والوجه الثاني: أن يكون المعنى: استزلهم الشيطان في بعض ما كسبوا، لا في كل ما كسبوا، والمراد منه بيان انهم ما كفروا وما تركوا دينهم، بل هذه زلة وقعت لهم في بعض أعمالهم.

ثم قال تعالى: {ولقد عفا الله عنهم}.

واعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر، فان العفو عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء: 48) ثم قالت المعتزلة: ذلك الذنب ان كان من الصغائر جاز العفو عنه من غير توبة، وان كان من الكبائر لم يجز الا مع التوبة، فههنا لا بد من تقدم التوبة منهم، وان كان ذلك غير مذكور في الآية، قال القاضي: والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر ويدل عليه وجهان: الأول: أنه لا يكاد في الكبائر يقال انها زلة، إنما يقال ذلك في الصغائر.
الثاني: أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق الى ثباتهم في ذلك المكان حاجة، فلا جرم انتقلوا عنه وتحولوا لطلب الغنيمة، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مدخلا، وأما على قول أصحابنا فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز، فلا حاجة الى هذه التكلفات.

ثم قال تعالى: {أن الله غفور حليم} أي غفور لمن تاب وأناب، حليم لا يعجل بالعقوبة.
وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ذلك الذنب كان من الكبائر، لأنه لو كان من الصغائر لوجب على قول المعتزلة أن يعفو عنه، ولو كان العفو عنه واجبا لما حسن التمدح به، لأن من يظلم إنسانا فانه لا يحسن أن يتمدح بأنه عفا عنه وغفر له، فلما ذكر هذا التمدح علمنا أن ذلك الذنب كان من الكبائر، ولما عفا عنه علمنا أن العفو عن الكبائر واقع والله أعلم.


2( {ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا فى الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذالك حسرة فى قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون}.
)2


44


اعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ثم انه لما ظهر عن بعض المؤمنين فتور وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع وعفا الله بفضله عنهم، ذكر في هذه الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج الى الجهاد: لو لم تخرجوا لما متم وما قتلتم فان الله هو المحيي والمميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد، ومن قدر له الموت لم يبق وان لم يجاهد، وهو المراد من قوله: {والله يحيى ويميت} وأيضا الذي قتل في الجهاد، لو أنه ما خرج الى الجهاد لكان يموت لا محالة، فاذا كان لا بد من الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم، كان ذلك خيرا له من أن يموت من غير فائدة، وهو المراد من قوله: {ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} فهذا هو المقصود من الكلام، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بقوله: {كالذين كفروا} فقال بعضهم: هو على إطلاقه، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقا أو لم يكن، وقال آخرون: انه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم، وقال آخرون: هذا مختص بعبدالله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، وسائر أصحابه، وعلى هذين القولين فالآية تدل على أن الايمان ليس عبارة عن الاقرار باللسان، كما تقول الكرامية: إذ لو كان كذلك لكان المنافق مؤمنا، ولو كان مؤمنا لما سماه الله كافرا.

المسألة الثانية: قال صاحب "الكشاف": قوله: {وقالوا لإخوانهم} أي لأجل إخراجهم كقوله: {وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه} (الأحقاف: 11) وأقول: تقرير هذا الوجه أنهم
لما قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فهذا يدل على أن أولئك الاخوان كانوا ميتين ومقتولين عند

هذا القول، فوجب أن يكون المراد من قوله: {وقالوا لإخوانهم} هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم، ولا يكون المراد هو أنهم ذكروا هذا القول مع اخوانهم.

المسألة الثالثة: قوله: {إخوانهم} يحتمل أن يكون المراد منه الاخوة في النسب وان كانوا مسلمين، كقوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا} (الأعراف: 65) {وإلى ثمود أخاهم صالحا} (الأعراف: 73) فان الاخوة في هذه الآيات أخوة النسب لا اخوة الدين، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام، ويحتمل أن يكون المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين، واتفق الى أن صار بعض المنافقين مقتولا في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك.

المسألة الرابعة: المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد
وهو المراد بقوله: {إذا ضربوا فى الارض} والخارج إلى الغزو، وهو المراد بقوله: {أو كانوا غزى} إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر والغزو، وجعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد، وذلك لأن في الطباع محبة الحياة وكراهية الموت والقتل، فاذا قيل للمرء: ان تحرزت من السفر والجهاد فأنت سليم طيب العيش، وان تقحمت


45
أحدهما وصلت الى الموت أو القتل، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت، وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد.