تاريخ الدولة الإسلامية، لعبد الحليم عويس وآخرين.



الدرس التاسع عشر

العصر العباسي الأول
الدولة العباسية في عصرها الأول
(132-232هـ/ 750-846م)
الدعوة العباسية:
لم يكن سقوط الدولة الأموية، وقيام الدولة العباسية مجرد تغيير في الأسر الحاكمة، وإنما يشكل في حقيقة الأمر ثورة جذرية حاسمة في تاريخ الإسلام على النظام القديم، تحققت بفضل دعوة وتنظيم ثوريين ناجحين واسعيْ الانتشار يُعَبِّرَانِ عن سخط عناصر هامة من الأمة الإسلامية على الحكم الأموي، ورغبة مشتركة في إسقاط النظام الحاكم.
ولم يكن للدعوة في بادئ الأمر اسم تتميز به؛ إذا كانت ترتكز على حزب آل البيت -أقوى الأحزاب المعارضة للأمويين- وهو حزب الهاشمية الذي يضم علويين وعباسيين -على السواء- وأنصارهم من الموالي العجم الذين آثروا الانضمام إلى حزبهم دون غيره من الأحزاب المعارضة الأخرى، وقد تعرض الشيعة العلويون على مختلف فرقهم لتنكيل بني أمية لإدعائهم أنهم أصحاب الحق الشرعي في الخلافة، كما استشهد أعلام كثيرون من آل البيت الذين خرجوا يقاومون النظم المستبدة الجائرة ويدعون لأنفسهم.
العباسيون ومسألة الخلافة:
مَرَّ ادعاء العباسيين بحقهم في الخلافة بمرحلتين مختلفتين، تميزت كل منهما عن الأخرى، ففي الدعوة السرية ضد الحكم الأموي، رفعت الدعوة شعارات عامة مثل: (حق أهل البيت) أو (بني هاشم) في حكم المسلمين بعد وفاة الرسول -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- حيث نادى الدعاة العباسيون بحق العباسيين في الخلافة؛ اعتمادًا على وصية أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب لمحمد بن علي العباس، وبعد نجاح الثورة العباسية، وقيام الدولة الجديدة تناسى العباسيون روابطهم بأبي هام ومنظمته السرية (الهاشمية) وبدءوا يؤكدون بأن حقهم في الخلافة يرجع للعباس بن عبد المطلب عم الرسول -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ.
وتتفق المصادر الإسلامية على الحقيقة التاريخية للوصية، وتذكر أنها في سنة (97هـ/ 715م)، وفي سنة (98هـ/ 716م) مات أبو هاشم، وهو في طريق عودته من الشام إلى الحجاز بعد زيارته لسليمان بن عبد الملك، إما بسبب السم الذي دبره له الخليفة "وهي رواية ضعيفة" أو بسبب مرض طبيعي -وكان في منطقة الشراة- فأمر أصحابه بالتوجه إلى الحميمة مقر العباسيين؛ حيث أوصى هناك لمحمد بن علية العباسي، وجعلها إماما؛ لأنه أعلم من غيره، وكيف لا؟ وقد أخذ محمد العلم على يدي أبي هاشم نفسه. وقد حول محمد المنظمة الهاشمية إلى منظمة عباسية صرفة.
مرحلة التخطيط النهائي:
ويعد محمد بن علي العباسي شخصية مستنيرة، تميزت بالذكاء الحاد، والنشاط والاتزان، وقد أهلته هذه الصفات ليقدر أبعاد الموقف تقديرًا واقعيًّا، فأدرك بثاقب نظره أن الدعوة يجب أن تتخذ منطلقًا بعيدًا عن مركز الخلافة الأموية، وأن تتوافر لها العناصر المؤيدة لآل البيت والمناهضة للأمويين، كما أدرك أهمية التزام السرية التامة لأهدافها البعيدة، مع اتخاذ هدف قريب تتستر وراءه وهو (الرضا من آل البيت) درءا وتقية لما قد يصيب الدعوة من أخطار إذا ما اكتشفت السلطات الأموية سرها، وفي الوقت نفسه كسبًا لأنصارٍ جددٍ من شيعة فارس الذين كانوا يميلون -سواء عن إيمان عقائدي راسخ، أو بدافع من الشعور القومي- للعلويين، وزيادةً في تعمية الأمر على الأمويين والعلويين، وتجنبًا لإثارة الشبهات في نواياه الحقيقية.
وقد اختار محمد -بتوجيهٍ من أبيهِ علي- الكوفة وخراسان مراكز لدعوته، أما الكوفة: فلأنها قاعدة الشيعة، ومهد التشيع لآل البيت منذ أن اتخذها الإمام علي مركزًا له، وأما خراسان، فلبعدها عن دمشق دار الخلافة الأموية من جهة؛ ومن جهة ثانية: أنه أدرك أن الخراسانيين أسهل قيادًا لتأييد الدعوة العباسية من العراقيين؛ بسبب عداء أهلها الفرس للأمويين العرب.
وأراد محمد بن علي أن يصرف نظر الأمويين وأنصارهم عن المركز الرئيسي لنشاطه التنظيمي، وهو الحميمة حيث قام هو في حياة أبيه، ثم بعد وفاته في سنة (118هـ/ 736م) على تنظيم الدعوة.
ولضمان السرية التامة للدعوة في خراسان والكوفة رأي أن يكون الطريق الذي يسلكه الدعاة في ترددهم ما بين خراسان والحميمة من الطرق الرئيسية التي يكثر استخدامها حتى لا ينكشف سر الدعوة، ولهذا اختار طريق الكوفة، خراسان التجاري، وأوحى إلى الدعاة والنقباء بالتنكر في زي التجار، ولم يسمح لأحد منهم أن يتصل بالحميمة إلا عن طريق داعي الدعاة بالكوفة.
مرحلة التنفيذ العملي:
لقد تولي إبراهيم بن محمد بن علي العباسي الأمر عندما توفي والده محمد بن علي العباسي في سنة (125هـ/ 742م) بعد أن أوصى بالإمامة من بعده لابنه إبراهيم.
وفي عهد إبراهيم بدأ دور جديد من تاريخ الدعوة العباسية، هو دور العمل والنضال الحربي، والذي تألقت فيه شخصيتان بارزتان كان لهما أعظم الأثر في نجاح الدعوة؛ وهما:
حفص بن سليمان، المعروف بأبي سلمة الخلال الذي تولى رئاسة الدعوة بعد وفاة بكير بن ماهان، وشخصية أبي مسلم الخراساني الشاب المغامر الذي يرجع إليه الفضل في قيادة الثورة العباسية إلى النصر في الفترة من (129-132هـ/ 746 - 750م).
وقد استطاعت هاتان الشخصيتان تهيئة الأمور للخلافة العباسية، بحيث اكتشف الأمويون فجأة أنهم فقدوا الأرضية الشعبية التي يقفون عليها، وأن الأرض مادت بهم، وصح قول الشاعر نصر بن سيار:
أقولُ مِنَ التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْرِي أَأَيْقَاظٌ أُمَيةُ أم نيامُ
فقد ظلوا نيامًا أو أشباه نيام حتى وقعت معركة "الزاب الكبرى" التي قادها أبو العباس السفاح الذي أصبح أول خلفاء بني العباس (132-136هـ/ 749-754م).
ففي جمادي الآخر من عام (132هـ/ 750م) اشتبك في معركته الحاسمة مع الأمويين حيث استطاع أن يقضي -على ضفاف نهر الزاب- على جيش مروان بن محمد الذي لاذ بالفرار فتعقبه الجيش العباسي بقيادة عبد الله بن علي عم أبي العباس إلى حران، ولكن مروان فَرَّ منها إلى الشام، حيث لم يجد نصيرًا، فلحق به جيش عباسي آخر بقيادة عم آخر لأبي العباس هو صالح بن علي، فاندحر جيش مروان بن محمد، أما هو فهرب ثانية، وصالح بن علي يتعقبه حتى عثر عليه في كنيسة في (بوصير) ببني سويف فأحاطوا به، وقتلوه في شهر ذي الحجة من عام (432هـ/ أغسطس 750م)، ليسدل بذلك الستار نهائيها إلى الأبد على حكم بني أمية في الشام ومصر.
وفي السنة التالية (133هـ/ 750م) استسلمت، واسط إلى أبي جعفر المنصور، وكانت آخر قلاع بني أمية في العراق، وكان يزيد بن هبيرة -آخر ولاة بني أمية في العراق- قد صمد في واسط لحصار القوات العباسية لمدة عام كامل، ثم قبل الأمان من أبي جعفر، واستسلم له، ولكنه ما لبث أن قتل غيلة وغدرا.
وهكذا قامت الدولة العباسية، ودخل في حوزتها هذا الملك الطويل العريض، الذي وضع أساسه خارج جزيرة العرب أبو بكر خليفة رسول الله -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- وشاد بنيانه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ومكن قواعده وزان جوانبه بنو أمية من بني عبد شمس.
وكان أبو العباس في غاية الرضا والسرور لقبول منصب الخلافة على الشروط الخراسانية، فأبقى أبا سلمة الخلال في وظيفته وزيرا له، رغم ما في هذا الإجراء من تقليل لسلطات أبي العباس الزمنية.
وهكذا -ومنذ البداية- افترق العباسيون عن العلويين بانحرافهم عن الشعار الذي ارتضوه معهم للإمام أمير المؤمنين، ولذلك استمرت الشيعة في تأليب الرأي العام لتحقيق أهدافها الدينية والسياسية طوال العصر العباسي.
ومع أن أبا العباس عرف بلقب (السفاح) فإن هذا اللقب ألصقه به بعض المؤرخين المتأخرين، لاختلاف لقب ملكي لأمير المؤمنين العباسي الأول على غرار الألقاب التي اصطفاها من تلاه من خلفاء بني العباس لأنفسهم، وقد قصد أبو العباس أن تبقى سلطته في حدود الحد الأدنى؛ تمشيًا مع ظروف مرحلة التأسيس.
وكما نرى فقد قامت دولة العباسيين مساء يوم الخميس السابع عشر من شهر ربيع الأول (132هـ/ 749م)، في مدينة الكوفة، وكان أبو العباس السفاح (عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس) أول خليفة للدولة العباسية التي ظلت تعمل لعشرين سنة أو أكثر -بطريقة سرية تحت شعار (الرضا من آل البيت) لتقويض دعائم البيت الأموي، وقيام دولة آل البيت العباسي، نسبة إلى العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه.
وكانت الدولة الأموية الآيلة للسقوط المتناحرة داخليًّا قد قدمت لهم -كذلك- مساعدة كبيرة؛ فالتقت عوامل الانهيار الأموي، مع التخطيط العباسي المعتمد على الشحن العاطفي القوي لآل البيت، فحقق ذلك انتصار العباسيين على الرغم من القوة العادية الكبيرة التي كانت مع آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد في معركة (الزاب) وهي المعركة الفاصلة التي انتهت بنهايتها دولة بني أمية وقامت بعدها دولة بني العباس عام (132هـ).
أبو جعفر المنصور (136-158هـ/ 754-775م):
لما آلت الخلافة لأبي جعفر المنصور عام (136هـ/ 754م) استهل عهده بخروج عمه (عبد الله بن علي) عليه. فندب أبا مسلم لقمع حركة عمه، وكان الوفاق بين أبي جعفر وأبي مسلم ما زال قائمًا، ولم تقع النفرة بينهما إلا بعد نجاح أبي مسلم في حملته هذه ضد عبد الله بن علي؛ إذ أرسل أبو جعفر لأبي مسلم يقطن بن موسى ليحصى أموال الغنائم، وهو ما رفضه أبو مسلم، معتبرًا أن ذلك ليس من حق أمير المؤمنين، ولا من سلطته، وفي الوقت نفسه رأى المنصور أنه لن يكون حاكمًا فعليًّا إلا إذا أزال من طريقه، بل ومن الوجود كله أبا مسلم الخراساني.
وفعلًا تخلص أبو جعفر المنصور من أبي مسلم الخراساني عام (137هـ/ 755م) دون أن يثير عمله هذا معارضة تذكر من أنصار أبي مسلم، في وقتٍ كَانَ بنو العباس قد بدءوا يكتسبون هالةً من الشرعية في عيونِ الرعيةِ.
وقد ظل المنصور طيلةَ حكمِهِ يزوال السلطات الأمنية بنفس أسلوب بني أمية، فلم تزد سلطات وزير المنصور آنذاك (أبي أيوب المورياني) عن كونه مجرد حاجب تنفيذي لدى المنصور.
وفي عام (145هـ/ 762م) قضى عيسى بن موسى ولي عهد الخليفة المنصور على ثورة قام بها العلويون بقيادة الأخوين محمد النفس الزكية في المدينة، وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن في البصرة وقد قتل الأخوان.
ويقترن اسم المنصور بمدينة بغداد التي شيدها في عام (145هـ/ 762م)، ويرجع سبب بنائه لها إلى أنه لما ثارت الراوندية في الهاشمية الواقعة بنواحي الكوفة كره المنصور سكناها، وكره أيضًا جوار أهل الكوفة؛ لأن الواحد منهم لا يأمن على نفسه، كما أن الجند قد تطاولوا وفسدوا، فخرج المنصور بنفسه يرتاد له موضعًا يسكنه هو وجنده، فاهتدى إلى موضع بغداد الذي يجمع بين الماء والزروع في موقع يمكن أن تصل إليه السفن من الشام والرقة، والميرة من الصين والهند والبصرة وواسط والموصل وأرمينية، وبين أنهار لا يصل إليها عدوه إلا على قنطرة، فأعجبه المكان، وعزم على اختياره لإنشاء بغداد، وتم البناء في سنة (146هـ/ 763م)، وجعلها المنصور مدورة، وفتح في سورها أربعة أبواب.
وفي وسط المدينة أقام قصره، والجامع، ودار حرسه، ومنازل أولاده، ومنازل من يقومون بخدمتهم، وقصور الأمراء ورجال الدولة، ودور الأهالي تتخللها الأسواق، وقد حرص على تحصينها؛ لتحاكي في العظمة والفخامة والمناعة مدينة القسطنطينية.
وفي عهد المنصور غزا البيزنطيون بعض أراضي الشام في سنة (138هـ/ 755م) في عهد الإمبراطور قنسطنطين الخامس، واستولوا على ملطية وهدموا سورها، ولكن المنصور تمكن من استردادها في العام التالي، وأقام فيها حامية عسكرية كبيرة.
وفي عهده استقل عبد الرحمن بن معاوية -المعروف بعبد الرحمن الداخل- بالأندلس عن الخلافة العباسية، فأراد المنصور أن يقضي على سلطات عبد الرحمن الأموي؛ فبعث العلاء بن مغيث اليحصبي إلى الأندلس لمحاربة عبد الرحمن الداخل، ولكن الأمير عبد الرحمن تمكن من إيقاع الهزيمة بالعباسيين في قرمونة.
وتوفي المنصور في سنة (158هـ/ 775م) بالقرب من مكة وهو في طريقه للحج.
وتولى بعده ابنه الخليفة المهدي (158-169هـ/ 775-785م) الذي نعمت الدولة في عهده بالسلام، وعكف على الفنون وخاصة العمارة، فأقام سور الرصافة، وبنى مسجدها، ووسع المسجد النبوي بالمدينة، وجَمَّلَهُ بالفسيفساء، وكان المهدي شديدًا على أهل الضلال والزندقة، ولم تأخذه في إهلاكهم لومة لائم، وفي عهد المهدي ساءت العلاقات بين البيزنطيين والعباسيين، فلم تنقطع الحروب البرية والبحرية بينهما، فمنذ عام (159هـ/ 775م) توالت حملات المهدي على البيزنطيين، وقد رد البيزنطيون على تلك الغارات، فأغاروا على مرعش وأحرقوها، فجعل المهدي ابنه هارون في حلب لمهاجمة البيزنطيين، وعمل هارون على مقاتلتهم، فوصل جيشه إلى سواحل البسفور، وأرغم الإمبراطورة (إيرين) الوصية على ابنها قسطنطين السادس، على أن تدفع للمسلمين مبلغًا قدره سبعون ألف دينار سنويًّا، وعقدت الهدنة بين (المهدي) و(إيرين) لمدة ثلاثة سنوات.
وتوفي المهدي عام (169هـ/ 785م) وتولى ابنه الهادي الخلافة (169-170هـ/ 785-786م) وفي عهده القصير ضعفت الخلافة العباسية، فقد أصبحت أموال الدولة تصرف على المقربين والمتصلين بالخليفة من الشعراء وغيرهم، كذلك بدأ نساء القصر يتدخلن في شؤون الدولة، مما قلل هيبتها، وبدأت ظاهرة استقلال الأطراف في الدولة العباسية في الظهور، وقامت في الداخل ثورات العلويين والزنادقة.
هارون الرشيد (170-193هـ/ 876-809م).
هو أبو جعفر هارون بن محمد المهدي، من أعظم خلفاء الدولة العباسية، وأكثرهم ذكرًا في التاريخ الإسلامي؛ لما اتصف به من كرمٍ وجودٍ، ولِمَا وصلت إليه الدولة الإسلامية في عهده من نهضة حضارية بلغت الأوج، فقد أصبحت بغداد في أيامه كعبة العلم والأدب، ومركز التجارة والصناعة، حتى أصبح اسمه مقرونًا بعبارة (العهد الذهبي)، وظهر في أيامه شعراء عظام أمثال: ( أبو العتاهية) و(العباس بن الأحنف) و(مروان بن أبي حفصة). ومؤرخون أمثال: الأصمعي والواقدي. وفي عهده ظهر التأثير الفارسي في الحياة الاجتماعية، فاحتفل الناس بالأعياد الفارسية القديمة كالنوروز الذي أصبح يحتل منذ قيام الدولة العباسية ما كان له من عظمة وروعة، ولم يقتصر الاحتفال بهذا العيد على الفرس حسب تقاليدهم القديمة، بل أصبح عيدًا شعبيًّا عامًّا، كما احتفل به الخلفاء احتفالًا رسميًّا، وأصبحت الأزياء تتبع الخطط الفارسي، كما انتشرت الأطعمة والأشربة الفارسية، ومن أنواع الأطعمة الفارسية التي شاعت في هذا العصر المأكولات الفارسية مثل السكباج والإسفيدباج، ومن أمثلة الحلوى الفارسية الفالوذج والخشكنانج.
ويتميز عصر الرشيد بقيام عدة ثورات: منها ثورات العرب في الشام ومصر والموصل، وفتنة الخوارج في الجزيرة، وخروج العلويين في طبرستان وإفريقية.
وفي عصره نكب البرامكة سنة (187هـ/ 802م)، وأساس هذه النكبة، هو ما أدركه الرشيد، وما يرجحه الواقع التاريخي، من أن البرامكة كانوا يطبقون سياسات تستهدف في النهاية إلى التسلط على الدولة والاستئثار بالنفوذ والسلطان، أو ما عبر عنه بعض المؤرخين بأن البرامكة كانوا يشكلون دولة داخل دولة، وهذا ما تبرزه بكل وضوح عبارة صاحب "الأغاني": إن في دولة الرشيد دولة أخرى ملوكها البرامكة.
ويبدو أن الرشيد كان واعيًا تمامًا بالأسلوب الذي استخدمه جده المنصور في مجابهة أبي مسلم، وبالتالي فإنه سار على هديه، وفي بضع ساعات من إحدى الليالي في شهر صفر سنة (187هـ/ 802م) نجح الرشيد في القضاء على البرامكة واستئصال خطرهم، فلا غرو أن ينظر إلى هذا التصدي الموفق بأنه نجاح في حماية الدولة العباسية من الوقوع تحت سيطرة أسرة البرامكة الفارسية.
أما عن علاقة الدولة العباسية بالدولة البيزنطية: فقد كانت علاقة حرب بخلاف علاقتها بالدولة الكارولنجية التي ارتبط عاهلها شارلمان (151-199هـ/ 768-814م) مع هارون الرشيد بعلاقات المودة والصداقة، وتبادل الجانبان الهدايا والسفارات.
ومن المعروف: أن هارون الرشيد قاد الحملات ضد البيزنطيين نفسه، ففي سنة (181هـ/ 797م) خرج على رأس جيش ضخم إلى آسيا الصغرى، وافتتح حصن الصفصاف، كما غزا قائده عبد الملك بن صالح بلاد البزنطيين في نفس السنة، فبلغ أنقرة فاضطرت الإمبراطورة (إيرين) إلى شراء سلم مهين لبيزنطة من العباسيين.
وفي آخر شوال (186هـ) 31 أكتوبر (802م) وبينما إيرين تعاني المرض -تزعم نقفور المسئول عن الخزانة، ومعه سبعة من الخصيان ثورة أجبرت إيرين على التنازل، وفي اليوم التالي توج نقفور إمبراطورًا (187-196هـ/ 802-811م)، ولم يكد يمضي وقتٌ طويلٌ منذ اعتلاء "نقفور" العرش حتى رفض مواصلة دفع الجزية المفروضة على (إيرين) إلى هارون الرشيد وفقًا للمعاهدة التي كانت قد عقدت بين الطرفين، وأرسل خطابًا إلى هارون الرشيد ورد فيه:
"من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب، أما بعد:
فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثال إليها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن. فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها. وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك.
ويقال: إن هارون الرشيد حينما قرأ هذا الخطاب سيطر عليه الغضب حتى خشيه الحاضرون، وأمر بدواة وكتب على ظهر الخطاب:
"بسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، أما بعد: فقد قرأت كتابك، يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه. والسلام".
وعلى إثر ذلك زحف هارون الرشيد بجيوشه مخترقًا آسيا الصغرى حتى نزل على هرقلة، ففتحها، وغنم غنائم كثيرة، وانتصر على البيزنطيين في عدة مواقع، وأرغم الإمبراطور نقفور على إبرام معاهدة صلح تعهد له فيها بدفع الجزية من جديد. ولكن البيزنطيين نقضوا هذه المعاهدة مرة ثانية، وهاجموا الدولة العباسية، وهارون الرشيد في عودته، وهزموا المسلمين في جنوبي آسيا الصغرى منتهزين انشغال الخليفة ببعض الفتن الداخلية، ولكن الرشيد خرج في سنة (190هـ/ 805م) وفتح هرقلة والصفصاف وملقونية وغيرها، وأسر من البيزنطيين ستة عشر ألفًا، وفرض عليهم جزية قدرها خمسون ألف دينار.
وتوفي هارون الرشيد، وهو غاز بخراسان، فدفن بطوس في 3 جمادي الآخرة سنة (193هـ)، وكان قد أوصى بولاية العهد لأولاده الثلاثة: الأمين (175هـ/ 793م)، ثم المأمون (182هـ/ 798م)، ثم المؤتمن (186هـ/ 802م)، وقد قسم دولته بينهم، فعهد بالقسم الشرقي إلى المأمون، وبالجزيرة والعواصم إلى المؤتمن، أما الأمين فتولى الشام والعراق إلى آخر المغرب.
حرب الأخوين (193-198هـ/ 808-813م):
عندما اعتلى الأمين عرش الخلافة العباسية (193-198هـ/ 809-813م) لم يلتزم بوصية أبيه، فبايع ابنه موسى بالخلافة بدلًا من المأمون.
ولما علم المأمون بما أقدم عليه أخوه الأمين، كلف طاهر بن الحسين بمهمة محاربة محمد الأمين، وحشد قوات على حدود ولايته خراسان، وأمرهم بمنع أيِّ فردٍ من العراق من الدخول إليه بخراسان دون استجوابه؛ وذلك خوفًا من الدعايات السيئة التي قد تثير الخراسانيين، وتدفعهم للثورة والتمرد. أما الأمين فقد أخذ للأمر عدته، وأعد حملة بقيادة "علي بن عيسى بن ماهان" ببها غلى الري، وهناك التقت هذه الحملة بقوات المأمون، ودارت بين الفريقين معارك انهزم في نهايتها جيش الأمين، وقتل قائد قوات الأمين" علي بن عيسى بن ماهان.
ولما رأى الأمين تدهور الموقف، عمل على أن يبعث عدة جيوش من بغداد الواحد تلو الآخر، إلا أنها جميعًا لم يكتب لها التوفيق أو النصر على قوات المأمون، واستطاع "طاهر بن الحسين" الاستيلاء على فارس وواسط والمدائن، وأنقذ الولاة إلى اليمامة والبحرين وعمان، ثم تقدم إلى بغداد نفسها، وحاصرها من ثلاث جهات لعدة أشهر، حتى نفذ ما كان لدى الأمين من مال، وضاق ذرعًا مما أضطره إلى بيع كل ما في خزائنه من متاع، وتحويل ما كان لديه من آنية الذهب والفضة إلى دراهم ودنانير، ليوزعها على جنوده وأعوانه.
وبالطبع كان لابد لبغداد أن تصاب من مضار الحصار المضروب عليها من كِلاَ الفريقين المتصارعين، خاصة بعد أن انضم إلى قوات الأمين المسنون والرعاع، الذين عاثوا في المدينة سلبًا ونهبًا وفسادًا، وحاربوا "طاهر بن الحسين" بحماس شديد. أما بقية الجند فقد حل بهم الإعياء، ودب بينهم شعور القنوط واليأس، فتقاعسوا عن مواصلة القتال مع الأمين، مما ساعد على ترجيح كفة قوات المأمون، وبدأت تتضح معالم الصورة التي سيتمخض عنها الصراع بين الأخوين. ذلك أن "طاهر بن الحسين" لم يهدأ ولم يكل عن مواصلة الحرب ضد الأمين وقواته، على الرغم مما تكبده من خسائر، فقد أمر بهدم وإحراق دور من يخالفه، ومنع الاشتغال بالتجارة في الأماكن التي سيطر عليها بقواته؛ وحول سفن البصرة وواسط إلى الفرات.
ولذلك كله ساءت أحوال بغداد وغلت الأسعار، وضاق الناس ذرعًا بهذا الحصار، ورأي تجار الكرخ -إنقاذًا لمواقفهم- أن يبعثوا لطاهر بن الحسين برسالة أوضحوا فيها محبتهم له، وترحيبهم بالدخول في طاعته؛ "لما بلغهم عنه من إيثاره لطاعة الله والعمل بالحق"، وهي في الواقع دعوة حق أريد بها باطل.
غير أن هذا الكتاب لم يكن له أثر في إنقاذهم من ويلات الحصار. فظل طاهر بن الحسين يحارب أتباع محمد الأمين ويتعقبهم، ونادى مناديه بالأمان لكل من لزم داره. واشتد الحصار حول الأمين، فمنع عنه الدقيق والماء، ولما رأى قواد محمد الأمين أنه لا قبل لهم بمقاومة الحصار، وخشوا وقوعهم في يد طاهر بن الحسين، أشاروا على الأمين بالانتقال إلى منطقة الجزيرة -الجزء الأعلى من بلاد العراق والشام- ليقيم هناك دولة جديدة، وليكون قريبًا من أنصاره العرب.
وقد استحسن الأمين رأي قواده، وعزم على تنفيذه، لكنه أقلع عن ذلك العزم، بتأثير فريق من قواده وكبار رجال بغداد، الذين هددهم طاهر بن الحسين بمصادرة كل ممتلكاتهم وثروتهم، إذا ما أفلت الأمين أو هرب من بغداد. فاضطر الأمين -وقد تحرج موقفه بشدة؛ بسبب قسوة الحصار المضروب حوله -إلى طلب الأمان، وخرج لمقابلة طاهر بن الحسين لكن بعض أتباع طاهر رشقوا سفينة الأمين في نهر دجلة -وهو بها- بالسهام والحجارة فغرقت السفينة وقفز الأمين في الماء، واستمر يسبح حتى وصل إلى البر الشرقي، ثم لحق به بعض الفرس في الدار التي آوى إليها وقتلوه أوائل سنة (198هـ/ 813م).
وبذلك انتهت خلافة الأمين التي دامت أربع سنوات، يقول عنه ابن العبري: "إنه في الجملة لم يوجد في سيرته ما يستحسن ذكره.
المأمون "خليفة" (198-218هـ/ 813-883م):
بالرغم من أن البيعة تمت للخليفة المأمون، وذلك عقب مقتل أخيه "محمد الأمين" إلا أن الفوضى استمرت لسنوات عديدة في أرجاء الدولة العباسية؛ نتيجة الحرب بين الأخوين، بل تفرعت عنها مشاكل أخرى عديدة، مثل: ثورة إبراهيم بن المهدي في عام (201هـ/ 817م)، كما قامت دولة مستقلة عن الخلافة العباسية هي الدولة الطاهرية (205-259هـ/ 820-872م)، كذلك دخل الأندلسيون مدينة الإسكندرية إلى أن تمكن عبد الله بن طاهر من إخراجهم إلى كربت بعد ذلك، كذلك حاول والي مصر عبد العزيز الجروي الاستقلال بمصر.
وكان الأهم من ذلك كله انقسام الناس إلى فريقين: الأول أنصار العنصر العربي الذي كان يؤيد الأمين على اعتبار أنه هاشمي الأبوين؛ والثاني أنصار العنصر الفارسي الذي كان يؤيد المأمون على اعتبار أن أمه فارسية.
وقد انحاز المأمون للعنصر الفارسي؛ فقد اتخذ من الفارسي الفضل بن سهل وزيرًا له، ولقبه بذي الرياستين لجمعه بين السيف والقلم، كما أسند لأخيه الحسن بن سهل ولاية العراق، وأصبح بنو سهل وأهل خراسان -وهم من الفرس- يسيطرون على أمور الخلافة.
ومما يذكر أيضًا أن المأمون قد أقام في خراسان، واتخذ من مرو عاصمة له؛ لذا قامت العناصر العربية بثورة بقيادة (نصر بن سيار بن شيث العقيلي) الذي استولى على سميساط وهذه الخلافة العباسية بعد أن اجتاح شرق الفرات، فندب المأمون قائدة طاهر بن الحسين لمحاربته لكن طاهرًا تخاذل في قتاله في البداية لأسباب تتعلق بأطماعه في العراق، ولقي نصر حتفه بعد ذلك، وانتهت الثورة.
وأخطر ما في هذه الثورة، أن زعيمها كاد يعقد تحالفًا مع الإمبراطور ميخائيل الأول رانجاني، فكتب خطابًا بهذا المعنى إلى أحد البطاركة البيزنطيين، ويدعى (مانويل). وما إن علم الإمبراطور بهذه الرغبة حتى أرسل إليه رسله، فوصلوا إلى كيسوم، إلا أنهم وجدوه قد خرج إلى سروج، وكان أنصار (نصر بن سيار) قد عارضوا فكرة التحالف مع بيزنة فاقتنع نصر بذلك، بل وأسرع بقتل رسل الإمبراطور الذين كانوا في انتظاره في كيسوم.
ومن أبرز ما يذكر للخليفة المأمون ثقافته الرفيعة، وحبه للعلم، وخدماته الثقافية التي جعلته في القمة بين الخلفاء المسلمين فقد جمع في بيت الحكمة كنوز العلوم الأجنبية، وأمر بأن تشترى، وتجمع له لمؤلفات الأجنبية، ثم أمر بترجمتها إلى اللغة العربية، وفي عهده ظهر الفيلسوف العربي الكبير: "الكندي" الذي كتب في عدة علوم، وترجم الحجاج بن يوسف بن مطر للمأمون: مصنفات إقليدس وكتاب بطليموس الشهير عند العرب بالمجسطى.
وكان العفو من أبرز صفات المأمون، وهو كما يصفه شيخ كوفي: "يوسفي العفو في قلة التثريب"، وقد عفا المأمون في مواضع قل من يعفو في نظائرها، وعفا عن أشخاص جلت ذنوبهم، وعظمت جريرتهم إليه، وكان يقول: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إليَّ بالذنوب، ولا معنى لعقوبة بعد قدرة.
ومن المسائل التي أثيرت في عهد المأمون مسألة خلق القرآن، أو محنة خلق القرآن، كما اصطلح على تسميتها -وهي من مثالب المأمون التي تؤخذ عليه، وقد وقف فيها المعتزلة مؤيدين بالمأمون ضد أهل السنة والمحدثين الذين رفضوا فكرة خلق القرآن، وأهان المأمون الإمام أحمد بن حنبل وسامه سوء العذاب.
وفي عهد المأمون قامت في الدولة البيزنطية ثورة يتزعمها "توماس الصقلي" ضد الإمبراطور البيزنطي "ميخائيل الثاني" في سنة (201هـ/ 821م) كادت تطيح بعرش الإمبراطور، وقد أيد المأمون ثورة توماس وأمدها بقوة إسلامية مقابل أن يتنازل له توماس -بعد أن يتحقق هدفه- عن بعض الحصون البيزنطية، ولكن ثورة فشلت بعد عامين في سنة (203هـ/ 823م).
أبو إسحاق محمد المعتصم (218-227هـ/ 883-842م):
هو ابن الخليفة هارون الرشيد من ماردة التركية، بويع له بالخلاف بعد وفاة أخيه المأمون وهو في عزوته الأخيرة إلى الدولة البيزنطية في رجب سنة (218هـ/ 833م).
وقد سار المعتصم على سياسة المأمون في حمل الناس على القول بخلق القرآن، فأهان ابن حنبل إهانة بالغة، كذلك تشدد المعتصم مع العلويين، فتخلص بالقتل من الإمام محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى في الخامس من ذي الحجة سنة (219هـ/ 834م)، كذلك قبض على محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن الحسين العلوي فسجنه ثم قتله.
وكان المعتصم شجاعًا قويًّا من أشد الناس بطشًا، وكان قائدًا موفقًا في حروبه، حتى لقد استحق لقب الخليفة القائد، وهو أول من أدخل الأتراك في الديوان، وكان يتشبه بملوك الأعاجم، ويمشي مشيتهم، واعتمد المعتصم اعتمادًا كليًّا على الجيش، وأسقط العرب من ديوان العطاء، وأهمل الفرس فقويت شوكة الأتراك، وارتكبوا الكثير من أعمال الشغب ببغداد، مما أثار عليهم العامة، فاضطر المعتصم إلى تأسيس مدينة تتسع لجنده الأتراك، فأسس مدينة سامرا في سنة (221هـ/ 836م)، وانتهى من بنائها في عام (223هـ/ 837م)، وأقام فيها مسجدًا جامعًا، وأفرد سوقًا لأرباب الحرف والصناعات، ونقل إليها الأشجار والثمار، وأقام القصور العظيمة التي بلغ عددها سبعة عشر قصرًا.
وفي عهد المعتصم ازداد خطر الزنديق (بابك الخرمي) الذي لاذ بالأقاليم الجبلية الشمالية الشرقية منذ سنة (221هـ/ 836م)، ولكن المعتصم وضع كل إمكاناته العسكرية للقضاء عليه، وعهد بهذه المهمة إلى قائده الأفشين الذي نجح في القبض عيه، وسيره إلى الخليفة بسامرا حيث قتل شر قتله في سنة (223هـ/ 837م).
والمعتصم هو بطل موقعة (عمورية)، ففي عهده ساءت العلاقات بين الدولة العباسية والإمبراطورية البيزنطية، وكان الإمبراطور البيزنطي (نيوفيل) يعين بابك الخرمي بمعونات عسكرية؛ انتقامًا لما فعله العباسيون زمن المأمون من مساعدتهم لتوماس الصقلبي، فقد أغار البيزنطيون في سنة (223هـ/ 837م) على مدينة عمورية، وفتحوها بالسيف، ثم أغاروا على مطلية، وقتلوا ونهبوا وسبوا، فاستنفر المعتصم قواته، وسار على رأس جيش ضخم يقوده الأفشين وأشناس، وتمكن من هزيمة الإمبراطور البيزنطي في أنقرة، ثم حاصر عمورية ودخلها بالسيف، وتركها أربعة أيام نهبا للسلب والتدمير، وأراد المسير إلى القسطنطينية ومحاصرتها برًّا وبحرًا، فبلغه عزم العباس بن المأمون على الخروج عليه ومكاتبة الإمبراطور البيزنطي، فعجل المعتصم في مسيره، وقبض على العباس وأنصاره، وفي منبج منع عنه الماء فمات بها.
وفي أيام المعتصم خرج (المازيار بن قارن) صاحب جبال طبرستان -وكان على ما يظهر من الخرمية -على المعتصم في سنة (224هـ/ 838م)، وتمكن الحسن بن الحسين من أسره وقتله.
وفي أيام المعتصم خرج أيضًا أبو حرب المبرقع اليماني بفلسطين سنة (226هـ/ 840م)، وتوفي المعتصم، ولم يكن قد انتهى بعد أمر أبي حرب المبرقع اليماني، وتمكن رجاء بن أيوب من أسره وقتله في عهد الواثق بالله.
الواثق بالله (227-232هـ/ 842-847م):
هو أبو جعفر الواثق بالله هارون بن المعتصم، وأمه أم ولد رومية اسمها قراطيس، وكان الواثق يشارك أباه المعتصم في ميوله وآرائه الفلسفية، فتشدد مع الفقهاء، وألزمهم باعتناق آرائه، وانتصر للمعتزلة، وقد أثار بهذه السياسة مشاعر أهل بغداد، فسخطوا عليه، وأنكروا القول بخلق القرآن، وتزعم هذه الحركة أحمد بن نصر الخزاعي في سنة (231هـ/ 846م)، ولكن الواثق توصل إلى القبض على زعماء الحركة، وجلس لهم مجلسًا عامًّا فيه أحمد بن أبي داود قاضي القضاة، وناظر أحمد بن نصر في مشكلة خلق القرآن، فأنكر عليه ابن نصر ذلك، فقام إلى سيف يقال له "الصمصامة" وضربه على رقبته ثم طعنه بطرف سيفه في بطنه، وأمر بصلب رأسه عند باب الحزمي ببغداد.
وبوفاة الواثق في سنة (232هـ/ 847م) ينتهي خلفاء العصر العباسي الأول.
الدولة العباسية في عصرها الثاني (232-590هـ/ 846-1193م):
لقد تميز العصر العباسي الثاني بسيطرة ثلاث قوى متتالية على الخلفاء العباسيين ممثلة في الأتراك ثم بني بويه فالسلاجقة، وخلال فترات هذا التسلط وقع التفكك الذي تكونت بسببه الدول المستقلة.
أولًا: الأتراك:
لقد تميز العصر العباسي الثاني باعتماد الخلافة على الترك وعناصر أخرى في الجيش والبلاط، ثم ازدياد نفوذهم وسيطرتهم على مقاليد الحكم.
وقد ازداد اهتمام خلفاء بين العباس بالترك، إلى أن جاء المعتصم بالله (218-227هـ/ 833-841م) فتوسع في استعمال الترك في الجيش؛ لما تميزوا به في البأس والجرأة والشجاعة والإقدام، إلى جانب أجناس أخرى كالعرب (اليمانية والقيسية). وعلى هذا فلم يقتصر الجيش العباسي في عهد المعتصم على الترك دون غيرهم، وبالتالي فليس من الصحيح تعليل كل المصائب والأزمات التي حلت بالخلافة العباسية بتدخل الأتراك في السيادة والحكم، فقد كانت هناك عوامل أخرى، وعليه لا يمكن تحميل الترك وحدهم مسئولية تصدع الخلافة العباسية؛ إذ لم يزد وضعهم عن كونهم أحد اثنين:
1- إما طبقة من المماليك خدمت الخلافة العباسية، وتدرج بعض أفرادها حتى وصلوا إلى أرفع المناصب، مثلهم مثل الفرس من قبلهم أمثال البرامكة وآل سهل، وقد تحكم بعض الترك في الحكم فأساءوا إلى الخلافة والسلطة.
2- وإما أنهم منقذون للخلافة العباسية من الديالمة، الذين جاء بهم البويهيون، والدخلاء، ومن البيزنطيين والصلييبين، ونخص هنا بالذكر السلاجقة، ومن تبعهم من الأتابكة. ولعل الصورة التي رسمها لنا المؤرخون العرب المحدثون، وتسمية العصر بعصر النفوذ التركي، تعد أمرًا غير مقبول على إطلاقه وبخاصة في العصر العباسي الثاني.
ذلك أن الظروف التي مرت بها الخلافة العباسية -منذ الحرب الأهلية بين الأمين والمأمون وحتى خلافة المتوكل (193-232هـ/ 808-846م)، هي التي أدت لاستخدام العنصر (التركي) الجديد؛ لأن حياة الاستقرار والازدهار الاقتصادي النسبي، عودت الناس على حياة التحضر والترف والدعة، حيث لم يعد سكان العراق عنصرًا محاربًا يعتمد عليه، مما حدا بالعباسيين إلى البحث عن عنصر جديد قوي ومحارب، فوجدوا ضالتهم في سكان بلاد ما وراء النهر وتركستان.
الظهور الحقيقي للأتراك على المسرح السياسي العباسي:
وعلى أيِّ حال فقد فتح المعتصم الطريق للترك ليصلوا إلى جيش الخلافة العباسية، وقد استقدمهم المعتصم من بلاد ما وراء النهر، وبدأ بأن أسند لهم أمر سلامته الشخصية فجعل منهم حرسه الخاص، ثم أدخلهم في جيشه المحارب واستطاعوا بشجاعتهم وبطولاتهم أن ينالوا تقدير الخليفة، وأن يصلوا إلى القمة في أمور الحرب، وحرصًا على مكانتهم عملوا على إسقاط أسماء كثيرين من العرب من الجيش الإسلامي؛ ليخلو لهم الجو، وأهم القادة الأتراك في عهد المعتصم (الأفشين، وإيتاخ وأشناس وبغا الكبير).
وقد بدأ شر الأتراك يظهر في عهد المعتصم فاعتدوا على كثير من الناس في بغداد واعتدى الناس عليهم، ولما كثرت الشكوى منهم بنى المعتصم مدينة سامرا وانتقل إليها ونقل إليها جيشه. وعلى كل فإن شخصية المعتصم لم تدع للأتراك فرصة للطغيان.
الأتراك بعد المعتصم:
وصل القواد الأتراك في عهد الواثق إلى مكانة مرموقة، وقد خلع الواثق على أشناس لقب السلطان، وبذلك اعترف له بحقوق تعدو نطاق المهام العسكرية الخاصة، فلما توفي الواثق في سن مبكرة كان (وصيف) -الذي خلف أشناس- قد أمسى من القوة بحيث يستطيع أن يرفع إلى العرش الرجل الذي يرتضيه، وبخاصة أن الواثق لم يختر أحدًا لولاية عهده، وقد نصب (وصيف) بادئ الأمر محمد بن الواثق خليفة للمسلمين، وكان لا يزال دون سن الرشد، ولكنه سرعان ما استبدل به عمه جعفرًا المتوكل على الله، وقد حاول الخليفة الجديد أن يتخلص من صانعي الملوك، فأوقع بابن الزيات، وقضى على إيتاخ، ولكن محاولته لم تتم؛ لأن الأتراك ثاروا ضده مع ابنه المنتصر واستطاعوا قتله، واكتمل لهم بذلك السلطان وبدأ عصر ضعف الخلافة.
ومن زعماء الأتراك الذين ظهروا في هذا العصر غير الذين مر ذكرهم (بغا الصغير) المعروف (بالشرابي)، وقد عاصر المتوكل والمنتصر، وفي عهد المستعين ظهر (بايكباك وأتامش وسيما الشرابي وكلباتكين)، وفي عهد المعتز ظهر (صالح بن وصيف وموسى بن بغا)، وفي عهد المهتدي برز (مفلح)، وفي عهد المقتدر ظهر (مؤنس المظفر).
وقد احتفظ هؤلاء الزعماء بقيادة الجيش، وأحيانا تولى بعضهم الوزارة مثل أتامش الذي تولى وزارة المستعين، وعن طريق قيادة الجيش كان للأتراك السلطان الكامل تقريبًا في شؤون القصر وشؤون الدولة فيما عدا فترة خلافة المعتمد والمعتضد.
خلفاء هذا العصر:
المتوكل (232-247هـ/ 846-861م).
المنتصر (247-248هـ/861-862م).
المستعين (248-252هـ/ 862-866م).
المعتز (252-255هـ/ 866-868م).
المهتدي (255-256هـ/ 868-869م).
المعتد (256-279هـ/ 869-892م).
المعتضد (279-289هـ/ 892-901م).
المكتفي (289- 295هـ/ 901-907م).
المقتدر (295-320هـ/ 907-932م).
القاهر (320-322هـ/ 932- 933م).
الراضي (322هـ -329هـ/ 933-940م).
المتقي (329-333هـ/ 940-944م).
المستكفي (333-334هـ/ 944-945م).
وقد عاصر المستكفي آخر نفوذ عهد الأتراك ومطلع نفوذ البويهيين.
ولقد كانت نهاية معظم خلفاء هذا العصر أليمة. فقد هجم الأتراك على الخليفة المتوكل وقتلوه، وقد استمر الاعتداء القاسي الظالم المتهور على الخلفاء طيلة سيطرة الأتراك، وامتد إلى عصر البويهيين، فتعرض الخلفاء خلال هذين العهدين بسبب وغير سبب إلى عنف شديد، شمل القتل وسمل العينين والإيقاف في الشمس المحرقة، والضرب، وكان خلع الخفاء أيسر ما ينزل بهم، وقل من الخلفاء من نجا من هذا المصير. وقد دَوَّنَ السيوطي وابن طباطبا صورًا من هذه النهايات الأليمة، ومن الذين مَسَّهُم هذا الهوان: المعتز بالله الذي أوقف في الشمس وضرب ثم قتل صبرًا، والمقتدر الذي قطعت رأسه وألقيت جثته بالطريق عدة أيام، والقاهر الذي خلع، والمستكفي الذي خلع وسملت عيناه واعتقل حتى مات، والطائع الذي قبض عليه بقسوة وخلع.
أهم أحداث العصر:
بالإضافة إلى سلطان الأتراك الذي طغى على سلطان الخلفاء، هناك أحداث هامة وقعت في هذا العصر، نلم بها فيما يلي ومنها:
1- صحوة الخلافة: كانت المشاغبات والمؤامرات والفتن طابع هذا العصر، وتوالت انتصارات صاحب الزنج -الذي سنتحدث عنه فيما بعد- وكثرت الحركات الاستقلالية، واختل النظام، كما اختلت ميزانية الدولة، لذلك اتفق الأتراك فيما بينهم على ترك قيادة الجيش لأحد العباسيين؛ ليكون له السلطان عليهم رغبة في تهدئة الأحوال، ومن هنا تركوا للخليفة المعتمد أن يختار قائد الجيش من أسرته، فاختار أخاه الموفق، واسترجع العباسيون بذلك السلطان من الأتراك، وتعتبر هذه الفترة صحوة الخلافة العباسية، وبعد وفاة الموفق تولى ابنه المعتضد قيادة الجيش، فلما توفي عمه الخليفة نودي بالمعتصد خليفة للمسلمين، وكانت صحوة بني العباس هذه من سنة (256هـ) (289هـ 901م)، وعاد بنو العباس بعد المعتضد إلى ضعفهم، ولكن السلطان لم يعد للأتراك على نحو ما كان عليه من قبل، فقد برزت سلطة نساء القصر، كما برز منصب أمير الأمراء التي تركزت فيه السلطة، ولم يكن هذا المنصب خاصًّا بالأتراك، وإنما قفز له رجال من هنا وهناك.
2- ثورة الزنج: بدأت في منطقة البصرة وواسط التي تعج بآلاف الزنوج الإفريقيين الذين كانوا أرقاء أو أجراء لدى كبار الملاك في هذه المنطقة، وزعيمهم رجل فارسي اسمه (علي بن محمد) ادعى أنه رسول العناية الإلهية لتحريرهم، وبدأت معارك ضارية بينه وبين جيوش الخلافة العباسية، وقتل القائد التركي (جعلان) في إحدى معاركه ضد صاحب الزنج، وكانت ثورة الزنج مدمرة تحرق المدن وتبيد الزرع، وقد استولى الزنوج، وكانت ثورة الزنج مدمرة تحرق المدن وتبيد الزرع، وقد استولى الزنوج على مدينة الأبلة، والأهواز وواسط والبصرة وعبادان، واتخذوا مدينة (المختارة) عاصمة لهم.






العالم الإسلامي في العصر العباسي، مصطفى رمضان.



الدرس التاسع عشر

العصر العباسي الأول
خلفاء العصر العباسي الأول:
لم تتغير أوضاع الخلفاء العباسيين في العصر العباسي الأول عَمَّا في أيام الخلفاء الأمويين من ناحية عصبية الملك، فالحكم كان على أيامهم ملكًا عضوضًا، وليس هناك مجال لمشورة أحد، فالخليفة هو المستبد بكل أوضاع الدولة على نحو ما كان على أيام الخلفاء الأمويين.
السفاح:
وكان أول الخلفاء العباسيين "أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس" الملقب بالسفاح "132-126هـ" وقد شغل السفاح في عهده القصير بتصفية خصوم الدولة، وتثبيت دعائمها ولم يمهله أجله لكي يبني وتظهر عبقريته في هذا المجال، وكان يشرك معه في الرأي أفراد البيت العباسي، وكبار قواده كأبي مسلم الخراساني.
ولم يكن لديه وقت ينفقه في غير شئون الدولة، وكان يحب أن يجلس بعض الوقت إلى عقلاء الرجال ويسمر معهم، وكان يقول: "إنما العجب ممن يترك أن يزداد علمًا، ويختار أن يزداد جهلًا، فقال له أبو بكر الهذلي: ما تأويل هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: يترك مجالسة مثلك وأمثال أصحابك، ويدخل إلى امرأة أو جارية، فلا يزال يسمع سخفًا، ويروي نقصًا".
وكان كغيره من الخلفاء في استقبال الشعراء، وقبول نفاقهم الشعري له، ومنحهم عليه المنح الطائلة التي لا يستحقونها من بيت مال المسلمين، وهو في هذا يختلف عن أخيه أبي جعفر المنصور الذي كان يفتنُّ أن ينفق مال المسلمين في هذا المجال السيئ -كما سنذكر فيما بعد- وابتعد أبو العباس عن الانغماس في حياة الترف، والإكثار من الجواري في قصره للتمتع بهن، وإنما كانت طبيعة الرجل وجديته وانشغاله ببناء الدولة، وعدم وجود وقت لديه لإنفاقه في هذا العبث، هو الذي أبعده عن هذا الجو.
وعرف عنه أنه اكتفى في حياته بزوجة واحدة على الرغم من إطناب بعض جلساء السوء له في جمال الجواري، والمتعة التي تحصل للشخص بمباشرتهم.
فيذكر المسعودي حديثًا طريفًا عن أبي العباس في هذا المجال، فقد كان أبو العباس متزوجًا "بأم سلمة المخزومية"، وكانت معه قبل الخلافة، وكانت على جانب كبير من الجمال والذكاء، ورجاحة العقل، وقوة الشخصية، وقد حدث يومًا أن أحد جلساء السفاح -واسمه "خالد بن صفوان"- حدثه بحديث عن النساء والجواري، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني فكرت في أمرك، وسعة ملكك، وقد ملكت نفسك امرأة واحدة، فإن مرضت مرضت وإن غابت غبت، وحرمت نفسك التلذذ باستظراف الجواري، ومعرفة أخبار حالاتهن، والتمتع بما تشتهي منهن، فإن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء، وإن منهن البضة البيضاء، والعتيقة الأدماء، والدقيقة السمراء، والبربرية العجزاء من مولدات المدينة تفتن بمحادثتها، وتلذ بخلوتها، وأين أمير المؤمنين من بنات الأحرار، والنظر إلى ما عندهن وحسن الحديث منهن؟ ولو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء، والسمراء اللمساء، والصفراء العجزاء، والمولدات من البصريات والكوفيات ذوات الألسن العذبة، والقدود المفهفهة، والأوساط المخصرة، والأصداغ المزرفنة، والعيون المكحلة، والثدي المحققة، وحسن زيهن وزينتهن وشكلهن، لرأيت شيئًا حسنًا". وجعل خالد يجيد في الوصف، ويكثر في الإطناب بحلاوة لفظه، وجودة وصفه، فلما فرغ كلامه، قال له أبو العباس: ويحك يا خالد!! ما صك مسامعي والله قط كلام أحسن مما سمعته منك، أعد علي كلامك فقد وقع مني موقعًا، فأعاد عليه ثم انصرف.
وعلى الرغم من أن أبا العباس أبدى إعجابه وانشراحه بهذا الكلام إلا أن "خالد بن صفوان" لم يحدث له خير في تلك الليلة، ذلك أن أم سلمة عرفت من زوجها ما قاله ابن صفوان، وتسبب هذا القول في أرق ألم بالخليفة في ليلته، فأوكلت به أم سلمة جماعة من أعوانها، وأمرتهم ألا يتركوا منه عضوًا صحيحًا. وعلى كل حال فلم تكن يقظة أم سلمة هي السبب في عدم اهتمام السفاح بالجواري، وإنما طبيعة الرجل وجديته هي التي أبعدته عن هذا، كما سبق وأن أشرنا.
والواقع أن كثرة الجواري في البلاط الأموي، وبعد ذلك في البلاط العباسي، ترتب عليها مفاسد كان لها الأثر الكبير في ضعف الأمة وسقوطها في وهدة التخلف فيما بعد، ونقلت العداوة بين الزوجات والجاريات الكثيرات إلى أولادهن، حتى تعذر معها تهذيبهن، ونشأ عن كثرة عدد النساء في قصور الخلفاء أنه لا يصفو ذهن أحدهم للإصلاح والنظر في شئون الأمة؛ لأنه ضعيف بسبب غرقه في الملذات.
وكان من مميزات السفاح ومن بعده المنصور البعد عن هذا الجو الذي كان سببًا في ضعف الدولة الأموية، وهذا ما مكن السفاح وأبو جعفر من تأسيس ملك قوي البنيان، وانصرفَا إلى أمور الدولة بكل الطاقات لديهما، وكان على ذلك رجال الدولة وقوادها على أيامهما، والناس على دين ملوكهم كما يقولون، فهذا هو أبو مسلم الخراساني يروي عنه ابن خلكان أنه كان جادًّا في حياته إلى أبعد الحدود، لم ير ضاحكًا ولا مازحًا إلا في وقته، ولم يكن يعرف حياة الجواري، بل كان غير طبيعي في البعد عن النساء، فكان لا يأتي النساء في السنة إلا مرةً واحدةً، ويقول: "الجماع جنون، ويكفي أن يجن في السنة مرة".
وسوف نرى فيما بعد خلفاء العباسيين عندما انحرفوا إلى حياة الترف والملذات، ضاعت ملكاتهم وأصبحوا في أيدي عبيدهم وجواريهم، وانحرف رجالهم تَبعًا لانحرافهم.
أما فيما يتعلق بمشكلة ولاية العهد فقد سار العباسيون على النمط الذي سار عليه الأمويون من قبلهم، وهو عقد الولاية لأكثر من واحد من البناء والأخوة، ولم يأخذوا درسًا مما حدث للأمويين من مشاكل بسب هذا الموضوع، فقد ولي السفاح عهده لرجلين: هما أخوه أبو جعفر المنصور ومن بعده، ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد، وكانت هذه التولية هي التي أثارت عمه عبد الله بن علي، وخرج على أبي جعفر بجيشه بعد وفاة السفاح، وسببت كثيرًا من الحروب وسفك الدماء كما سبق أن ذكرنا.
أبو جعفر المنصور:
أما أبو جعفر "المنصور" "136-158هـ" فقد طال عهده واستمرت خلافته 22 سنة تمكن فيها من تثبيت قواعد الملك للعباسيين، وظهرت عبقريته أثناء الأحداث والوقائع التي وقعت في عصره، وقد واجه عمه عبد الله بن علي عندما تمرَّدَ على طاعته، وتغلب عليه، كما واجه خروج محمد بن عبد الله بن الحسن وأخيه إبراهيم، وخرج من هذه الثورة منتصرًا كما سبق شرحه، وتخلص في النهاية من نفوذ أبي مسلم الخراساني، وتم قتله على يديه وصفَا له الجو، ويعتبر المؤسس الحقيقي للدولة العباسية.
ويجمع المؤرخون على أن شخصية أبي جعفر المنصور كانت قوية إلى أبعد الحدود، وأنه كان واسع الحيلة، ويروون عنه أنه كان إذا خرج إلى مجلسه تغير لونه واحمرت عيناه، وانقلبت جميع أوصافه، وكان يقول لأولاده: "يا بني، إذا رأيتموني قد لبست ثيابي وخرجت إلى المجلس، فلا يدنونَّ أحد مني؛ مخافةَ أن أزعجه وأخيفه".
وكان أبو جعفر حريصًا على أن تظل الخلافة في عقبه على الرغم من وجود ابن أخيه "عيسى بن موسى بن محمدط في ولاية عهده على النحو الذي قرره السفاح من قبل، فلما شب ابنه محمد المهدي، أخذ يعمل على تعيينه وليًّا للعهد بعد عيسى بن موسى، وكان المنصور في سنينه الأولى يستعين بعيسى بن موسى في التغلب على الثورات، ويلقي به في كثير من الحروب فيدفع به عن نفسه، وعندما ثار العلويون بالحجاز والعراق، قال المنصور لعيسى: "والله ما يراد إلا أنا وأنت، فإما أن تذهب لقتالهم أو أذهب أنا، وكان عيسى يتقبل هذا بروح المدافع عن مصلحته؛ لأن الأمور ستؤل إليه بعد المنصور، ولكن المنصور كان على ما يبدو يريد التخلص منه، ولما استقام المُلك له عَزَّ عليه أن يلي بعده ابن أخيه من بعده ليرث هذا الملك العريض الذي أرسى قواعده بمجهوده، وهو لا يدري ولا يضمن ماذا سيفعل بابنه فيما بعد.
وفاوض المنصور "عيسى بن موسى" في خلع نفسه فأبَى، وقال: يا أمير المؤمنين، كيف أضع الأيمان التي في رقبتي وفي رقاب الناس بالعتاق والطلاق؟ ليس إلى الخلع سبيل، فتغير المنصور عليه وباعده بعض المباعدة، وصار يأذن لابنه المهدي قبله، ويجلسه دون المهدي، ويوصي حاشيته بعدم احترامه، وتوجيه الأذية إليه إلى أن خلع نفسه. وقيل: دفع إليه المنصور مبلغًا كبيرًا من المال ليخلع نفسه.
فيذكر الجهشيري أنه لما أجاب عيسى إلى تقديم المهدي عليه سنة 147هـ أمره أبو جعفر أن يخرج إلى الناس، فيخاطبهم بذلك، فخرج ومعه "أبو عبيد الله" -كاتب المهدي- فدخلَا المسجد الجامع، فقال عيسى: إني قد سلمت ولاية العهد للمهدي ابن أمير المؤمنين، وقدمته على نفسي، فقال الكاتب: ليس هكذا أيها الأمير، ولكن قل: لِحَقِّه وصدقه، وأخبر بما رغبت فيه وأعطيت، فقال: نعم، قد بعت نصيب من تقدمي في ولاية العهد من عبد الله أمير المؤمنين لابنه محمد المهدي أمير المؤمنين بعده بعشرة آلاف درهم وألف ألف درهم لابني فلان وابني فلان وابني فلان وفلانة امرأة سمَّاها من نسائه، بطيب نفس مني، ورغبت في تصييرها إليه؛ لأنه أولى بالتقدم فيها، وأحق وأقوم عليها، وأقوى على القيام بها مني.
وبذلك يكون المنصور قد أجبر عيسى بن موسى بن علي أن يسيء إلى نفسه أيضًا بما قال، ولذلك لم يسلم عيسى من سخرية الناس به، فكان بعض الناس بالكوفة إذا مر بهم عيسى بن موسى يتغامزون ويقولون: هذا الذي كان غدًا فأصبح بعد غد؛ لأنه صار بعد هذا التنازل ولي العهد الثاني.
حالة الدولة الإسلامية في عهد المنصور:
قاد المنصور الدولة الإسلامية قيادة حكيمة، فَسَاد في عهده الرخاء، وعم الأمن، وعرف عنه أنه كان يحافظ على أموال الدولة بكل ما يستطيع، ولم يعرف عنه التبذير في المجالات التي تعود الحكام على إضاعة الأموال فيها، ومنها إعطاء العطايا الكبيرة للشعراء المنافقين، فقد كانت هذه عادة الأمويين وعادة أخيه أبي العباس من قبل، أما هو فرفض نفاق هؤلاء ولم يعبأ بسخريتهم حين أطلقوا عليه "المنصور الدوانيقي"؛ نظرًا لحفاظه على الدانق الذي هو سدس الدرهم، ومحاسبة الناس عليه، وذهب به حرصه أنه كان يسترد من الشعراء ما يمنحه ابنه المهدي، قد روى الأصفهاني: أن "المؤمل الشاعر" قدم على المهدي بالري، وهو إذ ذاك ولي عهد المنصور، فامتدحه بأبيات، فأعطاه المهدي عشرين ألف درهم، فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور، فكتب المنصور إلى المهدي يلومه، وطلب الشاعر حتى أتى إليه، فقال له المنصور: أتيت غلامًا غرًّا كريمًا، فخدعته فانخدع، أنشدني ما قلت فيه، فأنشده، فقال المنصور: "أحسنت، ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، يا ربيع أعطه منها أربعة آلاف وخذ الباقي".
وعلى كل حال، فإن هذا المسلك من المنصور يعد التزامًا إلى حد ما بالقواعد الإسلامية التي تكره الشعراء المداحين المنافقين، فقد روى مسلم في صحيحه "3003" في الزهد من حديث المقداد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب))، وأخرجه أبو داود "4804" والترمذي "2395" وابن ماجه "3742". انظر "زاد المعاد"، تحقيق شعيب الأرناءوط وعبد القادر الأرناءوط، ج1 ص164.
ويذكر الجهشياري أنه كان "لسوار القاضي" بالبصرة من طرفه كاتبان، رزق أحدهما أربعون درهمًا، ورزق الآخر عشرون درهمًا، فكتب إليه القاضي يسأله التسوية بينهما، فنقص صاحب الأربعين عشرة دراهم وزادها لصاحب العشرين، وغير ذلك من الروايات التي تدل على اقتصاده الشديد في أموال الدولة.
ولذلك ترك المنصور خزائن أموال الدولة عامرةً، حتى قيل: إنه خلف عند وقته ستمائة ألف ألف درهم: "600 مليون درهم"، وأربعة عشرة ألفة ألف دينار: "14 مليون دينار".
المنصور يواجه حركات السخط على أبي مسلم:
ومضى المنصور يحقق للخلافة العباسية القوة والمنعة وتصدى لمشاكل كثيرة، وقف لها وجهًا لوجه دون خوف، فقضى على الحركات التي ظهرت بعد مصرع أبي مسلم مثل "حركة سنباذ المجوسي وإسحاق الترك" وحركة "الراوندية"، وأقر السلام في فارس وخراسان بتغلبه على هذه الحركات الفارسية الطابع.
أما "سنباذ المجوسي" كان سنباذ مجوسيًّا من قرية من قرى نيسابور، يقال لها" "أهروانة"، وكان من صنائع أبي مسلم، وتجمع حوله كثير من أهل الجبال، وتغلب على نيسابور، والري، وقومس، ويسميه المسعودي بـ"سنفاد الخرمي" فقد تجمع حوله جيش كبير من نيسابور، ومن أهل الجبال من أصحاب أبي مسلم ثاروا عقب قتل أبي مسلم، وكثر أتباع سنباذ، وطالبوا بدمه، واستولوا على خزائن أبي مسلم "بالري" وأرسل أبو جعفر إليهم جيشًا كبيرًا، خاض معهم معارك شديدة المراس إلى أن تغلب عليهم، وقُتِلَ سنباذ، وقتل من رجاله -كما يذكر المسعودي وابن الأثير- حوالي ستين ألفًا.
وفي بلاد ما وراء النهر خرج رجل يسمى "إسحاق الترك" الذي كان داعيًا فيها من قبل أبي مسلم، وغضب لمقتل أبي مسلم، وزعم أن أبا مسلم لا يزال حيًّا، وأنه سيظهر في يوم من الأيام، وأعلن الثورة على الدولة العباسية سنة 137هـ، وتمكن من تجميع عدد كبير من الناس حوله، ولكن لم تكن لحركته قوة، ولم يحقق نجاحًا؛ لأن عامل خراسان تمكن من القضاء عليه وقتله سنة 140هـ.
ومن هذه الحركات "حركة الراوندية" وتنسب إلى طائفة من "مدينة راوند" على مقربة من أصفهان، وقد اتخذت هذه الجماعة طريقة تأليه المنصور وسيلةً للإضرار به، وخرجوا سنة 141هـ وزحفوا على العراق، ووصلوا إلى الهاشمية بالأنبار، وطافت جماعة منهم حول القصر، وقالوا: هذا قصر ربنا، فقبض المنصور على رؤسائهم وحبسهم؛ لأن أحس بخطورة هذه الآراء عليه وعلى الدولة وعلى العقيدة الإسلامية، فاشتدت ثورتهم عليه، وكادوا يفتكون به عندما خرج لتفريقهم، لولا أن كافح دونه جماعة كان رأسهم "معن بن زائدة الشيباني" إلى أن انهزم الراوندية، ونجا المنصور ويطلق المؤرخون على هذه الحادثة "يوم الهاشمية".
غير أنه لم يقض على حركة الخرمية تمامًا، فقد تجمعوا فيما بعد في "بذ" وهي كورة بين أران وأذربيحان، وكان منهم "بابك الخرمي" على أيام المعتصم، كما سنذكره فيما بعد.
وفي سنة 150هـ خرج أستاذ سيس في "هراة" فوجه إليه المنصور "خازم بين خزيمة" فتغلب عليه وقتله وكان 300 ألف من الرجال.
"وقيل: إنه جد المأمون أبو أمه مراجل، وابنه غالب المأمون، وهو الذي قتل ذا الرياستين "الفضل بن سهل لمواطأة من المأمون". [ابن الأثير، ج5، ص29] قد تغلب في البداية على هراة، وبادغيش، وسجستان، وغيرها من خراسان، وهزم عدة من القود "الأجشم المروذي في أهل مرو، "معاذ بن مسلم"، جبرائيل بن يحيى، حماد بن عمرو، وأبو النجم السجستاني، وداود بن كرار".
فلما تولى خازم ضم إليه القواد، وأخذ معه مَن انهزم، وتمكن مِن ترتيب القوات حتى حقق النصر، وكان عدد من قتل منهم -حسب رواية ابن الأثير- سبعين ألفًا، وتم أسر 14 ألفًا، وكانت هزيمة أستاذ سيس سنة 151هـ. وقيل: إنه ادَّعى النبوة وأظهر أصحابه الفسق وقطع الطريق.
مواجهة الخوارج بالمغرب:
نظر الخوارج إلى خلفاء العباسيين نظرتهم إلى خلفاء بني أمية، كلهم لا يصلح للخلافة، ولم تختره الأمة اختيارًا حرًّا صريحًا، ولم يستوفِ الشروط التي يجب توافرها في الإمام، وكلهم يجب الخروج عليه وقتاله، وعزله إن أمكن، وقتله إن أمكن.
وظلت هذه العقيدة لديهم وتلازمهم في العصر العباسي، وكانت أفكارهم قد لقيت رواجًا بالمغرب في أواخر الأموي، وعندما قامت الدولة العباسية انشغلت بالقضاء على ثورات العلويين والفرس -التي سبق أن أشرنا إلينا- فأتاح هذا المجال للخوارج لكي يزداد وضعهم بالمغرب، واستقبل المغربة زعماءهم بالترحاب، وعلى الأخص أن المغرب وقف منذ قيام الدولة العباسية في صف المعارضة، وكان رأيهم في الخلافة يتفق مع رأي الخوارج أن يتولاها الأصلح، بصرف النظر عن كونه قرشيًّا أو غير قرشي، عربيًّا أو غير عربي، كما كانوا يطلبون المساواة مع العرب في الجيش، والخوارج حققوا لهم ذلك.
وتم للخوارج الإباضية الاستيلاء على أفريقية وطرابلس، فكان أبو الخطاب عبد الأعلى في طرابلس، وعبد الرحمن بن رستم في القيروان، ووجد البربر لدى الخوارج قاعدةً شرعيةً للخروج على الخلافة، وخاصة بعد أن جعل أساسه السياسي: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
مواجهة الانفصالين بالمغرب:
كما واجهت الدولة العباسية على أيام المنصور ثورة الخوارج بإفريقية بقيادة "أبي الخطاب عبد الأعلى الإباضي" الذي هزم الجيوش العباسية سنة 142هـ، فعهد المنصور إلى "محمد بن الأشعث" بولاية إفريقية، وأرسل معه جيشًا مكونًا من أربعين ألفًا: منهم ثلاثون ألفًا من خُراسان، وعشرة آلاف من جند الشام، فالتقى بالإباضية سنة 144هـ وهزمهم، وقتل أبا الخطاب عند "سرت" على مقرُبة من طرابلس ودخل "القيروان" في جُمادَى الأولى سنة 144هـ.
وعندما سمع "عبد الرحمن بن رستم" بالهزيمة التي حلت بأبي الخطاب، ترك القيروان وسار نحو المغرب إلى حيث استقر به المقام إلى المكان الذي سيبني فيه مدينة "تاهرت" التي أصبحت عاصمة الإباضية في المغرب الأوسط إلى قيام الدولة الفاطمية في المغرب في أواخر القرن الثالث الهجري.
ولكن لم يهدأ الوضع في بلاد المغرب للعباسيين، حيث زحف الخوارج الصفرية من منطقة "تلمسان" واشتبكوا مع القوات العباسية وظل الصراع مستمرًّا، وثارت الخوارج الإباضية في منطقة "تاهرت" بقيادة "عبد الرحمن بن رستم" الإباضي، ومعهم قبائل نفزاوة، واشتعل المغرب كله بالمعارضة لحكم العباسيين.
ولكن انهارت مقاومة ابن الأشعث سنة 148هـ بسب اختلاف الجند الخراسانية عليه، فولى المنصور عليها الأغلب بن سالم التميمي، أحد قواد بن الأشعث الذي سينجح بنوه في إقامة أسرة حاكمة في تونس منذ سنة 184هـ لكن قتل الأغلب سنة 150هـ، وعمت ثورة الخوارج المغرب، فلم يتراجع المنصور، وعرف كيف يخمد ثورة الخوارج بالحديد والنار.
وبعث المنثور بعد ذلك "بيزيد بن حاتم المهلبي" إلى القيروان سنة 155هـ وكان واليًا من قبل على مصر، ثم سيره المنصور في جيش كثيف، واستمرت ولايته هناك 15 سنة أي: طوال عهد المهدي والهادي، حتى أقر الأوضاع بها وقَضَى على الخارجين.
وقام بإصلاحات كبيرة في القيروان، وأقاليم تونس، وعرفت إفريقية فترةَ هدوءٍِ ورخاء طوال ولايته حتى سنة 170هـ حيث توفي، وتظل الأمور بالمغرب تتراوح بين ثورة الخوارج وهدوئهم إلى أن تولى الدولة العباسية على إفريقية إبراهيم بن الأغلب التميمي سنة 184هـ، وهو الذي ينجح في تكوين دولة أرادت الدولة العباسية بها أن تكون حاجزةً لها من الخوارج، والأدارسة، والأمويين بالأندلس، وتوارث أبناء إبراهيم الحكم في القيروان، وأسسوا بها أسرةً جديدةً تدين بالولاء للدولة العباسية، ولها استقلال ذاتي عن الخلافة، وسنتحدث عنها فيما بعد.
الإباضية بالمغرب:
والذي انتشر في المغرب من مذاهب الخوارج هو المذهب "الإباضي" والصفري، وصاحب هذا المذهب هو "عبد الله بن إباض التميمي" أحد زعماء الخوارج، والمذهب الإباضي يمثل آخر تطورات الفكر الخارجي، فبعد تعصب "الأزارقة" الذين كفَّروا غيرَهم من المسلمين، وأباحوا دماءهم، خفف الخوارج من قسوة مبادئهم التي لقيت نفورًا من جمهرة المسلمين، كما تعرضت لرد فعل عنيف من جانب الدولة، فظهر "الصفرية" أتباع زياد بن الأصفر، ولم يرمِ الصفرية غيرهم من المسلمين بالشرك، بل وقفوا منهم موقفًا وسطًا بين التساهل والتشدد المقبول، كما أنهم قبلوا التقية، ولم يروا دار المخالفين دارَ حربٍ، وعلى الرغم من ذلك وُصفوا بالقسوة، واستحلال سبي المسلمين، وعندما ظهر "الإباضية" كآخر مرحلة معتدلة، لم تكن تكفِّر بقيةَ المسلمين، وقالت: إن كفرهم كفر نعمة -لمن ارتكب كبيرة- لا كفرَ ملةٍ، وحرموا دماءهم وسبيهم.
وكما انقسم الخوارج بالمشرق كذلك انقسموا بالمغرب إلى إباضية، وصفرية؛ فالصفرية: كان أول ظهورهم بالمغرب الأقصى، والإباضية ظهورًا بعدهم في طرابلس، وأول أمر الخوارج عندما عادوا من وقعت صِفين إلى العراق وخرجوا إلى قرية حروراء القريبة من الكوفة بزعامة "عبد الله بن وهب الراسبي"، فعُرفوا بالحرورية نسبةً إلى هذه القرية، لكن اسم الخوارج غلب عليهم وظل جامعًا لمختلف فئاتهم.
نشأة الإمارة الأموية بالأندلس:
نجح عبد الرحمن بن معاوية -المعروف بـ"الداخل"- في الفرار من وجه العباسيين، وصل إلى الأندلس سنة 138هـ، وأسس بها إمارةً أمويةً، انفصلت عن الدولة العباسية، وناصبها العداء، فكانت هذه المسألة مثار ألم شديد للمنصور، فواجه هذه الإمارة بكل قوته، وكان المنصور شديد الحرص على أن تؤكد الدولة سلطانها على الأندلس، وكان الانقسام العربي بالأندلس موجودًا بين اليمانية والقيسية، فاتصل العباسيون باليمنية وحالفوهم، وفي سنة 146هـ أرسل المنصور "العلاء بن مغيث الحضرمي" - وقد وقع الاختلاف في اسم العلاء: فذكر ابن الأثير أنه: العلاء الحضرمي، وقال آخرون بأنه: العلاء بن مغيث اليحصبي الجذامي، وابن الأثير والنويري والمقري يقولون بأنه كان في إفريقية، وتابعهم على ذلك المتأخرون-.
وصاحب أخبار مجموعة يقول: إنه من أهل الأندلس، وكذلك ابن عذاري والحميري الذي ذكر أن العلاء كان رأس جند باجة، فثار بهم، وقام بدعوة بني العباس ولبس السواد، ورفع راية سوداء، واجتمع إليه الناس، أميرًا على الأندلس، فعبَرَ البحر من المغرب إلى الأندلس، وانضم إليه خصوم عبد الرحمن الداخل، وتعاون اليمنية مع العلاء الحضرمي الداخل بنواحي إشبيلية.
غير أن عبد الرحمن حَطَّمَ هذا الحصار، وهزم قوات العلاء وأنصاره هزيمةً كبرى، وقتل العلاء وقتل معه سبعة آلاف، وحملت رأس العلاء إلى القيروان مع بعض التجار، كما تمكن عبد الرحمن الداخل من القضاء على من انضم إلى العلاء من أهل اليمن، وظل يتعقبهم بالأندلس حتى قَضَى على معارضتهم تمامًا.
وأصبحت الأندلس مجالًا لتجمع الأمويين يفرون إليها بين الحين والحين، وكلك مجالًا لأنصارهم، وكل من فَرَّ من وجه العباسيين لسبب أو لآخر، وأصبحت الأندلس أيضًا مجالًا خَصْبًا للأفكار المعارضة للعباسيين، حتى أضحت مجالًا لفقه الإمام "مالك" الذي وقف موقفًا صلبًا ضد أبي جعفر المنصور، وناصر "محمد بن عبد الله بن الحسن" النفس الزكية، فإن هذا الحادث جعل لمالك بن أنس ومذهبه المالكي مكانة مرموقة في الأندلس، فيروي المؤرخين: أن كراهية مالك للعباسيين كانت من الأسباب التي جعلت الأمويين في الأندلس يعتنقون المذهبَ المالكي، ويجعلونه المذهب الرسمي لدولتهم".
خلافة هارون الرشيد:
تولى هارون الرشيد بعد موت الهادي من 170-193، وتعتبر هذه الفترة من أعظم فترات التاريخ العباسي من حيث قوة الدولة، ومن حيث الحضارة والرقي العلمي الذي ساد الدولة، وفي عهده بلغت العاصمة بغداد درجةً لم تصل إليها من قبلُ، فقد أصبحت ملتقى رجال العلم والأدب، ومركزًا للتجارة، وسادت المظاهر الفارسية في نظام الحكام والحياة الاقتصادية والاجتماعية.
فقد ظل نظام الحكم في الدولة العباسية استبداديًّا منذ قيام الدولة إلى عهد الرشيد، فقد كان الخليفة هو مصدر كل سلطة، ومرجع كل الأوامر المتعلقة بإدارة الدولة، ومنذ عهد الرشيد تغير الوضع فأصبح الوزير ساعدَ الخليفة الأيمن، وتولى الوزارة يحيى بن خالد البرمكي.
وحين قَلَّدَ الرشيد يحيى، قال له: قلدتك أمر الرعية، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل مَن رأيت، واعزل مَنْ رأيت، وامض الأمور على ما ترى. ثم دفع إليه خاتمه الخاص، حتى صار بيده الحل والعقد في كل شئون الدولة، وهذا هو الذي جعل الناس ينصرفون إلى البرامكة دون الخليفة مما مهد لنكبتهم.
وزادت سلطة "الخيزران" فأطلق لها الرشيد العنانَ في كثير من الأمور، فأصبحت تنظر في الأمور، وكان يحيى يعرض عليها ويصدر عن رأيها إلى أن توفيت سنة 173هـ، فورثت زبيدة بنت جعفر بن المنصور زوج الرشيد مكانتَها، وبذلك استمر مسلسل تدخل النساء في شئون الحكم -وسنرى أنه سيزداد ويصبح خطرًا على الدولة في حالة ضعف الخلفاء، وقوة النساء الأجانب وخاصة في عهد سيطرة الأتراك-.
وعَصْر الرشيد طويل مليء بالأحداث والموضوعات التي تستحق الدراسة، ولكننا سنضطر إلى إيجاز القول فيه بقدر الإمكان.
ومن أهم الموضوعات التي تستحق الدراسة في عصر هارون الرشيد، موضوع نجاح بعض العلويين في إنشاء دولة علوية في المغرب الأقصى، وهو إدريس بن عبد الله بن الحسن أخو محمد النفس الزكية في سنة 172هـ.
فقد استطاع "إدريس" الفرار إلى المغرب بعد أن أحكم العباسيون قبضتهم على الحجاز في أعقاب "معركة فخ"، فقد ضيقوا الخناقَ على العلويين، فَفَرَّ إدريس إلى المغرب بعد أن استوثق من نصرة البربر له، وعاونه على الذهاب إلى المغرب رجل شيعي كان على بريد مصر يسمى "واضح" وهو جد المؤرخ أحمد بن واضح اليعقوبي، وهو مولى صالح بن المنصور، فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوصل بأمانٍ إلى المغرب الأقصى على الرغم من شدة المراقبة العباسية، وقد أحسن استقباله بالمغرب "إسحاق بن محمد" أحد رؤساء القبائل البربرية، وقد وصل إلى "وليلة" وليس معه إلا خادم واحد.
والتف البربر بالمغرب حول "إدريس"، فكون أول دولة للعلويين، وهي دولة الأدارسة سنة 172هـ، بذلك تم خروج إقليمين مهمين عن الخلافة العباسية، وهما: بلاد الأندلس على يد عبد الرحمن بن معاوية الأموي، وبلاد المغرب الأقصى على يد إدريس بن عبد الله.
وبُويع إدريس بن عبد الله في مدينة "وليلة" بالمغرب سنة 172هـ، وبدأ يوسع نفوذه في بلاد المغرب على حساب الدولة العباسية.
ولكن كيف نفسر هذا الترحيب من البربر الذين توافدوا عليه بكثرة، وولوه سلطانًا عليهم بعد بضعة أشهر من وصوله، وهو رجل أجنبي عنهم لغةً ونَسَبًا؟
كان الإسلام قد انتشر في كل الأصقاع بجهود الفاتحين الأوائل، وكان الإسلام قد مد جذوره منذ سنوات في صورة مذهب الخوارج، وتغلغل في عدد من القبائل، فكانت فرصة عظيمة للمسلمين المتحمسين في جبال المغرب الأقصى، أن يستطيعوا استقبال سِبْط من أسباط الرسول -عليه الصلاة والسلام- وأن يقيم بينهم، وكان من المفهوم أيضًا أن يجعلوه زعيمًا لهم؛ لأنه جمع إلى فضل النسب كونه خَصْمًا للدولة العباسية، وأنهم وجدوها فرصةً للاستقلال، وأهلُ هذه النواحي نَزَّاعون للاستقلال باستمرار، ومجبولون على المكايد والحروب والصراع.
وبغير هذا لا نستطيع أن نفسر انتصارات إدريس السريعة بمساعدة زعماء أشداء من البربر، مما جعله يُخضع الجزءَ الأكبر من المغرب الأقصى في أقل من ثلاث سنوات.
ولما بلغ هارون الرشيد أن أمر إدريس قد أضحى خطيرًا ببلاد المغرب، وكثرت جنوده وفتح "تلمسان"، وأنه عازم على الزحف على إفريقية، أراد إرسالَ جيشٍ إليه للقضاء عليه، ولكنه تردد في ذلك لبعد بلاد المغرب عن عاصمة الدولة، فاختار أسلوبَ الحيلة للقضاء على إدريس، فَكَلَّفَ رجلًا بمتاز بالدهاء والحيلة وهو "سليمان بن جرير المعروف بالشماخ اليماني"، وطلب منه أن يحتال في قتل إدريس، وزوده بالمال الذي يستعين به على ذلك، فسافر هذا الرجل، واتصل بإدريس، وادعى أنه ملتجئ إليه تبرمًا من الدولة العباسية، فقبله إدريس بحسن نية، وأعجب بحديثه، وانتهز الرجل الفرصة، ودس السُّمَّ لإدريس في دواء، وفر هاربًا، ومات إدريس على إثر ذلك، وكانت وفاته سنة 177هـ، وكافأ الرشيدُ الشماخَ بتعيينه على بريد مصر بدلًا من واضح مولى صالح بن المنصور الذي ساعد إدريس على الوصول إلى المغرب.
ولم يكن لإدريس ولد، وكانت له جارية في حالة حمل منه، فوضعت ولدًا أسموه "إدريس الثاني"، وبايعوه بالخلافة عندما كبر، واستمرت دولة الأدارسة بفضل مؤازرة البربر التي لم تضعف حتى سنة 364هـ، وسنتوسع في تاريخها عندما نتناول الحركات الانفصالية في العالم الإسلامي.
ولما يئس الرشيد في محاولاته ضد الأدارسة بالمغرب، حاول تدعيم قوة الأغالبة بإفريقية الذين تأسست دولتهم سنة 184هـ كدولة حاجزة لهم في تونس؛ لتحجر إفريقية عن المغرب الذي اشتدت فيه قوة الأدارسة بمعاونة البربر. وزادت فيه قوة الخوارج في المغرب الأوسط.
