ثم قال الزجاج {سوآء} نعت للكملة يريد: ذات سواء، فعلى هذا قوله {كلمة سواء} أي كلمة عادلة مستقيمة مستوية، فإذا آمنا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة، ثم قال: {أن لا * نعبد إلا الله} وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: محل {ءان} في قوله أن لا نعبد
فيه وجهان الأول: إنه رفع بإضمار، هي: كأن قائلا قال: ما تلك الكلمة؟ فقيل هي أن لا نعبد إلا الله والثاني: خفض على البدل من: كلمة.

المسألة الثانية: إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء أولها: {أن لا * نعبد إلا الله} وثانيها: أن {لا * نشرك به


77
شيئا} وثالثها: أن {لا يتخذ * بعضنا بعضا أربابا من دون الله} وإنما ذكر هذه الثلاثة لأن النصارى جمعوا بين هذه الثلاثة فيعبدون غير الله وهو المسيح، ويشركون به غيره وذلك لأنهم يقولون إنه ثلاثة: أب وابن وروح القدس، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة سواء، وإنما قلنا: إنهم أثبتوا ذوات ثلاثة قديمة، لأنهم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح، وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين وإلا لما جازت عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم، ولما أثبتوا ذوات ثلاثة مستقلة فقد أشركوا، وأما إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله فيدل عليه وجوه:
أحدها: إنهم كانوا يطيعونهم في التحليل والتحريم والثاني: إنهم كانوا يسجدون لأحبارهم والثالث: قال أبو مسلم: من مذهبهم أن من صار كاملا في الرياضة والمجاهدة يظهر فيه أثر حلول اللاهوت، فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فهم وإن لم يطلقوا عليه لفظ الرب
إلا أنهم أثبتوا في حقه معنى الربوبية والرابع: هو أنهم كانوا يطيعون أحبارهم في المعاصي، ولا معنى للربوبية إلا ذلك، ونظيره قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه} (الجاثية: 23) فثبت أن النصارى جمعوا بين هذه الأمور الثلاثة، وكان القول ببطلان هذه الأمور الثلاثة كالأمر المتفق عليه بين جمهور العقلاء وذلك، لأن قبل المسيح ما كان المعبود إلا الله، فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح على هذا الوجه، وأيضا القول بالشركة باطل باتفاق الكل، وأيضا إذا كان الخالق والمنعم بجميع النعم هو الله، وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والطاعة إلا إليه، دون الأحبار والرهبان، فهذا هو شرح هذه الأمور الثلاثة.

ثم قال تعالى: {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} والمعنى إن أبوا إلا الإصرار، فقولوا إنا مسلمون، يعني أظهروا أنكم على هذا الدين، لا تكونوا في

قيد أن تحملوا غيركم عليه.


2( {ياأهل الكتاب لم تحآجون فى صلى الله عليه وسلم
1764; إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون}.
)2

اعلم أن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، والنصارى كانوا يقولون: كان إبراهيم على ديننا، فأبطل الله عليهم ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده فكيف يعقل أن يكون يهوديا أو نصرانيا؟.

فإن قيل: فهذا أيضا لازم عليكم لأنكم تقولون: إن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان طويل، فإن قلتم إن المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على المذهب الذي عليه المسلمون الآن، فنقول: فلم لا يجوز أيضا أن تقول اليهود إن إبراهيم كان يهوديا بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه


78
اليهود، وتقول النصارى إن إبراهيم كان نصرانيا بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى، فكون التوراة والإنجيل نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهوديا أو نصرانيا بهذا التفسير، كما إن كون القرآن نازلا بعده لا ينافي كونه مسلما.

والجواب: إن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفا مسلما، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، فظهر الفرق، ثم نقول: أما إن النصارى ليسوا على ملة إبراهيم، فالأمر فيه ظاهر، لأن المسيح ما كان موجودا في زمن إبراهيم، فما كانت عبادته مشروعة في زمن
إبراهيم لا محالة، فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لملة إبراهيم لا محالة، وأما إن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فذلك لأنه لا شك إنه كان لله سبحانه وتعالى تكاليف على الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام، ولا شك أن الموصل لتلك التكاليف إلى الخلق واحد من البشر، ولا شك أن ذلك الإنسان قد كان مؤيدا بالمعجزات، وإلا لم يجب على الخلق قبول تلك التكاليف منه فإذن قد كان قبل مجيء موسى أنبياء، وكانت لهم شرائع معينة، فإذا جاء موسى فإما أن يقال إنه جاء بتقرير تلك الشرائع، أو بغيرهما فإن جاء بتقريرها لم يكن موسى صاحب تلك الشريعة، بل كان كالفقيه المقرر لشرع من قبله، واليهود لا يرضون بذلك ، وإن كان قد جاء بشرع آخر سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ، فثبت أنه لا بد وأن يكون دين كل الأنبياء جواز القول بالنسخ واليهود ينكرون ذلك، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فبطل قول اليهود والنصارى بأن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، فهذا هو المراد من الآية والله أعلم.


2( {هاأنتم هاؤلا صلى الله عليه وسلم
1764;ء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهاذا النبى والذين

ءامنوا والله ولى المؤمنين}.
)2

فيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي {وإذ أنتم} بالمد والهمزة وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز ولا مد، إلا بقدر خروج الألف الساكنة وقرأ ابن كثير بالهمز والقصر على وزن {*صنعتم} وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز، فمن حقق فعلى الأصل، لأنهما حرفان {*ها} و {وإذ أنتم} ومن لم
يمد ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال.