98

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: {وما ربك بظلام للعبيد} (فصلت: 46) يفيد نفي كونه ظلاما، ونفي الصفة يوهم بقاء الأصل، فهذا يقتضي ثبوت أصل الظلم.

أجاب القاضي عنه بأن العذاب الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا، وهذا يؤكد ما ذكرنا أن إيصال العقاب اليهم يكون ظلما لو لم يكونوا مذنبين.

المسألة الرابعة: اعلم أن ذكر الأيدي على سبيل المجاز، لأن الفاعل هو الانسان لا اليد، إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل اليها على سبيل المجاز
ثم في هذه الآية ذكر اليد بلفظ الجمع فقال: {بما قدمت أيديكم} وفي آية أخرى ذكر بلفظ التثنية فقال: {ذالك بما قدمت يداك} (الحج: 10) والكل حسن متعارف في اللغة.


2( {الذين قالو صلى الله عليه وسلم
1764;ا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جآءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين}.
)2

قوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا * أن لا *نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين}.

اعلم أن هذه هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته صلى الله عليه وسلم ، وتقريرها أنهم قالوا: ان الله عهد الينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وأنت يا محمد ما فعلت ذلك
فوجب أن لا تكون من الأنبياء، فهذا بيان وجه النظم، وفي الآية مسائل.

المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وزيد بن التابوب، وفنحاص بن عازوراء وغيرهم، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا، وقد عهد الينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون لها دوي

خفيف، تنزل من السماء، فان جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت هذه الآية.
قال عطاء: كانت بنو اسرائيل يذبحون لله، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت، والسقف مكشوف فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه، وبنو اسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي خفيف ولا دخان لها فتأكل كل ذلك القربان.

واعلم أن للعلماء فيما ادعاه اليهود قولين: الأول وهو قول السدى: أن هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط، وذلك أنه تعالى قال في التوراة: من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما السلام.
فانهما اذا أتيا فآمنوا بهما فانهما يأتيان بغير قربان تأكله النار.
قال: وكانت هذه العادة باقية الى مبعث المسيح عليه السلام، فلما بعث الله المسيح ارتفعت وزالت.

القول الثاني: ان ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه لو كان ذلك


99
حقا لكانت معجزات كل الأنبياء هذا القربان، ومعلوم أنه ما كان الأمر كذلك، فان معجزات موسى عليه السلام عند فرعون كانت أشياء سوى هذا القربان.
وثانيها: أن نزول هذه النار وأكلها للقربان معجزة فكانت هي وسائر المعجزات على السواء، فلم يكن في تعيين هذه المعجزة وتخصيصها فائدة، بل لما ظهرت المعجزة القاهرة على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب القطع بنبوته سواء ظهرت هذه المعجزة أو لم تظهر.
وثالثها: أنه إما أن يقال إنه جاء في التوراة أن مدعي النبوة وإن جاء بجميع المعجزات فلا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه المعجزة المعينة، أو يقال جاء في التوراة أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة سواء كانت المعجزة هي مجيء النار، أو شيء آخر، والأول باطل، لأن على هذا التقدير لم يكن الاتيان بسائر المعجزات دالا على الصدق، وإذا جاز الطعن في سائر المعجزات جاز الطعن أيضا في هذه المعجزة المعينة.

وأما الثاني: فانه يقتضي توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة، لا على ظهور هذه المعجزة المعينة، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثا ولغوا، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية والله أعلم.