ثم قال: {ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم} يعني كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضا صفة الخيرية والله أعلم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة، وتقريره من وجهين الأول: قوله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} (الأعراف: 159) ثم قال في هذه الآية {كنتم خير أمة} فوجب
بحكم هذه الآية أن تكون هذه الآية أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيرا من المحق، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة.

الوجه الثاني: وهو (أن الألف واللام) في لفظ {المعروف} ولفظ {المنكر} يفيدان الاستغراق، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقا وصدقا لا محالة فكان حجة، والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول.

المسألة الثالثة: قال الزجاج: قوله {كنتم خير أمة} ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه عام في

كل الأمة، ونظيره قوله {كتب عليكم الصيام} (البقرة: 183) {كتاب * عليم * القصاص} (البقرة: 178) فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا.

المسألة الرابعة: قال القفال رحمه الله: أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام: "أمتي لا تجتمع على ضلالة" وروي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة "أمتي أمتي" فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته
فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم: إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط.

أما قوله {أخرجت للناس} ففيه قولان الأول: أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار، فقوله {أخرجت للناس} أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها والثاني: أن قوله {للناس} من تمام قوله {كنتم} والتقدير: كنتم للناس خير أمة، ومنهم من قال:


157
{أخرجت} صلة، والتقدير: كنتم خير أمة للناس.

ثم قال: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.

واعلم أن هذا كلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات، أعني الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات.

وههنا سؤالات:
السؤال الأول: من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم؟.

والجواب: قال القفال: تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات: الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين محملا لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، وتخليصه من أعظم المضار، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات، ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع، لا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إلاه إلا الله ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه و "لا إلاه إلا الله" أعظم المعروف، والتكذيب هو أنكر المنكر.