Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : دراسات في علم اللغة، لكمال محمد بشر - الدرس الرابع عشر

  1. #1
    Administrator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    10,199
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : دراسات في علم اللغة، لكمال محمد بشر - الدرس الرابع عشر



    دراسات في علم اللغة، لكمال محمد بشر.

    الدرس الرابع عشر

    مفهوم الصرف، ومجالاته
    مفهوم الصرف عند العرب:
    للعرب باع طويل في الدرس اللغوي على مختلف المستويات، فقد كتبوا في الأصوات والصرف والنحو وفي المعجم والدلالة، وأجادوا الكتابة فيها إلى حدٍّ ملحوظ، ووصلوا في دراسة بعضها -وهو النحو- إلى درجة أذهلت الأجيال المتعاقبة من حيث غزارة المادة ووفرتها، ومن حيث القدرة على التحليل والتفريع والإحاطة بالشوارد والنوادر.
    غير أن هذه الإجادة في نظرنا لم ترقَ إلى حدٍّ يمنع النظر في أعمالهم أو مساءلتهم في بعض القضايا بنظرة علمية موضوعية. ولم تبلغ هذه الإجادة كذلك الغاية التي تجعل مناقشتهم عبثًا أو نوعًا من التهجم: إن البحث اللغوي عند العرب له محاسنه ومساوئه، ويختلف الأمر في ذلك باختلاف الظرف والحالة المعينة.
    وفي اعتقادنا أن الصرف العربي كان من أقل العلوم اللغوية حظًّا من الإجادة وحسن النظر، فقليله مستساغ مقبول، وكثيره يحتاج إلى معاودة البحث والدرس، ويتطلب مراجعة الرأي فيه وفي قواعده التقليدية.
    ولقد رأينا أن نشير في هذا البحث إلى بعض المسائل الصرفية التي يمكن اتخاذها خطوات أولية على الطريق الطويل إلى غاية منشودة، هي الوصول بقواعد الصرف وقضاياه إلى صورة تتفق والواقع اللغوي، وتتمشى مع ما يقتضيه منطق البحث اللغوي الجديد، ومن ثمَّ نستطيع أن نفيد من دراسة هذا العلم، ونتخلص من تلك المتاهات الفلسفية والافتراضات العقلية التي يلجأ إليها الصرفيون التقليديون في آثارهم القديمة والحديثة على سواء، تقترب -بذلك- إلى الحقيقة اللغوية السهلة البسيطة التي نودّ تقديمها إلى المتعلم والباحث كليهما.
    ولسوف نعرض في دراستنا هذه لكل من المادة التي نظروا فيها والمنهج الذي اتبعوه في عملهم. وقد يكون من المفيد أن نبدأ بإلقاء ضوء على المقصود بمصطلح "الصرف" في نظرهم، وفي نظر الدرس اللغوي المعاصر، فنقول:
    الصرف morphology في العرف اللغوي الحديث أحد مستويات البحث التي تتعاون فيما بينها للنظر في اللغة ودراستها، وهذه المستويات على أشهر الآراء هي:
    علم الأصوات، علم الصرف، علم النحو، الدراسات المعجمية.
    ومن المفيد أن نذكر أن هذه العلوم أو هذه الفروع تكون في مجموعها كلها متكاملًا، وأن كل واحد منها مرتبط بسابقه ولاحقه ارتباطًا وثيقًا، بحيث لا يجوز الفصل بينها فصلًا تامًّا. وكلها ترمي إلى هدف نهائي واحد هو بيان خواص اللغة المدروسة ومميزاتها.
    وليس الترتيب بين هذه العلوم ترتيب أهمية أو أفضلية، إنما هو ترتيب يقتضيه منطق الأشياء.
    ووقوع علم الصرف في هذا الموقع الذي نراه معناه بالضرورة أنه يعتمد في مسائله وقضاياه على نتائج البحث الصوتي، وهو في الوقت نفسه يخدم النحو ويسهم في توضيح مشكلاته وتفسيرها. والحق أن الرأي المعتمد عليه في هذا الشأن يعد الصرف مقدمة للنحو أو خطوة تمهيدية له. والصرف في نظر أصحاب هذا الرأي الذي نأخذ به ليس غاية في ذاته. إنما هو وسيلة وطريق من طرق دراسة التركيب والنص اللذين يقوم بالنظر فيهما علم النحو syntax.
    ومعنى هذا: أنه لا يجوز عزل أحد هذين العلمين عن الآخر في النظر والتطبيق؛ لأن مسائلهما متشابكة إلى حد كبير. ونتائج البحث في الصرف لا قيمة لها ولا وزن في نظرنا ما لم توجه إلى خدمة الجملة والتركيب. ولهذا جرى التقليد الغالب الآن على مناقشة هذين العلمين معًا، وعلى التعرض لمسائلهما في إطارٍ عامٍ واحدٍ، مع ملاحظة البدء بقضايا الصرف بوصفه مقدمة ضرورية. ويجمع العلمين كليهما في هذا الرأي مصطلح لغوي واحد هو جراماتيكا grammar، الذي يشمل كذلك -طبقًا لبعض الأقوال- علم وظائف الأصوات phonology
    أما مادة هذا العلم فهي الوحدات الصرفية morphemes، وربما تكون الوحدة الصرفية كلمة أو جزءًا من كلمة في بدايتها أو وسطها أو نهايتها، وقد تكون المغايرة بين الصيغ، كالمغايرة بين فعل (المبني للمعلوم) وفعل (المبني للمجهول)، وقد تتكون الوحدة الصرفية من وحدة صوتية phoneme فونيم أو أكثر إلخ.
    فالكلمات (قال، نصر، ضرب) وحدات صرفية، وحروف أنيت وحدات صرفية، وكذلك ضمائر الرفع المتصلة ومنها الواو في نحو: ضربوا، وهي هنا وحدة صوتية (فونيم) كذلك، فهذه الواو وحدة صرفية على أساس أنها دليل الجمع، ولكنها فونيم على أساس أن لها قيمة صوتية وهي أنها ضمة طويلة، وتستطيع أن تفرق صوتيًّا بين ضربوا وضربًا - مثلا.
    وبإيجاز موجز نستطيع أن نقرر أن كل دراسة تتصل بالكلمة أو أحد أجزائها وتؤدي إلى خدمة العبارة والجملة أو -بعبارة بعضهم- وتؤدي إلى اختلاف المعاني النحوية -كل دراسة من هذا القبيل هي صرف في نظرنا. فمن ذلك مثلًا:
    تقسيم الكلمة من حيث الاسمية والفعلية وغيرهما.
    النظر إليها من حيث العدد (الإفراد والتثنية والجمع).
    النظر إليها من حيث النوع (التذكير والتأنيث).
    الكلام على الشخص (المتكلم والخطاب والغيبة) إلخ.
    ولكن ليس من الصرف -في نظرنا- البحث في صيغ الأفعال؛ من حيث أوزانها، وكذلك البحث في صيغ جمع التكسير من حيث أبنيتها... إلخ.
    ويبدو من التراث القديم في أول مراحله أو مسائل الصرف وقضاياه كانت تدرس مختلطة بالنحو، وكان الأثر العلمي الواحد يشمل قضايا العلمين (وغيرهم) معًا، كما يبدو ذلك واضحًا في كتاب سيبويه مثلًا.
    ومن الواضح أن التفرقة بين العلمين لم تكن قد ظهرت آنذاك، ولم تتبلور أصولها، بحيث تفرد بحوث خاصة بكل من هذين الفرعين. واستمر هذا الاختلاط وهذا الاندماج بينهما طويلا من الزمن حتى لقد ظهر هذا السلوك نفسه في كتب بعض المتأخرين.
    ولقد انعكس هذا الاتجاه على بعض التعريفات التي قدمت إلينا في الفترات الدراسية المختلفة، بحيث نرى كثيرًا من الدارسين يلقون بين أيدينا بتعريفات أشبه ما تكون بتعريفات اليوم؛ من حيث اشتمالها على ما يعم الصرف والنحو جميعًا.
    يقول ابن جني في هذا الشأن: "النحو هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه؛ من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكبير والإضافة والنسب والتركيب وغير ذلك؛ ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها وإن لم يكن منهم منهم وإن شذّ بعضهم عنها ردّ به إليها".
    وأوضح من هذا وأصرح في هذا المجال قول الخضري في حاشيته على ابن عقيل محددًا النحو بأنه: "يطلق على ما يعم الصرف تارة، وعلى ما يقابله أخرى، ويعرف على الأول بأنه: علم بأصول مستنبطة من كلام العرب يعرف بها أحكام الكلمات العربية حال إفرادها كالإعلال والحذف والإبدال، وحال تركيبها كالإعراب والبناء وما يتبعهما من بيان شروط لنحو النواسخ وحذف العائد وكسر إن وفتحها أو نحو ذلك. وعلى الثاني يختص بأحوال التراكيب".
    هذان التعريفان يفيدان أن النحو يدرس المفردات والتراكيب جميعًا. وهذا رأي مستساغ مقبول حين نعد النحو علمًا مطابقًا لما يعرف بالجراماتيكا grammar أو ما يمكن أن نسميه علم القواعد، وهو كما سبق أن ألمحنا إلى ذلك: ما جرى عليه التقليد القديم في مراحله المبكرة.
    غير أن هذا الجمع في التعريف أو الإدماج في التأليف بين الصرف والنحو لم يصلا بنا إلى النتائج العلمية التي كنا نتوقعها ولم ينجحا في أداء غرضهما نجاحًا تامًّا؛ ذلك أن مناقشة القضايا الصرفية في هذه الآثار القديمة (وغيرها) لم تكن ترمي في كثير من الأحيان إلى خدمة النحو والتمهيد لمسائله، وإنما كان ينظر إليها كما لو كانت مستقلة أو تكاد أن تكون كذلك أو كما لو كانت غاية في ذاتها لا وسيلة.
    ويستطيع المتصفح لكثير من الأعمال النحوية القديمة والمتأخرة على سواء أن يجد بعض الأبواب الصرفية التي لاقت عناية ودرسًا ثم تركت هكذا منعزلة دون ربط بينها وبين قضيتها الممتدة إلى الفرع الثاني (وهو النحو) ومباحثه.
    ولا نعدم أن نجد أحيانًا بعض مسائل الصرف محشورة حشرًا أو مدسوسة في ثنايا الكلام على النحو دون أية مناسبة واضحة، اللهم إلا التفلسف في تصريف بعض الصيغ الواردة في الكلام أو حبًّا في الاستطراد.
    زد على ذلك: أن كثيرًا من الآثار العلمية التي جمعت بين مادة الصرف والنحو بين دفتيها قد درجت على أن تؤخر مسائل الصرف كلها أو جلها إلى نهاية الكتاب أو المؤلف المعين.
    وهذا الاتجاه في نظرنا أخطر من سابقه لسببين مهمين:
    أولهما: قد يوحي هذا السلوك بصدق القول الشائع بين بعضهم بأن الخطأ في بنية الكلمات وتصريفاتها (وهي مسائل صرفية) قد ظهر متأخرًا عن الخطأ في الإعراب، ومن ثم كان من الطبيعي إعطاء الصرف منزلة متأخرة عن النحو، وتأخير التأليف فيه عن الكتابة في النحو.
    ومن الواضح أن هذه مقولة زائفة دون شك؛ إذ اللحن -في نظرنا- ومعناه الخروج عن القواعد العامة: ظاهرة عادية تقع على كل المستويات دون تفريق في الزمن والكثرة أو القلة. فكما وقع اللحن في الإعراب وقع اللحن في الصيغ وأبنية الكلمات، ولا نستطيع بحال أن نحدد السابق أو اللاحق منهما، ولعل الذي أوقعهم في هذا الخطأ هو أنهم لاحظوا الخطأ في الإعراب قبل ملاحظتهم الخطأ الواقع على المستويات اللغوية الأخرى.
    وليس من الصحيح كذلك أن نظن أن الخطأ في مسائل الصرف "لا يذهب بالمعنى المقصود"، كما صرح بذلك بعضهم، فالخطأ في الصيغ أو في أية مسألة صرفية لا يقل خطورة عن الخطأ في الإعراب، وأي خطأ نحوي. ونستطيع أن نتصور صحة ذلك حين تخطئ في أية صيغة لغوية فإنك تفسد المعنى وتزيله عن موضعه، كأن تأتي بمفرد مكان مثنى أو بمبني للمعلوم في موضع مبني للمجهول... إلخ.
    ثانيهما: تأخير الكلام عن الصرف يذهب بالغرض الأساسي من دراسته، وهو أنه خادم للنحو وممهِّد له. فالتقليد اللغوي الحديث يقتضي البدء بالصرف ومسائله لتكون معدة في يد الباحث النحوي أو الدارس للنصوص وهي الهدف الأسمى في أي عمل لغوي. فسبقه النحو -لا تأخيره عنه- أمر ضروري إذا كان لنا أن نتجنب الخلط وأن نصل إلى نتائج علمية صحيحة.
    ومعنى هذا كله أن ليست المسألة إذن مسألة الجمع بين الصرف والنحو في تعريف واحد أو مجلد واحد أو كتاب واحد. إنما العبرة بجمع مسائلهما وقضياهما على وجه يفيد الدارس، ويأخذ بيده منطقيًّا من مرحلة إلى أخرى، ومعناه في هذا المجال: أن يبدأ بالصرف وينتقل منه مباشرة إلى النحو، أو أن يمهد لمناقشاته النحوية بدراسة صرفية متصلة اتصالًا مباشرًا بما هو بسبيله من قضايا النحو.
    لنفرض مثلًا: أن بسبيل دراسة ظاهرة النفي في العربية على هذين المستويين.
    المنهج الصحيح يقتضينا أن نجمع مادتنا، ثم نلاحظها ونسجل ملاحظتنا بادئين بالتعرف على أدوات النفي ومحاولين تصنيفها إلى مجموعات بحسب خواصها ومميزاتها المستفادة من استعمالها في النصوص... إلخ.
    فإذا ما انتهى الدارس من هذه المرحلة الصرفية بادر بمعاودة النظر في ظاهرة النفي على مستوى التركيب؛ ليعرف خواصها، وليقف على كيفية توزيع أداتها في الجملة وعلى أنماط هذا التوزيع واختلاف الأساليب باختلاف هذا التوزيع... إلخ.
    ومن العجيب أن ابن جني يعترف بأهمية الصرف أو ما سماه "التصريف" بوصفه ممهدًا للنحو وأساسًا لدراسته، ولكنه مع ذلك يحاول تسويغ تأخير البحث فيه والبدء بالنحو قبله.
