تقسيم الجرائم بحسب طبيعتها:
المبحث الأول:
تقسيم الجرائم بحسب طبيعتها الخاصة:
جرائم ضد الجماعة - وجرائم ضد الأفراد:
74 - تنقسم الجرائم بحسب طبيعتها الخاصة إلى جرائم ضد الجماعة وجرائم ضد الأفراد:
الجرائم التي تقع ضد الجماعة: هي التي شرعت عقوبتها لحفظ مصالح الجماعة، سواء وقعت الجريمة على فرد، أو على جماعة، أو على أمن الجماعة ونظامها. ويقول الفقهاء: إن عقوبة هذا النوع من الجرائم شرعت حقًّا لله تعالى، ومعنى هذا الاصطلاح أنها شرعت لحماية الجماعة، ولكنهم يجعلون العقوبة حقًا لله، إشارة إلى عدم جواز العفو عنها، أو تخفيفها، أو إيقاف تنفيذها.
والجرائم التي تقع ضد الأفراد: هي التي شرعت عقوبتها لحفظ مصالح الأفراد، ولو أن ما يمس مصلحة الأفراد هو في الوقت ذاته ماس بمصالح الجماعة.
وتعتبر جرائم الحدود من الجرائم الماسة بمصلحة الجماعة، ولو أنها في الغالب تقع على أفراد معينين، وتمس مصالحهم مساسًا شديدًا، كالسرقة والقذف، وليس في اعتبارها ماسة بالجماعة إنكار لمساسها بالأفراد، وإنما هو تغليب لمصلحة الجماعة على مصلحة الأفراد، بحيث لو عفا الفرد لم يكن لعفوه أثر على الجريمة والعقوبة.
وجرائم القصاص والدية من الجرائم التي تقع على الأفراد، وليس معنى ذلك أنها لا تمس الجماعة وإنما معناه تغليب حق الفرد على حق الجماعة، فللفرد أن يتنازل عن القصاص والدية، وهما العقوبتان المقررتان أصلًا للجريمة، وقد أعطى له حق التنازل لأن الجريمة تمسه مساسًا مباشرًا، فإذا تنازل عن العقوبة لم يترك الجاني، وإنما يعاقب بعقوبة تعزيرية، حفظًا لمصلحة الجماعة التي مست مساسًا غير مباشر.
وجرائم التعازير بعضها يمس مصلحة الجماعة، وبعضها يمس مصلحة الأفراد والجماعة، على المعنى الذي شرحناه سابقًا.
والواقع أن كل جماعة تمس مصلحة الجماعة تمس في النهاية مصلحة الأفراد، وكل جريمة تمس مصلحة الأفراد تمس في النهاية مصلحة الجماعة، ولو كان محل الجريمة حقًا خالصًا للفرد، وفي هذا يقول حق الفقهاء: "ما من حق لآدمي إلا ولله فيه حق، إذ من حق الله على كل مكلف ترك أذاه لغيره"، فإذا اعتبرت الشريعة بعض الجرائم ماسة بمصلحة الجماعة فذلك لأنها تمس مصلحة الجماعة أكثر مما تمس مصلحة الفرد، وإذا اعتبرت بعض الجرائم ماسة بمصلحة الأفراد فذلك لأنها تمس مصلحة الأفراد أكثر مما تمس مصلحة الجماعة.

ع1:
تعريف الجريمة، وبيان أصلها، وأنواعها، وطرق إثباتها
ج2:
الفقه الإسلامي وأدلته، لوهبة الزحيلي.
الفَصْلُ الخامس: طرق إثبات الجناية:
فيه مبحثان:
المبحث الأول: لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة.
المبحث الثاني: إثبات القتل بطريق خاص - القسامة.
المبحث الأول: لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة:
لاحظنا في أثناء الكلام عن الحدود أن الفقهاء يبحثون باختصار طرق إثبات الجريمة الموجبة للحد من شهادة أو إقرار ونحوهما، لما للحد من خطورة خاصة تتطلب توقف الحكم به على ثبوت الجريمة ثبوتًا قاطعًا أو مؤكدًا. وذلك بالإضافة إلى وجود مباحث مستقلة لطرق الإثبات في كل كتاب فقهي.
وكذلك الشأن في الجنايات، لا بد من الإشارة لما تثبت به، تسهيلًا على القاضي في إصدار أحكامه عليها، ولفت نظره لضرورة التأكد من وقوع الجناية الموجبة لعقوبة بدنية كالقصاص أو التعزير أو لعقوبة مالية كالدية أو الأرش.
لذا فإني أعطي هنا فكرة أو لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة من إقرار وشهاد وقرينة ونكول عن اليمين، لبيان مدى صلاحية إحداها لإثبات الجناية،سواء عند جمهور الفقهاء أو عند بعض الفقهاء، وأحيل بالتفصيل على البحوث المستقلة الخاصة بكل منها في هذا الكتاب أو غيره. ويلاحظ أن العلماء اتفقوا على جواز إثبات جرائم القصاص في القتل والجرح العمد بالإقرار أو شهادة رجلين.
أولًا: الإقرار:
الإقرار: هو إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه، وهو حجة قاصرة على المقر لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية الإقرار على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقر نفسه. ويؤخذ بمقتضى الإقرار؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه.
ولا خلاف في جواز الاعتماد على الإٍقرار في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجرائم أو الجنايات والحدود، فقد أجمعت الأمة على صحة الإقرار مطلقًا، وكونه حجة في مختلف العصور، إذا كان صحيحًا.
واتفق العلماء على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره.
ويشترط في الإقرار بالجناية أو الجريمة الموجبة لحد أو قصاص أو تعزير أن يكون واضحًا مفصلًا، قاطعًا في الاعتراف بارتكاب الجرم، عمدًا أو خطأ أو شبه عمد.
فلا يصح الإقرار المجمل الغامض أو المشتمل على شبهة، حتى يتحدد نوع العقاب، إذ لا عقاب مثلًا على القتل دفاعًا عن النفس أو المال، أو استعمالًا لحق، أو تنفيذًا لقصاص.
ولا يصح إقرار المتهم في إقراره لملاطفة صديق ونحوه؛ لأن التهمة تخل برجحان جانب الصدق على الكذب في إقراره.
ولا يصح إقرار عديم العقل كالمجنون، وغير المميز. ويصح عند الحنفية خلافًا لبقية الأئمة إقرار الصبي المميز بالديون والأعيان؛ لأنه من ضرورات التجارة.
ولا يصح إقرار المستكره أو المتهم الذي يضرب ليقر في الأموال والجنايات الموجبة لحد أو قصاص، ويلغى، ولا يترتب عليه أي أثر، إلا أن المالكية يقولون: لا يلزم إقرار المستكره، بمعنى أنه يخير بعد زوال الإكراه بين إجازة الإقرار أو إلغائه أو إبطاله.
ولا يصح إقرار زائل العقل بنوم أو إغماء أو دواء. أما السكران المتعدي بسكره -وهو من تعاطى مسكرًا متعمدًا-: فيصح إقراره في كل تصرفاته وجناياته عند الشافعية. ويصح إقراره عند الحنفية في الأموال والأحوال الشخصية وفي القتل والجناية على ما دون النفس وعلى الجنين؛لأنها حقوق شخصية للعباد، ولا يصح إقراره في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة، لوجود الشبهة، وهي تدرأ بالشبهات، لكن يضمن السكران الشيء المسروق وإن كان لا يحد.
ولا يصح إقرار السكران بحق أو جناية أو غيرهما عند المالكية والحنابلة؛ لأنه غير عاقل.
واتفق الفقهاء على أنه يجوز للمقر الرجوع عن إقراره في حقوق الله تعالى كالردة والزنا وشرب خمر وسرقة وقطع طريق من أجل إسقاط الحد، لا إسقاط المال؛ لأنها تدرأ بالشبهات.
أما حقوق الآدميين كالإقرار بالقتل أو الجُرْح أو قطع طرف، أو إسقاط جنين، فلا يجوز للمقر الرجوع عن إقراره بها، لتعلقها بحقوق الناس الشخصية، ولو أن القصاص مما يدرأ بالشبهات؛ لأن الأصل ألا يجوز إلغاء كلام المكلف بلا مقتضٍٍ.
ولا يشترط تعدد الإقرار، ويكفي مرة واحدة إلا في الإقرار بالزنا عند الحنفية والحنابلة، فإنه يطلب كونه أربع مرات، طلبًا للتثبت في إقامة الحد، وعملًا بواقعة إقرار ماعز بن مالك أمام الرسول صلّى الله عليه وسلم أربع مرات.
ثانيًا: الشهادة:
إن أغلب وقائع الخصومات في الحقوق المالية والجرائم يثبت بالشهادة. وهي: إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء. ولا خلاف بين الفقهاء في جواز الاعتماد على الشهادة في الإثبات، لورود النصوص القرآنية والنبوية الدالة على مشروعيتها والقضاء بها.
وعدد الشهود اثنان إلا في الزنا، فلا بد فيه من أربعة شهود لقوله تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}.
وتقبل عند الحنفية شهادة النساء مع الرجال في الأموال والأحوال الشخصية -الزواج والطلاق وتوابعهما- وعند المالكية والشافعية والحنابلة: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها وعقودها.
ولا تقبل شهادة النساء مع الرجال في المذاهب الأربعة في الحدود والجنايات والقصاص، وإنما لا بد فيها من شهادة رجلين عدلين، لخطورتها وضرورة التأكد من ثبوتها، وتضييقًا في طرق إثباتها، واحتيالًا لدرئها، ولأن في شهادة المرأة بدلًا عن الرجل شبهة البدلية، لقيامها مقام شهادة الرجال، فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات. ويقول الزهري: "مضت السنة من رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- والخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود" وقال علي -كرم الله وجهه-: "لا تجوز شهادة النساء في الحدود والدماء".
وبما أن هناك خلافات فقهية في أنواع الشهادات في الجرائم فإني أضيف لما سبق التوضيح التالي:
1 - جرائم القصاص في النفس أو ما دونها:
لا تثبت عند أئمة المذاهب الأربعة إلا بشهادة رجلين عدلين. ولا تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة شاهد ويمين المدعي ـ المجني عليه، ولا تثبت بالشهادة على الشهادة، ولا بكتاب القاضي إلى قاض آخر؛ لأن القصاص عقوبة خطيرة، فيحتاط لدرئه باشتراط شاهدين عدلين.
إلا أن المالكية أجازوا استحسانًا في جراح النفس عمدًا أو خطأ إثباتها بشهادة شاهد واحد ويمين المجني عليه. كما أنهم أجازوا إثبات جراح العمد بشاهد عدل وامرأتين، أو أحدهما مع اليمين. وهذه إحدى المستحسنات الأربع، إذ هي ليست بمال، ولا آيلة له.
2 - جرائم التعزير البدني كالضرب والحبس ونحوهما:
يرى الحنفية أن التعزير يغلب فيه حق الآدمي، فتثبت جريمة التعزير عندهم بما تثبت به سائر حقوق العباد من الإقرار والبينة والنكول عن اليمين، وعلم القاضي، وشهادة النساء مع الرجال، والشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي.
والمالكية كما قالوا في جرائم القصاص أجازوا إثبات جرائم التعزير البدني بشاهد ويمين المدعي. وأجاز بعض المالكية التعزير في بعض الجرائم بشاهد واحد دون يمين، وقبل الإمام مالك شهادة الصبيان على بعضهم في الجراح عملًا بالمصلحة المرسلة أو إجماع أهل المدينة.
واقتصر الشافعية والحنابلة على إثبات جريمة التعزير بما تثبت به جريمة القصاص، وهو شهادة رجلين عدلين؛ لأن العقوبة البدنية خطيرة، فيحتاط فيها بقدر الإمكان، فلا تثبت به بما تثبت به الأموال من شهادة رجل وامرأتين أو شهادة رجل ويمين المدعي.
3 - جرائم التعزير المالي كالدية أو الغرامة:
تثبت هذه الجريمة في المذاهب الأربعة بما تثبت به الحقوق المالية كشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأنه يقصد بها المال. وأجاز غيرا لحنفية إثباته أيضًا بشاهد ويمين المجني عليه. وأضاف المالكية إمكان إثباتها بامرأتين ويمين المدعي، ولم يجز الحنفية مطلقًا مبدأ قبول شاهد ويمين، ولا يمين وامرأتين، عملًا بما اقتصر عليه النص القرآني في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} فمن زاد على ذلك فقد زاد على النص، والزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يكون إلا بنص مشابه.
ثالثًا: القرائن:
القرينة: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئًا خفيًّا، فتدل عليه. ومنه يفهم أنه لا بد في القرينة من تحقق أمرين:
1 - أن يوجد أمر ظاهر معروف يصلح أساسًا للاعتماد عليه.
2 - أن توجد صلة تربط بين الأمر الظاهر والأمر الخفي.
ولا يحكم عند جمهور الفقهاء بالقرائن في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ولا في القصاص إلا في القسامة للاحتياط في أمر الدماء وإزهاق النفوس، بالاعتماد على وجود القتيل في محلة المتهمين عند من لا يشترط قرينة اللوث -العداوة الظاهرة- أو بالاعتماد على مجرد اللوث عند من يشترطه. ويحكم بها في نطاق المعاملات المالية والأحوال الشخصية عند عدم وجود بينة في إثبات الحقوق الناشئة عنها، ولكنها تقبل إثبات العكس بأدلة أخرى.
وأخذ بعض الفقهاء كابن فرحون المالكي وابن القيم الحنبلي بالقرائن أحيانًا مع التحفظ والحذر، ولو في نطاق الحدود، وصار ذلك مذهب المالكية والحنابلة، مثل إثبات الزنا بالحمل، وإثبات شرب الخمر بظهور رائحتها من فم المتهم، وثبوت السرقة بوجود المسروق في حيازة المتهم، ورد المسروقات أو الوديعة أو اللقطة لمن يصفها بعلامات مميزة. ونحوه كثير في إثبات الحق والملكية والأهلية والولادة.
واعتبر الحنفية القرينة القطعية بينة نهائية كافية للقضاء بها، كما لو رئي شخص مدهوشًا ملطخًا بالدم، ومعه سكين ملوثة بالدم، بجوار مضرج بدمائه في مكان، فيعتبر هو القاتل -م/1741 من المجلة.
أما القرينة غير القطعية الدلالة ولكنها ظنية أغلبية، ومنها القرائن العرفية، أو المستنبطة من وقائع الدعوى وتصرفات الخصوم، فهي دليل أولي مرجح لزعم أحد المتخاصمين مع يمينه، متى اقتنع بها القاضي، ولم يثبت خلافها.
رابعًا- النكول عن اليمين:
النكول عن اليمين: هو الامتناع عن حلف اليمين الموجهة إلى المدعى عليه بطريق القاضي. وهو لا يعدو أن يكون مجرد قرينة على صدق المدعي في اتهام المتهم.
ويقضى به عند الحنفية والحنابلة؛ لأن النبي -صلّى الله عليه وسلم- جعل جنس اليمين في جانب المدعى عليه وحصرها فيه في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)).
ويقضى بالنكول عند أبي حنيفة في القصاص في الأطراف حالة العمد، وبالدية حالة الخطأ. ولا يقضى فيه عنده بالقصاص بالنفس لا بالقصاص ولا بالدية، لكن يحبس الجاني حتى يقر أو يحلف.
ولا يقضى بالنكول في القصاص بالنفس أو بالطرف عند الحنابلة والصاحبين.
كما لا يقضى بالنكول باتفاق الحنفية والحنابلة في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة والشرب، لاشتماله على الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما التعازير فيقضى فيها بالنكول عند الحنفية كما بان سابقًا، أما عند الحنابلة فلا يقضى فيها بالنكول، على ما هول الظاهر في الترجيح بين الروايتين عن أحمد؛ لأنه يرى قصر الأيمان على الأموال والعروض التجارية.
ولم يأخذ المالكية والشافعية بالنكول، وإنما أخذوا باليمين المردودة في جانب المدعي، ويقضى باليمين المردودة عند المالكية في الأموال وما يؤول إليها فقط كخيار وأجل دون ما سواها من القصاص والحدود والتعازير. وأما عند الشافعية: فيقضى باليمين المردودة في جميع الحقوق والتعازير، ما عدا جنايات الدماء والحدود، فلا يقضى فيها بالقصاص ولا بالحد.
ع2:
علاج الجريمة
ج1:
الفقه الإسلامي وأدلته، لوهبة الزحيلي.
خامسًا: التوبة والعقوبة:
1- نوعا الجزاء أو العقوبة في الإسلام:
من المعلوم أن الشريعة الإسلامية تقرر نوعين من العقاب على الجرائم: وهما عقاب دنيوي وعقاب أخروي.
فالعقاب الدنيوي: هو الذي تطبقه السلطة الزمنية الحاكمة في الدنيا.
والعقاب الأخروي: هو الذي يوقعه الله تعالى على العاصي في عالم الآخرة كالتعذيب في النار ونحوه.
والجنايات الموجبة للعقوبة الدنيوية المحددة هي -كما تقدم- ثلاث عشرة: وهي القتل، والجرح، والزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والبغي، والحرابة -قطع الطريق- والردة، والزندقة، وسب الله وسب الأنبياء والملائكة، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام.
والسبب في تنوع العقاب في الإسلام هو الحماية الفعلية للأنظمة والأخلاق والفضائل وقمع الرذائل والقضاء عليها. فمن أفلت من عقاب الحاكم الزمني غفلة منه، أو تحايلًا عليه أو لعدم توافر وسائل الإثبات المطلوبة، أو لم يكن لجريمته عقاب مقرر في القوانين المطبقة كالكذب وخلف الوعد والحقد والحسد والغيبة والنميمة ونحوها، عوقب على مخالفاته في عالم الآخرة بين يدي أحكم الحاكمين الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
كما أن الجزاء الأخروي يمتاز بمكافأة الصالحين على فعل الخير تشجيعًا للفضيلة وحثًا على الاستقامة وصلاح الأعمال في الدنيا. والتوبة النصوح قد تساعد على تطبيق العقوبة في الدنيا بالإقرار بالجريمة أمام القاضي، وقد تسقط الجزاء الأخروي فتساهم في إصلاح المجرم، وإنقاذه من الزلات والأخطاء التي ارتكبها، وتجعله في عداد الصالحين، فيتحقق تلقائيًا أو بصفة ذاتية الهدف الجوهري من تشريع العقوبات الزاجرة.
2- الهدف من العقوبة:
يلتقي الفقه الإسلامي كأساس عام مع أفضل المبادئ والنظم التي توصلت إليها المدرستان التقليدية والوضعية لتحديد أساس حق العقاب ووظائف العقوبة قانونًا.
ففي مواجهة المدرسة التقليدية التي تقيم حق العقاب على أساس منفعة الصالح الاجتماعي عن طريق المنع أو الوقاية في المستقبل، نرى فقهاءنا يقررون أن أساس أو مناط العقوبات المقررة شرعًا هو مصلحة الناس العامة وسعادتهم، فكل ما يحقق مصالح البشرية فهو مشروع مطلوب؛ لأن المقصود الأصلي من مشروعية الحدود والتعزيرات هو زجر الناس وردعهم عن ارتكاب المحظورات وترك المأمورات دفعًا للفساد في الأرض، ومنعًا من إلحاق الضرر بالأفراد والمجتمعات. قال ابن عابدين: إن مدار الشريعة بعد قواعد الإيمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم.
ومن حرص الشريعة على تحقيق المصلحة في العقاب: أنها تمنع كل الوسائل التي تؤدي إلى الإجرام كتناول المسكرات والمخدرات، بل واعتبرتها جرائم في ذاتها وتطبيقات مبدأ -سد الذرائع- تؤكد ذلك، فالفاحشة مثلًا حرام، والنظر إلى عورة الأجنبية حرام، لأنها تؤدي إلى الفاحشة.
ثم إنه في مواجهة المدرسة التقليدية الجديدة التي تقول: إن أساس حق العقاب هو العدالة المطلقة مجردة عن فكرة المنفعة، يقرر فقهائنا ضرورة وجود تناسب بين الجريمة وعقوبة التعزير. ولكن دون فصل لمبدأ العدالة عن مراعاة المصلحة. وإنما يستهدف العقاب تحقيق العدالة وحماية المصالح الاجتماعية الثابتة.
وفي مواجهة المدرسة الوضعية التي تتفق مع المدرسة التقليدية من حيث ارتكازها على المبدأ النفعي، وتطالب بالعناية بشخص المجرم لتقدير درجة خطورته ومدى قابليته للإصلاح، نرى فقهاءنا يقررون ذلك صراحة عند تقدير القاضي العقوبات التعزيرية لأكثر الجرائم الواقعة، وذلك على قدر الجناية وعلى قدر مراتب الجاني. كما أن فقهاءنا يتميزون أساسًا سواء في الحدود والتعزيرات بفتح باب التوبة عن المخالفات، ليبادر الجاني إلى إصلاح نفسه إصلاحًا ذاتيًّا صادرًا عن اقتناع واختيار وحرية فكرية.
3- الحاجة إلى العقوبة:
في كل إنسان نزعتا الخير والشر، وبما أن الخير سبيل الإصلاح والتقدم والسعادة وجب تقوية دوافع الخير في الإنسان، وإضعاف عوامل الشر في نفسه، فكان لا بد من تشريع العقاب الزاجر، لأنه يساعد في مقاومة الميل إلى الشر، ويرغب في الخير.
وحينئذ يعتبر تطبيق العقوبة على الجناة محققًا لمبدأ الرحمة العامة، والرحمة العامة في الحقيقة: هي العدل، والعدالة الحقيقية هي الرحمة الحقيقية، ويعني ذلك أن الرحمة والعدالة في الشريعة متلازمتان، فليست الرحمة فوق العدل، ولا العدل فوق الرحمة أو القانون، بدليل صريح القرآن الكر يم: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا}. فإذا كانت العدالة تقتضي تعجيل العقوبة في الدنيا، فإن الرحمة تستدعي تأخيرها فتحًا لباب الأمل والتوبة والعدول عن المخالفة أمام كل إنسان في الحياة، وبذلك تكون التوبة أثرًا من آثار الرحمة الواجب مراعاتها في تشريع العقاب مع مراعاة العدالة، وهذا هو جوهر رسالة الإسلام. قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} قال ابن القيم: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها وحكمة كلها".
وقال ابن تيمية: "من رحمة الله سبحانه وتعالى أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال والقتل والجراح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام؛ وشرعها على أكمل الوجوه، المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع". واستعرض العز بن عبد السلام مفاسد الجرائم التي شرعت عنها الزواجر من الحدود والتعزيرات بعبارة دقيقة البيان عميقة التحليل.
وقال الشاطبي في "الموافقات": "إن أحكام الشريعة ما شرعت إلا لمصلحة الناس، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله"...
4- فلسفة التوبة، أو هل تؤثر التوبة على المصلحة المقصودة من العقاب؟.
إن الشريعة الإسلامية -كما هو معروف- تستهدف في أحكامها حماية مصالح الدنيا، وحفظ مقاصد الآخرة، بل إن الدنيا في الحقيقة مزرعة الآخرة، كما ورد في الأثر.
وبناء على هذا فلا يتصور أن تكون التوبة سببًا في ضياع مصلحة الجماعة في تطبيق العقوبة، ولا وسيلة تؤدي إلى الإغراء بالمعاصي والتجرئة عليها أو تسهيل ارتكابها، وإنما على العكس تكون التوبة الصادقة مساعدة على استئصال شأفة الجريمة، لأنه إذا كانت الغاية الأولى للعقاب هي إصلاح المجرم، فإن التوبة أقوى تأثيرًا في تحقيق تلك الغاية لصدروها عن باعث ذاتي واقتناع داخلي. فهي إذن تفتح باب الأمل أمام المخطئين، وتدفعهم إلى معترك الحياة بروح إيجابية جديدة وحيوية وفعالية منتجة.
ثم إن دور التوبة مقصور -باتفاق الفقهاء كما سأبين- على الحالة التي لم تعرض فيها قضية الجريمة على محاكم القضاء، وفي حقوق المجتمع المحضة -أي حق الله بتعبير فقهائنا- فإن عرضت القضية على الحاكم لم يكن للتوبة تأثير في إسقاط العقوبة. وإن مست الجريمة حقًا شخصيًّا للفرد لم يَقبَل الحد -أي العقوبة المقدرة شرعًا- الإسقاط أيضًا بالتوبة ولا بغيرها كالإبراء والعفو والتنازل والصلح والمعاوضة.

ع2:
علاج الجريمة
ج2:
التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، لعبد القادر عودة.
الكتاب الثاني: في العقوبة:
437 - منهج البحث: يقتضي البحث في العقوبة أن نتكلم على:
1 - العقوبة بصفة عامة والمبادئ التي تقوم عليها.
2 - أقسام العقوبة وما يدخل تحت كل قسم من عقوبات.
2 - تعدد العقوبات.
4 - استيفاء العقوبات.
5 - سقوط العقوبات.
وسنخصص لكل موضوع من هذه المواضيع بابًا خاصًّا.
الباب الأول:
العقوبة: مبادئ عامة:
438 - العقوبة والغرض منها: العقوبة هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع. والمقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر، وحمايتهم من المفاسد، واستنفاذهم من الجهالة، وإرشادهم من الضلالة، وكفهم عن المعاصي، وبعثهم على الطاعة، ولم يرسل الله رسوله للناس ليسيطر عليهم أو ليكون عليهم جبارًا، وإنما أرسله رحمة للعالمين، وذلك قوله تعالى: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}، وقوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ}، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، فالله أنزل شريعته للناس وبعث رسوله فيهم لتعليم الناس وإرشادهم، وقد فرض العقاب على مخالفة أمره لحمل الناس على ما يكرهون ما دام أنه يحقق مصالحهم، ولصرفهم عما يشتهون ما دام أنه يؤدي إلى فسادهم، فالعقاب مقرر لإصلاح الأفراد ولحماية الجماعة وصيانة نظامها، والله الذي شرع لنا هذه الأحكام وأمرنا بها لا تضره معصية عاصٍ ولو عصاه أهل الأرض جميعًا، ولا تنفعه طاعة مطيع ولو أطاعه أهل الأرض جميعًا.
439 - الأصول التي تقوم عليها العقوبة: ولما كان الغرض من العقوبة هو إصلاح الأفراد وحماية الجماعة وصيانة نظامها فقد وجب أن تقوم العقوبة على أصول تحقق هذا الغرض ليؤدي العقوبة وظيفتها كما ينبغي، والأصول المحققة للغرض من العقوبة هي:
1 - أن تكون العقوبة بحيث تمنع الكافة من الجريمة قبل وقوعها، فإذا ما وقعت الجريمة كانت العقوبة بحيث تؤدب الجاني على جنايته وتزجر غيره من التشبه به وسلوك طريقه، وفي هذا يقول بعض الفقهاء عن العقوبات: "إنها موانع قبل الفعل زواجر بعده، أي العلم بشريعتها يمنع الإقدام على الفعل وإقاعها بعده يمنع العود إليه".
2 - أن حد العقوبة هو حاجة الجماعة ومصلحتها، فإذا اقتضت مصلحة الجماعة التشديد شددت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة التخفيف خففت العقوبة؛ فلا يصح أن تزيد العقوبة أو تقل عن حاجة الجماعة.
3 - إذا اقتضت حماية الجماعة من شر المجرم استئصاله من الجماعة أو حبس شره عنها وجب أن تكون العقوبة هي قتل المجرم أو حبسه عن الجماعة حتى يموت، ما لم يتب وينصلح حاله.
4 - أن كل عقوبة تؤدي لصلاح الأفراد وحماية الجماعة هي عقوبة مشروعة، فلا ينبغي الاقتصار على عقوبات معينة دون غيرها.
5 - أن تأديب المجرم ليس معناه الانتقام منه، وإنما استصلاحه، والعقوبات على اختلاف أنواعها تتفق -كما يقول بعض الفقهاء- في أنها "تأديب واستصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب".
والعقوبات "إنما شرعت رحمة من الله تعالى بعباده فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض".
ويلاحظ في التأديب أنه يختلف باختلاف الأشخاص، فتأديب أهل الصيانة أخف من تأديب أهل البذاء والسفاهة، لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم))، ولأن المقصود من التأديب الزجر عن الجريمة وأحوال الناس مختلفة فيه، فمنهم من ينزجر بالنصيحة، ومنهم من يحتاج إلى اللطمة وإلى الضرب، ومنهم من يحتاج إلى الحبس.
440 - نظرية الشريعة في العقاب: يلاحظ أن الأصول التي تقوم عليها العقوبة في الشريعة ترجع إلى أصلين أساسيين أو مبدأين عامين، فبعضها يعني بمحاربة الجريمة ويهمل شخصية المجرم وبعضها يعني بشخصية المجرم ولا يهمل محاربة الجريمة. والأصول التي تعني بمحاربة الجريمة الغرض منها حماية الجماعة من الإجرام، أما الأصول التي تعني بشخص المجرم فالغرض منها إصلاحه.
ولا جدال في أن بين المبدأين تضاربًا ظاهرًا؛ لأن حماية الجماعة من المجرم تقتضي إهمال شأن المجرم، كما أن العناية بشأن المجرم تؤدي إلى إهمال حماية الجماعة.
وقد قامت نظرية العقوبة في الشريعة على هذين المبدأين المتضاربين، ولكن الشريعة جمعت بين المبدأين بطريقة تزيل تناقضهما الظاهر، وتسمح بحماية المجتمع من الإجرام في أكثر الأحوال، ذلك أن الشريعة أخذت بمبدأ حماية الجماعة على إطلاقه واستوجبت توفره في كل العقوبات المقررة للجرائم، فكل عقوبة يجب أن تكون بالقدر الذي يكفي لتأديب المجرم على جريمته تأديبًا يمنعه من العودة إليها ويكفي لزجر غيره عن التفكير في مثلها، فإذا لم يكف التأديب شر المجرم عن الجماعة أو كانت حماية الجماعة تقتضي استئصال المجرم وجب استئصال المجرم أو حبسه حتى الموت. أما مبدأ العناية بشخص المجرم فقد أهملته الشريعة بصفة عامة في الجرائم التي تمس كيان المجتمع؛ لأن حماية الجماعة اقتضت بطبيعتها هذا الإهمال، والجرائم التي من هذا النوع قليلة ومحدودة بطبيعة الحال، وما عدا ذلك من الجرائم ينظر في عقوبته إلى شخصية المجرم، تستوجب الشريعة أن تكون شخصية الجاني وظروفه وأخلاقه وسيرته محل تقدير القاضي عند الحكم بالعقوبة.
تقسيم الجرائم: ولقد نشأ عن الجمع بين المبدأين على هذه الصورة أن أصبح لكل مبدأ حيز ينطبق فيه ومدى ينتهي إليه، ولتقيم الشريعة معالم واضحة للحيز الذي ينطبق فيه كل مبدأ قسمت الجرائم قسمين:
القسم الأول: الجرائم الماسة بكيان المجتمع: يدخل تحت هذا القسم كل القسم كل الجرائم التي تمس كيان المجتمع مساسًا شديدًا، وهي نوعان لكل منهما حكم مختلف.
1 - النوع الأول: والنوع الأول من الجرائم الماسة بكيان المجتمع يشمل جرائم الحدود التامة، وهي سبع جرائم:
1- الزنا، القذف، الشرب.
4- السرقة، الحرابة، الردة.
7- البغي.
وقد وضعت الشريعة لهذه الجرائم السبع عقوبات مقدرة ليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها أو يستبدل بها غيرها، فمن ارتكب جريمة منها أصابته العقوبة المقررة لها دون نظر إلى رأي المجني عليه أو إلى شخصية الجاني، وليس لولي الأمر أن يعفو عن الجريمة أو العقوبة بحال من الأحوال.
وقد اتجهت الشريعة في جرائم الحدود إلى حماية الجماعة من الجريمة وأهملت شأن المجرم إهمالًا تامًا، فشددت العقوبة وجعلتها مقدرة، ولم تجعل للقاضي أو ولولي الأمر سلطانًا على العقوبة، وعلة التشديد أن هذه الجرائم من الخطورة بمكان، وأن التساهل فيها يؤدي حتمًا إلى تحلل الأخلاق وفساد المجتمع واضطراب نظامه وازدياد الجرائم، وهي نتائج ما ابتلى بها جماعة إلا تفرق شملها واختل نظامها وذهب ريحها، فالتشدد في هذه الجرائم قصد به الإبقاء على الأخلاق وحفظ الأمن والنظام، أو بتعبير آخر: قصد به مصلحة الجماعة، فلا عجب أن تهمل مصلحة الفرد في سبيل مصلحة الجماعة، بل العجب أن لا تضحي بمصلحة الفرد في هذا السبيل.
ب - النوع الثاني: والنوع الثاني من الجرائم الماسة بكيان المجتمع يشمل جرائم القصاص والدية؛ وهي جرائم القتل والجرح سواء كانت عمدًا أو خطأً، أو هي على وجه التحديد:
1- القتل العمد القتل شبه العمد الخطأ.
4- الجرح العمد الجرح الخطأ.
وقد وضعت الشريعة لهذه الجرائم عقوبتين هما: القصاص أو الدية في حالة العمد والدية في حالة الخطأ، وحرمت على القاضي أن ينقص من هاتين العقوبتين أو يزيد فيهما أو يستبدل بهما غيرهما، كما حرمت على ولي الأمر أن يعفو عن الجريمة أو العقوبة، وعلى هذا فمن ارتكب جريمة من هذه الجرائم أصابته العقوبة المقررة لها دون نظر إلى ظروف الجاني وشخصيته. وإذا كانت الشريعة قد حرمت العفو على ولي الأمر فإنها قد أباحته للمجني عليه أو وليه، فإذا عفا المجني عليه أو وليه في العمد سقط القصاص وحلت محله الدية إذا كان العفو على الدية، فإذا كان العفو مجانًا سقطت الدية أيضًا. وفي جرائم الخطأ يسقط العفو الدية، ويترتب على سقوط القصاص في العمد والدية في الخطأ جواز معاقبة الجاني بعقوبة تعزيرية، والعقوبات التعزيرية ينظر فيها إلى شخص المجني عليه وظروفه.
وظاهر مما سبق أن الشريعة تتجه أصلًا في جرائم القصاص والدية إلى حماية الجماعة من الجريمة وإهمال شأن المجرم، وأنها لا تعني بشخصية الجاني وظروفه إلا إذا عفا المجني عليه أو وليه، وقد منحت الشريعة حق العفو للمجني عليه أو وليه، لأن الجريمة وإن كانت ماسة بكيان المجتمع إلا أنها تمس المجني عليه أكثر مما تمس المجتمع، بل إنها لا تمس المجتمع إلا عن طريق مساسها بالمجني عليه، فإذا عفا المجني عليه أو وليه لم يعد ما يدعو لإهمال شأن المجرم والتشدد في حماية الجماعة؛ لأن أثر الجيمة الخطر يزول بالعفو فتصبح الجريمة غير خطرة ولا تؤثر على كيان المجتمع.
والواقع أن المجني عليه أو وليه لا يعفو إلا إذا صفح عن الجاني أو رأى في الدية فائدة مادية يهمه الاحتفاظ بها، فعله العفو هي إما الصفح أو الفائدة المادية التي تعود على المجني عليه وأوليائه، وكلاهما علة مشروعة تحلها الشريعة محل الاعتبار، لأن الصفح معناه القضاء على الخصومات والأحقاد، ولأن تفصيل الفائدة المادية على العقوبة البدنية معناه التسامح والصفح وإضعاف حدة الخصومات، ولا شك أن حق المجني عليه أو وليه أن يكون أول من تعود عليه الجريمة بالفائدة إذا أمكن ذلك بعد أن أصيب منها وتحمل من آلامها ما لم يتحمله غيره.
القسم الثاني: الجرائم الأخرى: ويشمل هذا القسم كل الجرائم التي لا تدخل تحت القسم الأول. أو هو يشمل الجرائم التي تعاقب عليها الشريعة بعقوبات غير مقدرة، فيدخل تحت هذا القسم كل الجرائم المعاقب عليها بعقوبة تعزيرية، وهي على ثلاثة أنواع:
1- جرائم التعازير الأصلية، أي كل جريمة ليست من جرائم الحدود ولا من جرائم القصاص والدية.
2- جرائم الحدود التي لا يعاقب عليها بعقوبة مقدرة، وهي جرائم الحدود غير التامة، وجرائم الحدود التي يدرأ فيها الحد.
3- جرائم القصاص والدية التي يعاقب عليها بعقوبة غير مقدرة، وهي الجرائم التي لا قصاص ولا دية فيها.
والجرائم التي تدخل تحت هذا القسم ليست في خطورة جرائم القسم الأول، ولهذا كان لها حكم مختلف، ففي القسم الأول تقيد الشريعة القاضي بعقوبة معينة مقدرة ليس له اختيار غيرها وليس له أن يزيد فيها أو ينقص منها، أما في القسم الثاني فتترك الشريعة الحرية للقاضي في اختيار العقوبة الملائمة من بين مجموعة من العقوبات، كما تترك له تقدير كمية العقوبة اللازمة وتقدير ظروف الجريمة وظروف المجرم، فإن رأى أن ظروف الجريمة وظروف المجرم لا تقتضي التخفيف عاقب المجرم بما تستحقه جريمته، وإن رأى ظروف الجاني تقتضي التخفيف عاقبه بالعقوبة الملائمة لشخصه وظروفه وسيرته وأخلاقه، وإن رأى أن ظروف الجريمة تقتضي التشديد وظروف الجاني تقتضي التخفيف توسط بين الأمرين فلم يغلظ العقوبة ولم يخففها.
وفي هذا القسم تطبق الشريعة الأصول التي تقوم عليها نظرية العقوبة منفردة ومجتمعة، فإذا لم تكن ظروف الجاني تقتضي التخفيف روعي في تقدير العقوبة واختيار نوعها حماية الجماعة من الجريمة ولم يراعى فيها غير هذا الاعتبار، وإذا كانت ظروف الجاني تقتضي التخفيف روعي في تقدير العقوبة واختيار نوعها شخصية الجاني. وإذا كانت ظروف الجريمة تقتضي التشديد وظروف الجاني تقتضي التخفيف روعي بقدر الإمكان في اختيار العقوبة وتقدير كميتها أن تحمي الجماعة من الإجرام وأن تلائم شخصية المجرم.
ورأى المجني عليه ليس له اعتبار لذاته في هذا القسم، وعفوه لا يسقط العقوبة، ولكن العفو ينظر إليه باعتباره ظرفًا قضائيًا مخففًا للجاني، فإذا تصالح المجني عليه مع الجاني أو عفا عنه كان للقاضي أن يعتبر الصلح أو العفو ظرفًا مخففًا في صالح الجاني. والعلة في عدم إسقاط العقوبة التعزيرية بالعفو أن كل عقوبة فيها حقان: حق للمجني عليه وحق للجماعة، فإذا أسقط المجني عليه حقه بقى حق الجماعة، بعكس الحال في عقوبتي القصاص والدية فيما من حق المجني عليه أو وليه دون غيرهما، فإذا عفا أحدهما سقطت العقوبة وحل محلها التعزير على اعتبار أن التعزير حق الجماعة، ولهذا لا يظهر أثر العفو في عقوبات التعازير كما يظهر في القصاص والدية؛ لأن عقوبة التعزير فيها حق المجني عليه وحق الجماعة، فإذا أسقط حق المجني عليه بقى حق الجماعة، أما القصاص والدية فهما من حق المجني عليه وحده فإذا عفا أسقطهما العفو.
العلة في اعتبار جرائم القسم الأول ماسة بكيان المجتمع: قلنا: إن الشريعة تشددت في جرائم القسم الأول واتجهت في اختيار العقوبة وتقديرها إلى حماية المجتمع من الإجرام وأهملت شخصية الجاني إهمالًا تامًا، إلا إذا عفا المجني عليه في جرائم القصاص والدية دون غيرها. وقلنا: إن الشريعة أرادت بذلك حماية المجتمع لأن جرائم القسم الأول بنوعيها تمس كيان المجتمع مساسًا شديدًا، وقد بقى أن نعرف كيف تمس هذه الجرائم كيان المجتمع، وذلك هو ما سنبينه الآن.
فالجماعات مهما اختلفت على المبادئ أو اختلفت عليها العصور تشترك في أنظمة معينة تعيش عليها الجماعة ويقوم كيانها عليها، ولو بحثنا كل الأنظمة التي تقوم عليها الجماعات في كل أقطار الأرض لوجدنا كل الجماعات تشترك في أربعة أنظمة هي الدعائم التي يقوم عليها فعلًا كل مجتمع على وجه البسيطة، وهذه الأنظمة الأربعة هي:
1- نطام الأسرة - نظام الملكية الفردية
3- النظام الاجتماعي للجماعة - نظام الحكم في الجماعة.
فوجود الرجل والمرأة وقدرتهما على التناسل وحاجة هذا النسل إلى من يعوله حتى يبلغ أشده؛ كل هذا اقتضى بطبيعته أن يستأثر كل رجل بامرأة معينة، وأن ينسب لنفسه من تلده من أبناء، وهكذا اقتضى وجود الرجل والمرأة وجود نظام الأسرة، وصار هذا النظام أساسًا تقوم عليه كل جماعة؛ لأن الجماعة ليست إلا مجموعة من الأفراد، ولا يزال نظام الأسرة حتى في الدول الشيوعية عماد المجتمع وسيظل كذلك إلى ما شاء الله.
وحاجة الإنسان الطبيعية الدائمة إلى المطعم والمشرب والملبس والمسكن وأدوات السعي لهذه ولغيرها من المنافع إلى تملك هذه الأشياء والاستئثار بها دون غيره من الناس لنفسه أولًا ولنفسه ولأسرته بعد أن اقتضى الحال وجود نظام الأسرة، وهكذا وجد نظام الملكية الفردية كما وجد نظام الأسرة؛ أوجدتهما طبيعة الإنسان وطبيعة الأشياء، وسيظل كلاهما قائمًا ما لم تتغير طبائع البشر وطبائع الأشياء ولن تتغير حتى تبدل الأرض غير الأرض والسموات.
وإذا كانت المبادئ الاشتراكية والشيوعية تحبذ الملكية الجماعية وتؤثرها على الملكية الفردية فإن غلاة المعتنقين لهذه المبادئ لم يقولوا بإلغاء الملكية الفردية إلغاء مطلقًا؛ لأن هناك من الملكيات الفردية ما تقتضي الطبيعة وجوده والمحافظة عليه، فكل إنسان يجب أن يملك طعامه وكساءه ومسكنه وأداة عمله وإلا استحالت عليه الحياة.
وقد اقتضى نظام الأسرة ونظام الملكية الفردية الاعتراف بشخصية الفرد وحريته وحقه في حماية نفسه وأسرته وملكه، ولكن ضعف الفرد وكثرة حاجاته وقلة وسائله وحاجاته إلى التعاون مع غيره كل ذلك دعا إلى تكوين الجماعة.
وتكوين الجماعة يقتضي بطبيعته أن يكون للجماعة نظام اجتماعي تقوم الجماعة على مبادئه ويبين حقوق الأفراد وواجباتهم. والنظام الاجتماعي للجماعة يختلف باختلاف الجماعات، فالجماعات الإسلامية نظامها الاجتماعي يقوم على مبادئ الإسلام، والجماعات غير الإسلامية يقوم نظامها الاجتماعي على أساس الاشتراكية أو الشيوعية أو الرأسمالية أو غير ذلك من الأنظمة الاجتماعية.
كذلك اقتضى تكوين الجماعة أن يقوم فيها نظام للحكم يصرف شئونها ويسهل على مصالحها ونظامها الاجتماعي ويوفر الأمن لها في الدخل والخارج. ونظام الحكم يختلف باختلاف البلاد، ففي بعض البلاد يكون الحكم جمهوريًا وفي بعضها ملكيًا إلى غير ذلك، وهكذا وجد نظام الحكم وكان وجوده نتيجة ضرورية لوجود الجماعة نفسها.
هذه هي الأنظمة الأربعة التي يقوم عليها كيان المجتمع، كل مساس بها يمس المجتمع في أصل وجوده ويهدم أهم مقوماته، ولذلك حرصت الشريعة الإسلامية على أن تحمي هذه النظم من كل اعتداء؛ لأن في حمايتها بقاء الجماعة وصلاحيتها للبقاء، ولأن كل تهاون في احتياطها وحمايتها يؤدي إلى انحلال الجماعة وسقوطها.
وقد تقصت الشريعة الاعتداءات الخطيرة التي يمكن أن تمس هذه الأنظمة فوجدتها تنحصر في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، وهي: الزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي، والقتل والجرح في حالتي العمد والخطأ.
فالزنا اعتداء على نظام الأسرة، ولو لم يعاقب عليه لكان لكل امرئ أن يشارك الآخر في أي امرأة شاء، وأن يدعي من شاء أو يتنصل ممن شاء من الأبناء؛ وأخيرًا فإن إباحة الزنا معناها الاستغناء عن نظام الأسرة وهدم الدعامة الأولى من الدعائم التي تقوم عليها الجماعة.
والسرقة اعتداء على نظام الملكية الفردية، ولو لم يعاقب عليها لكان لكل امرئ أن يشارك غيره وطعامه وشرابه وكسائه ومسكنه وأداة عمله، وكانت الغلبة آخر الأمر للأقوياء، وكان الجوع والعري والحرمان للضعفاء، فإباحة السرقة معناها الاستغناء عن نظام الملكية الفردية، وعجز الأفراد عن الحصول على ضروريات الحياة، وسقوط الجماعة بعد سقوط أهم الدعامات التي قامت عليها.
والردة اعتداء على النظام الاجتماعي للجماعة؛ لأن النظام الاجتماعي لكل جماعة إسلامية هو الإسلام، ولأن الردة معناها الكفر بالإسلام والخروج على مبادئه والتشكيك في صحته، ولا يمكن أن يستقيم أمر الجماعة إذا وضع نظامها الاجتماعي موضع التشكيك والطعن؛ لأن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى هدم هذا النظام.
والبغي اعتداء على نظام الحكم في الجماعة؛ لأن جريمة البغي تعني الخروج على الحكام ومعصيتهم، أو تعني طلب تغييرهم نظام الحكم نفسه، وإباحة مثل هذه الجريمة يؤدي إلى إشاعة الخلاف والاضطراب في صفوف الجماعة، ويقسمها شيعًا وأحزابًا تتقابل وتتناحر في سبيل الحكم، كما يؤدي إلى اختلاف الأمن والنظام وسقوط الجماعة وانحطاطها.
وجرائم القتل والجرح اعتداء من ناحية على حياة الأفراد المكونين للجماعة، وهي من ناحية أخرى اعتداء على النظام الاجتماعي ونظام الحكم في الجماعة؛ لأن هذه الجرائم تمس حياة الأفراد وأبدانهم، والنظام الاجتماعي يقتضي حماية الأفراد وعصمة أنفسهم وأموالهم، كما أن نظام الحكم وجد لإقامة النظام الاجتماعي وتوفير الأمن للجماعة، فالتساهل في محاربة هذه الجرائم يؤدي إلى تحكم الأقوياء في الضعفاء، وصرف الأفراد عن العمل المنتج وانصرافهم إلى التنازع والتناحر، واستنباط الوسائل لحماية أرواحهم وأنفسهم، وهذا يؤدي بالتالي إلى تفكك الجماعة وانحلالها. وقد حرصت الشريعة على أن لا يصل الجماعة لهذه الحالة فقررت عقوبة القصاص في حالة العمد والدية في حالة الخطأ، وهي عقوبات رادعة قصد منها حماية الأفراد المكونين للجماعة، وبث الأمن بينهم، وتوفير الطمأنينة في نفوسهم.
وجريمة القذف اعتداء على نظام الأسرة؛ لأن القذف في الشريعة قاصر على ما يمس الأعراض، ولأن القذف الماس بالأعراض هو تشكيك في صحة نظام الأسرة. فمن يقذف شخصًا فإنما ينسبه لغير أبيه وبالتالي لغير أسرته، وإذا ضعف الإيمان بنظام الأسرة فقد ضعف الإيمان بالجماعة تقوم على هذا النظام.
وجريمة الشرب تؤدي إلى فقدان الشعور، وإذا فقد شارب الخمر شعوره فقد أصبح على استعداد لارتكاب السرقة والقذف والزنا وغير ذلك من الجرائم، فضلًا عن أن شرب الخمر يضيع المال ويفسد الصحة ويضعف النسل ويذهب العقل، والنظام الإسلامي يحرم شرب الخمر تحريمًا قاطعًا، فإتيان هذه الجريمة اعتداء من كل وجه على الجماعة، وهدم للنظم التي تقوم عليها الجماعة.
وجريمة الحرابة إن اقتصرت على السرقة فهي اعتداء على نظام الملكية الفردية، وإن صحبها القتل فهي أيضًا اعتداء على حياة الأفراد المكونين للجماعة، وإن اقتصرت على ترويع المجني عليه فهي اعتداء على أمن الجماعة، والاعتداء على حياة الأشخاص وأمنهم هو اعتداء على نظام الاجتماعي وعلى نظام الحكم؛ لأن كل جماعة ملزمة بحماية حياة الأفراد وتوفير الأمن لهم، لأن ذلك ضروري لبقاء الجماعة، فإذا لم تكن هذه الجماعة فمعنى ذلك تفكك الجماعة وانحلالها؛ لأن الأساس الأول لبقاء الجماعة وهو حماية أفرادها منعدم، ولا يحمي الأفراد ويمنع الاعتداء على حياتهم وأمنهم إلا تقرير العقوبة الرادعة على هذا الاعتداء.
هذه هي الجرائم التي تمس كيان المجتمع مساسًا مباشرًا، عاقبت عليها الشريعة بعقوبات رادعة، وأهملت في تقدير العقوبة شخصية الجاني إبقاء للجماعة وحماية لها. وإذا قلنا إن هذه الجرائم تمس كيان الجماعة فليس معنى ذلك أن باقي الجرائم لا تمس الجماعة من قريب أو بعيد، إذ الواقع أن كل جريمة أيًا كانت تمس الجماعة، ولكننا نستطيع أن نقول: إنه ليس في الجرائم كلها ما يمس الأسس التي يقوم عليها المجتمع مساسًا مباشرًا مثل الجرائم التي احتفظت لها الشريعة بهذه العقوبات، وإن بقية الجرائم إن مست مصالح المجتمع فإنها لا يمس الأنظمة التي تقوم عليها الجماعة، وإن مست هذه الأسس فإنها لا تمسها مساسًا مباشرًا وخطيرًا، وهكذا كانت الشريعة منطقية وواقعية حين أهملت شخصية الجاني في الجرائم التي تمس كيان المجتمع وتتصل بالأسس التي يقوم عليها، وكانت الشريعة منطقية وواقعية حين ميزت بين هذه الجرائم من ناحية وبقية الجرائم من ناحية أخرى، لتفاوت الخطورة والآثار في النوعين.
علة التفرقة في العقاب بين جرائم الحدود وبين جرائم القصاص والدية: وتعتبر الشريعة جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية ماسة بكيان المجتمع وبالأسس التي يقوم عليها، وبالرغم من هذه التسوية فقد أبيح للمجني عليه أو وليه حق العفو عن العقوبة في جرائم القصاص والدية ولم تبح له أن يعفو في جرائم الحدود، وعلة التفرقة أن جرائم الحدود يصيب ضررها المباشر الجماعة أكثر مما يصيب الأفراد، وأن جرائم القصاص والدية مع مساسها بكيان المجتمع يصيب ضررها المباشر الأفراد أكثر مما يصيب الجماعة، فالسرقة والحرابة والقذف والشرب والردة والبغي هي في ذاتها تهديد للجماعة واعتداء عل أمنها ونظامها أكثر مما هي تهديد واعتداء على الأفراد الذين تقع عليهم، فالفرد قد يسرق منه بعض ماله فلا يحزنه ما سرق منه بقدر ما يهدده هذا العمل ويخيفه على بقيه ماله وبقدر ما يخيف جيرانه ومعارفه وأهل بلده ويهدد أموالهم بخطر السرقة، ومثل ذلك يقال عن بقية جرائم الحدود، فضررها على الجماعة أشد من ضررها على الأفراد. أما جرائم القتل والجرح فهي تصيب الأفراد بأكثر مما يصيب الجماعة، وتعتبر إلى حد ما جرائم شخصية، بمعنى أن مرتكبها لا يقصد الاعتداء على كل شخص يلقاه إنما يقصد الاعتداء على شخص بعينه، فإذا لم يستطع الوصول إليه لم يعتد على غيره، ولهذا لا يهز الاعتداء الجماعة فإذا وقع لا يؤثر على أمنها تأثيرًا شديدًا، أما السارق مثلًا فإنه يطلب المال أنى وجده، فإن لم يستطع سرقة شخص بذاته سرق أي شخص آخر؛ لأنه يقصد المال وهو في يد كل الأفراد، وكذلك الزاني فإنه لا يطلب امرأة بعينها إنما يطلب المرأة أيًا كانت، فإذا تعسرت عليه امرأة بحث عن غيرها.
ولأن جرائم القصاص والدية تمس الفرد أكثر مما تمس الجماعة ترك للمجني عليه وأوليائه أن يختاروا بين القصاص والدية في حالة العمد، وجعلت الدية من حق المجني عليه كتعويض له عما أصابه من الجريمة، وترك له أن يعفو عن القصاص وعن الدية معًا.
441 - نظرية العقاب في القوانين الوضعية: كانت القوانين الوضعية حتى أواخر القرن الثامن عشر تنظر إلى المجرم نظرة تفيض عنفًا وقسوة، وكان أساس العقوبات المبالغة في الإرهاب والانتقام والتشهير، وكان من العقوبات المقررة المعترف بها قانونًا: الحرق، والصلب، وتقطيع الأوصال، وصلم الآذان، وقطع الشفاه واللسان، والوشم بأداة محماة في النار، ولبس أطواق من الحديد، والنفي، والجلد، والحبس.
ولم تكن العقوبات في غالب تتناسب مع أهمية الجرائم التي قررت لها، فبالرغم من قسوة بعض العقوبات التي ذكرناها وفظاعة بعضها كانت عقوبة الإعدام جزاء لكثير من الجرائم البسيطة، فمثلًا كان القانون الإنجليزي حتى آخر القرن الثامن عشر يعاقب على مائتي جريمة بعقوبة الإعدام، ومن هذه الجرائم سرقة أكثر من شلن من شخص ما أي ما يقابل خمسة قروش تقريبًا في العملة المصرية، وكان لقانون الفرنسي يعاقب بالإعدام على مائتين وخمس عشرة جريمة معظمها جرائم بسيطة.
وكما كان الإنسان الحي أهلًا للمسئولية والعقاب فكذلك كان الأموات، بل كذلك كان الحيوان والجماد، فكان القانون يجيز محاكمة الإنسان حيًا ويجيز محاكمته ميتًا، ويجيز محاكمة الحيوان والجماد،، ويجيز توقيع العقوبة على الإنسان الحي الذي يحس ويتألم ويفكر ويعقل كما يجيز توقيع على جثث الأموات الذين فقدوا الإحساس بالألم وخرجوا من دنيا التفكير والتعقل، بل كان يجيز توقيع العقوبة على الحيوان الأبكم الذي لا يستطيع التفكير في جريمته والدفاع عن نفسه، ويجيز توقيعها على الجماد الذي لا يحس بالجريمة ولا يشعر بالمحاكمة ولا يتألم من العقوبة.
وكان الأساس الذي تقوم عليه العقوبة هو الانتقام من المجرم وإرهاب غيره، وفكرة الانتقام والإرهاب هي التي سوغت تقرير العقوبات القاسية، وهي التي سوغت التمثيل بالمجرم وتشويه جسمه، بل هي التي سوغت محاكمة الأموات ومحاكمة الحيوانات والجماد، فالميت والجماد لن يشعر أحدهما بالمحاكمة ولن يحس بالعقوبة، والحيوان لا يشعر بالمحاكمة أو لا يفقه معناها وقد يحس بالعقوبة ويتألم منها ولكنها لن تردعه عن الفعل الذي حوكم من أجله؛ لأنه لا يعقل شيئًا من المحاكمة ولا يفهم سبب العقوبة، ولكن محاكمة الأموات والجمادات والحيوانات وإنزال العقوبات بالجميع تؤدي إلى إرهاب الناس أيما إرهاب وتمثل فكرة الانتقام خير تمثيل.
وفي القرن الثامن عشر بدأ الفلاسفة وعلماء الاجتماع يعملون على هدم الأساس الذي تقوم عليه العقوبة ويحاولن إقامتها على أساس آخر، فأخذ "روسو" يبرز العقوبة بالعقد الاجتماعي ويرى أن الغرض منها هو حماية الجماعة من المجرم ومنعه من إيذاء غيره، وبرر "بكاريا" العقوبة بأنها حق الدفاع يتنازل عنه الأفراد للجماعة وأن الغرض منها تأديب المجرم وزجر غيره، وقد تأثر رجال الثورة الفرنسية بهذه الآراء فطبقوها في القانون الفرنسي الصادر في سنة 1791. ثم جاء "بنتام" فبرر العقوبة بمنفعتها للجماعة حيث تقوم بحمايتها واستوجب في العقوبة أن تكون كافية لتأديب الجاني وزجر غيره، ثم ظهر رأي "كانت" وهو يبرر العقوبة بالعدالة، ورأى البعض التوفيق بين مذهب المنفعة ومذهب العدالة فرأى أن لا تكون العقوبة أكثر مما تستدعيه الضرورة ولا أكثر مما تسمح به العدالة.
وتمتاز النظريات السابقة بأنها تهمل شخصية المجرم وتنظر إلى الجريمة ومقدار جسامتها وأثرها على المجتمع، ولذلك لم تؤد إلى حل مشكلة العقاب حلًا يحسن السكوت عليه.
وظهرت بعد ذلك النظرية العلمية أو النظرية الإيطالية، وهي تقوم على إهمال الجريمة إهمالًا تامًا والنظر إلى شخصية المجرم، فيرى أصحاب النظرية أن تكون العقوبة متناسبة مع عقلية المجرم وتكوينه وتاريخه ودرجة خطورته، فالمجرم المطبوع على الإجرام يبعد إبعادًا مؤبدًا عن المجتمع أو يحكم عليه بالإعدام، ولو كانت جريمته بسيطة، والمجرم الذي اعتاد الإجرام يأخذ حكم المطبوع على الإجرام إذا تمكنت منه العادة، والمجرم الذي تجعل منه المصادفات والظروف مجرمًا يعاقب عقابًا هينًا لينًا ولو كانت جريمته خطيرة، والمجرم الذي يرتكب الجريمة تحت تأثير العاطفة لا ضرورة لعقابه.
ولم تفلح النظرية العلمية في حل مشكلة العقوبة أيضًا؛ لأنها تنظر إلى المجرم وتهمل الجريمة، ولأنها تفرق بين المجرمين دون فارق ملحوظ أو محدود، ولأنها تترك بعض المجرمين دون عقاب بينما تأخذ غيرهم ممن ارتكبوا نفس الفعل بأشد العقاب.
وقد وجد بعض علماء القانون أن النظريات القديمة أخفقت؛ لأنها تحتفل بالجريمة وتهمل شأن المجرم، وأن النظرية العلمية أخفقت لأنها تحتفل بالمجرم وتهمل الجريمة، فرأوا أن يدمجوا الفكرتين اللتين تقوم عليهما هذه النظريات ويقيموا عليهما نظرية جديدة بحيث يتمثل في العقوبة على كل جريمة فكرتان: فكرة التأديب والزجر، وفكرة شخصية المجرم، ولكن هذه النظرية المختلطة فشلت أكثر مما فشلت النظريات السابقة؛ لأنها تقوم على فكرتين تناقض إحداهما الأخرى في أكثر الأحوال، فالنظر في كل عقوبة إلى شخصية المجرم لا يحقق دائمًا فكرة التأديب والزجر؛ أي حماية المجتمع وعلى الأخص في الجرائم الخطيرة التي تتمس الأمن والنظام والأخلاق، والأخذ بفكرة حماية المجتمع في كل عقوبة يمنع من الالتفات لشخصية المجرم في الجرائم الخطيرة والبسيطة على السواء.
ويمكن القول بأن الاتجاه السائد اليوم لدى شراح القوانين الوضعية هو أن الغرض من العقوبة تأديب المجرم واستصلاحه ومعاونته على استعادة مكانته السابقة في الهيئة الاجتماعية.
ومع أن هذا هو الاتجاه الأساسي فهناك اتجاه ثان يرى أصحابه أن تكون العقوبة أداة استئصال كلما كان المجرم غير قابل للإصلاح.
وهناك اتجاه ثالث يرى أصحابه أن تكون العقوبة وسيلة لحماية المجتمع وإرهاب من تحدثه نفسه بارتكاب الجرائم، وقد أيد الاتحاد الدولي لقانون العقوبات هذا الاتجاه وأخذت به بعض البلاد الأوروبية ومنها ألمانيا.
وهذه الاتجاهات جميعًا تقوم إما على النظر إلى الجريمة دون المجرم، وإما على النظر إلى المجرم دون الجريمة، وإما أنها تقوم على الجمع بين هاتين الفكرتين.
هذه هي النظريات المختلفة عن العقوبة في عالم القوانين الوضعية، وظاهر من استعراضها أن شراح القوانين الوضعية يتجهون اتجاهات يناقض بعضها بعضًا، وقد منع تعدد النظريات من وضع أساس واحد ثابت للعقوبة في كل القوانين الوضعية؛ فاتخذت كل دولة لنفسها اتجاهًا خاصًا بحسب ما تراه متفقًا مع مصلحتها الخاصة أو بحسب الفكرة السائدة فيها.
ولعل تعدد النظريات والاتجاهات هو الذي دعا اتحاد القانون الدولي لقانون العقوبات -الذي حلت محله الجمعية الدولية لقانون العقوبات- لأن يقرر وجوب الاسترشاد بما تظهره التجارب، وأن أحسن نظام جنائي هو الذي يؤدي عملًا إلى نتائج أكيدة في كفاح الجريمة.
وقد حاول واضعو القوانين أن يجمعوا بين هذه النظريات والاتجاهات المختلفة بقدر الإمكان، وأن يتغلبوا على ما وجه إليها من انتقادات بحلول عملية بحته، ويمكننا أن نتخذ القانون المصري مثالًا في هذا الباب لغيره من القوانين الوضعية الحديثة، كما يمكننا أن نلخص وجهات النظر التي أخذ بها القانون المصري فيما يلي:
أولًا: أخذ القانون الجنائي المصري بالمبدأ القائل بأن الغرض من العقوبة حماية الجماعة، وجعل هذا المبدأ أصلًا وضعت على أساسه العقوبات لكل الجرائم بحيث تكفي العقوبة لتأديب المجرم على فعلته وزجر غيره عن التفكير في مثلها.
ثانيًا: وأخذ القانون الجنائي المصري بالنظرية العلمية إلى حد ما، فلم ينس شخصية المجرم في كل الجرائم تقريبًا، فجعل لكل جريمة عقوبتين إحداهما أخف من الأخرى، وجعل لكل عقوبة حدين تختار العقوبة من بينهما، وأباح للقضاة في جرائم الجنايات أن تستبدلوا بالعقوبة أخرى، كما أباح لهم أن يوقفوا تنفيذ العقوبة إذا لم تزد العقوبة المحكوم بها عن حد معين هو الحبس لمدة سنة، ومعنى كل ذلك أن القانون اعترف بشخصية المجرم عند وضع العقوبة لكنه لم يلزم القضاة إلزامًا بمراعاة شخصية المجرم عند اختيار العقوبة وتقديرها، بل ترك لهم الحرية ينظرون إلى شخصية المجرم إذا رأوا ظروفه تدعو لذلك ويهملون شخصيته إذا كان هناك ما يدعو لإهمالها.
ثالثًا: بعد أن أخذ المشرع المصري بالمبدأين السابقين رأى أخيرًا أن من الخطر النظر إلى شخصية المجرم في كل الجرائم وعلى الأخص في الجرائم الهامة، فحرم على القضاة أن ينزلوا بالعقوبة عن حد معين في بعض الجرائم كان حرم عليهم إيقاف تنفيذ العقوبة، وقد أخذ بهذا المبدأ في قانون المخدرات الصادر في سنة 1928، وقانون الغش الصادر في سنة 1941، وقانون السلاح الصادر في سنة 1949، وكان المنطق يقضي بعد أن أخذ المشرع المصري بهذا المبدأ الأخير أن يعيد النظر في قانون العقوبات على هدى هذا المبدأ، فيحرم على القضاة أن ينظروا إلى شخصية المجرم في جرائم هي أخطر على الجماعة من جرائم الغش وإحراز المخدرات والأسلحة، ولكنه لم يفعل، فأدى هذا الاضطراب المنطقي إلى نتيجة تبعث على الرثاء، فبينما يمنع القانون التخفيف وإيقاف التنفيذ في جرائم الغش وإحراز المخدرات والأسلحة إذا به يبيح التخفيف وإيقاف التنفيذ في جرائم الخيانة العظمى واختلاس الأموال الأميرية والرشوة والقتل والسرقات والزنا والقذف، ولا شك أن كل واحدة من هذه الجرائم أخطر من كيان المجتمع وعلى أمنه ونظامه من الغش وإحراز المخدرات والأسلحة.
هذا هو القانون الوضعي نظرًا وعملًا فيما يتصل بالعقوبة، يرى أن تتمثل في العقوبة فكرة التأديب والزجر حماية للجماعة من الإجرام، ويرى أن لا تهمل في تقدير العقوبة شخصية المجرم، ويرى في بعض التشريعات الحديثة إهمال شخصية المجرم في بعض الجرائم، والقانون واضح ومنطقي فيما يتعلق بالمبدأ الأول ولكنه بعيد عن المنطق والوضوح فيما يتعلق بالمبدأين الأخيرين حيث لم يصل بعد إلى تحديد المدى الذي يعمل فيه كل من المبدأين.
442 - بين الشريعة والقانون: يستطيع القارئ بعد استعراض نظرية العقوبة في الشريعة ونظرياتها المختلفة في القوانين الوضعية أن يقول بأن نظرية الشريعة تجمع بين كل النظريات الوضعية التي ظهرت ابتداء من القرن الثامن عشر، فالعقوبات في الشريعة إنما شرعت لمنفعة الجماعة ولإصلاح الأفراد ولحماية الجماعة من الجريمة وتمكينها من الدفاع عن نفسها ضد الإجرام، والعقوبات في الشريعة لا يصح أن تزيد عن حاجة الجماعة كما لا يصح أن تقل عن هذه الحاجة، فهي من هذه الوجهة إجراء تقتضيه العدالة والمصلحة معًا، وهذا هو ما رآه "روسو" و"بكاريا" و"بنتام" و"كانت" مجتمعين، والعقوبة في الشريعة يقصد منها استصلاح الجاني والرحمة به والإحسان إليه، فينبغي أن لا يهمل شأن المتهم في تقدير العقوبة، وهذا هو ما تتجه إليه النظرية العلمية.
وإذا كانت نظرية الجريمة قد جمعت بين النظريات التي سادت في القوانين الوضعية من القرن الثامن عشر حتى الآن، فإن نظرية الشريعة قد تنزهت عن العيوب التي شابت النظريات الوضعية وسلمت من الانتقادات التي وجهت إليها.
ولعله مما يدهش الكثيرين أن يعلموا أن للعقوبة في الشريعة الإسلامية نظرية علمية فنية تامة التكوين لا يأتيها النقد من بين يدها ولا من خلفها، وأن القانون بالرغم مما وصل إليه من تقدم إنما يسير في أثر الشريعة ويترسم خطاها، وأنه لم يصل بعد إلى ما وصلت إليه الشريعة، وأن النتائج التي وصل إليها القانون والاتجاهات التي يتجه نحوها تدل على أن تطوره في المستقبل القريب أو البعيد لن يخرج عن النطاق الذي رسمته الشريعة للعقوبة.
ونستطيع أن نقول: إنه لا خلاف بين الشريعة والقوانين على المبادئ والأصول التي تقوم عليها العقوبة، وإنما الخلاف في الكيفية التي تطبق بها هذه المبادئ والحدود التي تطبق فيها، فقد طبقت الشريعة كل المبادئ التي تعترف بها القوانين الوضعية ولكنها لم تجمع بينها في كل العقوبات ولم تسو بينها في كل الجرائم، بل جعلت لكل مبدأ منطقة يعمل فيها وحده أو مع غيره، وجعلت لهذه المناطق معالم بارزة واضحة لا يخطئها عقل ولا بصر، ومن ثم استطاعت الشريعة أن تخرج على الناس بنظرية منطقية عملية لا عيب فيها ولا مأخذ عليها.
أما القوانين الوضعية فقد حاولت الجمع بين كل هذه المبادئ والتسوية بينها في كل الجرائم والعقوبات كما حاول ذلك شراح القوانين الوضعية، وكانت النتيجة أن أخفق واضعو القانون في إيجاد حلول عملية مقبولة كما أخفق الشراح في إيجاد نظرية علمية سليمة، وفي اليوم الذي تطبق فيه القوانين الوضعية المبادئ التي تقوم عليها العقوبة تطبيقًا سليمًا متفقًا مع مصلحة الجماعة والأفراد، وملائمًا لطبائع الأشياء، ستضطر أن تجعل لكل مبدأ منطقة يعمل فيها، وستهمل شخصية المجرم في الجرائم التي تمس كيان المجتمع، فتصل بذلك إلى ما سبقتها إليه الشريعة وتصبح متفقة معها تمام الاتفاق.
ولا يفوتنا بعد هذا أن نذكر أن القانون الوضعي كان حتى آخر القرن الثامن عشر قانونًا وحشيًا بعيدًا عن أفق الإنسانية، فكان يحكم الأحياء والأموات والحيوان والجماد وينزل بالجميع عقوبات شتى قائمة على التمثيل والتشهير.
كان القانون الوضعي كذلك حتى أخذ في القرن الثامن عشر بأول مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية فانقلب قانونًا إنسانيًّا بحتًا؛ إذ أصبحت العقوبة فيه قائمة على أساس التأديب والزجر بقصد حماية المجتمع، ولم تعد هناك حاجة للتمثيل والتشهير، ولم يعد منطق القانون يقبل محاكمة الأموات والحيوانات والجمادات؛ لأن التأديب لا ينفع فيهم فلا يجوز إذن عليهم، وهذا المبدأ الأول الذي لم يعرفه القانون إلا في القرن الثامن عشر عرفته الشريعة مع غيره من المبادئ من القرن السابع الميلادي، ولذلك تركزت المسئولية الجنائية من يوم نزول الشريعة في الإنسان الحي، ولم يجعل غيره أهلًا لها، ولم يعرف عن الشريعة ما عرف عن القانون من محاكمة الأموات والحيوان والجماد، ولم يعرف عنها أنها تقبل التشهير والتمثيل، بل عرف عنها أنها تأباه أشد الإباء، فقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن المثلة ولو بالكلب العقور، ومن لا يرضى المثلة للحيوان فهو دون شك لا يرضاها لإنسان. ويكفي الشريعة الإسلامية فخرًا بعد هذا أنها سبقت تفكير العالم بأحد عشر قرنًا، وأن العالم يسير على آثارها من قرنين ولا تزال تسبق تفكيره بمراحل.
443 - شروط العقوبة: يشترط في كل عقوبة أن تتوفر فيها الشروط الآتية لتكون عقوبة مشروعة:
أولًا: أن تكون العقوبة شرعية: وتعتبر العقوبة شرعية إذا كانت تستند إلى مصدر من مصادر الشريعة، كأن يكون مردها القرآن، أو السنة، أو الإجماع، أو صدر بها قانون من الهيئة المختصة، ويشترط في العقوبات التي يقررها أولو الأمر أن لا تكون منافية لنصوص الشريعة وإلا كانت باطلة.
ويترتب على اشتراط شرعية العقوبة أنه لا يجوز للقاضي أن يوقع عقوبة من عنده ولو اعتقد أنها أفضل من العقوبات المنصوص عليها.
ويظن البعض خطأ أن الشريعة تمنح القاضي سلطة تحكمية في العقاب، وهو ظن لا يتفق مع الواقع، وليس له مصدر إلا الجهل بأحكام الشريعة، فالعقوبات في الشريعة تقسم إلى حدود وقصاص وتعازير، فأما الحدود والقصاص فهي عقوبات مقدرة معينة ليس للقاضي حيالها من سلطان إلا أن يحكم بتطبيقها كلما كانت الجريمة ثابتة دون أن يستطيع تخفيفها أو تشديدها أو استبدال غيرها بها.
فالسرقة مثلًا عقوبتها القطع وليس للقاضي إذا ثبتت الجريمة على الجاني أن يحكم عليه بغير القطع، إلا إذا كان هناك سبب شرعي يمنع من عقوبة القطع كسرقة الأب من الابن. والزنا من غير محصن فعقوبته الجلد مائة جلدة؛ فإذا ثبت الزاني حكم القاضي بالجلد مائة جلدة، وليس له أن ينقص منها واحدة أو يزيد عليها واحدة، وليس له أن يستبدل بالجلد عقوبة أخرى. والقتل العمد عقوبته القصاص أي القتل، فإذا ثبتت الجريمة على الجاني كان على القاضي أن يحكم بالقصاص، وليس له أن يحكم بعقوبة أخرى إلا إذا كان هناك سبب شرعي يمنع من القصاص، فسلطة القاضي في الحدود والقصاص محدودة مقيدة.
أما التعازير فسلطة القاضي فيها واسعة ولكنها ليست تحكمية، فهي واسعة لأن الشريعة تعاقب على جرائم التعازير بمجموعة من العقوبات تبدأ بأتفه العقوبات كالتوبيخ وتنتهي بأشدها كالحبس حتى الموت والقتل، وتترك الشريعة للقاضي أن يختار من بين هذه المجموعة العقوبات الملائمة للجريمة والمجرم، كأن تترك له أن يقدر كمية العقاب من بين حدي العقوبة الأدنى والأعلى، ولا شك أن إعطاء القاضي هذا السلطان المشروع الواسع يسهل عليه أن يضع الأمور في مواضعها، وأن يعاقب الجاني بالعقوبة التي تحمي الجماعة من الجريمة وتصلح الجاني وتؤدبه. وسلطة القاضي على سعتها ليست تحكمية لأنه لا يستطيع أن يحكم بعقوبة غير شرعية، ولا أن يعاقب الجاني بعقوبة لا تتلاءم مع جريمته، ولعل اتساع سلطة القاضي هو الذي دعا إلى الظن خطأ بأن سلطة القاضي في الشريعة سلطة تحكمية.
وليس في الشريعة ما يوجب منح القضاة هذا السلطان الواسع، ومن ثم يجوز لولي الأمر أن يضيق هذا السلطان إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة؛ لأن المصلحة العامة هي التي سوغت منح القضاة هذا السلطان.
ثانيًا: أن تكون العقوبة شخصية: ويشترط في العقوبة أن تكون شخصية تصيب الجاني ولا تتعداه إلى غيره، وهذا الشرط هو أحد الأصول التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية، وقد تكلمنا عن هذا الشرط بما فيه الكفاية بمناسبة الكلام على المسئولية.
ثالثًا: أن تكون العقوبة عامة: ويشترط في العقوبة أن تكون عامة تقع على كل الناس مهما اختلفت أقدارهم، وبحيث يتساوى أمامها الحاكم والمحكوم والغني والفقير والمتعلم والجاهل.
والمساواة التامة في العقوبة لا توجد إلا إذا كانت العقوبة حدًا أو قصاصًا؛ لأن العقوبة معينة ومقدرة، فكل شخص ارتكب الجريمة عوقب بها وتساوى مع غيره في نوع العقوبة وقدرها.
أما إذا كانت العقوبة التعزير فالمساواة في نوع العقوبة غير مطلوبة، ولو اشترطت المساواة على هذا الوجه لأصبحت عقوبة التعزير حدًا، وإنما المطلوب هو المساواة في أثر العقوبة على الجاني، والأثر المرجو للعقوبة هو الزجر والتأديب، وبعض الأشخاص يزجرهم التوبيخ، وبعضهم لا يزجرهم إلا الضرب أو الحبس، وعلى هذا تعتبر المساواة محققة إذا عوقب المشتركين في جريمة واحدة بعقوبات مختلفة تكفي كل منها لردع من وقعت عليه بحسب حاله وظروفه.
الباب الثاني:
أقسام العقوبة:
444 - تنقسم العقوبات بحسب الرابطة القائمة بينها إلى أربع أقسام:
1- العقوبات الأصلية: وهي العقوبات المقررة أصلًا للجريمة، كالقصاص للقتل، والرجم للزنا، والقطع للسرقة.
2- العقوبات البديلية: وهي العقوبات التي تحل محل عقوبة أصلية إذا امتنع تطبيق العقوبة الأصلية لسبب شرعي، ومثالها: الدية إذا درئ القصاص، والتعزير إذا درئ الحد والقصاص.
والعقوبات البدلية هي عقوبات أصلية قبل أن تكون بدلية، وإنما تعتبر بدلًا لما هو أشد منها إذا امتنع تطبيق العقوبة الأشد، فالدية عقوبة أصلية في القتل شبه العمد ولكنها تعتبر عقوبة بديلة بالنسبة للقصاص، والتعزير عقوبة أصلية في جرائم التعازير ولكن يحكم به بدلًا من القصاص أو الحد إذا امتنع الحد أو القصاص لسبب شرعي.
3- العقوبات التبعية: وهي العقوبات التي تصيب الجاني بناء على الحكم بالعقوبة الأصلية ودون حاجة للحكم بالعقوبة التبعية، ومثلها: حرمان القاتل من الميراث، فالحرمان يترتب على الحكم على القاتل بعقوبة القتل ولا يشترط فيه صدور حكم بالحرمان. ومثلها أيضًا عدم أهلية القاذف للشهادة، فعدم الأهلية لا يشترط أن يصدر به حكم وإنما يكفي لانعدام الأهلية صدور الحكم بعقوبة القذف.
4- العقوبات التكميلية: وهي العقوبات التي تصيب الجاني بناء على الحكم بالعقوبة الأصلية بشرط أن يحكم بالعقوبة التكميلية.
والعقوبات التكميلية تتفق مع العقوبات التبعية في أن كليهما مترتبة على حكم أصلي، ولكنهما يختلفان في أن العقوبة التبعية تقع دون حاجة لإصدار حكم خاص بها، أما العقوبات التكميلية فتستوجب صدور حكم بها، ومثل العقوبات التكميلية: تعليق يد السارق في رقبته بعد قطعها حتى يطلق سراحه، فإن تعليق اليد مترتب على القطع ولكنه لا يجوز إلا إذا حكم به.
445 - وتنقسم العقوبات من حيث سلطة القاضي في تقديرها إلى:
1- عقوبات ذات حد واحد: وهي التي لا يستطيع القاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها ولو كانت تقبل بطبيعتها الزيادة والنقصان كالتوبيخ والنصح وكالجلد المقرر حدًّا.
2- عقوبات ذات حدين: وهي التي لها حد أدنى وحد أعلى ويترك للقاضي أن يختار من بينهما القدر الذي يراه ملائمًا كالحبس والجلد في التعازير.
446 - وتنقسم العقوبات من حيث وجوب الحكم بها إلى:
1- عقوبات مقدرة: وهي العقوبات التي عين الشارع نوعها وحدد مقدارها وأوجب على القاضي أن يوقعها دون أن ينقص منها أو يزيد فيها أو يستبدل بها غيرها، ويسمى هذا النوع من العقوبات بالعقوبات اللازمة؛ لأن ولي الأمر ليس له إسقاطها ولا العفو عنها.
2- عقوبات غير مقدرة: وهي العقوبات التي يترك للقاضي اختيار نوعها من بين مجموعة من العقوبات وتقدير حاكمها بحسب ما يراه من ظروف الجريمة وحال المجرم، وتسمى هذه العقوبات بالعقوبات المخيرة؛ لأن للقاضي أن يختار من بينها.
447 - وتنقسم العقوبات من حيث محلها إلى:
1- عقوبات بدنية: وهي العقوبات التي تقع على جسم الإنسان، كالقتل والجلد والحبس.
2- عقوبات نفسية: وهي العقوبات التي تقع على نفس الإنسان دون جسمه كالنصح والتوبيخ والتهديد.
3- عقوبات مالية: وهي العقوبات التي تصيب مال الشخص كالدية والغرامة والمصادرة.
448 - وتنقسم العقوبات بحسب الجرائم التي فرضت عليها إلى:
1- عقوبات الحدود: وهي العقوبات المقررة على جرائم الحدود.
2- عقوبات القصاص والدية: وهي العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية.
3- عقوبات الكفارات: وهي العقوبات المقررة لبعض جرائم القصاص والدية وبعض جرائم التعازير.
4- عقوبات التعازير: وهي العقوبات المقررة لجرائم التعازير.
وهذا التقسيم هو أهم تقسيم للعقوبات، وسنتكلم عن كل قسم من هذه الأقسام في فصل خاص، ثم نتبع ذلك بفصلين آخرين نخصص أحدهما لبيان مدى صلاحية العقوبات الشرعية ونخصص الثاني لبيان العقوبات في القانون المصري ومدى صلاحيتها.
ع3:
أنواع العقوبات في الشريعة
ج1:
الفقه الإسلامي وأدلته، لوهبة الزحيلي.
ثانيًا: المؤيدات التأديبية أو العقوبات:
إن مخالفة أحكام الشريعة وارتكاب المعاصي والمنكرات التي حرمتها الشريعة تستوجب عقابًا أخرويًّا ودنيويًّا. والعقوبات الدنيوية نوعان:
1 - عقوبات مقدرة: وهي التي قدر لها الشرع نوعًا ومقدارًا معينًا وهي القصاص، والحدود الخمسة -وهي حد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة، وحد شرب الخمر والمسكرات.
2 - عقوبات غير مقدرة وهي التعزيرات: وهي التي لم يحدد لها الشرع نوعًا ولا مقدارًا معينًا، وإنما فوضها إلى تقدير الحكام لتطبيق ما يرونه محققًا للمصلحة بحسب ظروف الجاني والجناية.
والحكمة من تشريع الحدود أو العقوبات عامة: هو زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها، وصيانة المجتمع عن الفساد، وتخليص الإنسان من آثار الخطيئة، وإصلاح الجاني.
قال ابن تيمية وابن القيم: كان من حكمة اِلله -سبحانه وتعالى- ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجرح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة. وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قتل، وقطع، وجلد، ونفي، وتغريم مال، وتعزير.
والجرائم الموجبة للعقوبة البدنية هي ثلاث عشرة جريمة وهي:
القتل، والجرح، والزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والبغي، والحرابة، والردة، والزندقة، وسب الله وسب الأنبياء والملائكة، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام.
وليس في هذه العقوبات قسوة أو تنكيل وتعذيب للمجرم كما يزعم بعض الناس؛ لأن هذه الجرائم الموجبة لها خطيرة تهز كيان المجتمع، ولأنها أنسب عقوبة لزجر المجرم وأمثاله، وأقمع للجريمة ومطاردة المجرمين، وأدعى لتحقيق أمن المجتمع واستقراره.
وحققت العقوبات الشرعية أمنًا في السعودية لا يماثله أمن بلد في العالم تطبق فيه العقوبات الوضعية من حبس أو سجن ونحوهما.
والتخلص من ضرر مجرم يتباكى عليه الزاعمون حب الإنسانية والإنسان أوجب من تهديد أمن المجتمع بكامله، عن طريق ترويع المجرمين أمن البيوت والنساء والأطفال، وما يعقبه من العديد من الجرائم والمنكرات.
ولقد أثبت التاريخ أن المجتمع الإسلامي عندما طبق الحدود الشرعية، عاش آمنًا مطمئنًا على أمواله وأعراضه ونظامه، حتى إن المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحد عليه، رغبة في تطهير نفسه، والتكفير عن ذنبه.
هذا؛ مع العلم بأن تطبيق القصاص والحدود يتطلب تشددًا كبيرًا في شروط إثبات الجريمة، مما لا نكاد نجد له مثيلًا عند القانونيين، بل إن الحدود ومنها القصاص تسقط بالشبهات عملًا بالحديث النبوي: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» وقد توسع الفقهاء في بيان ما هو شبهة مسقطة للحد توسعًا كبيرًا، حتى إن مجرد ادعاء الشبهة كادعاء الزوجية في حال الوطء من المتهم يسقط الحد، وكذا هرب المحدود أثناء إقامة الحد يسقط الحد.
إن القسوة على المجرم رحمة عامة للمجتمع في مجموعه، حتى يتخلص من الجريمة وخطرها الوبيل، والتضحية بعدد محدود من المجرمين أهون كثيرًا من ترك الجريمة تفتك بآلاف الأبرياء. والشريعة الإسلامية هي شريعة الرحمة الحقة بالناس، والله سبحانه أدرى بما يعالج به خطر بعض المجرمين وهو أرحم بهم.
وقد أدى كل هذا إلى أن يكون تطبيق الحد نادرًا جدًّا في المجتمع الإسلامي، فقطع اليد مثلًا في السعودية لا يزيد عن حالة واحدة أو حالتين طوال العام.
وأما العقوبات غير المقدرة أو التعزيرات: فهي العقوبات المشروعة على كل معصية أو منكر أو إيذاء لا حد فيه، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة، وسواء أكانت الجريمة انتهاكًا للحرمات الدينية والاجتماعية كالأكل في نهار رمضان بغير عذر، وترك الصلاة، وطرح النجاسة في طريق الناس، والاستهزاء بالدين، والإخلال بالآداب العامة، أو كانت اعتداء على حق شخصي كأنواع السب والشتم والضرب والإيذاء بأي وجه، والغش والتزوير والاحتيال ونحوها.
والتعزير يكون إما بالضرب أو بالحبس أو الجلد أو النفي أو التوبيخ أو التغريم المالي، ونحو ذلك مما يراه الحاكم رادعًا للشخص بحسب اختلاف حالات الناس، حتى القتل سياسة كما قرر فقهاء الحنفية والمالكية.
والتعزير مفوض للدولة في كل زمان ومكان،فإنها تضع للقضاة أنظمة يطبقونها بحسب المصلحة. وأغلب العقوبات الوضعية الحديثة تدخل في نطاق التعزير. ولا مانع شرعًا من تقنين العقوبات التعزيرية بجانب الحدود والقصاص على النحو المعروف الآن. ويعد التعزير قاعدة مرنة صالحة للتطبيق في كل عصر بما يحقق المصلحة أوالمقصود من العقوبة. وما وضْع حدين للعقوبة قانونًا أدنى وأقصى، أو الحكم مع وقف التنفيذ إلا لون من ألوان المرونة أو العفو عن العقوبة المقررين في التعزيرات.
والشريعة أساس الحكم على الجريمة والعقاب، وقد سبق الفقهاء المسلمون إلى معرفة قاعدة: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" لتقريرهم القاعدتين التاليتين:
1 - "لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص".
2 - "الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء الإباحة".
ومصدر هاتين القاعدتين قول اِلله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا} وقوله جل شأنه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.
فهذه النصوص قاطعة بأن لا جريمة إلا بعد بيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار. ومن هنا كانت فترة الجاهلية لا عقاب فيها على الجرائم التي حدثت أثناءها، سواء أكانت الجريمة إراقة دم حرام أم غيرها.
وقد تضافر القرآن الكريم والسنة النبوية وكتب الفقهاء على بيان المعاصي والمنكرات وتفصيل العقوبات المقررة في الدنيا على الأشخاص. ولا يقبل شرعًا من أي مسلم أومسلمة الاعتذار بالجهل بأحكام الشريعة، وعليه أن يتعلم القدر الضروري منها لقوله -عليه السلام-: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) ويعد التقصير في التعليم والتعلم جريمة مستوجبة التعزير.
والعمل بأحكام الشريعة في النطاقين الجزائي والمدني وغيرهما واجب على الدولة والأفراد، ويعد التخلي عن الشريعة إثمًا كبيرًا وجرمًا عظيمًا. وليس تطبيق أحكام الشريعة أمرًا صعبًا أو غير متفق مع ظروف العصر الحديث، وإنما الإعراض عن ذلك نوع من الوهم وفقدان الثقة بالذات وافتتان بأنظمة العصر ويعد جائرًا عن الشرع.
ولا شك بأن أحكام الشريعة تتطلب إقامة مجتمع إسلامي متكامل في العقيدة والعبادة والسلوك الأخلاقي، وينبغي أن تتجه أنظمة الدولة الدستورية والإدارية والتعليمية والإعلامية إلى العمل بروح الإسلام وأنظمته وآدابه، حتى يسهل تقبل الحكم الشرعي الإلهي عن عقيدة واقتناع وحب واحترام...
تاسعًا - شرعية الجريمة والعقوبة، أو مبدأ: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، وتأثير ذلك على ظاهرة الإجرام:
إن التصور السابق للجريمة المنصوص على تجريمها في قوانين الدولة العقابية، ومعرفة نوع العقوبة المقررة قانونًا في تقنين منشور متداول، يعد حاجزًا قويًا ما نعًا من الإجرام والتفكير بالجريمة والتخطيط لها.
لذا ظلت النظم الديمقراطية تحترم مبدأ قانونية أو شرعية الجرائم والعقوبات، بمعنى تركيز سلطة التجريم في يد الشارع أو من يفوضه في ذلك ضمن حدود معلومة، وقد أعلنت هذا المبدأ الثورة الفرنسية ونصت عليه وثيقة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام (1789م) في المادة الثامنة، استجابة لصيحات الفلاسفة والمفكرين الذين حملوا على ما كان عليه القضاة من سلطة تحكمية أدت إلى إسراف في العقاب وعسف بحريات الأفراد، ونص عليه في المادة الرابعة من قانون العقوبات الذي أصدره نابليون سنة (1810م)، ثم انتقل إلى الشرائع الأخرى، وصاغه العرف القانوني بعبارة موجزة هي: "لا جريمة ولا عقوبة بغير نص". والحكمة منه كفالة حقوق الأفراد وحريتهم في أفعالهم وتصرفاتهم، إذ لو ترك أمر التجريم للقاضي، لأضحى الأفراد في حيرة من أمرهم، ثم إن العدالة والمنطق يقضيان به حتى لا تواجه الدولة الأفراد بعقاب لا علم لهم به.
وبما أن هذا المبدأ يؤدي إلى جمود التشريع الجنائي وتخلفه عن مسايرة التطورات الحديثة، فقد اتجه الفقه والقضاء عامة إلى ضرورة التخفيف من حدته، وتوسيع سلطة القاضي في تقرير العقوبة أو إيقاف تنفيذها أحيانًا، ولكن دون إخلال بأصل المبدأ، وهو حرمان القاضي من سلطة التجريم.
وفي هذا المجال أيضًا نجد بعض رجال القانون الوضعي يتهمون الشريعة الإسلامية جهلًا وغلطًا وظلمًا وتعصبًا ضدها بأنها تترك أمر التجريم للقاضي. ومنشأ الاتهام راجع في تقديرنا إلى ناحية تنظيمية: هي عدم وجود تقنين خاص بالجرائم والعقوبات عند الفقهاء الشرعيين المعاصرين، مع أن الأمر سهل جدًا، إذ لا مانع شرعًا من وجود مثل هذا التقنين، ومن اليسير على فقهاء الشريعة إيجاده وصياغته في أشهر معدودة، إذا أظهرت السلطة الحاكمة استعدادها لتطبيق وإنفاذ العمل به، وقد وجد فعلًا بعض هذه التشريعات في ليبيا والسودان والإمارات. ولكن لا يعني عدم التقنين أن القاضي حر التصرف بالعقاب حرية مطلقة، وإنما الأمر في شأن التعازير "العقوبات غير المنصوص صراحة على نوعها ومقدارها" راجع شرعًا وفقهًا لتقدير ولي الأمر الحاكم أي الدولة، فالدولة تضع للقضاة من الأنظمة والقوانين الجزائية ما يناسب العصر، وعلى وفق ما تراه اللجان المتخصصة المكونة عادة من العلماء والفقهاء، بحسب متطلبات المصلحة العامة، ومقتضيات الزمان وتطور الأحداث.
لذا كان ينبغي أن يعرف هؤلاء القانونيون أن مبدأ التفويض لولي الأمر في تقدير العقوبات التعزيرية في الإسلام، هو في الأصل مبدأ دستوري تمارسه الدولة مقيدة بأحكام الشريعة، كما هو الشأن في أن كل دولة لها الحق في وضع القوانين الداخلية التي تريدها.
وعليهم أن يعرفوا أن الإسلام يفترض في كل مسلم ومسلمة تعلم أحكام شريعته، ومعرفة الفرائض والحلال والحرام، والمعاصي والعقوبات أو الجزاءات المقررة في الإسلام؛ لأن من الفرائض الشرعية العينية المطلوبة من كل المسلمين تعلم الحد الأدنى المفروض العلم به من الشريعة، فلا يصلح الاحتجاج بتقصير المسلمين في التعلم سببًا للقول بأن الأفراد لا يعلمون ما هو ممنوع ولا أنواع العقوبات، حتى توجد التقنينات. ثم إن كتب الشريعة، سواء القرآن والسنة ومصنفات الفقهاء المطولة والموجزة، فيها البيان الواضح المفصل لكل المعاصي والمخالفات، والكبائر والصغائر، والتحذير من مخاطرها وبيان مدى ضررها، والتصريح بالعقوبات الدنيوية والأخروية المقررة لها.
والقاضي لا يملك في الشريعة سلطة التجريم وتحديد أصل العقاب بحسب رغبته وهواه، كما يفهم خطأ، وإنما هو مقيد في ذلك بأحكام الشريعة، وبما تضعه له الدولة من نظام، إذ ليس لأي مسلم سلطة التشريع، وإنما السلطان في الأحكام إنشاء ووضعًا للشريعة والمشرع وهو الله تعالى، كل ما في الأمر هو أن للقاضي سلطات تقديرية في التطبيق فقط، حسبما يرى ملائمًا لظروف الجريمة والجاني ولكن في غير دائرة الحدود والقصاص المنصوص على أحكامها صراحة، وإنما في مجال التعزيرات التي يمكن إدخال أغلب نصوص القوانين الجزائية الحديثة في مضمونها.
ويوضح ذلك أن الشريعة -كما هو معروف- جاءت حربًا على الأهواء الشخصية والنزعات والميول الفردية، كما دل على ذلك القرآن الكريم في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} وقوله سبحانه: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} وقوله عز وجل: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} وقوله -جل جلاله-: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}. لذا وضعت الشريعة نظامًا تشريعيًّا متكاملًا ودقيقًا للحياة، وسبق الفقهاء المسلمون إلى معرفة قاعدة: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" كما يتضح من القاعدتين الأصوليتين التاليتين:
1 - "لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص".
2 - "الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال: الإباحة".
ومصدر هاتين القاعدتين قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا} وأمها: أصلها وعاصمتها ومركزها، وقوله -جل وعز-: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.
هذه النصوص الشريفة قاطعة بأن لا جريمة إلا بعد بيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار.
وترتب على هذا المبدأ أن فترة الجاهلية عند جمهور المسلمين لا عقاب على الجرائم التي حدثت أثناءها، سواء أكانت إراقة دم حرام أم غيرها من الربا والزنا والنهب والغصب والمنكرات.
ويمكن القول إجمالًا: إن الشريعة والقانون الوضعي الجنائي يلتقيان في أنه إذا لم يكن هناك نص مانع من شيء، فهو مباح، بيد أن المنصوص عليه قانونًا صريح محصور في دائرة التقنين الموضوع، أما المنصوص عليه شرعًا فهو غير مقنن في مجموعة قانونية محدودة وموحدة بين المذاهب، وليس ذلك بعسير علينا عند الطلب، فقد يكون التحريم أو التجريم والعقاب مأخوذًا من نص القرآن الكريم أو السنة النبوية، أو من إجماع الأمة، أو من اجتهاد المجتهدين في ضوء النصوص، وروح التشريع الإسلامي. والنص الحاظر شرعًا أو المانع من فعل قد يكون صريحًا، كما هو الشأن في الحدود -العقوبات المقدرة نوعًا ومقدارًا- وقد يفهم دلالة وضمنًا من طريق اجتهاد علماء الإسلام الثقات. ودور العلماء في الحقيقة مجرد كاشف ومظهر لحكم الله في الحادثة، ومبيّن للقيود والشروط والأوصاف. أما أصل الحكم حظرًا وعقابًا، فمرده إلى الحكم الإلهي، إذ لا بد لصحة الاجتهاد من مستند شرعي يعتمد عليه في الاستنباط.
ثم إن المحذور الذي يخشى منه القانونيون من مخالفة قاعدة: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" وهو أن يلجأ القاضي فيما لا نص بتجريمه إلى الأخذ بالقياس،هذا المحذور قد فرغ من بحثه علماء الأصول من الحنفية ومن وافقهم الذين قرروا بصراحة عدم جواز القياس في الحدود والمقدرات الشرعية، سواء بالنسبة للمجتهد الفقيه أم للقاضي، وقرروا عدم جواز القياس في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات؛ لأن القياس إنما يفيد الظن، والظن سبيل الخطأ، فكان في سلوكه شبهة، فلا يثبت من طريقه عقاب أو تجريم لحادثة لا نص فيها؛ لأن "الحدود تدرأ بالشبهات" وفي هذا التقعيد الأصولي ضمانة كافية أكيدة لحقوق وحريات الأفراد في تصرفاتهم وأفعالهم.
والقائلون بالقياس في الحدود كالمالكية والشافعية لا ينشئون حكمًا جديدًا بناء على تحريم حادثة، وإنما يطبقون النص المذكور في حادثة على حادثة مشابهة تمامًا، مساوية للواقعة المنصوص عليها، فيكون عملهم من قبيل تطبيق النص على الوقائع، إذ ليست الوقائع كلها منصوصًا عليها حتى في القوانين النافذة الآن، ويكون القياس المنفي قانونًا في التجريم والعقاب معمولًا به شرعًا باتفاق الفقهاء، إذ ليس للمجتهد سلطة التشريع، أو إنشاء ووضع أحكام جديدة بالمنع والعقاب فيما لم يأذن به الشرع.
وتوضيحًا لذلك يحسن بيان مضمون التشريع الإسلامي في مجال العقوبات:
إن الجرائم والعقوبات محددة بذاتها ونوعها، معروفة تمامًا في الإسلام، وهي كل ما نهى عنه القرآن الكريم أو السنة النبوية أو أبانه الفقهاء، والعقوبات الإسلامية منها كما تقدم ما هو مستوجب للإثم والعقاب الأخروي فقط، ومنها ما يجتمع فيه الوصفان: العقاب في الدنيا، والعقاب في الآخرة. والعقوبات الدنيوية تكون على فعل محرّم أو ترك واجب، وهي كما عرفنا نوعان: عقوبة مقدّرة، وعقوبة غير مقدّرة الكمّ شرعًا، والمقدّرة تختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم وكبرها وصغرها، وبحسب حال العاصي أو المذنب أو المجرم نفسه، كما أبان ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله.
والعقوبات المقدرة نوعًا ومقدارًا وهي الحدود الشرعية الخمسة أو السبعة كما تبين سابقًا لدى الفقهاء قد نص عليها القرآن الكريم أو السنة النبوية صراحة، ثم أجمع عليها الصحابة الكرام والفقهاء من بعدهم. والسبب في نص الشرع عليها: هو حرصه على إقامة ركائز وحصون أساسية في حياة المجتمع، تعد بمثابة القواعد الصلبة، لتوفير الأمن والاستقرار والطمأنينة في الأنفس والأموال والأعراض والعقول وإقرار دين التوحيد الحق، ومنع الرذيلة، ودرء المفسدة، واستئصال نزعة الشر، وبتْر أسباب المنازعات والأمراض والفوضى الأخلاقية عن الناس في أخطر ما يمس جوهر حياتهم الاجتماعية التي لا بد لها من وجود نظام ثابت صحيح، غير مِعْوَج. وليس للقاضي بداهة مخالفة النصوص في تجريم وعقاب هذه الجرائم التي قدر لها الشرع نوعًا ومقدارًا معينًا من العقوبات، ولم يجز الشرع في العقوبات المقدرة عدا القصاص العفو عنها، ولا الشفاعة فيها، ولا الصلح والتنازل عنها، ولا إسقاطها والإبراء عنها، ولا المعاوضة عنها، بعد رفع الأمر فيها إلى القاضي، صونًا لحق الجماعة العام فيها وفي تطبيقها. ولا يملك القاضي التدخل في شأن هذه العقوبات إلا بإصدار الحكم فيها بعد ثبوت الجريمة، بطرق الإثبات الشرعية المقبولة، لأنها تمس النظام العام للمجتمع: وهو المحافظة على مقاصد الشريعة أو أصولها الكلية الخمسة، وهي الدين والنفس والعرض أو النسب والعقل والمال.
وأما العقوبات غير المقدرة نوعًا ومقدارًا وهي التعزيرات، فهي أيضًا معروفة لدى كل مسلم، ويجب عليه تعلم أحكام شرعه، والتعزير: هو العقوبة المشروعة على معصية أو جناية -جريمة- لا حد فيها ولا كفارة، سواء أكانت الجريمة على حق الله تعالى، أي حق المجتمع، كالأكل في نهار رمضان عمدًا، والإخلال بأمن الدولة، والتجسس، وترك الصلاة، وطرح النجاسة ونحوها في طريق الناس، أو على حق الأفراد، كمباشرة المرأة الأجنبية -غير القريبة قرابة رحم محرم- فيما دون الجماع،والتقبيل واللمس، والنظر والخلوة المحرمة ونحوها، وسرقة الشيء القليل الذي هو دون النصاب الشرعي الموجب للحد -دينار أو ربع دينار على الخلاف بين الفقهاء- والسرقة من غير حرز حافظ للمال، والقذف بغير لفظ الزنا ونحوه من أنواع السب، والضرب والإيذاء بأي وجه، كالقول: يا فاسق، يا خبيث، يا سارق، يا فاجر، يا زنديق، يا آكل الربا، يا شارب الخمر أو يا حمار، أو بغل أو ثور، في رأي الأكثرين، وخيانة الأمانة من الحكام وولاة الوقف ونظّار الأوقاف، وتبديد أموال الأيتام، وإهمال الوكلاء والشركاء، والغش في المعاملة، وتطفيف المكيال والميزان -النقص من البائع والزيادة من المشتري- وشهادة الزور التي كشف أمرها، والرشوة، والحكم بغير ما أنزل الله تهاونًا، والاعتداء على الرعية، والدعاء بدعوة الجاهلية وعصبيتها ونحو ذلك.
ويمكن وضع ضابط عام للتعزير بمثابة تقنين أو تعريف عام: وهو كل ما فيه اعتداء على النفس أو المال أو العرض أو العقل أو الدين مما لا حدّ فيه، وذلك يشمل كل الجرائم التي هي ترك واجب ديني أو دنيوي، أو فعل محرم محظور شرعًا للمصلحة العامة أو الخاصة بالشخص.
وذكر فقهاء الحنفية ضابطًا مختصرًا لجرائم التعزير وهو: يعزر كل مرتكب منكر -خطيئة لا حد فيها- أو معصية ليس فيها حد مقدر أو مؤذي مسلم أو غير مسلم بغير حق، بقول أو فعل أو إشارة بالعين أو باليد. أو بعبارة أخرى: إن ضابط موجب التعزير: هو كل من ارتكب منكرًا أو آذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة، سواء أكان المعتدى عليه مسلمًا أم كافرًا.
وهذا الضابط، وإن كان فيه عموم وإجمال، خلافًا لما تتطلبه قوانين العصر من النص صراحة على كل جريمة بعينها وعقوبتها، إلا أنه بمثابة القاعدة الفقهية الكلية المفيدة في التفقيه ووضع الإطار العام للجرائم غير الحدية، ويمكن بسهولة إفراد كل جريمة بالبيان، لأن مرجع القاضي في التجريم -كما تقدم- إنما هو الشرع، وليس هو العقل والهوى الشخصي، الذي ليس له أثر في شرع الله بإنشاء الأحكام، وما على القاضي إلا أن يتقيد في كل تجريم بأوامر الشرع ونواهيه في القرآن والسنة، ويهتدى بما أجلاه الفقهاء تمامًا في هذا الشأن، فما قبّحه الشرع أو منعه فهو قبيح ممنوع، وما حسّنه الشرع أو طلبه، فهو حسن مطلوب أو مباح، كما
يقول الأصوليون غير المعتزلة. وحكم الشرع دائمًا مقيد بالمصلحة العامة، ودفع الضرر العام. فإن لم تكن هناك مصلحة عامة أو ضرر عام، روعيت المصلحة الشخصية، دون إضرار بالآخرين. ويقسم ابن تيمية -رحمه الله- الجرائم التعزيرية، من ناحية أصل التكليف إلى قسمين:
الأول: ما تكون العقوبة فيه على إتيان فعل نهى الله عنه كالغش، والتزوير، وشهادة الزور -أي التي ظهر أمرها للقاضي- وخيانة الأمانة، والتدليس... إلخ.
الثاني: ما تكون العقوبة فيه على ترك واجب أو على الامتناع من أداء حق، وتكون هذه العقوبة بقصد حمل الشخص على أداء الواجب أو الحق، كعقوبة تارك الزكاة، فهي للحمل على الأداء وليست على ترك الزكاة، فإن أداها التارك فلا عقاب. وكذلك الحال بالنسبة لحبس المرتد، فإن تاب فلا عقاب، وحبس المدين المماطل، فإن وفى الدين فلا عقاب.
والعقوبات التعزيرية: هي التوبيخ أو الزجر بالكلام، والحبس، والنفي عن الوطن، والضرب. وقد يكون التعزير بالقتل سياسة في رأي الحنفية وبعض المالكية، وبعض الشافعية إذا كانت الجريمة خطيرة تمس أمن الدولة أو النظام العام في الإسلام، مثل قتل المفرّق جماعة المسلمين، أو الداعي إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم، أو التجسس، أو انتهاك عرض امرأة بالإكراه، إذا لم يكن هناك وسيلة أخرى لقمعه وزجره.
يدل هذا على أن العقوبات التعزيرية معروفة أيضًا في الشريعة، وقد أوضحها الفقهاء في كتبهم، لكنهم قد يذكرونها إجمالًا، ويتركون اختيار إحداها للقاضي يفعل ما يراه محققًا للمصلحة من العقاب، وفي هذا مرونة ومنح للقاضي شيئًا من الحرية، وإعطاؤه سلطة تقديرية، وقد يحدد الفقهاء العقوبة الخاصة بكل جريمة على حدة، فتكون الكتب الفقهية بمثابة التقنينات، وإن كان ينقصها الجمع والتنظيم والإيجاز وحسن التبويب والتفصيل، لتعرف عقوبة كل جريمة بعينها. وليس للقاضي أصلًا الحكم بعقوبة غير مألوفة شرعًا، أما إن لم يكن في الكتب أحيانًا تقدير محدد لعقوبة كل جريمة بذاتها، فحينئذ يتمكن القاضي من اختيار نوع العقوبة الملائم قدرها للجريمة، ومراعاة ظروف الجاني وأحواله تغليظًا أو تخفيفًا، لأن المقصود من التعزير: هو الزجر، والناس يتفاوتون بتفاوت مراتبهم فيما يحقق الهدف المقصود من العقاب، ولأنه قد تحدث جرائم لم يألفها الناس، حسبما تقتضي طبيعة التطورات الاجتماعية والاقتصادية، وقد يتفنن المجرمون في ابتكار ألوان مختلفة لجريمة واحدة، كما قال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «سيحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور».
وإذا حكم القاضي بالضرب، فليس لأقله حد معين، فهو سوط فأكثر، ويفعل ما يراه محققًا للمصلحة والزجر. وأما أقصى الضرب فهو مقيد بألا يتجاوز مقدارًا معينًا، وهو ما دون أقل الحدود الشرعية، للحديث المتقدم: ((من بلغ حدًّا في غير حد فهو من المعتدين)).
لكن اختلف الفقهاء في أكثر الضرب، فقال أبو حنيفة ومحمد والشافعية والحنابلة: لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود الشرعية، وهو أربعون جلدة، وإنما ينقص
منه سوط واحد، فلا يتجاوز الحكم تسعة وثلاثين سوطًا، باعتبار أن أقل الحدود للعبيد أربعون جلدة. وقال أبو يوسف: لا يبلغ بالحد ثمانين جلدة، وينقص منه خمسة أسواط، فلا يتجاوز خمسة وسبعين سوطًا، باعتبار أن أقل حد الأحرار ثمانون جلدة.
وقال المالكية: يجوز التعزير بمثل الحدود فأقل وأكثر بحسب الاجتهاد.
وتقدير مدد الحبس أو السجن متروك للقاضي. وعلى كل حال يمكن إصدار نظام أو قانون عام يحدد الحدود الدنيا والقصوى لكل عقوبة، ويبين مدى سلطة القاضي، فهذا متروك لاجتهاد ولاة الأمور، ولا حظر فيه شرعًا، أو عقلًا، وإنما هو مستحسن بحسب الأعراف المعاصرة، ويمكننا بسهولة وضع تقنين شرعي يتناسب مع ظروف العصر، وقد حدث هذا فعلًا في القوانين الجنائية المستمدة من الشريعة الإسلامية كما تقدم.
ومن صفات التعزير عند الحنفية والشافعية: أنه ليس واجبًا على القاضي الحكم به، وإنما يجوز له العفو عنه وتركه، إذ ا لم يتعلق به حق شخصي لإنسان معين، لما روي أن النبي قال: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود)). وهذا يدل على أنه يراعى في التعزير مصلحة المتهم، ويسلك معه مسلك التخفيف.
يتجلى مما سبق أن العقوبات التعزيرية تتصف بصفة المرونة في التطبيق، فيترك فيها للقاضي الحرية في اختيار نوع العقاب الملائم، أو الإعفاء من العقوبة أو التفاوت بين المجرمين بحسب الظروف والأحوال، وليس للقاضي أصلًا سلطة في التجريم والعقاب كيفما يشاء، وإنما هو مقيد في حكمه بأوامر الشرع وقيوده وقواعده، ويستأنس بتصنيف الفقهاء للعقوبات. وهذا كله يساعد في إصلاح المجرم وبالتالي الإقلال من الجريمة ومنعها، بسبب رهبته من العقاب المحدد مطلقًا، وهو أسمى ما ينشده رجال القانون للتخفيف من حدة مبدأ قانونية الجرائم، وإعطاء سلطات تقديرية للقاضي في العقاب، مثل ترتيب العقوبة بين حد أقصى وحد أدنى يتراوح بينهما تقديره، أو ائتمانه على تطبيق نظام الظروف المخففة، أو تخويله سلطة الأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة في بعض الأحوال. وبذلك بدأت الشريعة الإسلامية في العقوبات التعزيرية بما انتهت إليه القوانين الحديثة في أفضل وأسمى نظرياتها...