واستطاع "يحيى بن عبد الله" أخو إدريس أن يفر إلى طبرستان ببلاد الديلم، فاعتبره أهلها أحق بالخلافة، وبايعوه سنة 176هـ، ونحن شاهدنا المحاولات المضنية التي قام الفرس بها من قبل للانتقام من الدول العباسية، فوجدوها فرصة أيضًا في استقبال سبط من أسباط الرسول -عليه الصلاة والسلام- ينائون الدولةَ به، وهو الذي جمع إلى شرف النسب كونه خصيمًا لدودًا للدولة العباسية التي يحاول الفرس الانتقام منها بكل الوسائل. وبذلك ظهر أمره بسرعة إلى أن أصبح يهدد الدولة العباسية في المشرق، وأقلق الرشيد أمره، وفكر في حيلة أيضًا للقضاء عليه وعلى دعوته، فولى "الفضل بن يحيى البرمكي" بلاد الديلم، وأرسل معه 50 ألف جندي لمحاربته، والقضاء على حركته وولاه جرجان وطبرسان والري.
ونجح الفضل في الإيقاع بيحيى عن طريق الخديعة، وأتاه من ناحية غير ناحية الحرب، فكاتبه ولاطفه وحذره، وأمَّله بالعفو عنه، ومن ناحية أخرى كاتب "صاحب الديلم" وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد الله، فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطه يشهد عليه القضاة، والفقهاء، وكبار بني هاشم، ومشايخهم، فأجابه الرشيد إلى ذلك.
ولقد عظمت منزلة الفضل عند الرشيد بسبب النجاح في القيام بهذه المهمة دون إراقة دماء، ودون أن تتكلف الدولة شيئًا، وكان الرشيد مسرورًا بذلك، وأرسل الرشيد الأمانَ إلى يحيى ومعه الهدايا والتحف ليحيى، فقدم يحيى مع الفضل إلى بغداد، فلقيه الشريد بالترحاب، وأمَرَ له بمالٍ كثير، وأجرى عليه الأرزاق، وأنزله منزلًا يليق به، لكن الرشيد تغير خاطره عليه، فسجنه ومات في السجن، وكان ذلك التغير الأخير بسبب سعاية رجل من أولاد الزبير بن العوام بيحيى بن عبد الله عند الرشيد، واتهامه بأنه أخذ يدعوا إلى نفسه بعد إعطائه الأمان.
الخوارج بالمشرق:
نظر الخوارج إلى خلفاء العباسيين نظرتهم إلى خلفاء بني أمية، كلهم لا يصلح للخلافة، ولم تختره الأمة اختيارًا حرًّا صريحًا، ولم يستوف الشروط التي يجب توافرها في الإمام، وكلهم يجب الخروج عليه وقتله وعزله إن أمكن وقتله.
وظلت هذه العقيدة لديهم في العصر العباسي، إلا أن قوتهم في هذا العهد لم تكن كقوتهم في العصر الأموي؛ لأن الأمويين فتكوا بهم -المهلب بن أبي صفرة من طرف الحجاج- وعندما أتت الدولة العباسية حاربوها في المغرب وعمان والجزيرة، وفي عهد الرشيد خرج على الدولة العباسية بعض الخوارج بقيادة "الوليد بن طريف الشيباني" وكان ذلك بنواحي أرض الجزيرة بالعراق سنة 178هـ، واشتدت هجمات الوليد في الجزيرة وأرمينية، وهَزَم للدولة العباسية كثيرًا من الجيوش، وكثر أتباعه، واهتم هارون الرشيد بالقضاء عليه.
وكانت حجة الوليد ومن معه للخروج على الدولة، أنهم كانوا ينعون على خلفاء الدولة العباسية جورهم واستبدادهم، وخروجهم عما توجبه الأوامر الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله، وقد اتصل أمرهم من لدن أن خرجوا على علي بن أبي طالب إلى زمن الرشيد، إلا أن خلفاء بني أمية، قد أختفوا صوتهم بما كانوا يجردون لهم من الجيوش على يد أمهر القواد "كالمهلب بن أبي صفرة" وغيره، ولكنهم لم يستأصلوا شأفتهم، فخرج منهم أيام الرشيد "الوليد بن طريف" هذا، وكان الوليد بطلًا شجاعًا، دَوَّخَ جيوش الدولة، ولم يستطع الرشيد القضاء عليه إلا عندما كلف رجلًا من شيبان أيضًا للقضاء عليه، هو "يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني" وهو ابن أخ لمعن بن زائدة الشيباني، فلما اصطف الجيشان للحرب، ناداه بقوله: يا وليد، ما حاجتك إلى التستر بالرجال، أبرز إليَّ، فقال له: نعم والله، وبرز له وهو يقول:
أنا الوليد بن طريف الشاري قسورة لا يصطلي بناري
جَوْركم أخرجني من داري
فقضى يزيد عليه بعد مبارزة طالت، واحتز رأسه، وأرسله إلى الرشيد، وتفرَّق رجاله، فقال شاعر منهم:
وائل بعضُها يقتل بعضًا لا يفل الحديد إلا الحديد
وقالت "فارعة" أخت الوليد من قصيدة من أهم قصائد الرثاء:
أيا شجر الخابور مالك مورقًا كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتًى لا يحب الزاد إلا من التقى ولا المال إلا من قنا وسيوف
ألا يالقومي للحمام وللبلى وللأرض همت بعده برجوف
ألا يا لقومي للنوائب والردى ودهر مُلح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى وللشمس لما أزمعت بكسوف
وليث كل الليث إذ يحملونه إلى حفرة ملحودة وسقيف
ألا قاتل الله الحشا حيث أضمرت فتى كان للمعروف غير عيوف
فإن يك أراده يزيد بن مزيد فرب زُحوف لفها بزحوف
عليه سلام الله وقفًا فإنني أرى الموت وقاعًا بكل شريف
وهكذا كانت ثورات الخوارج في الجزيرة وعمان، وانتصر فيها العباسيون، ما عدا ثورتهم بالمغرب، فقد بقيت لهم به قوة حتى قيام الدولة الفاطيمة، وكانت هذه الهزائم المتوالية للخوارج سببًا في ضعف أمرهم وقلة شأنهم.
وحدثت بعض القلاقل في الشام بين القبائل العربية، وأهاجت العصبية بين "النزارية" و"اليمانية" وقتل من الفريقين خلق كثير، وكانت الدولة العباسية قد تركت هذا النزاع في البداية، وابتعدت عنه فترة؛ لعلمها بعدم إخلاص هؤلاء للدولة العباسية، ولكن الرشيد تدخل في هذا النزاع، وعين "موسى بن يحيى" ابن خالد البرمكي، فأصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، واستقام أمر الشام.
ووقعت في خراسان بعض المشاكل والفتن، وثار أهلها على واليها "علي بن عيسى بن ماهان" بسبب اغتصابه الأموال من الأهالي، فكتبوا إلى الرشيد يستغيثون به، فعين عليهم "الفضل بن يحيى البرمكي" سنة 178ه، فأصلح بعضَ أمور خراسان، ولكن استمرت مشاكل خراسان حتى أيام المأمون.
الرشيد وولاية العهد:
يذكر الطبري أنه في سنة 75هـ ولي الرشيد عهده لابنه محمد ولقبه "بالأمين"، على الرغم من أن سنه يومئذ كان خمس سنين، وكان ابنه عبد الله "المأمون" أكبر منه سِنًّا، إلا أن الأمين كانت أمه من البيت العباسي فهي "زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور"، أما المأمون فكانت أمه في الأصل جارية من بلاد فارس تسمى "مراجل"، أعتقها الرشيد وتزوجها، فأنجبت له المأمون.
تزوجت زبيدة الرشيد سنة 165هـ، وكان اسمها "أمة العزيز" ولقبها جدها المنصور زبيدة لنضارتها، وقد باشرت زبيدةُ على الرشيد سلطتَها، وكانت لها كلمة في البلاد العباسي بعد موت "الخيزران" أمه سنة 173هـ، وكان لزبيدة سلطان أقوى نظرًا لِحَسبها ونسبها، وخاصةً عندما أنجبت ابنه محمد المهدي، فأخذت تعده للخلافة على الرغم من أنه أصغر من المأمون. وأصبح في البلاط العباسي حزبان أساسهما النساء:
فالأول: حزب زبيدة ومعه الفضل بن الربيع، ويفضل الأمين على المأمون، وهو الحزب الأقوى، ومن ورائه أفراد البيت العباسي، وبنو هاشم والعرب.
والثاني: حزب مراجل والدة المأمون، ومعها الفضل بن سهل، وآل برمك، غير أنهم لا يظهرون ميلهم إلى مراجل الفارسية، ويتعقلون في هذا المجال، ومن ورائهم جمهور غفير من رجال البلاط الفرس. ومع ذلك فَهُم الحزب الأضعف، إلى أن مال معهم الرشيد في نهاية حياته، فرجحت كِفتهم.
ومع أن الرشيد رضي بضغط زوجته زبيدة والجناح الموالي لها في البيت العباسي، والبلاط، ومنهم الفضل بن الربيع، وبنو هاشم، إلا أنه كان في قرارة نفسه غيرَ راضٍ عما حدث لرجحان عقلية المأمون لديه على أخيه الأمين، وقوة شخصيته، وكان يرى فيه صورةً للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ولذلك لم تطب نفسه إلا بعد أن عهد للمأمون بعد الأمين.
ففي سنة 182هـ طلب الرشيد "يحيى بنَ برمك" وقال له: "يا أبا الفضل، إني قد عنيت بتصحيح هذا العهد، وتصييره إلى مَن أرضي سيرتَه، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسيته، وآمن ضعفه ووهنه، هو عبد الله، وبنو هاشم مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفي محمد ما فيه من الانقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لِمَا حوته يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، وعبد الله المرضي الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم، فإن مِلت إلى عبد الله أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدًا بالأمر، لم آمَن تخليطه على الرعية، فأشِرْ عليَّ في هذا الأمر برأيك".
فاستبعد يحيى البرمكي فكرة إلغاء العهد الذي أخذه الأمين، واتفق مع الرشيد في النهاية على عقد الأمر لعبد الله بن محمد ولقبه بالمأمون. وأخذ البيعة بالرقة من الجند، ثم في بغداد بعد ذلك، وولاه على المشرق -أي: بلاد خُراسان- وما والاها، وكان معه أكثر جند الدولة، أما الأمين فكانت له ولاية المغرب -أي: من العراق، ومصر، وبلاد شمال أفريقا-.
فأحست زبيدة بأن ابنها الأمين في موقف ضعف فدخلت على الرشيد، وقالت له: ما أنصفت ابنك محمدًا حيث وليتَه العراق، وأعريته عن العدد والقواد، وصيرت ذلك إلى عبد الله دونه، فقال لها: "وما أنتِ وتميز الأعمال واختيار الرجال؟ إني وليت ابنك السِّلمَ، وعبد الله الحربَ، وصاحبُ الحرب أحوج إلى الرجال من المسالم، ومع هذا فإنَّا نتخوف على عبد الله، ولا نتخوف عبد الله على ابنك إن بويع".
ثم طلب "عبد الملك بن صالح بن علي العباسي" من الرشيد سنة 186هـ، أن يبايع الرشيد لثالث أولاده، وهو "القاسم"، فبايع له بعدها، وسماه المؤتمن، وولاه الجزيرة، والثغور، والعواصمَ.
ويذكر الطبري أن الرشيد لما ولي عهده لثلاثة من أبنائه -على النحو الذي سلف- قال بعض العامة: قد أحكم أمر الملك، وقال بعضهم: "بل ألقى بأسهم بينهم، وعاقبة ما صنع في ذلك مُخوفة على الرعية". وسنرى نتيجة ذلك في الأحداث القادمة.
وحج هارون الرشيد في سنة 186هـ ومعه ابناه الأمين والمأمون وقواده ووزراؤه وقضاته، فلما قضى مناسكه، كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين أجهد الفقهاء أنفسهم فيهما.
أحدهما: على محمد الأمين بما اشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم ما ولي لعبد الله من الأعمال والضياع والغلات والجواهر والأموال.