    يقول: "فالتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلم الثابتة، والنحو إنما هو لمعرفة أحواله المتنقلة، ألا ترى أنك إذا قلت: قام بكر ورأيت بكرا ومررت ببكر- فإنك إنما خالفت بين حركات حروف الإعراب لاختلاف العامل ولم تعرض لباقي الكلمة. وإذا كان ذلك كذلك فقد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف؛ لأن معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن تكون أصلًا لمعرفة حاله المتنقلة، إلا أن هذا الضرب من العلم لما كان عويصًا صعبًا بُدئ قبله بمعرفة النحو، ثم جيء به بعد ليكون الارتياض في النحو موطّئا للدخول فيه ومعينًا على معرفة أغراضه ومعانيه وعلى تصرف الحال".
    ولسنا مع ابن جني في هذا الاعتذار الذي ذكره مسوِّغا لتأخير النظر في "الصرف"، فالصعوبة -إن كانت هناك صعوبة حقيقية- لا يجوز أن تقف معوقًا أو أن تؤدي إلى إفساد الدرس، وبخاصة أن ابن جني نفسه صرح بضرورة العلم بالتصريف وقواعده قبل الدخول في النحو.
    ولسنا ندري على أية حال ما إذا كان ابن جني يقصد بهذا النص مجرد الاعتذار عما وقع قبله بالفعل أم هو تعبير عن رأيه ومنهجه في هذه القضية.
    أما الذي ندريه تمامًا فهو أن ابن جني يتحدث هنا عن نوع من الدراسة هي أخص بكثير مما وقع في بعض آثار المتقدمين، ككتاب سيبويه، ومما نعرفه من تلك البحوث المعروفة والمشهورة باسم الصرف في العرف العام وتقاليد العصور المتأخرة. هذه الدراسة الخاصة (في نظرنا) أطلق عليها هذا العلم اسم "التصريف" وشرح المقصود بهذا المصطلح شرحًا مستفيضًا يبين غرضه منه بوضوح لا يحتمل الشك.
    يقول: التصريف "ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها، ولا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به، وقد يؤخذ جزء من اللغة كبير بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصنيف. وذلك نحو قولهم: إن المضارع من فعُل لا يجيء إلا على يفعُل بضم العين، ألا ترى أنك لو سمعت إنسانًا يقول: كرم يكرم بفتح الراء من المضارع- لقضيت بأنه تارك لكلام العرب، سمعتهم يقولون: يكرم أو لم تسمعهم؛ لأنك إذا صح عندك أن العين مضمومة من الماضي قضيت بأنها مضمومة في المضارع أيضًا قياسًا على ما جاء، ولم تحتج إلى السماع في هذا ونحوه، وإن كان السماع أيضًا ما يشهد بصحة قياسك. ومن ذلك أيضا قولهم: إن المصدر من الماضي إذا كان على مثال أفعل يكون منفعلا بضم الميم وفتح العين نحو: أدخلته مدخلا وأخرجته مخرجًا.ألا ترى أنك لو أردت المصدر من أكرمته على هذا الحد لقلت: مكرمًا قياسًا، ولم تحتج فيه إلى السماع، وكذلك قولهم: كل اسم كانت في أوله ميم زائدة مما ينقل ويعمل به فهو مكسور الأول، نحو: مطرقة ومروحة، إلا ما استثني من ذلك. فهذا لا يعرفه إلا من يعلم أن الميم زائدة، ولا يعلم ذلك من طريق التصريف".
    وهكذا نرى أن هذا الضرب من البحث لا يشتمل إلا على جزءٍ واحد مما يعرف بالصرف في العرف التقليدي الحاضر. هذا الجزء هو النظر في الكلمة من حيث أصولها وزوائدها ومن حيث أبنيتها وأوزانها، كما يعرض لطريقة أخذ الكلمات بعضها من بعض، وإن كان هذا الأخذ ليس على إطلاقه وإنما بطريقة مخصوصة (انظر الفقرة التالية). أو بعبارة أخرى نقول:إن ابن جني قصر البحث في هذا العلم على النظر في الكلمة ذاتها وفيما يحدث لها من تغيرات أغلبها لا يفيد في خدمة التركيب والعبارة، على خلاف المنتظر من الصرف بالمعنى الذي نفهمه، وإن كان بعضها يفيد في دراسات أخرى كدراسة المعجم.
    ويؤيد هذا الذي نزعمه من أن هذا العالم الجليل يقصد بالتصريف دراسة ذات اتجاه متخصص أنه أخرج منه أبوابًا وأنماطًا من المسائل هي من صميم ما نعرفه بالصرف. من ذلك مثلًا أنه عدّ التصريف غير شامل للاشتقاق وإن كان بينهما اجتماع وافتراق أو إن كان بينهما اجتماع وافتراق أو وإن كان بينهما ارتباط من نوع ما.
    يقول: "وينبغي أن يعلم أن بين التصريف والاشتقاق نسبا قريبًا واتصالًا شديدًا؛ لأن التصريف إنما هو أن تجيء إلى الكلمة الواحدة فتصرفها على وجوه شتى. مثال ذلك: أن تأتي إلى ضرب فتبني منه مثل جعفر، فتقول: ضربب، ومثل قمطر: ضِرّب، ومثل درهم: ضِريَب، ومثل عَلِم: ضربب، ومثل ظرف: ضرب. أفلا ترى إلى تصريفك الكلمة على وجوه كثيرة؟ وكذلك الاشتقاق أيضًا. ألا ترى أنك تجيء إلى الضرب الذي هو المصدر فتشتق منه الماضي فنقول: ضرب، ثم تشتق منه المضارع فتقول: يضرب، ثم تقول في اسم الفاعل: ضارب. وعلى هذا ما أشبه هذه الكلمة. أوَلَا ترى إلى قول رؤبة في وصفه امرأة بكثرة الصخب والخصومة:
    "تشتق في الباطل منها الممتذق؟"
    وهذا كقولك: تتصرف في الباطل؛ أي تأخذ في ضروبه وأفانينه.
    فمن ها هنا تقاربا واشتبكا، إلا أن التصريف وسيطة بين النحو واللغة يتجاذبانه، والاشتقاق أقعد في اللغة من التصريف، كما أن التصريف أقرب إلى النحو من الاشتقاق. يدلك على ذلك أنك لا تكاد تجد كتابًا في النحو إلا والتصريف في آخره، والاشتقاق إنما يمر بك في كتب النحو منه ألفاظ مشردة لا يكاد يعقد لها باب".
    فهذا النص يدلنا على أن كلًّا من التصريف والاشتقاق يتضمن أخذ كلمة من أخرى بطريقة مخصوصة، غير أن ابن جني -على ما يبدو- قصر الاشتقاق على الأخذ في حدود معينة، تلك هي حدود المشتقات التقليدية المشهورة والمعروفة بهذا الاسم وما إلى ذلك مما يتضمن فكرة الأصول والفروع. وهو بهذا يحاول أن يفرق بين هذين النوعين من البحوث وإن كانت عبارته تومئ بأن التصريف أعم من الاشتقاق وأن الثاني يمكن أن يكون جزءًا من الأول.
    أما الفرق بينهما في رأيه فيظهر في أن الاشتقاق أدخل في اللغة (أو ما يسمى متن اللغة) من التصريف، وأن الثاني أقرب إلى النحو من الأول. ومعناه -وفقا للفهم الحديث- أن الاشتقاق يتعامل في غالب الأمر مع الألفاظ بقطع النظر عن وظائفها الصرفية، أو بقطع النظر عما يبدو لنا من خواص صرفية في التراكيب. أما التصريف فهو يهتم بالمفردات لا بوصفها صيغًا وألفاظًا فقط، وإنما بحسب ما لها من خواص تفيد في خدمة الجملة والعبارة. أما نحن بحسب فهمنا لكلام ابن جني نفسه وبحسب ما فعله في كتبه- فنرى عكس رأيه تمامًا.
    فالتصريف -كما تفيد عباراته السابقة وكما تشير مناقشاته في آثاره- إنما يعني ببنية الكلمات وأوزانها من حيث الزيادة وعدمها ومن حيث تصريفاتها المختلفة. وهذه الدراسة -كما ترى- أقرب إلى متن اللغة منها إلى النحو، بل نجاوز ذلك فنقول: إن كثيرًا من مسائل التصريف التي عرض لها ابن جني ودرسها لا تفيد النحو كثيرًا، بل إن بعضها لا يعدو أن يكون مماحكات جدلية لا تغني شيئًا على أي مستوى من مستويات البحث اللغوي الصحيح.
    أما الاشتقاق بحسب ما نفهم من استعمال هذا المصطلح في التراث الصرفي في عمومه- فهو خطوة أساسية في تصنيف الصيغ إلى أوزان ذات قيم صرفية خاصة، وهي قيم ذات أهمية كبيرة في الجمل والتراكيب التي هي مجال البحث في النحو. وتظهر هذه القيم فيما لو قارنت بين جمل بعضها يحتوي على صيغة اسم الفاعل وبعضها على صيغة اسم المفعول، فسوف تدرك الفرق النحوي في الحال.
    ومعناه: أن الاشتقاق من صميم الموضوعات الصرفية التي تخدم النحو وتمهد لدراسة قضاياه.
    ولعل ابن جني هنا يستعمل المصطلح "الاشتقاق" في معنى أعم من المعنى الشائع الآن، ذلك هو المعنى الذي غلب على تفكيره وسيطر على آثاره. فكان عنده: الاشتقاق الأكبر والاشتقاق الكبير والاشتقاق الصغير. والنوعان الأولان -كما هو واضح لنا- لهما صلة وثيقة بمتن اللغة وليس لهما ارتباط مباشرة بالنحو. أما الاشتقاق الثالث فهو ذو علاقة قوية بالنحو، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك.
    أما استدلال ابن جني على دعواه بأن كتب النحو لا تخلو من التصريف، وأن الاشتقاق يقابلك هناك "مشردًا مبعثرًا" فهو استدلال واهٍ ضعيف، فالقضية ليست قضية طريقة التأليف أو جمع هذه الفروع في كتاب أو مجلد واحد أو عدم جمعها، وإنما القضية هي علاقة هذه الفروع بعضها ببعض ومدى استفادة كل منها من زميله وكيفية استغلال أحدهما في خدمة مباحث الآخر.
    كل ما تقدم يؤكد ما ذهبنا إليه من أن ابن جني يستعمل المصطلح "التصريف" من الناحيتين: النظرية والتطبيقية -في معنى يختلف عن الفهم المتأخر للمصطلح "الصرف" و"التصريف" كذلك. فهو عنده لا يطلق إلا على جزء أو عدة مسائل معينة من مسائل الصرف بهذا المفهوم المتأخر. وهي مسائل في نظرنا كلها أو جلها ليست ذات أهمية خاصة بالنسبة للنحو، أو -قل- هي مسائل تقتضي معاودة النظر فيها وفي الفرع اللغوي الذي يجب أن تنتمي إليه كما سيتبين لنا ذلك فيما بعد.
    أما الصرف أو التصريف بالمعنى الأشمل الأعم -وهو المعنى الذي صرح به غالبية المتأخرين- فيتبين من التعريفات التالية:
    قال صاحب "التصريح": التصريف "... في اللغة تغيير مطلق، وفي الصناعة تغيير خاص في بنية الكلمة لغرض معنوي أو لفظي. فالتغيير المعنوي كتغيير المفرد إلى التثنية والجمع المصحح، وذلك بتحويل زيد مثلًا إلى زيدان وزيدون، وتغيير المصدر إلى الفعل والوصف. وذلك بتحويل الضرب مثلا إلى ضرب وضرب بالتشديد للمبالغة في الفعل، و اضطرب لوجود الحركة مع الفعل واضرب وضارب ومضروب، وكضراب ومضراب وضروب وضريب وضرب للمبالغة في الوصف.
    والتغير اللفظي كتغيير قول من الأجوف، وغزو من الناقص، إلى: قال وغزا بقلب حرف العلة ألفًا لتحركه وانفتاح ما قبله، والإبدال في أقتت والحذف في قل والإدغام في رد. ولشبه التصغير والتكسير والنسب والوقف والإمالة بعلم النحو، من حيث التعلق بالمركبات ذكرت معه".
    ويقول الأشموني: التصريف "في اللغة التغيير ومنه تصريف الرياح أي تغييرها، وأما في الاصطلاح فيطلق على شيئين:
    الأول: تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة لضروب من المعاني كالتصغير والتكسير واسم الفاعل واسم المفعول وهذا القسم جرت عادة المصنفين بذكره قبل التصريف، وهو في الحقيقة من التصريف.
    والآخر: تغيير الكلمة لغير معنى طارئ عليها، ولكن لغرض آخر. وينحصر في الزيادة والحذف والإبدال والقلب أو لنقل والإدغام" ثم يقول: "وهذا القسم هو المقصود هنا بقولهم: التصريف... ولهذا التغيير أحكام كالصحة والإعلال. ومعرفة تلك الأحكام وما يتعلق بها تسمى علم التصريف".
    وجاء في "حاشية الخضري" على ابن عقيل -عند الكلام على باب عقده الناظم تحت اسم التصريف- أن "... التصريف لغة التغيير، ومنه تصريف الرياح أي تغييرها. واصطلاحًا: يطلق على شيئين:
    الأول: تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة لاختلاف المعاني، كالتصغير والتكسير واسمي الفاعل والمفعول والتثنية والجمع. وجرت عادتهم بذكر هذا القسم مع علم الإعراب كما فعل الناظم، وهو في الحقيقة من التصريف.
    والآخر: تغيير الكلمة عن أصل وضعها لغرض غير اختلاف المعاني، كالإلحاق والتخلص من السكونين ومن اجتماع الواو والياء وسبق أحدهما، ويسمى هذا التغيير بالإعلال وهو المراد هنا. وينحصر في ستة أشياء: الحذف والزيادة والإبدال والقلب والنقل والإدغام. فهذه كلها أنواع تحت الإعلال كما في الصبان. وفي "الشافية" و"شرح العزى" أن الإعلال خاص بتغيير حرف العلة بحذف أو قلب أو إسكان للتخفيف، وما عدا ذلك ليس إعلالًا. وقد يطلق التصريف على ما يعم الأمرين معًا".
    ويتضح لنا من هذه التعريفات أن الصرف أو التصريف أعم وأشمل في مضمونه، مما أراده ابن جني بمصطلح "التصريف". إنه في هذه التعريفات يشمل نوعين من التغيير:
    الأول: تغيير في الصيغ لإفادة معانٍ جديدة أو -كما عبروا عنه- تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة لاختلاف المعاني. ومثال هذا النوع تغيير الصيغة من حال الإفراد -مثلًا- إلى التثنية والجمع أو تغييرها من صورة التكبير إلى صيغة التصغير... إلخ، ومن البديهي أن المعاني هنا ليس المقصود بها المعاني المعجمية، وإنما هي المعاني أو القيم الصرفية التي تكتسبها الصيغة بتغيرها في صورة جديدة، أو قل: إنها الخواص الصرفية للكلمات التي يترتب على وجودها وجود خواص معينة في الجمل والتراكيب.
    أما النوع الثاني من التغيير: الذي يعنيه المصطلح "التصريف" فهو تغيير في شكل الكلمة وصورها، دون أن يترتب على ذلك تغيير في قيمتها أو معانيها الصرفية كتغير الكلمة إلى وزن معين إلحاقًا لها بكلمة أخرى، وكتغيير غَزَوَ إلى غزا مثلًا... إلخ.
    ومن هذا نرى أن المصطلح "التصريف" عند ابن جني إنما يقصد به ما يطابق النوع الثاني فقط من نوعي التغيير المذكورين في التعريفات السابقة، ومعناه: أن هذا المصطلح يختلف مدلوله في القديم عن مفهومه عند المتأخرين.
    وليس معنى هذا -على أية حال- أن ابن جني أهمل النوع الأول إهمالًا تامًّا أو أنه أخرجه من الدارسة: إن هذا النوع من التغيير ليس من التصريف عند ابن جني، وإنما هو جزء لا يتجزأ من النحو، كما يدل على ذلك بوضوح ذلك التعريف السابق الذي قدمه للنحو (ص285). وبذلك يكون منهج ابن جني متمشيًا مع ما سار عليه الشيوخ الأوائل كسيبويه والمبرد اللذين جمعا مسائل الصرف مع بحوث النحو، ومن ثم كان النحو في مفهومهم يقابل ما يسمى بالجراماتيكا، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك.
    ولعل هذا الفهم لآراء ابن جني يفسر ما ذهب إليه من أن التصريف مكانه بعد النحو لا قبله (ص288)؛ ذلك لأن التصريف -بحسب فهمنا لكلامه ومناقشاته- ليس التصريف الذي يخدم النحو ويمهّد لدراسته، وإنما هو نوع من الدراسة تعني النظر فيما يعرض للكلمات من تغيير في الصورة والشكل دون أن يؤدي ذلك إلى اختلاف المعاني.
    ومثال ذلك: ما لبعض الألفاظ من زيادة أو حذف أو إعلال أو نحو ذلك من كل تغيير لا يفيد معنى جديدًا.
    أما أن ابن جني يرى عكس ما ذهبنا إليه ويعد هذا التصريف الأخير مهمًّا بالنسبة للنحو فذلك رأي غير دقيق، وقد خدع فيه بوضع أبوابه مختلطة بأبواب النحو في بعض الآثار العلمية. أو لعل من رأيه أن البحث في هذه المسائل وأضرابها مما يفيد النحو ويخدم قضاياه، على حين أن الأمر ليس كذلك بحال من الأحوال، كما سيتبين لنا فيما بعد:
    ومهما يكن من أمر فالصرف أو التصريف بالمفهوم المذكور في التعريفات السابقة وبالمعنى السائد بين التقليديين من المعاصرين يطلق في رأينا على أخلاط من المسائل وأمشاج من البحوث. ولقد رأينا هنا أن نلقي ضوءًا جديدًا على هذه البحوث والمسائل لنتعرف على حقيقة الأمر فيها وعلى أحقيتها بالانتماء إلى الصرف أو عدم أحقيتها في ذلك؛ آخذين في الحسبان ثلاثة أمور مهمة هي:
    1- هذه النظرة لا تدعي الشمول، وإنما هي محاولة لإبراز بعض ما الدرس الصرفي من قصور ونقص في منهج البحث وطريقة العلاج.
    2- هذه الآراء لا تدعي الصحة المطلقة، فهي أفكار رأينا أن نسجلها، ولعل في تسجيلها ما يعطي لها فرصة النضج أو التعديل أو التغيير.
    3- محاولتنا هذه ترمي إلى إخضاع النظريات للتطبيق العملي المفيد. كلنا يشكو من الصرف، وكلنا فيه شيء غريب غير طبيعي. ولسوف نحاول في بحثنا هذا أن نرسم خطوطًا عريضة لمنهج يمكن الاستفادة منه في هذا التطبيق العملي وفي الإشارة إلى هذا الشيء الغريب.
    يشتمل الصرف التقليدي على نوعين رئيسيين من الدراسة:
    النوع الأول:
    ويتمثل هذا النوع في أبواب وبحوث هي من صميم الصرف بالمعنى الذي نفهمه، ونعني بذلك تلك الدراسة التي تعرض لدراسة الكلمات وصورها لا لذاتها، وإنما لغرض معنوي أو لحصول على قيم صرفية تفيد في خدم الجمل والعبارات. والصرف بهذا المعنى يقابل الجزء الأول فقط، مما أطلق عليه الصرف أو التصريف في التعريفات السابقة، ولا يقابل شيئًا، أو يقابل قليلًا مما عناه ابن جني بتعريفه للتصريف. ومما هو جدير بالذكر أن أصحاب التعريفات السابقة قد أدركوا -في تعريفاتهم- الفرق بين ما هو صرف حقيقي وما هو ليس كذلك، حيث فرقوا بين نوعين من التغير: تغيير لاختلاف المعاني وتغيير لفظي لا لغرض معنوي. فالتغيير الأول هو الجدير بالتسمية صرفًا أما الثاني فليس من الصرف في شيء.
    وهذا التفريق نفسه يوضح لنا السر في أن المتقدمين وبعض المتأخرين -كالناظم- قد درسوا أبواب النوع الأول مع النحو؛ ذلك لأن هذا النوع شديد الصلة بالنحو ومرتبط به ارتباط الجزء بالكل أو المادة الأساسية بالبناء الكبير. ودليل هذا الإدراك كذلك أن كثيرًا منهم -ومنهم ابن جني نفسه- قد ضمنوا النوغ الأول من الصرف في التعريفات التي قدموها للنحو.
    ومن أهم أبواب الصرف بالإضافة إلى ما تقدم ذكره:
    المشتقات -تقسيم الفعل إلى أزمنته المختلفة- التعريف والتنكير وأقسامهما - المتعدي واللازم- والمتصرف والجامد... إلخ.
    فالبحث في هذه المسائل وأمثالها بحث صرفي صميم؛ إذ هو ما يخدم الجملة ويجعلها ذات معانٍ نحوية مختلفة. بحيث لو تغيرت وحداتها تغيرت معانيها، وإليك أمثلة توضح ما نقول:
    حضر محمد حضرت فاطمة
    ذكَّّرت الفعل في المثال الأول، وأنثته في الثاني بسبب صرفي هو تذكير الفاعل وتأنيثه. والمعاني النحوية هنا مختلفة، بسبب اختلاف القيم الصرفية ويظهر الفرق بصورة أوضح فيما لو امتدت الجملتان:
    حضر محمد العاقل وحضر فاطمة العاقلة
    وتقول أيضا:
    أنا حضرت أنت حضرت
    فكون أنا للمتكلم استدعى -تطابقًا- أن يكون الضمير المتصل بالفعل هو ت [t u] وكون "أنت للمخاطب اقتضى أن يكون الضمير المتصل هو تَ [t a] لا ت [t u] مثلًا.
    ومما يدل على وجود هذه الفرق اختلاف التحليل النحوي في هذه الحالات.
    والتصغير في نظرنا من مسائل الصرف الحقيقية؛ لأنه -في العربية- ذو أثر واضح في المعنى النحوي للجملة، تقول:
    رجل صغير: (موصوف + صفة).
    رجيل: (اسم مصغر وحده).
    ومن الطبيعي أن يختلف الإعراب في الحالتين.
    والنسب كذلك مادة من مواد الصرف، فالكلمة المنسوبة تنتمي إلى نوع من الكلمات لم تكن تنتمي إليه قبلا، وبذلك تؤهل تأهيلا يؤثر على المعاني النحوية، تقول:
    رجل مصري
    حيث تقع "مصري" صفة، ولم تكن كلمة "مصر" قبل النسب صالحة لأن تقع هذا الموقع، وإنما يجوز وقوعها في نحو: رجل من مصر.
    والفرق واضح بي الجملتين من الناحية النحوية، لاختلاف التركيب واختلاف الإعراب معًا.
    ومن صميم البحوث الصرفية كذلك دراسة المغايرة في الصيغ كما في المغايرة بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول، تقول:
    فهم الطالب الدرسَ (فعل + فاعل + مفعول).
    ولكن فُهم الدرسُ (فعل + نائب فاعل).
    فهذه الدراسة ذات قيم ظهرت آثارها في التركيب بوضوح، ومن ثم كانت دراسة صرفية حقيقية.
    ولا نستطيع هنا أن نمثل لكل حالات الصرف، وأهم من هذا التمثيل الإشارة إلى الأبواب الأخرى التي ليست من الصرف أو التي هي منه، ولكنها تحتاج إلى معالجة جديدة.
    النوع الثاني:
    ويشمل أبوابًا ومسائل شتى من الصرف التقليدي تجمعها كلها خاصة ظاهرة، تلك هي أنها جميعًا تعني بالنظر في الكلمة من حيث الزيادة والأصل، والأوزان والأبنية وما إلى ذلك من تغييرات في صور الكلمات، وهي تغييرات لا تعطي معاني أو قيمًا صرفية تخدم الجملة والعبارة. وهذا النوع هو ما يطابق الضرب الثاني من التصريف أو الصرف في التعريفات التي أوردناها سابقًا، كما يطابق جل مسائل التصريف بالمعنى الذي عناه ابن جني في آثاره من حيث النظرية والتطبيق على سواء.
    هذه الأبواب والمسائل كثيرة إلى حدٍّ تصعب معالجتها في هذا البحث، ولسوف نكتفي هنا بإيراد أمثلتها جميعًا ونلقي برأينا فيها وفي كيفية معالجتها، كما يتضح ذلك في الصفحات التالية.
    أولًا:
    هناك أمثلة من مسائل هذا النوع ينبغي إطراحها وتركها لعدم جدوى البحث فيها على أي مستوى من مستويات الدراسة اللغوية. فهي أمثلة تتضمن عمليات ذهنية عقيمة نتجت عن الإغراق في بحث الجزئيات والمبالغة في الجري وراء فكرة الأصول والزوائد، واعتقادهم أن للكلمات أصولا خلقية وزوائد تنضم إليها بحسب الحاجة والظرف المعين.
    من ذلك مثلًا الكلام على همزة التأنيث في نحو صحراء وأصلها المنقلبة عنه. جاء في "المنصف شرح التصريف" (جـ1 ص155، 156) بشأن هذه المسألة ما يلي:
    "وينبغي أن يعلم أن هذه الهمزة إنما هي منقلبة عن ألف التأنيث التي في نحو حبلى وبشرى. ولكنها وقعت بعد ألف قبلها زائدة وجب تحريكها لئلا يلتقي ساكنان فقلبت همزة، وهذا مذهب سيبويه وهو الصحيح. ويدل على صحته، وأن هذه الهمزة منقلبة عن ألف التأنيث المفردة- أنك إذا أزلت الألف من قبلها بقلبها خرجت هي عن الهمزة. وذلك قولهم في جمع صحراء: صحَاري. فهذه الياء الأولى المدغمة هي الألف التي كانت قبل الهمزة في صحراء، انقلبت ياء في الجمع لانكسار ما قبلها كما تنقلب في جمع مفتاح وغربال إذا قلت: مفاتيح وغرابيل. فلما انقلبت الألف إلى ياء انقلبت علامة التأنيث التي كانت بعدها في صحراء ياء لوقوع الياء المنقلبة عن الألف قبلها وذلك قولك: صحاري.
    وزالت الهمزة لزوال الألف الموجبة لها من قبلها.
    فلو كانت الهمزة في صحراء غير منقلبة لم يلزم انقلابها في الجمع. كما أنك لو جمعت قُرّاء لقلت قراريء. وكما قالوا في جمع كوكب دريء: دراريء لما كانت الهمزة أصلًا غير منقلبة. فقولهم صحاري بلا همزة دلالة على أن الهمزة في صحراء منقلبة، إذ لو لم تكن منقلبة لوجب أن نقول: صحاريء كما قالوا: درارئ. وإذا ثبت أنها منقلبة في صحراء فيجب أن يكون انقلابها عن الألف التي في مثل حبلى".
    هذا مثال واحد من عشرات الأمثلة المبثوثة في الكتاب المشار إليه وفي غيره من الآثار كـ"الخصائص" لابن جني، وكذلك في "سرِّ صناعة الإعراب"، ذلك الأثر الذي يعنى في أساسه بالدرس الصوتي.
    وهذا المثال لا تعليق لنا عليه: إنه يسفر عن نفسه. فهو نوع من التمحك والتمحل اللفظيين، وافتراض جدلي عقيم يعجز الدارسين عن التحصيل والإلمام بالقواعد.
    وفي إيجاز موجز نقول: إنه خالٍ من أية فائدة عملية على أي مستوى من مستويات البحث في اللغة، فما أحراه وأمثاله أن يهمل ويلقى به جانبًا. قد يقال: إن هذا الضرب من البحث يناسب المتخصصين ومن لفّ لفهم، فأعود فأقول: إنه حتى بالنسبة لهؤلاء خالٍ من الفائدة عارٍ من الأهمية.
    وفي رأيي أن الكلام في مسائل هذا الباب كله نوع من الترف العلمي الذي لا نستطيعه في وقتنا هذا، ونوع من شغل الوقت وقتل الفراغ بقطع النظر عن أية نتائج علمية. أو قل: إن البحث في هذه القضايا ونحوها نتيجة من نتائج الإغراق في الافتراض والتوهم بدافع إظهار البراعة في الجدل إرضاء لنزعات مذهبية، أو هو نتيجة لكل ما أشرنا إليه من عوامل، ولعل هذا النوع من القضايا هو ما رأى ابن جني وجوب تأخيره عن النحو "لصعوبته"، وذلك -في الحق- يتمشى مع منطق الأشياء، فليس هناك -في رأيي- من يجيز لنفسه الانشغال بهذه المسائل السطحية قبل الدخول في بحوث أساسية كبحوث النحو.
    على أنه بشيء كبير من التسامح ربما ساغ لنا النظر في هذا المثال ونحوه، ولكن على طريقة من البحث معينة، تلك هي طريقة البحث التاريخي. وقد أرشدنا إلى هذا ما جاء في النص حيث وردت هذه العبارة: إن قولهم "صحاري بلا همزة دلالة على أن الهمزة في صحراء منقلبة، إذ لو لم تكن منقلبة لوجب أن تقول: "صحاريء، كما قالوا: دراريء".
    فنحن لا نستبعد أبدًا أن تكون الصيغة في فترة ما من تاريخ العربية هي فعلًا "صحاريء" بالهمزة، ثم أصابها التطور والتغير على مر الزمن، وبهذا تستحق -هي وما شابهها- النظر على هذا الأساس التاريخي. وبهذا تنضم إلى مثيلاتها من المسائل التي نرى وجوب معاملتها معاملة تاريخية مخالفين بذلك منهج الصرفيين العرب في معالجتها كما سيتبين فيما بعد.
    ثانيًا:
    في الصرف أو التصريف بالمعنى التقليدي أبواب ومسائل كثيرة هي أولى بمتن (اللغة أو ما يسمى اللغة في عرفهم أحيانًا) منها بالصرف الحقيقي. ومن أوضح أمثلة هذا النوع بابان مشهوران.
    أولهما: أوزان الفعل الثلاثي وقد عدوها ستة. ففي رأينا أن هذه الأوزان ليست ذات قيم صرفية تخدم الجملة أو العبارة، ولكنها ذات قيم لفظية تفيد معرفتها معرفة ألفاظ اللغة على وجهها الصحيح. فكون الفعل المعين على وزن فَعَل يفعَل، أو فعل يفعل، أمر يتعلق بصحة نطق الصيغة، ولكنه لا يفيد أثرًا ملحوظًا أو غير ملحوظ في الجملة والعبارة. فمضارع ضرب مثلًا لا تتغير وظيفته النحوية في التركيب؛ سواء أكانت عينه مكسورة أم مضمومة، ولكن تتغير قيمته النطقية فيما لو استعملناه على وزن غير وزنه المنصوص عليه.
    ومعرفة هذه القيمة النطقية أمر في غاية الأهمية، ما في ذلك شك، ولكنها تدخل في باب آخر غير باب الصرف، إنها من قضايا الثروة اللفظية أو هي من مباحث متن اللغة والمعجمات وما إليها.
    أضف إلى ذلك: أن معرفة أوزان الفعل ليست هي الفيصل والمرشد الوحيد في التعرف على الصيغة المناسبة لهذا الفعل آنذاك:
    هناك ما هو أهم منها وهو الخبرة والدربة العملية والسماع، وهناك الثقافة اللغوية التي تعين على النطق بالصيغة الصحيحة. وكم حفظ أناس هذه الأوزان ووعوها، ولكنهم لم يستطيعوا صياغة الكلمات على أوزانها. وبالعكس قد يأتي الرجل بألفاظ على أوزانها المعقودة لها دون أن يعرف هذه الأوزان أو يسمع بها.
    على أن هذه الأوزان -وإن كانت محصورة معدودة- ما زالت تخضع للسماع وما زالت صورها تتأرجح بين حالة وأخرى، وما زلنا نسمع ونقرأ الفعل الواحد بوزنين مختلفين، ولعل هذا مرجعه إلى اختلاف اللهجات أو عدم الاستقرار على صور معينة. ويبدو أن لهذا الادعاء أصلًا تاريخيًّا ثابتًا.
    يقول باحث حديث: "إن الناظر في النصوص وفي كتب اللغة يجد فيها شيئًا يؤدي إلى الاعتقاد أن هذه الأفعال لم تكن مستقرة ولا سيما في القرن الأول الهجري، وأن فعلًا من الأفعال مثلًا قد يكون على الوزن الأول، (باب نصر) عند قوم من الناس، ولكن من باب ضرب عند آخرين. وبقي هذا التردد في اعتبار وزن الفعل طوال القرن الأول والقرن الثاني، حتى إذا تم تثبيت قواعد اللغة استقرت هذه الأفعال على حال ثابتة ولا سيما الأفعال التي يكثر تداولها في التخاطب والكتابة على الأقل.
    ولقد ورد شيء من هذا الذي نذهب إليه على ألسنة علماء اللغة. قال أبو زيد الأنصاري: إذا جاوزت المشاهير من الأفعال فأنت بالخيار بين الضم والكسر. وقال الفراء: الأصل في المضارع الكسر.
    وهذا التردد في معرفة الأوزان وضبطها وتثبيتها قد تم في لغة القرآن بالرغم من أن كتب اللغة ظلت تذكر اللغات المختلفة في وزن الأفعال التي اختلفوا فيها. فقد قالوا في (فسد) هو من باب نصر عند قوم وهو من باب كرم على رأي الآخرين. وهذه الحال تدل على أن الأفعال الثلاثية في المرحلة السابقة لعصر القرآن لم تكن مستقرة على حال، وكان الحكم فيها للقائلين، يؤلفون بين حركاتها كما يشاءون".
    وبهذا يتضح لنا أن أوزان الفعل -بالرغم من محاولة حصرها وتقعيدها- لا تزال تسترشد الثقافة اللغوية والتلقي بالمشافهة جيلا عن جيل، وهذه كلها أمور تتعلق بالثروة اللفظية، وإجادة نطقها جزء من إجادة اللغة والانحراف في هذا النطق انحراف لغوي، ولكن ذلك ليس من مباحث الصرف وإنما هو من مواد متن اللغة؛ لأن اختلاف الأوزان لا يعني اختلافًا وظيفيًّا في الجمل والعبارات.
    ثانيهما: صيغ جمع التكسير وأبنيته بالصورة التي عولجت بها في كتب الصرف التقليدية؛ فقد قنع الصرفيون هناك بمجرد سرد هذه الصيغ، واكتفوا بذكرها دون التعرض لأية قضية تتعلق بقيمها الصرفية، ودون أن يشيروا من قريب أو بعيد إلى ما يترتب على استعمال هذه الصيغ من وظائف وقيم نحوية في الجمل والعبارات.
    وذكر هذه الصيغ وعدها مجردًا عن مناقشة معانيها الصرفية موضوع من مواضيع الدرس اللغوي، ولكنها -بطبيعتها- تناسب متن اللغة لا الصرف، إذ الأول يعني بالألفاظ وأبنيتها المختلفة، أما الثاني -وهو الصرف- فهو معني أولًا وآخرًا ببيان القيم التي يحملها هذا البناء أو ذاك أو هذا الوزن أو ذاك. وهي قيم ليست بالقيم الصورية اللفظية، وإنما هي خواص صرفية يظهر أثرها في التركيب، بأن يترتب على وجودها معانٍ نحوية معينة.
    يدلك على ذلك أنك لو استعملت صيغة من جمع التكسير معينة دون أخرى ما ترتب على ذلك شيء في الجملة، وما اختلفت المعاني النحوية بحال من الأحوال. تقول:
    شيوخ عقلاء وأشياخ عقلاء
    وبحوث جيدة وأبحاث جيدة
    دون أن تجد فروقًا نحوية أو معاني في أي من التركيبين بالرغم من اختلاف الصيغتين، نعم قد تختلف المعاني المعجمية كما في النحو:
    قضاة محترمون ورجال محترمون
    ولكن هذا كما ترى يرجع إلى أصل المادة لا إلى خواصها الصرفية، ومن ثم كان الأولى بهذه الصيغ كلها متن اللغة وآثار الثروة اللفظية لا الصرف بمفهومه الحقيقي.
    وربما سوغ صنيعهم هذا الذي سلكوه ما رأوه من ضخامة العدد في صور جمع التكسير وتنوعها الكبير، فحاولوا إخضاعها لشيء من التقعيد أو التقنين، تسهيلا على الدارسين والمتعلمين، ولكن هذا الذي فعلوه -وإن كان جديرًا بالبحث في حد ذاته ما زال في نظرنا بعيدا عن الحقل الصرفي ولصيقا بمتن اللغة.
    على أن هؤلاء الصرفيين قد نصوا بعد عناء وجهد في التقنين والتقعيد على أن جموع التكسير سماعية على الصحيح لا قياسية فليست في مجموعها تخضع لقواعد ثابتة مطردة.
    أضف إلى ذلك أن كثرة هذه الصورة وتنوعها بما يرجعان إلى احتمال اختلاف اللهجات في القديم. وهذا احتمال تؤيده الشواهد والآثار الواردة عنهم، وقد أدرك هذا الذي نذهب إليه الدارسين.
    يقول أحدهم: وربما دلت كثرة الجموع في العربية على اختلاف اللهجات ولا سيما جمع التكسير، ويعني هذا أننا نجمع واحدة على عدة صيغ من صيغ الجمع... فالشيخ يجمع على "شيَخَة" ويجمع على "شيوخ" بضم الشين، وعلى ومثل هذا كلمة الحِب بكسر الحاء، فتجمع على أحباب وحبان بكسر الحاء وتشديد الباء، وحبوب وحببة بكسر الحاء وحب بضم الحاء، ومثل هذا كثير في اللغات العربية، وهو دليل على أن الجمع لم يستقر على حال، وأنه يشير إلى المرحلة التي كانت فيها اللغة غير مستقرة على صيغ ثابتة.
    من أجل هذا حدثت هذه الكثرة في الصيغ.
    وسبب هذه الكثرة راجع إلى اختلاف الأقوام واختلاف الجهات.
    على أن جمع التكسير بوصفه جمعًا -وبقطع النظر عن صيغة المختلفة- جدير أن يعالج في علم الصرف، ولكن من جهتين أخريين:
    1- لهذا الجمع مكان مناسب في الصرف فيما لو نظرنا إليه على أنه قسم من فصيلة صرفية كبرى لها قيم معينة في الاستعمال، تلك هي فصيلة الجمع بعمومه، أي الجمع في مقابل المفرد والمثنى. ويشمل حينئذ ثلاثة أنواع رئيسية: جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم وجمع التكسير، وجمع التكسير بهذا الوصف -أي كونه جمعًا- تختلف أحكامه النحوية عن المفرد والمثنى كليهما.
    ففي هذه الحالة سوف نلاحظ خلافًا نحويًّا في التراكيب تتمثل في أحكام المطابقة، تقول:
    رجل محترم - رجلان محترمان ولكن رجال محترمون
    باستعمال صفة مع جمع التكسير تختلف صرفيًّا عن الصيغتين الأخريين في المثالين الأولين.
    2- قواعد المطابقة مع جمع التكسير في العربية تكون نقطة جديرة. ذلك أن بعض صيغ هذا الجمع تجوز معاملتها بصورتين مختلفتين من حيث أحكام المطابقة في العدد والنوع، تقول:
    الرجال جاءوا والرجال جاءت
    حيث عاملت الجمع في المثال الأول معاملة جمع المذكر، ولكنك عاملته في المثال الثاني معاملة المفردة المؤنثة، وهذا سلوك نحوي جائز لا شذوذ فيه ولا اعتراض عليه.
    هاتان الجهتان السابقتان يسوغان معالجة جمع التكسير في الصرف، ومن العجب أن الصرفيين أهملوا الجهة الأولى، فلم نألف في كتبهم ذكر جمع التكسير مع بقية الجموع، وإنما خصصوا له بابًا مستقلًا وقصروا الدرس فيه على الصيغ، أما الجهة الثانية -جهة تنوع المطابقة- فقد أشار إليها بعض النحويين عرضًا في بعض آثراهم. على أن هذه الإشارات الخفيفة تحتاج -في نظرنا- إلى معاودة العلاج والنظر. فأغلب الظن أن الموضوع يحتاج إلى استقراء أوفى مما فعلوا؛ حتى تتبين حقيقة أحكام المطابقة مع جمع التكسير بصورة علمية جادة.




    في علم اللغة العام، لأبي السعود الفخراني.



    الدرس الرابع عشر

    موضوعات "المورفولوجيا" التصريفية
    الفصل الثاني: مستوى التحليل الصرفي:
    تحدثنا في الفصل الأول عن مستوى التحليل الصوتي، وعرفنا أنه يقف عند مستوى الأصوات أو الفونيمات، أو أصغر وحدات مؤثرة في الدلالات.
    ونتحدث هنا عن مستوى آخر من التحليل يتطلع إلى دراسة وحدات أخرى كلامية أعلى من الوحدات السالفة الذكر، ترتبط بالنظام أو المستوى الصوتي كما ترتبط بالنظام النحوي أو التركيبي، فسلسلة الكلام تتكون غالبًا من وحدات كلامية أكبر من الأصوات، تلتقي في كل وحدة منها مجموعة صوتية مرتبطة بمعنى معين.
    وقد تمت دراسة هذا المستوى في لغتنا العربية تحت ما يعرف بعلم الصرف، وكانت الكلمة هي الموضوع الأساسي في هذا الدرس، فدار البحث حول أصلها وصيغتها ووزنها ومعرفة الزائد والأصلي من أصواتها وطرق اشتقاقها وتصريفها عند إسنادها إلى غيرها... إلخ.
    وقد سلك علم اللغة الحديث مسلكًا آخر يحاول الوصول فيه إلى نظام يمكن تطبيقه على أكبر عدد من اللغات إن لم يمكن تطبيقه على اللغات كلها، وكان أهم ملامح هذا النظام تقسيم البناء الكلامي إلى وحدات بنائية ذات معنى تمثل كل وحدة منها أصغر ما يمكن الوصول إليه في هذا التقسيم، ومن ثم برز مصطلح جديد هو مصطلح "المورفيم" ليحل غالبًا محل مصطلح الكلمة في الدراسات اللغوية العامة، حيث لم تحظ التعريفات التي وضعت لها بالقبول، ووصل الأمر ببعض اللغويين إلى القول بصعوبة وضع حد عام للكلمة يمكن تطبيقه على كل اللغات؛ نظرًا لتنوع الإجراءات الصرفية في كل لغة.
    وأسوق لك فيما يلي بعض التعريفات التي وضعت للكلمة قديمًا وحديثًا:
    فمن التعريفات العربية للكلمة المعتمدة على طبيعة اللغة العربية: قول الأشموني: هي اللفظ المفرد، وقول صاحب "الشذور": هي قول مفرد، وقول ابن عقيل: هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد، وقول السيوطي: "قول مفرد مستقل أو منتوي معه"، كأنت في "قم".
    وقد أخذ على تعريف كل من الأشموني وصاحب الشذور أنه يخلط بين الكلمة واللفظ والقول، كما أخذ على تعريف ابن عقيل علاوة على هذا الخلط خلط آخر وهو أنه مبني على العلاقة بين الكلمة ومعناها، كما أخذ على تعريف السيوطي أنه لا يفرق بين وجود الكلمة وعدمها، وهذا يؤدي إلى الخلط في التفكير.
    ومن التعريفات الغربية للكلمة قول العالم الأمريكي بلومفيلد: إنها أصغر صيغة حرة، "وقول العالم الأمريكي سابير": إنها نسق من الأصوات وصورة خارجية لفكرة"، وقول مييه: "إنها ربط معنى ما بمجموعة ما من الأصوات صالحة لاستعمال جراماطيقي ما".
    ولم تسلم هذه التعريفات كسابقتها من المآخذ، فقد رمى تعريف بلومفيلد بالغموض، وتعريف سابير بما رميت به التعريفات العربية، ولم يتوصل الناقد إلى تعريف عام للكلمة في اللغات، وإنما قنع بتعريف للكلمة في العربية يتصل بوظيفة الكلمة أكثر مما يتصل بتقسيمها كما يقول، فالكلمة العربية عنده هي "صيغة ذات وظيفة لغوية معينة في تركيب الجملة، تقوم بدور وحدة من وحدات المعجم، وتصلح لأن تفرد أو تحذف أو تحش أو يغير موضعها، أو يستبدل بها غيرها في السياق، وترجع في مادتها غالبا إلى أصول ثلاثة، وقد تلحق بها زوائد".
    ومع هذا فلم تستبعد الكلمة من الدراسة الصرفية الحديثة استبعادًا تامًّا، إنما قد تستخدم في هذا المستوى مع تخصيصها بما يميزها عن مستويات وميادين أخرى، فيقال: "الكلمة المورفولوجية" لتتميز عن الكلمة الإملائية أو المعجمية أو الدلالية.
    وأترك العالم الإنجليزي لوريتود يفرق بين هذه الأنواع من الكلمات المعتمدة على طبيعة اللغة الإنجليزية:
    1- الكلمة من الناحية المورفولوجية صيغة مفردة، وينظر إليها على أنها صيغة وليست معنى، فـ "الكرة على سبيل المثال كلمة مورفولوجية، حتى لو كان من الممكن أن تشير إلى شيء ممتلئ، وإلى رقصة.
    2- الكلمة من الناحية الإملائية هي التي يكون على جانبيها مسافة، ولا يطبق هذا التعريف إلا على الوسيلة المكتوبة.
    3- الكلمة من الناحية المعجمية تتضمن صيغًا متنوعة ترتبط على نحو وثيق بالمعنى، ومن ثم فإن "كرسيًّا" و"كراسي" كلمتان مورفولوجيتان، لكنهما كلمة واحدة معجمية، وبالمثل "أخذ" و"يأخذ" و"مأخوذ" و"خذ" أربع كلمات مورفولوجية لكنها كلمة واحدة معجمية.
    4- الكلمة من الناحية الدلالية تتضمن التمييز بين الألفاظ التي يمكن أن تتطابق مورفولوجيًّا، لكنها تختلف في المعنى، فكلمة "كرة" كلمة واحدة من الناحية المورفولوجية، لكنها كلمتان من الناحية الدلالية؛ لأن لها معنيين متميزين، وهكذا كل كلمات الظاهرة الخاصة بالاشتراك اللفظي الشائعة في اللغة الإنجليزية.
    ومما لاشك فيه أن طبيعة اللغة الإنجليزية التي اعتمد عليها الباحث الإنجليزي تختلف عن طبيعة لغتنا العربية، فنظام الكلمات في المعجم الإنجليزي تختلف عن نظامها في المعجم العربي، ونظام الإملاء في الإنجليزية التي اعتمد عليها الباحث الإنجليزي تختلف عن طبيعة لغتنا العربية، فنظام الكلمات في المعجم الإنجليزي تختلف عن نظامها في المعجم العربي، ونظام الإملاء في الإنجليزية يختلف عنه أيضًا في العربية، والكلمة المنتمية إلى باب المشترك اللفظ والتي عدها المؤلف الإنجليزي كلمتين في الإنجليزية وفق تعددها المعنوي ينظر إلى أمثالها في العربية على أنها كلمة واحدة مهما تعددت معانيها.
    وما أحب أن أسجله هنا هو أن الكلمة الإملائية أو المكتوبة في العربية تتسع في أحايين كثيرة لتشمل الأقسام الثلاثة للكلمة النحوية أو اثنين منها والتي حددها النحويون بالاسم والفعل والحرف؛ إذ يمكنك أن تتلفظ بجملة وتكتبها على هيئة كلمة إملائية واحدة وفق نظام الكتابة العربية.
    اقرأ مثلًا قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ}.
    ألا نلاحظ أن كلًّا من قوله تعالى: (خلقناكم) و(صورناكم) أربع كلمات نحوية على النحو الآتي:
    الفعل (خلق، صور) + الفاعل (نا) ضمير المتكلمين + المفعول به (كاف الخطاب) + (الميم) علامة الجمع.
    وأن كلا من قوله: (ولقد) و(فسجدوا) ثلاث كلمات نحوية.
    وأن كلا منقوله (قلنا) و(اسجدوا) و(للملائكة) و(لآدم) كلمتان نحويتان، وهكذا.
    كما يمكن أن نضيف إلى أنواع الكلمة نوعًا آخر، هو ما يمكن تسميته بالكلمة العروضية التي تخضع للتفاعيل العشرة الضابطة لموسيقى الشعر في العربية، والتي يتألف منها تفاعيل البحور وفق نظام كل بحر منها، هذه التفاعيل هي:
    فعولن، مفاعيلن، مفاعلتن، فاعلن، فاعلاتن، متفاعلن، مستفعلن، مفعولات، فاع لاتن، مستفع لن، توضيحًا لهذا أقول: إذا أردنا تقطيع قول امرئ القيس:
    بسقط اللوى بين الدخول فحومل قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
    نصوره هكذا:
    قفانب/كِمِنْذكرى/حبيبن/ومنزلي * بسقطلْ/لِوى بيندْ/دَخول/فحوملي
    فعولن/ مفاعيلن /فعولن/مفاعلن * فعولن/مفاعيلن/ فعول/ مفاعلن
    وهو من البحر الطويل، وهكذا:
    لنعود إلى الكلمة المورفولوجية، أو المورفيم؛ لنؤكد أنه "أصغر وحدة لغوية ذات معنى"، وقد درسه المحدثون تحت ما سموه بعلم "المورفولوجيا"، أو علم الصيغة أو البنية.
    والمعاني التي يعبر عنها المورفيم هي معانٍ وظيفية تحدد نوع الكلمة من حيث الاسمية والفعلية، أو نوعها من حيث التذكير والتأنيث، أو عددها من حيث الإفراد والتثنية والجمع، وغير ذلك من المعاني والوظائف التي تؤديها الإضافات أو الإلصاقات المحدودة للصيغ الصرفية، والمتمثلة في السوابق واللواحق والأحشاء (أو الدواخل).
    ويتضح تعريف المورفيم إذا تأملت مثلًا البناء "يحترمونهم" فيمكنك أن تحلله إلى الوحدات التالية:
    1- الياء (السابقة): تعبر عن مورفيم المضارعة الذي يعبر عن باب المضارع.
    2- الجذر الثلاثي (ح ر م): يعبر عن المعنى الأصلي.
    3- التاء (الحشو): تعبر عن مورفيم الافتعال الذي يعبر عن باب الافتعال.
    4- الواو (اللاحقة): تعبر عن مورفيم الفاعلية الذي يعبر عن باب الفاعل.
    5- النون (اللاحقة): تعبر عن مورفيم الرفع الذي يعبر عن رفع المضارع.
    6- الضمير الغائب المتصل (اللاحقة): يعبر عن مورفيم المفعولية الذي عن باب المفعول.
    وإذا تأملت البناء (استخرج) فإنه يمكنك تحليله إلى عدة وحدات أيضًا، هي:
    1- است (السابقة): وهي تدل أو تعبر عن مورفيم الطلب.
    2- الجذر الثلاثي (خ ر ج): وهي تدل على المعنى الأصلي.
    3- الصيغة كلها: وهي تدل على الزمن الماضي.
    ومن الواضح أن أي وحدة من تلك الوحدات (في المثالين الأول والثاني) لا يمكن تقسيمها إلى وحدات متشابهة ذات معنى، ومن ثمَّ فإن كل واحدة منها تعد مورفيمًا في كل من البناءين.
    وفي علم الصرف مورفيمات أسماء خاصة كالتالي:
    الطلب: وتعبر عنه (استفعل).
    الصيرورة: وتعبر عنه (انفعل).
    المطاوعة: وتعبر عنه (أفعل).
    التعدي واللزوم: وتعبر عنه (فعل).
    الافتعال: وتعبر عنه (افتعل).
    التكسير: وتعبر عنه صيغ التكسير.
    التصغير: وتعبر عنه صيغ التصغير (فعيل، وفعيعل، وفعيعيل).
    الوقف: وتعبر عنه عدم الحركة.
    ولا تقف المورفيمات عند الصيغ الصرفية، وإنما تتخطاها إلى حركات الإعراب والإلحاقات وغيرها.
    وقد وقف الباحثون على صور للمورفيمات في اللغات المختلفة، وأهمها ما يلي:
    1- تنقسم المورفيمات إلى نوعين أساسين:
    أ- المورفيم الحر:
    وهو الذي يمكن أن يأتي مستقلًّا مثل (ض ر ب) في ضربت وغير ذلك مما يسمى بالأصل أو الجذر.
    ب- المورفيم المقيد (أو المتصل):
    وهو الذي لا يأتي مستقلا بنفسه، وإنما يستعمل دائمًا مع غيره، مثل (التاء) في البناء السابق، وغير ذلك مما يسمى بالسوابق أو (الصدور)، واللواحق أو (الأعجاز) والدواخل أو (الأحشاء).
    وأشهر السوابق أو الصدور في العربية حروف المضارعة، وهمزة التعدية والألف والسين والتاء في الاستفعال، والتاء المفتوحة في تفعل وتفاعل، والتاء والميم في تمفعل كتمنطق، وغير ذلك من كل ما جاء في أول الكلمة وتصدرها ليؤدي معنى صرفيًّا معينًا.
    وأشهر اللواحق أو الأعجاز في العربية الضمائر المتصلة، ونون الوقاية، وحركات الإعراب وحروفه، وعلامات التأنيث، وغير ذلك من كل ما ألحق بآخر الكلمة وأدى معنى وظيفيًّا: نحويًّا أو صرفيًّا.
    وأشهر الدواخل أو الأحشاء في العربية تاء الافتعال، والتضعيف في مضعف العين من الثلاثي، والفاء المكررة من نحو هدهد، وغير ذلك من كل حشو جاء في وسط الكلمة؛ ليؤدي معنى صرفيًّا معينًا فيها.
    وشرط الحشو أن يكون بين حرفين أصليين.
    وتشمل جموع التكسير كثيرًا من الصدر والأحشاء والأعجاز، كما تحتوي على كثير من التغيرات الداخلية.
    ويقسم بعض الباحثين هذا المورفيم المتصل إلى نوعين:
    أ- تصريفية: ومن أمثلتها اللواحق المتضمنة علامات التثنية والجمع والتأنيث.
    ب- اشتقاقية: ومن أمثلتها الأفعال المزيدة، والأسماء المشتقة.
    وقد فرق باحثون آخرون بين هذين النوعين بإطلاق مصطلح "مورفيم" على النوع المقيد أو المتصل، أما النوع الآخر وهو الحر فإنهم يطلقون عليه مصطلح (فورمانت) أي المكون.
    2- كما تنقسم المورفيمات إلى نوعين آخرين:
    أ- مورفيم صوتي،حيث يتحقق وجوده صوتيًّا:
    وهذا المورفيم الصوتي يأخذ عدة أشكال، أهمها ما يلي:
    أ- الشكل الأول من هذا المورفيم؛ يظهر في إضافة عنصر صوتي يتكون من صوت واحد، أو مقطع، أو عدة مقاطع. وتتمثل في السوابق واللواحق والأحشاء التي تحدثنا عنها.
    ب- الشكل الثاني منه يظهر في صورة "تبادل الأصوات الصائتة" أو تغير الحركات دون إضافة عنصر صوتي جديد:
    ومن ذلك المقابلة بين المفرد وجمع التكسير في حالات معينة، ففي جمع كلمة "رجل" نقول: "رجال"، والقيمة المورفولوجية لهذا الجمع يدل عليها بطبيعة أصواتها الصائتة وترتيبها مقابل طبيعة الأصوات الصائتة وترتيبها في مفردها (رجل). فالعناصر وترتيبها هي المورفيمات في هذا المثال وغيره نحو جمل وجمال، وطرز وطرز، وخروف وخراف، وكبير وكبار، وعظيم وعظام، وطويل وطوال، وكريم وكرام، وشمس وشموس وبيت وبيوت، وقبر وقبور، وصنم وأصنام، ومسجد ومساجد... إلخ.
    ومن أمثلته في الإنجليزية (Man) أي رجل وهو مفرد، في مقابل (Men) أي رجال وهو جمع، وكذا feet, foot أي قدم وأقدام.
    ومن ذلك أيضًا: المقابلة بين الفعل والاسم، نحو كَتَب وكاتب وكتاب... إلخ.
    ومن ذلك أيضا: المقابلة بين اسمي الفاعل والمفعول، نحو: طالب ومطلوب، ومُنزِل ومُنزَل، ومعطي ومعطى، ومذيع ومذاع، ومستخرج ومستخرج... إلخ.
    ومن ذلك أيضا: المقابلة بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول؛ نحو ضَرب وضُرب، وحسب وحُسب، وفتح وفُتح وشد وشُد، ووعَد ووُعد، وقال وقَيل، وباع وبيع، ودعا ودُعي، ورمى ورُمي، وأكرَم وأُكرِم، وانفصَل وانفصُل واستخرج واستخرج... إلخ.
    جـ- الشكل الثالث من هذا المورفيم الصوتي يظهر في عنصر من عناصر الأداء كالتنغيم والنبر والوقف.
    فالتنغيم مورفيم أو وحدة صرفية حين يقوم بدور التمييز الدلالي بين صيغتين متشابهتين من الناحية الصوتية، ويظهر هذا في بعض اللغات الآسيوية الصينية واليابانية.
    فكلمة TANG في الصينية لها أكثر من معنى، فهي تعني القلم والسكر و الحساء، كما أنها تكون فعلا بمعنى يستلقى، والذي يفرق بين هذه المعاني كلها التنغيم، كما نجد الشيء نفسه في اللغة اليابانية، فكلمة HASHI تعني عصا الأكل المعروفة لديهم، كما تعني حافة الشيء، كما تعنى كوبري، والتفرقة بين هذه المعاني الثلاثة يعتمد على التنغيم.
    والنبر مورفيم أيضًا أو وحدة صرفية حين يقوم بدور التمييز الدلالي بين صيغتين متشابهتين من الناحية الصوتية، لاحظ -مثلا- نطق (أسدْ) (أسدّ) في هذه العبارة:
    بل دخل المعركة بقلب أسدْ وبفكر أسدّ.
    ألا ترى أن النبر يقع على المقطع الأخير في كل الكلمتين إلا أن القالب النبري العام يختلف في كل منهما عن الآخر؛ فالنبر شديد القطع في الكلمة الثانية؛ حيث فاجأت الدال الفتحة وهي في أوج قوتها فأخذت جزءًا من زمنها، ونالت قسطًا من النبر، ظهر في زيادة الشدة في صوت الدال الطويل، كما أن المقطع "أ" a فيها كان أطول زمنًا وأشد نطقًا منه في الكلمة الأخرى، ومعنى هذا أنه قد بقي فرق أيضًا في القالب النبري بين كل من الصيغتين على الرغم من اتحاد موضع النبر فيهما، وأن النبر يمكن أن ينفرد هنا أيضًا بالدلالة على هذا الفرق في الصيغ، ويشبه هذين المثالين ما ذكرناه في المستوى الصوتي من نحو أرَقْ وأرقّ، وأملْ وأملّ... إلخ.
    ومن الممكن أن نجد في العربية أمثلة أخرى متشابهة صوتيًّا ومختلفة معنى ونوعًا؛ نحو "على" حرف الجر، وعلا "الفعل"؛ فقد لوحظ أن المقطع الثاني في حرف الجر يكاد يكون أبرز من الأول عند بعض الناطقين، على حين أن المسألة بالعكس بالنسبة للفعل عند الناطقين أنفسهم، ويشبه هذا أيضًا "صفا" الفعل، و"صفا" مقصور "صفاء"، ويمكنك أن تقيس على هذين أمثلة أخرى نحو:
    بلى (حرف)، و(بلا) مقصور (بلاء).
    سما (فعل) و(سما) مقصور (سماء).
    عدا (حرف) و(عدا) الماضي من العدو.
    رشا (فعل) و(رشا) الاسم.
    راقب نطقك لهذه الأمثلة وغيرها، وراقب نطق غيرك لعلك تظفر بما يؤيد فكرتنا، وهي أن النبر مورفيم صرفي حين يفرق بين أنواع الكلمات ودلالاتها.
    وأما الوقف فيكون مورفيمًا أو وحدة صرفية كالتنغيم والنبر، ويمكن أن يشير المثال الآتي إلى هذا العنصر.
    قارن بين قولك: مات سعيد، وأخوه في سفر.
    وقولك: مات سعيد وأخوه في سفر.
    ألا تلاحظ أن دلالة الواو تختلف في المثالين بسبب الوقف بعد سعيد في المثال الأول ووصله في المثال الآخر؟
    ألا يمكن أن تدل الواو على الحال في المثال الأول، ويكون قولك: "أخوه في سفر" جملة في موقع الحال؟ وأن تدل الواو على العطف في المثال في الآخر، ويكون ما بعدها معطوفًا على الفاعل "سعيد"؟ فالواو لم تخرج عن الحرفية في الحالين، وإنما تحولت من الدلالة على الحال إلى الدلالة على العطف بسبب الوقف.
    د- الشكل الرابع منه يتأثر ببعض الظروف السياقية فيأخذ صورة صوتية غير التي كان عليها، ويطلق عليه بعض الباحثين في هذه الحالة مصطلحًا صرفيًّا صوتيًّا هو مورفوفونيم أو الوحدة الصرفية الصوتية، ويمكن أن نمثل لذلك بمورفيم تاء الافتعال في الأمثلة الآتية:
    زاد ـــــــــ افتعل ازتاد ـــــــــ ازداد
    صدم ـــــــــ افتعل اصتدم ـــــــــ اصطدم
    ظلم ـــــــــ افتعل اظتلم ـــــــــ اظلم
    صبر ـــــــــ افتعل اصتبر ـــــــــ اصطبر
    فنلاحظ في هذه الأمثلة وغيرها أن تاء الافتعال وهي مورفيم صرفي اتخذت بسبب السياق الصوتي أكثر من صورة، فبدت دالًا في المثال الأول، وطاء في المثالين الثاني والأخير، وظاء في المثال الثالث.
    ب- أما النوع الآخر فهو مورفيم لا تظهر له علامة صوتية دائمًا:
    وإنما يستدل على وجوده من المعنى الوظيفي أو الاستتار أو الحذف، ويطلق عليه بعضهم المورفيم الصفر مثل sheep للمفرد، وكذا للجمع بمعنى خروف أو نعجة؛ دون إضافة أو تغيير، وكذا put للمضارع والماضي مع ضمير المتكلم، ويمكن أن نمثل لهذا المورفيم المسمى بالصفر في العربية بالمورفيمات المحذوفة أو المستترة أو المقدرة، مثل الضمائر المستترة، والصيغ في المشتقات والإسناد في الجملة، كما يمكن أن نمثل له أيضًا بالصيغة الفعلية أو الاسمية كلها حين تدل على المعنى كصيغة (فعل) التي تدل على المعنى والفعلية نحو: ضرب، وصيغة (فعال) التي تدل على الاسمية نحو: كتاب، وحرف الجر (في) الذي يدل على الظرفية أو البناء.
    3- قد تتعدد أشكال المورفيم الواحد، ويؤدي كل شكل وظيفة في سياق معين، ومثال هذا مورفيم النفي حين يأخذ الصور الآتية: لن، لا، لم، ما... إلخ.
    ألا ترى أن "لن" تؤدي وظيفة المورفيم وهو النفي في زمن الاستقبال، وكذا لا، و"لم" تؤدي وظيفة النفي في زمن المضي، و"لا" تؤدي وظيفة النفي في الحال وهكذا.
    وقد أطلق الباحثون على هذه الصور مصطلح "ألومورفات" وهذا يذكرنا بما قلناه في المستوى الصوتي من الفونيم وصوره المسماة بالفونات.
    كما يذكرنا بما قلناه آنفا وهو أن المورفيم قد تعدد صوره صوتيًّا بفعل السياق، أنه يطلق عليه في هذه الحالة المورفيم؛ أي الوحدة الصوتية الصرفية، وبعض الباحثين جعل هذا المورفيم الصرفي الصوتي نوعًا من أنواع المورفيم الصرفي الوظيفي المسمى بالألومورف.
    4- وأخيرًا يطلق على اللغة على نوع من المورفيمات غير المستخدمة مصطلح "مورفات"؛ واحدها (مورف)، وهي عبارة عن تتابعات صوتية ملائمة للنظام الفونيمي في لغة ما، تصلح أن تستخدم عند الحاجة إلى النمو اللغوي، ويمكن أن نمثل لهذا بالتقليب (ل س م) وهو تقليب مهمل من التقليبات الستة التي ذكرها ابن جني، للتقليب (س ل م).
    ويمكن أن نجمل أنواع المورفيم على النحو التالي:

    هذا، ولا يوجد نظام موحد للوحدات الصرفية أو لصيغ المورفيمات في كل اللغات، وإنما تختلف من لغة إلى أخرى:
    فالعربية والسنسكريتية وبعض اللغات السلافية تعرف وحدات للتثنية، بينما لا تعرف مثل هذه الوحدات للتثنية، بينما لا تعرف مثل هذه الوحدات لغات أخرى كالفارسية والألمانية والفرنسية والإنجليزية وغيرهما من فصيلة اللغات الهندية الأوربية.
    والعربية تعرف وحدة صرفية لجمع الإناث (ألف وتاء) ووحدة أخرى لجمع المذكر (واو ونون، أو ياء نون) بينما تعرف الإنجليزية وحدة واحدة للجمع (s) وقد تأخذ صورًا صوتية حسب السياق (مورفوفونيمات) s, z, iz كما تعرف الفرنسية وحدتي هما x, s وتعرف الألمانية أربعًا en, er, e وهي s.
    والعربية تعرف وحدة صرفية للتعريف وهي (أل) وأخرى للتنكير وهي التنوين؛ أما الإنجليزية فتعرف وحدة للتعريف وهي (the) وثلاث وحدات للتنكير وهي:
    (an, a some) والأخيرة للتنكير في المفرد والجمع، وأما الفرنسية فتعرف ثلاث وحدات للتعريف وهي: le للمذكر، la للمؤنث les للجمع بنوعيه، كما تعرف ثلاثًا أخرى للتنكير وهي un للمذكر une للمؤنث das للجمع بنوعيه، وأما الألمانية فتعرف ست عشرة وحدة للتعريف، ومثلها للتنكير، ويتضح هذا إذا علمنا أن لتعريف المفرد المذكر أربع وحدات في أحواله الإعرابية الأربع: الرفع والنصب والجر والإضافة، وكذا الحال للمفرد المؤنث والمحايد والجمع، والأمر مثله بالنسبة إلى التنكير.
    والعربية تعرف أكثر من وحدة صرفية للتأنيث؛ كالتاء والألف المقصورة والألف الممدودة، بينما لا تعرف الفرنسية وحدات إلا الوحدة e اللاحقة آخر الكلمة، وعلى نحو بسيط، أما الفارسية فلا تعرف وحدات للتأنيث ألبتة.
    وأما الأمر الصرفي الآخر الذي عالجه اللغويون المحدثون بطريقة تختلف عن الطريقة التقليدية فهو ما يتعلق بأقسام الكلم:
    فالنحويون العرب قسموا الكلم إلى ثلاثة أقسام، يقول ابن مالك:
    واسم وفعل ثم حرف الكلم .....................
    وحاولوا تصنيف جميع مفردات اللغة العربية وفق هذا التقسيم، وقد كان هذا التقسيم الثلاثي موجودًا عند قدماء اليونان، ولكن الرومان فيما بعد ثم لغوي أوروبا توسعوا في هذا التقسيم إلى أن وصل إلى ثمانية أقسام حتى الوقت الحاضر، وهي:
    الاسم والفعل والضمير والصفة والظرف وحرف الجر وحروف العطف، بالإضافة إلى مجموعة محدودة العدد من الكلمات التي تعبر عن العواطف المختلفة، وهذا التقسيم معتمد على المعنى والمبنى والعلاقة بين أجزاء الجملة.
    وقد ثار أنصار المدرسة المسماة بالوصفية التشكيلية على هذا التقسيم لأنهم يبعدون المعنى من أي تحليل لغوي كما سنعرف في المستوى الدلالي، وكانت نتيجة دراستهم لأقسام الكلم وفق المبنى أو الشكل والعلاقة بين أجزاء الجمل أن احتفظوا بأجزاء الكلام الرئيسية وهي الاسم والفعل والصفة والظرف، ثم قسموا الأجزاء الأربعة الأخرى إلى خمس عشرة مجموعة.
    وقد كان لهذا التقسيم صداه عند بعض الباحثين العرب، فقد قام أحدهم بتقسيم الكلم العربي إلى سبعة أقسام وهي:
    1- الاسم: ويشمل خمسة أشياء: الاسم المعين، واسم الحدث (المعنى) الذي يضم المصدر واسم المصدر واسم المرة واسم الهيئة واسم الجنس واسم الجمع، والميمات التي تضم أسماء الزمان والمكان والآلة، والاسم المبهم الذي يضم بعض الأسماء التي لا تدل على معين كأسماء الجهات والأوقات والموازين والمكاييل والمقاييس والأعداد ونحوها.
    2- الصفة وتشمل خمس صفات: صفة الفاعل، وصفة المفعول، والصفة المشبهة، وصفة التفضيل، وصيغة المبالغة.
    3- الفعل.
    4- الضمير، وينقسم إلى ضمير حضور، وضمير غيبة.
    أ- أما ضمير الحضور فيشمل ما دل على متكلم (أنا - تُ - ي / نحن - نا - نـا)، وعلى خطاب (أنت - ت - ك / أنت - ت - ك / أنتما -تما - كما/ أنتم - تم - كم / أنتن - تن - كن) وعلى إشارة (هذا- ذلك / هذي - هذه - تلك / هذان - ذانك / هتان - تانك / هؤلاء - أولئك / هنا - هناك / ها هناك - هنالك).
    ب- أما ضمير الغيبة فيشمل ضمير شخص وضمير موصول:
    أما الشخص فيشمل: هو - هُـ /هي - ها / هما - ا - هما / هم - وا - هم / هُنّ / ن - هنَّ).
    وأما الموصوف فيشمل: (الذي - من - ما - أي / التي - من - ما - أي / اللذان - من - ما - أي / اللتان - من - ما - أي / الذين - من - ما - أي / الأولى - من - ما - أي /اللائي - من - ما - أي).
    5- الخوالف، وهي كلمات تستعمل في أساليب إفصاحية، أي في الأساليب التي تستعمل للكشف عن موقع انفعالي ما والإفصاح عنه، وهذه الكلمات أربعة أنواع:
    أ- خالفة الإخالة (اسم الفعل).
    ب- خالفة الصوت (اسم الصوت).
    ج- خالفة التعجب (صيغتا التعجب القياسيتان).
    د- خالفة المدح أو الذم (فعلا المدح والذم).
    6-الظروف، وتشمل ظروف الزمان (إذ، إذا، إذًا، لما، أيان، متى) وظروف المكان (أين، أنى، حيث).
    7- الأداة: هي تؤدي معنى التعليق بين أجزاء الجملة، وتنقسم إلى قسمين:
    أ- أصلية: وهي الحروف ذات المعاني كحروف الجر والنسخ والعطف... إلخ.
    ب- محولة، وقد تكون هذه:
    - ظرفية لتعليق جمل الاستفهام والشرط.
    - أو اسمية مثل كم وكيف في الاستفهام والتكثير والشرط.
    - أو فعلية مثل كان وأخواتها، وكاد وأخواتها.
    - أو ضميرية كنقل مَن وما وأي إلى معاني الشرط الاستفهام والمصدرية الظرفية والتعجب... إلخ.
    وعلى الرغم من هذه المحاولات الغربية والعربية للخروج على التقسيم المألوف للكلم في اللغات- فإن الاتجاه الحديث متفق على عدم تقسيم كلام لغة معينة إلى أجزاء بناءً على تقسيم لغة أخرى، فلكل لغة خصائصها وسماتها، فكلمتا (قبل وبعد) تعدان في العربية ظروفًا، بينما مثيلاتها تعد في الإنجليزية حروف جر، إذ ليس من الضروري أن تتشابه أجزاء الكلام في لغة ما مع لغة أخرى. وربما كانت الظاهرة الوحيدة الموجودة في جميع لغات العالم هي المقابلة بين الاسمية والفعلية، أي إن هذا التقسيم بين الكلمات الدالة على الاسمية وتلك الدالة على الفعلية يمكن ملاحظتها في جميع لغات الأرض.
    وهنالك أمر أحب أن أختم به الحديث عن هذا المستوى الصرفي، هو أن عددًا كبيرًا من اللغويين المحدثين يتناول الصرف والنحو تحت قسم واحد ويطلق على النحو في هذه الحالة كلمة grammar على أن تشمل الصرف (المورفولوجيا morphology) والنظم syntax، وهذا الأمر يتوافق مع دراسة العلماء العرب للعربية على هذين المستويين في القرون الأولى؛ حيث لم يفصلوا بين النحو والصرف فصلًا قاطعًا، بل مزجوا بينهما قبل أن تتشعب العلوم ويستقل كل واحد عن الآخر.




    دراسات في علم اللغة، لكمال محمد بشر.



    الدرس الرابع عشر

    الدرس الصرفي الصوتي
    ثالثًا:
    شمل الصرف التقليدي فيما شمل أنماطًا من الصيغ هي في واقع الأمر أقرب إلى ميدان الأصوات منها إلى الصرف.
    من ذلك مثلًا صيغة افتعل وفروعها إذا كانت فاؤها أحد حروف الإطباق (الصادلي والضاد والطاء والظاء) أو كانت هذه الفاء دالًا وذالًا وزايًا.
    قالوا: في الحالة الأولى تقلب تاء الافتعال طاء، وفي الثانية تقلب هذه التاء دالًا. فنقول: اصطبر، اضطجع، اطعن واظطلم، والأصل: اصتبر، اضتجع اطتعن واظتلم، كما تقول: ادان، وادكر وازدد والأصل ادتان، اذتكر وازتد.
    فالصرفيون هنا يقدرون أصلًا افتراضيًّا لهذه الكلمات؛ لأن القياس الأصلي هو افتعل وعلى وفاقه جاء نحو ابتكر واشتجر، ولكنهم وجدوا أن الأمثلة المذكورة بنوعيها لا تتمشى مع هذا الوزن؛ فكان لا بد من تفسير. وكان هذا التفسير الذي رأوه: فقالوا قلبت التاء طاء في المجموعة الأولى ودالًا في المجموعة الثانية.
    وهذا يتمشى مع منهجهم ومنطقهم معالجة قضايا الصرف، ذلك المنهج الذي يتسم بسمتين واضحتين:
    أولاهما: إيمانهم بفكرة الأصل، بمعنى أن هناك أصلًا ثابتًا ترجع إليه كل الصيغ المتشابهة بطريق مباشر إن أمكن، وإلا فبطريق غير مباشر مبني على الافتراض والتأويل.
    ثانيتهم: محاولة حشدهم الأمثلة المتفقة في شيء والمختلفة في شيء آخر تحت نظام واحد، أو إخضاعهم لها لميزان واحد، فابتكر واصطبر عندهم كلاهما على وزن افتعل، وكلاهما يرجع إلى أصل ثلاثي هو الباء والكاف والراء في الأول، والصاد والباء والراء في الثاني.
    وعندنا أن هذه الأمثلة يجب أن تعامل معاملة مغايرة لما درج عليه الصرفيون التقليديون؛ تلك المعاملة هي أن ننظر إليها بحالتها الراهنة فنصف ما بها من ظواهر دون إخضاع لها لوزن افتعل وفروعه فنخرجها من هذا الباب متبعين في ذلك مبدأ "تعدد الأنظم" في البحث اللغوي: polysystemic principle ومخالفين حينئذ منهجهم الذي يقوم على أساس "توحد الأنظمة" monosystemic principle وهو مبدأ لعب دورًا خطيرًا في الدرس اللغوي عند العرب، وكثيرًا ما جرهم إلى التأويل والتخريج والافتراض؛ لأنهم مضطرون -باتباعه- إلى جمع الأشتات من الأمثلة تحت قاعدة عامة واحدة، ولو لم تنطبق عليها كل الانطباق، كما في حالتنا هذه.
    أما التفسير العلمي لهذه الأمثلة ونحوها: إذا كان لنا أن نأخذ بمبدأ الرصف ومبدأ تعدد الأنظمة- فلا يتم إلا على أسس صوتية اقتضتها خواص الصيغ المذكورة، فنقول:
    السياقات الصوتية التالية مستحيلة في العربية:
    صوت مطبق + ت، والمستعمل هو: صوت مطبق + ط.
    د، ذ (أو) ز - ت، المستعمل هو: د، ذ (أو) ز - د.
    وبهذا لم نجاوز الحقيقة في شيء ولم نلجأ إلى شيء مفترض، كما افترضوا هم أصلًا لهذه الصيغ. أما إذا كان هذا الأصل الذي افترضوه له حقيقة تاريخية -بمعنى أن هذه الصيغ نطقت بالتاء لا بالطاء فترة من الزمن- فإن الأمر يختلف، وأصبح من الضروري تغيير المنهج ومعالجة هذه الأمثلة ونحوها بمنهج تاريخي. ولكن المادة الحاضرة والواردة إلينا من التراث لا تعنينا في هذا الشأن.
    ويمكن أن تدخل في هذا الباب كذلك تلك الأمثلة التي عالجوها تحت ما سموه "إبدال فاء الافتعال تاء" إذا كانت واوًا أو ياء كما في قولهم: "اتعد" من الوعد، و"اتسر" من اليسر. فقد عاملوا هذه الأمثلة بالطريقة والمنهج الذي عاملوا بهما أمثلة النماذج السابقة.
    ونحن بالمثل نرى تفسير ما بهذه الأمثلة من ظواهر تفسيرًا صوتيًّا، فنقول: السياقات الصوتية التالية ممنوعة في العربية:
    همزة وصل + و + ت والمستعمل هو: همزة وصل + ت + ت.
    همزة وصل + ي + ت. والمستعمل هو همزة وصل + ت + ت.
    على أن لنا تساؤلًا نثيره في هذا المجال علنا نصل إلى رأي علمي فيه. أليس من الجائز أن تكون هذه الأمثلة متطورة تاريخيًّا (لا افتراضًا) عن صيغ أخرى نطقت بالفعل، هي "اوتعد" في المثال الأول، و"ايتسر" في المثال الثاني، ثم أصابهما تغير وصل بهما إلى حالتهما الراهنة؟
    احتمال. وحينئذ تسهل معالجة هذا الضرب من الأمثلة، وتتم معالجتها بتسجيل صورها التاريخية، ثم صورها الحاضرة والقيام (إن شئنا) بمقارنة بين الفترتين.
    قد يعترض فيقال: إن الصرفيين قاموا بمثل هذا العمل، إذ هم قد افترضوا لهذه الصيغ أصلًا. فنجيب بأن الأصل الذي قدروه هو أصل افتراضي لا أصل تاريخي، فما فعلوه إذن ليس وصفًا لمرحلتين وإنما هو إرجاع صورة حاضرة إلى صورة مفترضة متوهمة. وقصدوا بذلك تفسير ظاهرة لم يستطيعوا تفسيرها تفسيرًا علميًّا سليمًا.
    وهناك في الصرف العربي أمثلة كثيرة متناثرة يمكن معالجتها على أساس صوتي -صرفي morphophonemic analysis بدلًا من العلاج التقليدي الذي طبقه العرب عليها. ولسنا هنا نرمي إلى مجرد المخالفة أو إلى ادعاء التجديد دون مسوغ. إنما نهدف إلى تسجيل الحقائق كما تعلن عن نفسها دون افتراض، أو توهم يشوه هذه الحقائق ويعقدها ويجعل البحث فيها عبثًا دون طائل.
    من أشهر هذه الأمثلة فعل الأمر من الثلاثي الأجوف نحو: قل. درج الصرفيون على القول بأن أصله "قول"؛ التقى ساكنان فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فصار: قل.
    ومن الواضح أن هذا الأصل الذي نصوا عليه أصل افتراضي لا أساس له من الحقيقة؛ إذ لم ينطق -فيما نعلم- هذا الفعل على وفق هذا الأصل الذي قدروه في الكلام الفصيح.
    وكل ما حدث في رأينا هو أن الفعل نطق من بداية الأمر بهذه الصورة، أما أنه لم ينطق "قُول" كما كان المتوقع فيما لو نظرنا إلى الأصل، فذلك لسبب صوتي. هذا السبب الصوتي يتلخص في أن اللغة العربية (الفصحى) لها أنماط معينة من المقاطع، وبالبحث وجد أن التركيب المقطعي: ص + ح ح + ص ممنوع في هذه اللغة إلا في حالتين اثنتين هما:
    1-حالة الوقف.
    2- إذا كان (ص) الأخير أحد متماثلين مدغمين، وكان المتماثلان أصليين في الكلمة نحو:
    ضالين: ص +ح ح + ص/ ص + ح ح + ص.
    دابة: ص + ح ح +ص / ص + ح + ص. (على الوقف بالهاء).
    ومن الواضح أن فعل الأمر من "قال" لا يدخل في هاتين الحالتين، ومعناه بلغة الأصوات: أن طبيعة التركيب المقطعي منعت وقوع الصيغة قول (فعل أمر) ومعناه كذلك: أنه لم يحذف شيء من هذه الصيغة.
    وبهذه الطريقة نفسها نستطيع معالجة الفعل المضارع المؤكد المسند إلى ضمير الجماعة، نحو "لتكتبن". قالوا: أصله "لتكتبونن"، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فالتقى ساكنان الواو والنون المشددة، فحذفت الواو وبقيت الضمة دليلًا عليها.
    ونحن نقول: "لتكتُبن" نطقت هكذا منذ البداية، وهذا الأصل الافتراضي الذي قدروه لا أساس له من الواقع. أما تفسير هذا النطق (لتكتبن) فهو كما يلي:
    النون المشددة هي نون الرفع ونون التوكيد الخفيفة، إذ من المستحيل وقوع النون الثقيلة هنا لاستحالة وقوع ثلاثة أصوات متماثلة متتابعة في العربية. ولم تنطق الصيغة حينئذ لتكتبون بالسبب السابق وهو أن طبيعة التركيب المقطعي تمنع هذا السياق: ص + ح ح + ص إلا في الحالتين المشار إليهما سابقًا. وهذه الحالة ليست من أمثلتهما، كما هو واضح، إذ النونان (المدغمتان) ليستا في أصل الكلمة، وإنما جاءت كل منهما لغرض معين.
    قد يسأل البعض: وأين الفاعل حينئذ؟ فأقول: الفاعل هنا الضمة القصيرة التي تقع بعد الباء. ومعناه حينئذ: أن مورفيم الفاعلية (الوحدة الصرفية الدالة على الفاعلية) في هذه الحالة ونحوها هي الضمة، ولكنها قد تكون طويلة (= و = uu) كما في نحو يضربون، وقد تكون قصيرة [=ُ =u]، كما في مثالنا: لتكتُبن. ومعروف أن المورفيم (كالفونيم) قد تظهر بصور عدة طبقًا للسياق الصوتي أو تحت ظروف تسمى: "ظروفًا فنولوجية" phonologically cnditioned، وتسمى الصورة المعينة للمورفيم عضوًا ويطلق عليها حينئذ المصطلح allomorph، وليس في هذا الذي نقوله غرابة، فهو أولى بالاتباع من تفسير الصرفيين؛ إذ هو يتضمن أشياء افتراضية، كما يتضمن أشياء تناقض مبادئهم: كيف تحذف الواو وهي الفاعل، مع أنهم نصوا على أن الفاعل لا يجوز حذفه؟.
    وهناك أمثلة أخرى كثيرة غير هذه وتلك يمكن معالجتها معالجة صوتية، لأنها أقدر على وصف الحقائق مما سلك علماء الصرف التقليديون، ونأمل أن نأتي في ذلك كله ببحث مفصّل إن شاء الله.
    رابعًا:
    هناك أبواب في الصرف التقليدي عولجت -فيما نظن- علاجًا خاطئًا. وهي بصورتها المسجلة في آثارهم لا تفيد متعلم اللغة في شيء. وربما يفيد بعضها المتخصص في الوقوف على الآثار الواردة عن السلف، فهذه الأبواب ونحوها أشبه بمخلفات علمية تفيدنا في شيء واحد هو معرفة منهج التفكير عند هؤلاء اللغويين القدامى.
    من هذه الأبواب باب الفعلين الأجوف والناقص وما تفرع عنهما. فقال مثلًا: تصريفها التقليدي عندهم هو: أصلها قول تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا. وغزا عندهم أصلها غزوَ، وفعل بها ما فعل بالمثال السابق.
    هذا الأصل الذي أشاروا إليه هو أصل افتراضي متوهم لا أصل حقيقي، وذلك هو ما نصوا عليه بالفعل، كما سيتبين فيما بعد.
    والذي دعاهم إلى هذا السلوك هو خضوعهم لمنهجهم العام وهو سيطرة فكرة الأصول على أذهانهم، ومحاولة حشد مختلف الأمثلة تحت قاعدة واحدة أو تحت نظام واحد من البحث. فإذا لم تنطبق القاعدة انطباقًا تامًّا على بعض الأمثلة، فإنهم يحاولون إرجاع كل فعل ثلاثي مجرد إلى النموذج الأساسي "ف ع ل"، فإن وافقت الصيغة الوزن فيها ونعمت، وإلا وجب أن تفسر تفسيرًا ما- حتى تخضع لهذا الوزن.
    وعندنا أن علاج هذه الأفعال بالطريقة السابقة علاج خاطئ من الناحية العلمية. ويجب أن نأخذ في مناقشتها وتصريفها طريقًا واحدًا من اثنين.
    الأول: طريق وصفي؛ يعني بتسجيل الحقائق الموجودة في الصيغة بالفعل دون تأويل أو افتراض. وهنا في حالتنا هذه سوف نجد أنفسنا في حاجة إلى معرفة الدراسات الصوتية. وعن طريق هذه الدراسات سوف نعلم أن "قال" في تركيبها الصوتي تختلف عن نصر مثلًا. فكل منهما له تركيب مقطعي يختلف عن تركيب الآخر. فـ"قال" تركيبها الصوتي هو: ص ح ح / ص ح، أما "نصر" فمقطعها هي: ص ح / ص ح / ص ح، فالأولى مكونة من مقطعين اثنين والثانية مؤلفة من ثلاثة مقاطع، هذا بالإضافة إلى أن هناك فرقًا في كمية بعض المقاطع (ص ح ح × ص ح).
    وهذا الفرق الصوتي له قيمة وأهمية، فهو يشير إلى وجوب معاملة الصيغتين معاملة صرفية مختلفة، وبخاصة في باب الأوزان، حيث إن الأوزان أولًا وآخرًا لا تخرج عن كونها مقاييس صوتية صيغت للقياس عليها. ومعناه: وجوب النظر إلى قال وغزا ونحوهما- نظرة تختلف عن تلك النظرة التي تعامل بها نصر ونحوه. فلو اتبعنا هذا الدليل الصوتي وسرنا على منهج الأوزان، ولكن بالطريق الوصفي- وجب أن نقول: إن قال وزنها "فال" وغزا: وزنها "فعا" أما نصر فوزنها "فعل".
    ولا ضير في هذا العمل بحال من الأحوال، إذ هو ممثل للحقيقة الواقعة فضلًا عن سهولته، وتمشيه مع روح المنهج السليم. فهنا قد اتبعنا مبدأ "تعدد الأنظمة" في إطار المنهج الوصفي، وهذا شيء تفرضه الحقائق الناطقة. فقد رأينا أن "قال ونصر" مثلًا وإن كانا فعلين ثلاثيين مجردين- يختلفان في تركيبهما المقطعي. وهذا يوجب علينا معاملتهما بطريق مختلف؛ لأن إخضاعهما لقاعدة واحدة أو اتباع مبدأ توحد الأنظمة في علاجهما سوف يؤدي إلى نتائج مضطربة معقدة، كما هو الواقع بالفعل في تفسير الصرفيين التقليديين لتصريف هذه الأفعال ونحوها.
    أما الطريق الثاني لمعالجة هذه الأفعال وأمثالها: فهو طريق المنهج التاريخين ومعناه: أنا نتتبع تاريخ الصيغ المختلفة لنكشف عما أصابها من تغير وما حدث لها من تطور عبر فترات التاريخ المختلفة. ولنا هنا أن نتساءل: هل أتى على نحو "قال وغزا" فترة من الزمن كانتا تنطقان فيهما "قول وغزو"، ثم عرض لهما تطور في أصوات العلة أدى إلى هذه الصيغة الحاضرة؟
    احتمال. وهو في رأيي -حتى هذه اللحظة- احتمال قوي يؤيده الواقع الملموس، وهو وجود بقايا هذا الأصل التاريخي من نحو "أطول واستحوذ"، وكان المفروض فيهما أن يكونا على صورة أخرى هي أطال واستحاذ. جاء في شعرهم قول القائل:
    وصال على طول الصدود يدومم صددت فأطولت الصدود وقلما
    ومثله بالنسبة لتصاريف الاسم المنقوص قوله:
    أمام الكلاب مصغي الخد أصلم تراه وقد فات الرماة كأنه
    والقول بأن هذه الأمثلة ونحوها من ضرورات الشعر قول لا مسوغ له، فهناك عشرات من الأمثلة من هذا الباب وغيره وردت بالتصحيح لا الإعلال في غير ضرورة. فهناك في الأسماء مثلًا نحو: الهَيَفَ، والحَوَرَ، والعَوَرَ... إلخ.
    وهناك اللهجة التميمية التي تصحح ولا تعل نحو: مبيوع، ومديون، ومخيوط، ومصوون... إلى غير ذلك مما قد ينظر إليه على أنه بقية تاريخية لظاهر أصلية في اللغة في فترة من فتراتها السحيقة من الزمن. ولا حاجة بنا حينئذ إلى الأخذ بآراء الصرفيين من إخراج هذه الأمثلة أو تخريجها بوجه من الوجوه لتتمشى مع الأصل الافتراضي الذي قدروه:
    أما أن التطور قد لحق هذه الأبواب ونحوها (بحيث أصبحت قول وغزو قال وغزا) دون غيرها فذلك أمر يسهل فهمه فيما لو علمنا أن التطور هنا قد لحق أصوات العلة وهي أسهل الأصوات قابلية للتطور. وقد ظل هذا الاتجاه سائرًا في العربية حتى أصاب لهجاتها الحديثة، كما وقع لنحو يَوم وبَيت bayt, yawm فصارتا يُوم وبِيت beet, yoom حيث حلت الحركات محل أصوات العلة أو ما تسمى أنصاف الحركات.
    ومن العجب أن ابن جني بعد مناقشة طويلة عريضة في كل من الخصائص والمنصف يحاول جاهدًا إنكار أن تكون هذه الأمثلة ونحوها ذات أصل تاريخي، يقول في ذلك (الخصائص جـ 1 ص 256، 257): "هذا الموضع كثير الإيهام لأكثر من يسمعه... وذلك كقولنا: الأصل في قام قوم وفي باع بيع وفي طال طول وفي خاف ونام وهاب، خوف ونوم وهيب، وفي شد شدد، وفي استقام استقوم وفي يستعين يستعون، وفي يستعد يستعدد. فهذا يوهم الألفاظ وما كان نحوها مما يدعي أن له أصلًا يخالف ظاهر لفظه- قد كان مرة يقال، حتى إنهم كانوا يقولون في موضع قام زيد: قوم زيد. وكذلك نوم جعفر وطول محمد وشدد أخوك يده واستعدد الأمير لعدوه. وليس الأمر كذلك بل بضده، وذلك أنه لم يكن قط مع اللفظ به إلا على ما تراه وتسمعه.
    وإنما معنى قولنا: إنه كان أصله كذا، أنه لو جاء مجيء الصحيح ولم يعل لوجب أن يكون مجيئه على ما ذكروا، فأما أن يكون استعمل وقتًا من الزمان كذلك ثم انصرف عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر".
    ولسنا ندري تمامًا لماذا ينكر ابن جني أن يكون لهذه الأبواب ونحوها أصول تاريخية مع وجود بقايا هذه الأصول في النثر والشعر كليهما؟
    إنها في رأيي سيطرة النزعة "الجنية" الفردية والتمسك بقوالب من التفكير جامدة. وقد اضطره مسلكه هذا إلى التأويل والتخريج والتفسير التعسفي لكل ما ورد مخالفًا لرأيه. فإذا جاءت أمثلة في الشعر عدها ضرورة، مع أن الضرورة الشعرية -في نظرنا- ليست من باب الخطأ، كما يظن بعض الناس. إنها في رأينا تجيء على وفاق قاعدة جزئية تختلف مع القاعدة التي "سموها" قاعدة عامة، أو تجيء على وفاق لهجة من اللهجات أو تجيء على وفاق مستوى لغوي معين. وهذا كله -في نظرنا - صحيح في بابه ويعتد به في بابه كذلك. وهذا يعني بالضرورة أن له أصلًا واقعيًّا في الحال أو في الماضي، وهذا ما نود إثباته وتأكيده.
    وإغراقًا في التأويل والتعليل لم يكتفِ ابن جني بما سماه الضرورة، وإنما لجأ إلى تفسيرات أخرى عجيبة، تفسيرات يأباها المنطق السليم.
    فهناك، عندما قابلته صيغة "أطولت" في البيت السابق لم يكتف بالحكم عليها بأنها ضرورة وإنما أضاف إلى ذلك قوله (الخصائص جـ 1 ص 257): "وهذا يدلك على أن أقام أقوَم، وهو الذي نومئ إليه ونتخيله. قرب حرف (كلمة) يخرج هكذا منبهة على أصل بابه، ولعله إنما أخرج على أصله فتجشم ذلك فيه لما يعقب من الدلالة على أولية أحوال أمثاله".
    فابن جني ها هنا يفترض أن "أطولت" إنما جاءت هكذا لتدلنا على أصل الباب الذي تنتمي إليه. وهذا الأصل يقتضينا أن نرد الصيغة إليه إذا جاءت على خلافه. وهكذا نرى أن الأصل الذي يتكلم عنه ابن جني أصل افتراضي متخيل، وقد لجأ الشاعر إليه لينبه عليه، وليشير إلى أنه الأصل الحقيقي للباب الذي ينتظم هذه الكلمة ونحوها، ونحن هنا نخالف ابن جني في رأيه هذا.
    إن هذا المثال (ونحوه) منبهة على الأصل حقيقة. ولكنه منبهة لأعلى الأصل الافتراضي الذي قدره ابن جني، وإنما الأصل التاريخي الذي يعد هذا المثال وغيره بقية باقية منه.
    ويؤيد رأينا هذا -خلاف ما تقدم- أمران مهمان:
    الأول: وجود هذه الصيغ وأضرابها في لهجات معينة ومنسوبة إليها نسبًا صحيحًا. ومن ذلك باب اسم المفعول من الأجوف الذي جاء مصححًا لا معلًّا في لهجة تميم. وقد يؤخذ هذا دليلًا على أن التصحيح في الفعل الأجوف وما تصرف منه له أصل تاريخي. أما بالنسبة للفعل الناقص وتصرفاته فهناك أمثلة مشهورة جاءت على أصلها التاريخي (وأصلها الافتراضي في رأي ابن جني). من ذلك مثلا في باب الأسماء البيت السابق هو:
    أمام الكلاب مصغي الخد أصلم تراه وقد فات الرماة كأنه
    ومنه في الأفعال قوله:
    من هجو زبان لم تهجو ولم تدع هجوت زبان ثم جئت معتذرًا
    وقد وردت إلينا نصوص عن بعض العلماء تفيد أن هذا التصحيح هو القاعدة في بعض اللهجات العربية.
    يقول ابن كمال باشا: "وإنما كتبت الألف بعد واو الجمع للفرق بينها وبين واو الواحد في مثل لم يدعوا إذا كان جمعًا ولم يدعو إذا كان واحدًا، على لغة من قال: إن الجازم لا يسقط الحروف في الناقص بل يسقط الحركة فقط كما في الصحيح".
    وبعد هذا النص استشهد هذا العالم بالبيت المذكور، ولكنه استشعر اعتراضًا قد يوجه إليه وهو: "فإن قلت: الواو في يدعو ساكن قبل دخول الجازم عليه، فكيف يمكن إسقاط الحركة منه على هذه اللغة؟
    قلت: قال ابن جني: إنه قدر أن يكون في الرفع: هو يدعو ويهجو بإثبات الضمة على الواو، كما تقول هو يضربك فجاء الجازم وأسقط الحركة وبقيت الواو ساكنة".
    فهذا واضح أن أصل يهجو yahjuu يهجو yahjuwu، وهذا الأصل -عندنا- أصل تاريخي، أصابه التطور فيما بعد. ونقول: هذا بالرغم من أن ابن جني في الرد على الاعتراض الذي استشعره ابن كمال باشا ما يزال يتمسك بأنه أصل افتراضي، حيث يقول في عبارته السابقة: "إنه قدر أن يكون في الرفع هو يَدعُوُ ويَهجُوُ" إلخ.
    ويؤكد ابن كمال باشا قولته هذه -وهي أن التصحيح لهجة- بقوله: "وقال ابن الحاجب وأما قول قيس بن زهير:
    بما لاقت لبون بني زياد ألم يأتيك والأنباء تنمي
    بإثبات الياء مع الجازم، ففيه وجهان:
    أحدهما: أن الياء إشباع، كأن الكسرة أشبعت فنشأت عنها الياء، والآخر أنه أجرى الفعل مجرى الصحيح كأنه قال: هو يأتيك بضم الياء، كما تقول هو يضربك؛ لأنه من لغة تحريك الياء في الرفع وإسكانه في الجزم حملًا للمعتل على الصحيح.
    الأمر الثاني: أن التصحيح له آثار باقية في لغات سامية أخرى، كاللغة الجعزية، وهي لغة سامية الأصل، لا شك في ذلك؛ "لأن أصول اشتقاقها موجود في اللغة العربية وغيرها من اللغات السامية، وكل ما فيها من العنصر الحامي لا يعدو كلمات غير كثيرة". ومن المعروف أن هذه اللغة الجعزية "حافظت على أقدم الصور السامية في حين قد أضاعها غيرها".
    فوجود التصحيح في الفعل الأجوف والناقص في اللغة الجعزية إذن يؤيد زعمنا أن هذا التصحيح هو الأصل التاريخي في السامية وفي العربية في فترة من فترات تاريخها.
    وإليك أمثلة من الجعزية يظهر فيها التصحيح -لا الإعلال- في بعض الأفعال والجوف الناقصة:

    هذه الأمثلة -مضمومة إلى أمثلة العربية- تشير إلى حقيقة شبه مؤكدة، هي أن الأفعال الجوف والناقصة (وتصرفاتها) أتى عليها فترة من الزمن كانت تنطق فيها بالتصحيح لا الإعلال. وهذا ما أردنا إثباته؛ لأن الوقوف على هذه الحقيقة يفيدنا في منهج البحث.
    ونعود فنلخص رأينا في الأفعال المعتلة (وتصرفاتها)، فنقول: لك في هذه الأفعال منجهان منفصلان:
    أحدهما: وصفي، ويعنى بوصف الموجود بالفعل ولا يجوز لنا أن نتعدى هذا الواقع بحال من الأحوال، ونحصر عملنا في الوصف دون التورط في افتراض أو تقدير أو تخمين، كما يجب أن نستفيد هنا من نتائج بحوث علوم اللغة الأخرى كالأصوات مثلًا.
    وثانيهما: منهج تاريخي ولك فيه أن تتبع الحقائق اللغوية على فترات مختلفة من الزمن؛ للوقوف على ما أصابها من تطور وتغير. ولك بعد هذه الخطوة أن تشير إلى أوجه الخلاف والاتفاق بين الفترات التاريخية.
    ومن المهم أن نعلم أن المنهج الأول لا يجوز له بحال أن يعتمد على الثاني، أما العكس فهو جائز، بل لا بد من اعتماد التاريخي على الوصفي، لأن التاريخي بكل بساطة يتضمن وصف أكثر من مرحلة.
    Attached Files Attached Files

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •