فالنوع الأول: ما يتعلق بأموال اليتامى، وهو هذه الآية، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الاشفاق عليهم، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال: {وءاتوا اليتامى أموالهم} وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال صاحب "الكشاف": اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة، وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات.
قال: وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، فاذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره، زال عنه هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يتيم أبي طالب، إما على القياس، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يتم بعد حلم" فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة، يعني اذا احتلم فانه لا تجرى عليه أحكام الصغار.
وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب الى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب اليه: اذا أونس منه الرشد انقطع يتمه، وفي بعض الروايات: أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ اذا لم يؤنس منه الرشد، ثم قال أبو

بكر: واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "تستأمر اليتيمة" وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة، قال الشاعر:
( ان القبور تنكح الأيامى
النسوة الأرامل اليتامى )

فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير.

المسألة الثانية: ههنا سؤال وهو أن يقال: كيف جمع اليتيم على يتامى؟ واليتيم فعيل، والفعيل يجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى، قال صاحب "الكشاف": فيه وجهان: أحدهما: أن يقال: جمع اليتيم يتمى، ثم يجمع فعلى على فعالى، كأسير وأسرى وأسارى، والثاني: أن يقال: جمع يتيم يتائم، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس، ثم يقلب
اليتائم يتامى.
قال


137
القفال رحمه الله: ويجوز يتيم ويتامى، كنديم وندامى، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف.

المسألة الثالثة: ههنا سؤال ثان: وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله اليه، وإذا صار كبيرا بحيث يجوز دفع ماليه إليه لم يبق يتيما، فكيف قال: {وءاتوا اليتامى أموالهم} والجواب عنه على طريقين: الأول: أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا او كبروا ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة، والثاني: أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وان كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى: {فألقى السحرة ساجدين} (الأعراف: 120) أي الذين كانوا سحرة قبل السجود، وأيضا سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة، بلوغ الاجل في قوله: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن} (الطلاق: 2) والمعنى مقاربة البلوغ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} (النساء: 6) والاشهاد لا يصح قبل البلوغ وانما يصح بعد البلوغ.

الطريق الثاني: أن نقول: المراد باليتامى الصغار، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان: أحدهما: ان قوله: {وأتوا} أمر، والامر انما يتناول المستقبل، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة.
والثاني: المراد: وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون اليه لنفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه انه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا، فأباح الله تعالى ذلك، وفيه إشكال وهو انه لو كان المراد ذلك لقال: وآتوهم من أموالهم، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك.