ثم قال تعالى: {سنكتب ما قالوا} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة {*سيكتب} بالياء وضمها على ما لم يسم فاعله {الله وقتلهم الانبياء} برفع اللام على معنى سيكتب قتلهم، والباقون بالنون وفتح اللام إضافة اليه تعالى.
قال صاحب "الكشاف": وقرأ الحسن والأعرج {*سيكتب} بالياء وتسمية الفاعل.

المسألة الثانية: هذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوها: أحدها: أن يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغي ولا يطرح، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير كتبوه، والله تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك عليهم.
الثاني: سنكتب ما قالوا في الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك في جرائد أعمالهم يوم القيامة، والثالث: عندي فيه احتمال آخر، وهو أن المراد: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق الى يوم القيامة شدة تعنت هؤلاء وجهلهم وجهدهم في الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما قدروا عليه.

ثم قال: {الله وقتلهم الانبياء بغير حق} أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير حق، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى أنهم وصفوا الله تعالى بالفقر، هي بيان أن جهل هؤلاء ليس مخصوصا

بهذا الوقت، بل هم منذ كانوا، مصرون على الجهالات والحماقات.

المسألة الثانية: في إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء وجهان: أحدهما: سنكتب ما قال هؤلاء ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي الفريقين بما هو أهله، كقوله تعالى: {وإذ قتلتم نفسا} أي قتلها أسلافكم {وإذ نجيناكم من ءال فرعون} (البقرة: 49) {وإذ فرقنا بكم البحر} (البقرة: 50) والفاعل لهذه الأشياء هو أسلافهم، والمعنى أنه سيحفظ على الفريقين معا أقوالهم وأفعالهم.

والوجه الثاني: سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم، ونكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم
الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
وعن الشعبي أن رجلا ذكر عنه عثمان رضي الله عنه وحسن قتله، فقال الشعبي: صرت شريكا في دمه، ثم قرأ الشعبي {قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم} (آل عمران: 183) فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة.

ثم قال تعالى: {ونقول ذوقوا عذاب الحريق} وفيه مسائل:


97

المسألة الأولى: قرأ حمزة {*سيكتب} على لفظ ما لم يسم فاعله {الله وقتلهم الانبياء} برفع اللام {ويقول ذوقوا} بالياء المنقطة من تحت
والباقون {سنكتب ونقول} بالنون.

المسألة الثانية: المراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق عذاب الحريق، كما أذقت المسلمين الغصص، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى المؤلم.

المسألة الثالثة: يحتمل أن يقال له هذا القول عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب ويحتمل أن يكون هذا كناية عن حصول الوعيد، وإن لم يكن هناك قول:
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إنهم أوردوا سؤالا وهو أن من يطلب المال من غيره كان فقيرا محتاجا، فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيرا وذلك محال، فوجب أن يقال: إنه لم يطلب المال من عبيده، وذلك يقدح في كون محمد عليه الصلاة والسلام صادقا في ادعاء النبوة فهو هو شبهة القوم فأين الجواب عنها؟ وكيف يحسن ذكر الوعيد على ذكرها قبل ذكر الجواب عنها؟
فنقول: إذا فرعنا على قول أصحابنا من أهل السنة والجماعة قلنا: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر الله تعالى عبيده ببذل الأموال مع كونه تعالى أغنى الاغنياء.

وإن فرعنا على قول المعتزلة في أنه تعالى يراعي المصالح لم يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد: منها: أن إنفاق المال يوجب زوال حب المال عن القلب، وذلك من أعظم المنافع، فانه اذا مات فلو بقي في قلبه حب المال مع أنه ترك المال لكان ذلك سببا لتألم روحه بتلك المفارقة، ومنها: أن يتوسل بذلك الانفاق الى الثواب المخلد المؤبد، ومنها: أن بسبب الانفاق يصير القلب فارغا عن حب ما سوى الله، وبقدر ما يزول عن القلب حب غير الله فانه يقوى في حب الله، وذلك رأس السعادات، وكل هذه الوجوه قد ذكرها الله في القرآن وبينها مرارا وأطوارا، كما قال: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا} (الكهف: 46) وقال:

{والاخرة خير وأبقى} (الأعلى: 17) وقال: {ورضوان من الله أكبر} (التوبة: 72) وقال: {فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} (يونس: 58) فلما تقدم ذكر هذه الوجوه على الاستقصاء كان إيراد هذه الشبهة بعد تقدم هذه البينات محض التعنت، فلهذا اقتصر الله تعالى عند ذكرها على مجرد الوعيد.


ثم قال تعالى: {ذالك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد ذكر سببه فقال: {ذالك بما قدمت أيديكم} أي هذا العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله وأقدمتم على قتل الأنبياء، فيكون هذا العقاب عدلا لا جورا.

المسألة الثانية: قال الجبائي: الآية تدل على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم تلك الذنوب، وفيه بطلان قول المجبرة: ان الله يعذب الأطفال بغير جرم، ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلا، وإلا لكان الظلم حاصلا.

والجواب: ان ما ذكرتم معارض بمسألة الداعي ومسألة العلم على ما شرحناه مرارا وأطوارا.