المسألة الثانية: إعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة، أما في الدنيا فنقول: محق الربا في الدنيا من وجوه أحدها: أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عن ماله، قال صلى الله عليه وسلم : "الربا وإن كثر فإلى قل" وثانيها: إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم، والنقص، وسقوط العدالة، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة وثالثها: أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه ويدعون عليه،

وذلك يكون سببا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله ورابعها: أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله من الربا توجهت إلى الأطماع، وقصده كل ظالم ومارق وطماع، ويقولون: إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده، وأما إن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: معنى هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا، ولا حجا، ولا صلة رحم وثانيها: إن مال الدنيا لا يبقى عند الموت، ويبقى التبعة والعقوبة، وذلك هو الخسار الأكبر وثالثها: أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام، فإذا كان الغني من الوجه الحلال كذلك، فما ظنك بالغني من الوجه الحرام المقطوع بحرمته كيف يكون، فذلك هو المحق والنقصان.

وأما أرباء الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا، وأن يكون المراد في الآخرة.


84

أما في الدنيا فمن وجوه أحدها: أن من كان لله كان الله له، فإذا كان الإنسان مع فقره وحاجته يحسن إلى عبيد الله، فالله تعالى لا يتركه ضائعا في الدنيا، وفي الحديث الذي رويناه فيما تقدم أن الملك ينادي كل يوم جائعا "اللهم يسر لكل منفق خلفا ولممسك تلفا" وثانيها: أنه يزداد كل يوم في جاهه وذكره الجميل، وميل القلوب إليه وسكون الناس إليه وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال وثالثها: أن الفقراء يعينونه بالدعوات الصالحة ورابعها: الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات الفقراء والضعفاء، فكل أحد يحترز عن منازعته، وكل ظالم، وكل طماع لا يجوز أخذ شيء من ماله، اللهم إلا نادرا، فهذا هو المراد بأرباء الصدقات في الدنيا.

وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى أبو هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب، ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة تصير مثل أحد" وتصديق ذلك بين في كتاب الله {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} (التوبة: 104) {يمحق الله الربواا ويربى الصدقات} (البقرة: 276) قال القفال رحمه الله تعالى:
ونظير قوله {يمحق الله الربواا} المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، ونظير قوله {ويربى الصدقات} المثل الذي ضربه الله بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.

أما قوله {والله لا يحب كل كفار أثيم} فاعلم أن الكفار فعال من الكفر، ومعناه من كان ذلك منه عادة، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا، فتقول: فلان فعال للخير أمار به، والأثيم فعيل بمعنى فاعل، وهو الآثم، وهو أيضا مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام والتمادي فيه، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحدا، وفيه وجه آخر وهو أن يكون الكفار راجعا إلى المستحيل والأثيم يكون

راجعا إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم، فتكون الآية جامعة للفريقين.


2( {إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
)2

إعلم أن عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيدا ذكر بعده وعدا فلما بالغ ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد، وقد مضى تفسير هذه الآية في غير موضع، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية فإنه قال: {إن


85
الذين ءامنوا وعملوا الصالحات} فعطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية {وعملوا الصالحات وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة} مع أنه لا نزاع في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت {وعملوا الصالحات} فكذا فيما ذكرتم، وأيضا قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} (محمد: 34) وقال: {الذين كفروا وكذبوا بئاياتنا} (البقرة: 239) (المائدة: 5
10).

وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل.

المسألة الثانية: {لهم أجرهم عند ربهم} أقوى من قوله: على ربهم أجرهم لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد، فذاك النقد هناك حاضر متى شاء البائع أخذه، وقوله: أجرهم على ربهم.
يجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة، ولا شك أن الأول أفضل.