المسألة الرابعة: ههنا سؤال آخر: وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة، فقوله: {أتانا * ما وعدتنا

على رسلك} طلب للثواب، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب؟ وهو قوله: {ولا تخزنا يوم القيامة} بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما.

والجواب من وجهين: الأول: أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله: {أتانا * ما وعدتنا على رسلك} المراد منه المنافع، وقوله: {ولا تخزنا} المراد منه التعظيم، الثاني: أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل: وفقنا للطاعات، واذا وفقنا لها فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك، والحاصل كأنه قيل: وفقنا لطاعتك فانا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك، واذا


121
وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فانا لا نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك، وهو إشارة الى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال، ولا فعل من الأفعال، ولا لمحة ولا حركة إلا باعانة الله وتوفيقه.

المسألة الخامسة: قوله: {ولا تخزنا يوم القيامة} شبيه بقوله: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} (الزمر: 47) فانه ربما ظن الانسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح، ثم انه يوم القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا، فهناك تحصل الخجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد
ثم قال حكماء الاسلام: وذلك هو العذاب الروحاني.
قالوا: وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني، ومما يدل على هذا أنه سبحانه حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله: {فقنا عذاب النار} (آل عمران: 191) وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله: {ولا تخزنا يوم القيامة} وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني.


2( {فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب}.
)2

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله: {إن في خلق * السماوات والارض} (البقرة: 164) إلى قوله: {لايات لاولى الالباب} (آل عمران: 190) ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله: {الذين يذكرون الله قياما} وعلى التفكر وهو قوله: {ويتفكرون فى خلق * السماوات والارض} ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم: {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} (آل عمران: 191) ثم حكى عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم: {فقنا عذاب النار} (آل عمران:

191) إلى قوله: {إنك لا تخلف الميعاد} (آل عمران: 194) بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال: {فاستجاب لهم ربهم} وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: يقال استجابه واستجاب له، قال الشاعر:
( وداع دعا يا من يجيب إلى الندا
فلم يستجبه عند ذاك مجيب )

وقال تعالى: {معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول} (الأنفال: 34).


122

المسألة الثالثة: أني لا أضيع: قرىء بالفتح، والتقدير: بأني لا أضيع، وبالكسر على إرادة القول، وقرىء {لا أضيع} بالتشديد.

المسألة الرابعة: من: في قوله: {من ذكر} قيل للتبيين كقوله: {فاجتنبوا الرجس من الاوثان} (الحج: 30) وقيل: إنها مؤكدة للنفي بمعنى: عمل عامل منكم ذكر أو أنثى.