصر كما يقع بين المبتدأ والخبر، كما ذكرنا يقع بين الفعل والفاعل وغيرهما، ففي طريق النفي والاستثناء يؤخر المقصور عليه مع حرف الاستثناء كقولك في قصر الفاعل على المفعول إفرادًا أو قلبًا بحسب المقام: ما ضرب زيد إلا عمرًا، وعلى الثاني لا الأول قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} لأنه ليس المعنى: إني لم أزد على ما أمرتني به شيئًا، إذ ليس الكلام في أنه زاد شيئًا على ذلك أو نقص منه، ولكن المعنى: أني لم أترك ما أمرتني به أن أقول لهم إلى خلافه، لأنه قاله في مقام اشتمل على معنى: إنك يا عيسى تركت ما أمرتك أن تقوله إلى ما لم آمرك أن تقوله، فإني أمرتك أن تدعو الناس إلى أن يعبدوني، ثم إنك دعوتهم إلى أن يعبدوا غيري، بدليل قوله تعالى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وفي قصر المفعول على الفاعل: ما ضرب عمرًا إلا زيد، وفي قصر المفعول الأول على الثاني في نحو: كسوت وظننت، ما كسوت زيدًا إلا جبة، وما ظننت زيدًا إلا منطلقًا، وفي قصر الثاني على الأول: ما كسوت جبة إلا زيدًا، وما ظننت منطلقًا إلا زيدًا، وفي قصر ذي الحال على الحال: ما جاء زيد إلا راكبًا. وفي قصر الحال على ذي الحال ما جاء راكبًا إلا زيد.
    والوجه في جميع ذلك أن النفي في الكلام الناقص -أعني: الاستثناء المفرغ- يتوجه إلى مقدر هو مستثنى منه عام مناسب للمستثنى في جنسه وصفته. أما توجهه إلى مقدر هو مستثنى منه فلكون "إلا" للإخراج واستدعاء الإخراج مخرجًا منه، وأما عمومه فليتحقق الإخراج منه، ولذلك قيل: تأنيث المضمر في "كَانَتْ" على قراءة أبي جعفر المدني: "إن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ" بالرفع، وفي "تُرى" مبنيًّا للمفعول في قراءة الحسن: "فأصبحوا لا تُرى إلا مساكِنهم"، برفع مساكنهم، وفي "بقيت" في بيت ذي الرمة:
    فما بقيت إلا الضلوع الجراشع .................................................. ...
    للنظر إلى ظاهر اللفظ والأصل التذكير لاقتضاء المقام معنى شيء من الأشياء، وأما مناسبته في جنسه وصفته فظاهرة؛ لأن المراد بجنسه أن يكون في نحو: ما ضرب زيد إلا عمرًا أحدًا، وفي نحو قولنا: ما كسوت زيدًا إلا جُبة لباسًا، وفي نحو: ما جاء زيد إلا راكبًا كائنًا، على حال من الأحوال، وفي نحو: ما اخترت رفيقًا منكم من جماعة من الجماعات. ومنه قول السيد الحميري:
    لو خير المنبر فرسانه ما اختار إلا منكم فارسًا
    لما سيأتي إن شاء الله تعالى أن أصله: ما اختار فارسًا إلا منكم. والمراد بصفته كونه فاعلًا أو مفعولًا أو ذا حال أو حالًا، وعلى هذا القياس وإذا كان النفي متوجهًا إلى ما وصفناه، فإذا أوجب منه شيء جاء القصر، ويجوز تقديم المقصور عليه مع حرف الاستثناء بحالهما على المقصور، كقولك: ما ضرب إلا عمرًا زيد، وما ضرب إلا زيد عمرًا، وما كسوت إلا جبة زيدًا، وما ظننت إلا زيدًا منطلقًا، وما جاء إلا راكبًا زيد، وما جاء إلا زيد راكبًا، وقولنا: "بحالهما" احتراز من إزالة حرف الاستثناء عن مكانه بتأخيره عن المقصور عليه كقولك في الأول: ما ضرب عمرًا إلا زيد، فإنه يختل المعنى بالضابط أن الاختصاص إنما يقع في الذي يلي "إلا" ولكن استعمال هذا النوع -أعني: تقديمها- قليل؛ لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها كالضرب الصادر مِن زيد في: ما ضرب زيد إلا عمرًا، والضرب الواقع على عمرو في: ما ضرب عمرًا إلا زيد.
    وقيل: إذا أخر المقصور عليه والمقصور عن "إلا" وقدم المرفوع كقولنا: ما ضرب إلا عمرو زيدًا، فهو على كلامين، وزيدًا منصوب بفعل مضمر، فكأنه قيل: ما ضرب إلا عمرو، أي: ما وقع ضرب إلا منه، ثم قيل: مَن ضرب؟ فقيل: زيدًا، أي: ضرب زيدًا، وفيه نظر لاقتضائه الحصر في الفاعل والمفعول جميعًا، وأما في إنما فيؤخر المقصور عليه، تقول: إنما زيد، ثم وإنما ضرب زيد، وإنما ضرب زيد عمرًا، وإنما ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة، وإنما ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة في السوق، أي: ما زيد إلا قائم، وما ضرب إلا زيد، وما ضرب زيد إلا عمرًا، وما ضرب زيد عمرًا إلا يوم الجمعة، وما ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة إلا في السوق، فالواقع أخيرًا هو المقصور عليه أبدًا.
    ولذلك تقول: إنما هذا لك، وإنما لك هذا، أي: ما هذا إلا لك وما لك إلا هذا، حتى إذا أردت الجمعَ بين إنما والعطف فقل: إنما هذا لك لا لغيرك، وإنما لك هذا لا ذاك، وإنما أخذ زيد لا عمرو، وإنما زيد يأخذ لا يعطي، ومن هذا تعثر على الفرق بين قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} وقولنا: إنما يخشى العلماء من عباد الله، فإن الأول يقتضي قصر خشية الله على العلماء، والثاني يقتضي قصر خشية العلماء على الله.
    واعلم أن حكم "غير" حكم "إلا" في إفادة القصرين أي: قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف، وفي امتناع مجامعة لا العاطفة، تقول في قصر الموصوف إفرادًا: ما زيد غير شاعر، وقلبًا: ما زيد غير قائم، وفي قصر الصفة بالاعتبارين بحسب المقام: لا شاعر غير زيد، ولا تقول: ما زيد غير شاعر لا كاتب، ولا لا شاعر غير زيد لا عمرو.
    Attached Files Attached Files

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •