المسألة الرابعة: يقال: قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا، وأصله اتباع الأثر، يقال: خرج فلان قصصا، وفي أثر فلان، وقصا، وذلك إذا اقتص أثره، ومنه قوله تعالى: {وقالت لاخته قصيه} (القصص: 11) وقيل للقاص إنه قاص لاتباعه خبرا بعد خبر، وسوقه الكلام سوقا، فمعنى القصص الخبر المشتمل على المعاني المتتابعة.

ثم قال: {وما من إلاه إلا الله} وهذا يفيد تأكيد النفي، لأنك لو قلت عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس، فإذا قلت ما عندي من الناس من أحد، أفاد أنه ليس عندك بعضهم، وإذا لم يكن عندك بعضهم، فبأن لا يكون عندك كلهم أولى فثبت أن قوله {وما من إلاه إلا الله} مبالغة في أنه لا إلاه إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى.

ثم قال: {وإن الله لهو العزيز الحكيم} وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى، وذلك لأن اعتمادهم على أمرين أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلاهية، بل لا بد وأن يكون عزيزا غالبا لا يدفع ولا يمنع، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك، وكيف وأنتم تقولون إن اليهود قتلوه؟ والثاني: أنهم قالوا: إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها، فيكون إلاها، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلاهية، بل لا بد وأن يكون حكيما، أي عالما بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور، فذكر {العزيز الحكيم} ههنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله {هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم} (آل عمران: 6).

ثم قال: {فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين} والمعنى: فإن تولوا عما وصفت من أن الله هو
الواحد، وأنه يجب أن يكون عزيزا غالبا قادرا على جميع المقدورات، حكيما عالما بالعواقب والنهايات مع أن عيسى عليه السلام ما كان عزيزا غالبا، وما كان حكيما عالما

بالعواقب والنهايات.
فاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى الله، فإن الله عليم بفساد المفسدين
مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادر على مجازاتهم.


2( {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.
)2


76

واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا، ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية، وقد كان عليه السلام حريصا على إيمانهم، فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال، و {قل ياأهل * أهل الكتاب *تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه، وهي {أن لا * نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا} هذا هو المراد من الكلام ولنذكر الآن تفسير الألفاظ.

أما قوله تعالى: {من أهل الكتاب} ففيه ثلاثة أقوال أحدها: المراد نصارى نجران والثاني: المراد يهود المدينة والثالث: أنها نزلت في الفريقين، ويدل عليه وجهان الأول: أن ظاهر اللفظ يتناولهما والثاني: روي في سبب النزول، أن اليهود قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام، ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزيرا فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعندي أن الأقرب حمله على النصارى، لما بينا أنه لما أورد الدلائل عليهم أولا، ثم باهلهم ثانيا، فعدل في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف، وترك المجادلة، وطلب الإفحام والإلزام، ومما يدل عليه، أنه خاطبهم ههنا بقوله تعالى: {من أهل الكتاب} وهذا الاسم من أحسن الأسماء وأكمل الألقاب حيث جعلهم أهلا
لكتاب الله، ونظيره، ما يقال لحافظ القرآن يا حامل كتاب الله، وللمفسر يا مفسر كلام الله، فإن هذا اللقب يدل على أن قاتله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب وفي تطييب قلبه، وذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج والنزاع إلى طريقة طلب الإنصاف.

أما قوله تعالى: {تعالوا} فالمراد تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى

النظر فيه وإن لم يكن انتقالا من مكان إلى مكان لأن أصل اللفظ مأخوذ من التعالي وهو الارتفاع من موضع هابط إلى مكان عال، ثم كثر استعماله حتى صار دالا على طلب التوجه إلى حيث يدعى إليه.

أما قوله تعالى: {إلى كلمة سواء بيننا} فالمعنى هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه، والسواء هو العدل والإنصاف، وذلك لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف، فإن الواجب في العقول ترك الظلم على النفس وعلى الغير، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف، فإذا أنصف وترك ظلمه أعطاه النصف فقد سوى بين نفسه وبين غيره وحصل الاعتدال، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال فلما كان من لوازم العدل والإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل.