arabic website english website academic portal raqamiya learning material arabic forum
Arabic Website English Website Academic Portal Staff Portal Student Portal Magazine News Library Digital library Training Learning Material Mediu World Arabic Forum English Forum
Results 1 to 3 of 3

Thread: امراجع الدرس الحادي والعشرون :الخطابة الأموية: موضوعاتها, وخصائصها الفنية(2)

  1. #1
    Super Moderator hanan.taha's Avatar
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    3,908
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    1286

    امراجع الدرس الحادي والعشرون :الخطابة الأموية: موضوعاتها, وخصائصها الفنية(2)

    العصر الإسلامي، لشوقي ضيف.



    الدرس الحادي والعشرون

    الكتابة في العصر الأموي: موضوعاتها, وخصائصها الفنية
    الفصل السابع: الكتابة والكتاب:
    1- التدوين:
    كان العرب في الجاهلية أميين، لا يعرف القراءة والكتابة إلا قليل منهم، فلما جاء الإسلام أخذ يحضهم -كما مر بنا- على تعلم الكتابة وعلى العلم والعلم. وكان اختلاطهم بعد الفتوح بالأعاجم مهيئًا لهم أن يقفوا منهم على فكرة الكتاب، وأنه صحف يجمع بعضها إلى بعض في موضوع معين. وقد أخذوا يتحولون سريعًا من أمة أمية لا تعرف من المعارف إلا ما حواه الصدر ووعته الآذان إلى أمة كاتبة، تدون معارفها العربية والإسلامية واضعة بعض المصنفات ومضيفة إلى ذلك بعض المعارف الأجنبية.
    وكان من أوائل ما عنوا به من معارفهم العربية الخالصة أخبار آبائهم في الجاهلية وأنسابهم وأشعارهم، ومن ثم كثر بينهم علماء النسب وأصحاب الأخبار، ومن أشهرهم دغفل بن حنظلة السدوسي المتوفى سنة 70 للهجرة، وله مجالس عند معاوية دونت في كتاب له اسمه "التضافر والتناصر" وهي تدور بينهما في أسلوب حواري، إذ يسأل معاوية عن قبائل العرب ويجيبه دغفل بعبارات بليغة، وقد احتفظ الجاحظ منها في بيانه ببعض إجابات طريفة.
    وبجانب ذلك نجد القبائل تعنى بأخبارها في الجاهلية وأشعارها فتدونها، وتكاثر هذا التدوين في الكوفة حيث كانت تعيش الأرستقراطية العربية، مما أتاح الفرصة للرواة من أمثال حماد الراوية أن يحملوا مادة غزيرة من الشعر الجاهلي وكل ما يتصل به من أخبار وأيام. وبين أيدينا أخبار مختلفة تدل على أن الشعر الإسلامي كان يكتب ويدون، من ذلك ما يرويه الجاحظ عن ذي الرمة من أنه كان يقول لعيسى بن عمر: "اكتبْ شِعري؛ فالكتابُ أحبُّ إليَّ من الحفظ، لأنّ الأعرابيَّ ينسى الكلمةَ وقد سهر في طلبها ليلَته، فيضَعُ في موضعها كلمةً في وزنها، ثم يُنشِدها الناسَ، والكتاب لا يَنْسَى ولا يُبدِّلُ كلامًا بكلام"، وفي أخبار جرير أنه كان يأمر راويته حسينًا بإعداد ألواح ودواة ليملي عليه بعض أشعاره وأنه كان يقول لسامعيه بالمربد: قيدوا قيدوا، أي: اكتبوا. وفي "الأغاني" أن خالد بن كلثوم الكلبي كان يدون شعره وشعر الفرزدق.
    ونحن لا نصل إلى عصرهما حتى يتكون بالبصرة والكوفة جيل من الرواة يعنى بتدوين أخبار العرب في الجاهلية وأشعارهم، لعل خير من يمثله أبو عمرو بن العلاء، وفيه يقول الجاحظ: "وكانت كُتبه التي كَتَبَ عن العرب الفصحاء، قد ملأَتْ بيتًا له إلى قريبٍ من السقف، ثم إنّه تقرّأ "تنسك" فأحرقها كُلَّها، فلمّا رجع بَعدُ إلى علمه الأوّل لم يكن عنده إلاّ ما حفِظه بقلبه، وكانت عامّةُ أخباره عن أعرابٍ قد أدركوا الجاهلية".
    وعناية العرب في هذا العصر بتدوين أخبارهم الجاهلية وأنسابهم وأشعارهم لا تقاس إلى عنايتهم بتدوين كل ما اتصل بدينهم الحنيف، فقد تأسست في كل بلدة إسلامية مدرسة دينية عنيت بتفسير الذكر الحكيم ورواية الحديث النبوي، وتلقين الناس الفقه وشئون التشريع. وكان كثيرون من المتعلمين في هذه المدارس يحرصون على تدوين ما يسمعونه. وقد اشتهر ابن عباس في مكة بما كان يحاضر في تفسير القرآن الكريم، وحمل عنه تفسيره نفر من التابعين أمثال مجاهد وعطاء، ويقول ابن حنبل: "بمصر صحيفة في التفسير عن ابن عباس رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا". ولا يحمل "تفسير الطبري" تفسير ابن عباس وحده، بل يحمل أيضًا كل ما رواه الرواة عن معاصريه، أمثال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب. وقد أخذت تعظم هذه المادة بما أضاف إليها التابعون. وما نشك في أن كثيرًا منها دون في هذا العصر، وإلا ما وصلت إلى الطبري. وكان الصحابة والجيل الأول من التابعين -كما مر بنا في غير هذا الموضع- يترددون في تدوين الحديث، غير أن بينهم قومًا كانوا لا يكتفون بالحفظ خشية النسيان، فعمدوا إلى كتابة ما سمعوه على نحو ما يصور لنا ذلك البغدادي في كتابه "تقييد العلم". ونحن لا نصل إلى عصر عمر بن عبد العزيز حتى نراه يأمر بتدوين الحديث، ويعنى بذلك -كما مر بنا- الزهري المتوفى سنة 124 للهجرة فيدونه، ويتتابع التدوين فيه.
    وعلى نحو ما أخذوا في تدوين الحديث والتفسير أخذوا في تدوين الفقه، وخاصة تلاميذ ابن مسعود كما يلاحظ ذلك ابن قيم الجوزية، فإنهم حرروا فُتياه ومذهبه في التشريع. ويذكر "جولدتسيهر" أن عروة بن الزبير كانت له كتب فقه احترقت يوم الحرة. ويظهر أن عناية الشيعة بكتابة الفقه كانت قوية لاعتقادهم في أئمتهم أنهم الهادون المهديون الذين ينبغي أن يلتزموا بفتاواهم، ومن ثم عنوا بفتاوى علي وأقضيته، ويظهر أن أول من ألف فيها سليم بن قيس الهلالي معاصر الحجاج، وذكر "جولدتسيهر" أنه يوجد في المكتبة الأمبروزية بميلانو مختصر في الفقه اسمه "مجموعة زيد بن علي".
    وأخذت تدون منذ القرن الأول مغازي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وممن عنوا بها عروة بن الزبير وأبان بن عثمان بن عفان المتوفى سنة 105 للهجرة ووهب بن منبه المتوفى سنة 114. وأخذت تنضم إليها مادة تاريخية إسلامية عن الفتوح وأخبار الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وخلافة ابن الزبير ومقتل الحسين، ومن كل ذلك ألف المؤرخون المخضرمون الذين عاشوا في العصرين الأموي والعباسي كتبهم التاريخية التي يفيض "الفهرست" لابن النديم في بيان أسمائها، وعلى رأسهم محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة 146. وابن إسحاق المتوفى سنة 150. ومنذ أوائل العصر نجد عناية بأخبار الأمم السالفة، وتمثلت هذه العناية في معاوية، إذ استقدم عبيد بن شرية الجرهمي اليمني ليحدثه في مجالسه عن أخبار ملوك العرب الماضين، وأمر معاوية بعض غلمانه بكتابة ما كان يسرده من تاريخهم، فتألف من ذلك كتابه "أخبار الأمم الماضية" وكان متداولًا في عصر المسعودي. وقد طبع له في "حيدر آباد" كتاب باسم "أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارهم وأنسابها" وهو يدور في أسلوب حواري، إذ يسأل معاوية ويجيب عبيد، ويستهل بأخبار عاد ولقمان وثمود ثم يتحدث عن هجرة جرهم من اليمن وأخبار تبع إلى زمان مملكة طسم وجديس، وتتخلله أشعار كثيرة.
    ومن نمطه كتاب "التيجان" لوهب بن منبه، وهو مطبوع معه، وهو يتحدث عن ملوك حمير والقرون الغابرة. ولوهب كتاب يسمى "المبتدأ في الأمم الخالية" ذكره المقدسي وقال السخاوي: إنه كثير الخرافات. وله في الإسرائيليات كتاب نَقَل عنه المفسرون كثيرًا، وفي مكتبة بلدية الإسكندرية كتاب ينسب إليه باسم "قصص الأنبياء". ويلمع في هذا الاتجاه من أخبار أهل الكتب السماوية اسم كعب الأحبار المتوفى سنة 32 للهجرة وكان من يهود اليمن وأسلم وقد طبع له في القرن الماضي كتاب بمطبعة بولاق "في حديث ذي الكفل".
    وتلقانا بجانب ذلك إشارات إلى مصنفات تاريخية وأدبية وعقيدية، من ذلك وضع زياد بن أبيه لكتاب في المثالب، ووَضْع ابن مفرغ الشاعر قصة تُبع وأشعاره وتأليف كل من علاقة الكلابي - معاصر يزيد بن معاوية- وصحار العبدي كتابًا في الأمثال. ومن ذلك كتاب في الوصايا والحكم للمستورد بن علفة الخارجي. ومن ذلك أيضًا تصنيف وهب بن منبه لكتاب في القدر، ويقول صاحب "الفهرست": إن لغيلان المرجئ رسائل في ألفي ورقة، ومع أنها كانت تدور في المواعظ نؤمن بأنها حملت آراءه في الإرجاء. ويقول الجاحظ: إن رسائل واصل بن عطاء رأس المعتزلة وخطبه كانت مدونة.
    ومر بنا في الفصل السابق ذكر رسالتين للحسن البصري أرسل بهما إلى الحجاج وعبد الملك يحتج لرأيه في القدر، وهو ممن أملوا تفسيرًا حمل عنه. ونجد يونس الكاتب يضع أول كتاب في الغناء، وقد نسب له صاحب "الفهرست" فيه ثلاثة كتب.
    وفي ذلك كله ما يدل على اتساع حركة التدوين في عصر بني أمية، ولا نشك في أن القوم دونوا جملة رسائلهم السياسية، وإلا ما استطاع الطبري وغيره أن يرووها وكذلك قل في رسائلهم الوعظية والشخصية فإنهم دونوا منها كثيرًا، ويسوق لنا صاحب "الفهرست" أسماء طائفة من الكتاب البلغاء لهذا العصر كانت رسائلهم مدونة. وبالمثل كانوا يدونون كثيرًا من خطبهم، وخاصةً خطب الخلفاء والخطباء النابهين وعاظًا وغير وعاظ، من مثل الحسن البصري وواصل، ومثل خالد بن صفوان المتوفى سنة 135 وفيه يقول الجاحظ كما أسلفنا: "لكلامه كتاب يدور في أيدي الوراقين" ومرت بنا في الفصل السالف موعظة لزياد بن أبيه كان يتداولها الناس وكتبها عبد الملك بن مروان بيده.
    وأخذوا منذ أوائل هذا العصر ينقلون عن الموالي بعض معارفهم، وقد مر بنا في حديثنا عن الثقافة كيف كان خالد بن يزيد بن معاوية مشغوفًا بكتب النجوم والكيمياء والطب. ويقول صاحب "الفهرست": "رأيت من كتبه كتاب الحرارات، وكتاب الصحيفة الكبيرة وكتاب الصحيفة الصغيرة وكتاب وصيته في الصنعة". ومر بنا أيضًا أن عمر بن عبد العزيز أمر "ماسرجويه" بنقل كتاب القس "أهرن" في الطب، ويروي الرواة: أن "ثياذوق" طبيب الحجاج بن يوسف نظم في علم الصحة قصيدة ظل الناس يتناقولنها حتى عصر ابن سينا، وذكرنا أيضًا أن سالمًا مولى هشام نقل بعض رسائل أرسططاليس من اليونانية، وقد اشتهر تلميذه عبد الحميد بنقل بعض رسائل الفرس السياسية. ويقال: إنه نُقل لهشام كتاب عن الفارسية في تاريخ الساسانيين ونظمهم السياسية.
    ومعنى كل ما قدمنا أن التدوين أخذ يذيع وينتشر بين العرب لهذا العصر في جميع فروع المعرفة دينية وغير دينية وعربية وغير عربية.
    ونقف الآن لنتحدث عما خلف العصر من رسائل مختلفة.
    2- كثرة الرسائل المدونة:
    تزخر كتاب التاريخ والأدب برسائل سياسية كثيرة أثرت عن هذا العصر.
    وحقًّا هناك كانت تزيدت في هذه الرسائل ونقصد كتب الشيعة من مثل شرح بن أبي الحديد على نهج البلاغة، وكذلك كتاب "الإمامة والسياسة" المنسوب إلى ابن قتيبة.
    ولكن إذا نحينا هذين الكتابين وأضرابهما، واعتمدنا على الكتب الوثيقة من مثل: "الطبري"، و"البيان والتبيين"، و"الكامل" للمبرد استقبلتنا -وخاصة في الطبري- سيول من هذه الرسائل كتبتها على مر العصر وأحداثه فرق الخوارج والشيعة والزبيريين، ومَن ثاروا على الدولة الأموية أمثال ابن الأشعث، كما كتبها خلفاء بني أمية وولاتهم وقوادهم.
    ولن نستطيع أن نعرض كل ما روي للخوارج من رسائل، لكثرتها، ومن ثم سنكتفي بالحديث عن أهم رسائلهم، ومعروف ما شجر بينهم من خلاف أدى -كا مر بنا- إلى تفرقهم أربع فرق، هي الأزارقة والنجدية والصفرية والإباضية، وقد مضى الأولون بقيادة نافع بن الأزرق يحرمون القعود عن الخروج ويستحلون دماء المسلمين وقتل أطفالهم، وخالفتهم في ذلك الفرق الأخرى. ويسوق المبرد في تصوير هذا الخلاف رسالتين متبادلتين بين نجدة بن عامر الحنفي زعيم النجدات ونافع بن الأزرق، فنجده يراجعه في مقالته، ونافع يحتج لها. والرسالتان وثيقتان طريفتان في بيان مقالتي النجدات والأزارقة. ومر بنا كيف قاد الأزارقة مع قواد مصعب بن الزبير حربًا عنيفة على الرغم من قتل قائدهم نافع في وقعة دولاب، فقد ظلوا يحاربون قائده المهلب، حتى إذا دخلت العراق في طاعة عبد الملك مضوا في ثورتهم، وظلت الجيوش توجه إليهم، يوجهها ولاة العراق وخاصة الحجاج، وكان زعيمهم لعهده قطري بن الفُجاءة، ونرى الحجاج يراسله مهددًا متوعدًا، ويرد عليه قطري بنفس الصورة من التهديد والتوعد، ونحن نسوق رسالتين لهما تصوران كيف كان يتراسل الولاة مع الثائرين من خوارج وغير خوارج.
    أما رسالة الحجاج فتجرى على هذا النمط:
    "سلامٌ عليك، أمّا بعدُ فإنّك مَرَقت من الدِّين مروقَ السّهم من الرّمِيّة، وقد علمتَ حيث تجرثمْتَ، وذاكَ أنك عاصٍ للَّه ولِوُلاةِ أمرِه، غير أنَّكَ أَعرابيُّ جِلْفٌ أُمِّيَّ، تستطعم الكِسرةَ وتستشفي بالتَّمرةِ، والأمور عليك حَسْرَة؛ خرجتَ لتَنَالَ شُبْعَةً فلحقَ بك طَغامٌ صَلُوا بمثْلِ ما صَلِيتَ به من العيش، فهم يهزُّون الرِّمَاح، ويستنشئون الرّياح، على خوفٍ وجَهْدٍ من أمورهم، وما أصبحوا ينتظرون أعظمُ مما جَهِلوا معرفَته، ثمَّ أهلكَهم اللَّهُ بتَرْحَتَين، والسّلام".
    وأجابه قطري:
    "سلام على الهُدَاة من الوُلاة، الذين يَرعَون حرِيمَ اللَّه ويَرهبون نِقَمه، فالحمدُ للَّه على ما أظهَرَ من دينَه، وأظْلَعَ به أهل السِّفَال، وهدَى به من الضَّلال، نصَرَ به، عند استخفافك بحقِّه. كتبتَ إليّ تذكرُ أنّي أعرابيٌّ جِلفٌ أمِّيِ، أستطعم الكسْرة وأستشفي بالتّمرة، ولَعَمري يا ابنَ أمّ الحجَّاج إنَّك لَمُتَيَهٌ في جِبِلّتك، مُطلخِمٌّ في طريقتك، واهٍ في وثيقتك، لا تعرف اللَّه ولا تَجْزَع من خطيئتك، يئستَ واستيأستَ من ربِّك، فالشَّيطانُ قرينُك، لا تجاذبه وَثاقَك، ولا تنازِعُه خِناقَك، فالحمدُ للَّه الذي لو شاء أبرز لي صفحتَك، وأوضَح لي صَلَعتك، فوَالذي نَفْسُ قطريّ بيده، لعَرَفْتَ أنَّ مقارعَةَ الأبطال، ليس كتصدير المقال، مع أنِّي أرجو أن يدحَضَ اللَّه حُجَّتَك، وأن يمنحني مهُجَتَك".
    وواضح أن كلًّا منهما يرمي صاحبه بالضلالة والغواية، وقد عنيا جميعًا بالتأنق في أسلوبهما. ومن ثم زينا كلامهما بالسجع. وإذا تركنا الأزارقة إلى الصفرية وجدنا شبيبًا يراسل صالح بن مسراح حاضًّا على الخروج. ولم تحتفظ المصادر برسائل للنجدات والإباضية.
    ورسائل الشيعة في هذا العصر كثيرة، وأول حادث تكثر رسائلهم فيه استدعاء أهل الكوفة للحسين وما كان بينه وبينهم من مراسلات تحض على الثورة على بني أمية لظلمهم الرعية واغتصابهم الخلافة من أصحابها الشرعيين. ونمضي بعد مقتله فتلقانا حركة التوابين، ويصور زعيمهم سليمان بن صرد في مكاتبته لبعض أصحابه ندمهم على خذلان الحسين، وأنه ليس لهم من مخرج ولا توبة إلا بالثأر من قاتليه. وسرعان ما تنشب حركة المختار الثقفي لعهد ابن الزبير، ويستولي على الكوفة، ويكثر من المكاتبة إلى شيعته وإلى ابن الحنفية، ويكتب إلى بعض زعماء البصرة مهددًا متوعدًا إن لم يتبعوه على شاكلة هذه الرسالة التي أرسل بها إلى الأحنف زعيم تميم، وفيها يقول:
    " بسم الله الرحمن الرحيم، من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس ومن قبله فسلم أنتم أما بعد، فويل أم ربيعة من مضر فإن الأحنف مورد قومه سقر حيث لا يستطيع لهم الصدر، وإني لا أملك ما خط في القدر، وقد بلغني أنكم تسمونني كذابًا، وقد كذب الأنبياء من قبلي ولست بخير من كثير منهم".
    وفي الرسالة خصائصه التي مرت بنا في خطابته، إذ كان يعنى باختيار ألفاظه والسجع في كلامه، وفيها إيهاماته وادعاءاته إذ يشير من طرف خفي إلى أنه يوحى إليه. ومن ثم كان يستخدم السجع كثيرًا في خطابته وأحاديثه كما استخدمه في الرسالة الآنفة.
    وأثرت عن ابن الزبير وولاته في العراق رسائل كثيرة احتفظ بها الطبري، كما احتفظ برسالة كتب بها إليه المختار الثقفي. ونرى ولاته يكاتبون مَن يوجهونهم إلى الخوارج. ونلتقي في عصر الحجاج بثورة ابن الأشعث، ومعروف أنه اتخذ كاتبًا له أيوب بن القرية المشهور بسجعه.
    وإذا كانت الكتابات السياسية قد كثرت في البيئات المعارضة للدولة، فإن الدولة نفسها كانت تستخدمها استخدامًا أكثرَ وأغزرَ، إذ كان الخلفاء يكتبون بالعهود إلى من يتولون الخلافة بعدهم، سنة وضعها أبو بكر وعمر وسار عليها خلفاء بني أمية. وكذلك كانوا يكتبون بالعهود إلى من يولونهم على الولايات. وكانت الكتب لا تزال ذاهبة آيبة بينهم وبين ولاتهم في كل كبيرة وصغير. وكان قوادهم كلما فتحوا بلدًا واستجاب إليهم أهلها عقدوا معهم المعاهدات.
    ولا نستطيع أن نعرض بالتفصيل لكل ما دار بينهم وبين ولاتهم وقوادهم من مراسلات يطفح بها الطبري وغيره، ويكفي أن نقول: إنه ليس هناك حادث مهم ولا ثورة إلا والرسائل تتساقط كالغيث، فزياد بن أبيه يكتب مرارًا لمعاوية في شأن حجر بن عدي وأصحابه من الشيعة، ويرد عليه. ويكتب يزيد إلى ولاته في الحجاز بشأن عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، وتكثر الرسائل بينه وبين عبيد الله بن زياد في وفود الحسين على العراق وما كان من مصرعه.
    ولم تكثر الرسائل السياسية بين الخلفاء وولاتهم كما كثرت في عهد عبد الملك وخاصة بينه وبين الحجاج؛ لكثرة الفتن والثورات التي نشبت في لعراق وخُراسان. وكان الحجاج نفسه يكثر من الكتابة إلى قواده، ويكثرون من الرد عليه، وكان يكتب أحيانًا إلى الثوار أنفسهم على شاكلة رسالته الآنفة التي أرسل بها إلى قطري. ولا بد أن نقف قليلًا عنده إذ كان يعنى بتحبير رسائله على نحو ما كان يعني بتحبير خطبه. ونراه يكثر من مراسلة المهلب وحثه على الفتك بالخوارج الأزارقة؛ حتى لا تقوم لهم قائمة، كما يكثر من مراسلة قواده في حروب الخوارج الشبيبة، وفي فتنة ابن الاشعث وحروب خراسان. ورسائله مثل سياسته التي اشتهر بها تقطر شدة وحِدة، حتى في مخاطبته لبعض الأمراء، فقد كتب إلى سليمان بن عبد الملك -وهو لا يزال وليًّا للعهد- من رسالة له: "إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيتَ فيَّ ما رأى أبوك وأخوك كنتُ لك كما كنت لهما، وإلا فأنا الحجاج وأنت النقطة، فإن شئت محوتك وإن شئت أثبتك". وكان الخلاف دب بينهما، ومن ثم حاول -كما قدمنا- أن يصرف ولاية العهد عنه، ولكن الموت عاجله وعاجل الوليد بن عبد الملك قبل تنفيذ هذه المحاولة.
    ومعروف أنه كان صنيعة عبد الملك، فهو الذي أظهره، وما زال يرفع من أمره حتى ولاه العراق وخراسان، وكان إذا كتب إليه تأنق ما استطاع في تعبيره، ومن خير ما يصوره ذلك رسالة احتفظ بها الجاحظ، يصف فيها لعبد الملك خصبًا بعد جدب، ومطرًا بعد قحط، وهي تجري على هذا النمط: "أمّا بعدُ فإنّا نخبر أميرَ المؤمنين أنَّه لم يصب أرضَنا وابلٌ منذ كتبتُ أخبره عن سُقيا اللَّه إيّانا، إلاَّ ما بلَّ وجهَ الأرض من الطَّشّ، والرشّ، والرّذاذ حتّى دَقِعَت الأرض، واقشعرت واغبرت وثارت في نواحيها أعاصيره تذرو دقاق الأرض من تُرابها، وأمسك الفلاّحون بأيديهم من شِدّة الأرض واعتزازها وامتناعها، وأرضُنا أرض سريع تغيرها، وشيكٌ تنكُّرها، سيِّئٌ ظَنُّ أهلها عند قُحوط المطر، حتّى أرسل اللَّه بالقَبول يوم الجمعة، فأثارت زِبرجًا متقطعًا متمصّرًا، ثم أعقبَتْه الشَّمال يومَ السبت فطَحْطَحت عنه جَهَامَه، وألَّفتْ متقطِّعَه، وجمعت متمصِّره، حتَّى انتضَدَ فاستوى، وطَمَا وطحا، وكان جَوْنًا مُرثَعِنًا قريبًا رواعده، ثم عادت عوائده بوابلِ منهملٍ منسجل يردُف بعضُه بعضًا، كلّما أردف شؤبوب أردفَته شآبيبُ لشدة وقعه في العِرَاض، وكتبتُ إلى أمير المؤمنين وهي ترمي بمثل قِطَعِ القُطن، قد ملأ اليَبَاب، وسدَّ الشِّعاب، وسَقَى منها كلُّ ساقٍ، فالحمد للَّه الذي أنزل غيثَه، ونشر رحمتَه من بعد ما قَنطوا، وهو الوليُّ الحميد، والسلام".
    ويتضح في الرسالة ما اشتهر به الحجاج في خطبه من تزيينها بالصورة الدقيقة والألفاظ الغريبة، وكان غيره من الولاة والقواد لا يزالون يحتالون لكلامهم، وينمقونه صورًا مختلفة من التنميق، وسنرى عما قليل طبقة من الكتاب المحترفين تتوفر على إدراك هذه الغاية بكل وسيلة، وهم كتاب الدواوين.
    وأخذت تشيع -وخاصة منذ أواخر القرن- كتابات وعظية كثيرة، وقد اشتهر عمر بن عبد العزيز بأنه كان يكتب إلى الوعاظ أن يرسلوا إليه بعظاتهم، ويروى أنه لما ولي الخلافة أرسل إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل، فدبح له رسالة طويلة استهلها بقوله:
    "اعلم يا أمير المؤمنين، أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكفيها من أذى الحر والقر. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارًا، ويعلمهم كبارًا؛ يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرهًا، ووضعته كرهًا، وربته طفلًا تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته".
    ومضى يذكر له حقوق الرعية عليه وحقوق الدين وما ينتظره من الموت والبعث والوقوف بين يدي الله وما ينبغي أن يتزود لذلك من التقوى والحكم الصالح. والحسن في هذه الرسالة يستخدم نفس أسلوب خطابته الذي مر بنا وصفه، والذي يقوم على الازدواج وتزيين المعاني بالصور حتى تتمكن في النفس، وكان يزيدها تمكينًا بمقابلاته وطباقاته الكثيرة. وكان يجاريه -كما قدمنا- في هذا الأسلوب كثير من الوعاظ، وعلى رأسهم غيلان الدمشقين ,ويروى أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يعظه في رسالة طويلة، منها قوله:
    "اعلم يا عمر أنك أدركت من الإسلام خلقًا باليًا، ورسمًا عافيًا، فيا ميّت بين الأموات لا ترى أثرًا فتتبع ولا تسمع صوتًا فتنتفع، طفئ أمر السنة، وظهرت البدعة، أخيف العالم فلا يتكلم، ولا يعطى الجاهل فيسأل".
    وقد أشاد الجاحظ ببلاغته، مشيرًا إلى أن أدباء العصر العباسي كانوا يتحفظون كلامه وكلام الحسن البصري، حتى يبلغوا ما يريدون من المهارة البيانية. وما نشك -كما اسلفنا- في أن بلغاء الكتاب في عصرهما كانوا يجارونهما في أساليبهما هما وأضرابهما من الوعاظ، فنحن لا نقرأ في سالم وعبد الحميد الكاتب حتى نجد عندهما نفس هذا الأسلوب الذي يتحلى بالطباق والتصوير والذي يقوم على التوازن في الكلام توازنًا ينتهي به إلى الازدواج، حتى يؤثرا في أنفس من يقرءونهما ويستوليا على ألبابهم.
    وبجانب الكتابات الوعظية والسياسية شاعت في هذا العصر الكتابات الشخصية، بحكم تباعد العرب في مواطنهم، وبتأثير بعض الظروف من موت يقتضي التعزية أو ولاية تقتضي التهنئة، أو شفاعة عند وال لقريب أو صديق، أو عتاب أو اعتذار. وطبيعي أن لا يعنى أصحاب هذه الكتابات بتسجيلها، لأنها لم تكن تتصل بحياة الأمة، ومن ثم سقط جمهورها من يد الزمن إلا بقية قليلة، فمن ذلك رسالة عقال بن شبة إلى خالد القسري في شفاعة تجرى على هذه الصورة: "إن الله انتجبك من جوهرة كرم، ومنبت شرف، وقسم لك خطرًا شهرته العرب، وتحدثت به الحاضرة والبادية، وأعان خطرك بقدرة مقسومة، ومنزلة ملحوظة، فجميع أكفائك من جماهير العرب يعرف فضلك، ويسره ما خار الله لك، وليس كلهم أداله الزمان ولا ساعده الحظ، وأحق من تعطف على أهل البيوتات، وعاد لهم بما يبقى له ذكره، ويحسن به نشره، ومثلك. وقدوجهت إليك فلانًا، وهو من دنية قرابتي، وذوي الهيئة من أسرتي، عرف معروفك، وأحببت أن تلبسه نعمتك، وتصرفه إلي، وقد أودعتني وإياه ما تجده باقيًا على النشر، جميلًا في الغب".
    وتدل هذه الرسالة دلالة واضحة على أن كتاب الرسائل الشخصية أو على الأقل طائفة منهم كانت تعنى عناية شديدة باختيار ألفاظها وتنسيقها، متوسلة إلى ذلك بكل ما تستطيع من انتخاب الألفاظ الرشيقة وإحداث التوازن الموسيقي في الكلام، مع دقة التعبير وتجليته عن المعنى، والفقه الحسن بمداخل التأثير في نفس القارئ وما ينبغي أن يسلك إليه الكاتب من طرق كي يستولى على عقله، فيقضي له حاجته.
    وممن اشتهر في هذا اللون من الرسائل الشخصية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الذي قتل بخراسان بأخرة من هذا العصر، فقد كان لسنًا بليغًا، يعرف كيف يحوك الكلم ويصوغه صياغة باهرة على نحو ما نجد في هذه الرسالة التي كتب بها إلى بعض إخوانه معاتبًا، إذ يقول: "أما بعد: فقد عاقني الشّكّ في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، ابتدأتَني بلَطَف عَن غير خِبْرة، ثم أعقبتني جفاءً عن غير ذنب، فأطمَعَني أوّلُك في إخائك، وأيأسَنِي آخرُك مِن وفائك؛ فلا أنا في اليوم مُجمِعٌ لك اطّراحًا، ولا أنا في غدٍ وانتظاره منك على ثقة، فسبحان مَن لو شاء كشَف بإيضاحِ الرأي في أمرك عن عزيمةِ الشَّكِّ فيك، فأقَمْنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف والسلام".
    وكل كلمة من هذه الرسالة تنبئ عن دقة الكاتب وحذقه، وأنه يعرف كيف يتخير ألفاظه وكيف يصوغها وكأنها عقود جميلة تتألف من جواهر أنيقة. وهو لا يقتدر على اللفظ فحسب، بل هو أيضًا يقتدر على جلب المعاني الطريفة، التي تروع بما فيها من منطق عقلي دقيق، وهو يعرضها في أسلوب من الازدواج الرشيق تزينه الاستعارات والطباقات.
    وعلى هذا النحو أخذت الكاتبة ترقى لا في الرسائل الشخصية فحسب، فقد رأينا كتاب العظات والسياسة يحققون نفس الرقي، وحري بنا الآن أن نتحول إلى كتاب الدواوين، لنرى ما أصاب الكتابة على أيديهم من تجويد وتحبير.
    3- كتاب الدواوين:
    معروف أن عمر أول من دون الدواوين في الإسلام، وتؤكد الروايات التي رافقت صنيعه بأنه استعار هذا النظام من الفرس الأعاجم، إذ أحسن حاجته إلى سجلات يدون فيها الناس وأعطياتهم وأموال الفيء والغنائم، وبذلك وضع أساس ديواني الخراج والجند، حتى إذا ولي معاوية الخلافة وجدناه يتخذ ديوانين هما ديوان الرسائل، وديوان الخاتم، وفيه كانت تختم الرسائل الصادرة عنه، حتى لا يغير فيها من يحملونها إلى الولاة. وظل ديوان الخراج يكتب في الشام ومصر بالرومية وفي العراق بالفارسية إلى عصر عبد الملك بن مروان، إذ نراه يطلب إلى سليمان بن سعد الحشني كاتبه على ديوان الرسائل أن يترجم ديوان الشام الرومي، وفي الوقت نفسه يطلب الحجاج إلى صالح بن عبد الرحمن كاتبه هو الآخر على ديوان الرسائل أن يترجم ديوان العراق الفارسي، ويظهر أن ديوان مصر تحول سريعًا إلى العربية، أما ديوان خراسان فتأخر نقله إلى عصر هشام بن عبد الملك.
    وليس معنى ذلك أن الأجانب خرجوا من الدواوين منذ عصر عبد الملك، فقد أخذوا يحسنون العربية ويشاركون فيها، وكانت هذه المشاركة منذ أول الأمر داعية لأن يطلب العرب معرفة ما يتصل بهذه الدواوين من نظم، وما تواصى به أهلها وخاصة من الفرس في إتقان العمل بها، ولعل ذلك ما جعل الجهشياري يقدم لكتابه "الوزراء والكتاب" بمقدمة طويلة عن نظم الدواوين الفارسية.
    ونحن في الواقع إنما يهمنا ديوان الرسائل؛ لأن أصحابه هم الذين كانوا يدبجون الكتب على ألسنة الخلفاء والولاة، وبحكم وظيفتهم كانوا يختارون من أرباب الكلام وأصحاب اللسن والبيان، وكان كل منهم يحاول أن يظهر براعته ومهارته وحذقه في تصريف الألفاظ وصياغة المعاني، حتى يروق من يكتب على لسانه، وينال رضاه واستحسانه.
    وعلى هذا النحو تكونت طبقة كبيرة من كتاب محترفين، تتابعت أجيالهم على مر الزمن في هذا العصر، وكل جيل سابق يسلم إلى خلفه صناعته، وكل جيل لاحق يحاول أن يضيف إلى براعة سلفه براعة جديدة. وكانوا كثيرين، إذ لم تختص بهم دمشق، فقد كان لكل وال وقائد كاتب، وأحيانًا كان يتخذ الوالي في العمل الكبير أو الولاية الكبيرة طائفة من الكتاب. وكثيرًا ما كان يطمح كتاب الولايات إلى أن يلفتوا ببلاغتهم من يكتبون إليهم من الخلفاء، حتى يعينوهم في دواوينهم. واشتهر الحجاج أنه كان كثير التعهد لرسائل قواده، حتى إذا لفتته رسالة ببلاغتها سأل عن كاتبها وطلب مثوله بين يديه، وكان إذا أعجبه كاتب وملأ نفسه ربما أرسل به إلى عبد الملك بن مروان ليسلكه بين كتابه، على نحو ما صنع بمحمد بن يزيد الأنصاري.
    ولم يعرض علينا الجهشياري آثار هؤلاء الكتاب إلا قليلًا، فقد اكتفَى بعرض أسمائهم موزعًا لهم على عهود الخلفاء، وفي عهد كل خليفة يسرد أسماء كتاب الولاة. وإذا رجعنا فيه إلى أيام معاوية وجدناه يذكر بين كتابه عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق لفصاحته وروعة منطقه وجهارة صوته، وكان خطيبًا لا يبارَى. ولم يؤثر عنه شيء من الرسائل في عهد معاوية، وقد روى له الجاحظ رسالة في عهد عبد الملك حين خرج عليه، إذ كتب إليه عبد الملك يتوعده، فأجاب به عمرو:
    "أمّا بعدُ، فإنّ استدارجَ النِّعَم إياك أفادَك البغْيَ، ورائحة القُدْرة أورثَتْك الغفلة، زجرت عمّا واقعتَ مثلَه، ونَدَبت إلى ما تركتَ سبيلَه، ولو كان ضَعفُ الأسباب يُؤْيِس الطّلاّبَ ما انتقل سلطانٌ، ولا ذلَّ عِزٌّ، وعمّا قليل تتبيَّن مَن أسير الغفلة، وصريع الخُدَع، والرَّحِم تَعطِف على الإبقاء عليك، مع دفعك ما غيرُك أقْوَمُ به منك، والسلام".
    والرسالة على قصرها تصور مهارته البيانية وقدرته على التعبير الموجز السريع مع طلاوة اللفظ وحسن الديباجة. وكان يتولى ديوان الرسائل لمعاوية وابنه يزيد عبيد الله بن أوس الغساني، وروى له الجهشاري رسالة على لسان يزيد إلى عبيد الله بن زياد ليتخذ العدة في مقاومة الحسين بن علي حين نزوله العراق، وهي تمضي على هذا النحو:
    "أما بعد، فإن الممدوح مسبوب يومًا ما، وإن المسبوب ممدوح يومًا ما، وقد انتميت إلى منصب كما قال الأول:
    رفعت فجاورت السحاب وفوقه فما لك إلا مرقب الشمس مرقب
    وقد ابتلى بحسين زمانك دون الأزمان، وبلدك دون البلدان، ونكبت به من بين العمال، فإما تعتق أو تعود عبدًا، كما يعبَّد العبد، والسلام".
    والرسالة قصيرة، ويظهر أنهم كانوا يستحبون القصر في الرسائل الديوانية حتى هذا العهد. وكان أول من أطال فيها كاتب لعبيد الله بن زياد يسمى عمرو بن نافع، ولا شك في أن هذا الطول رمز لما كان يأخذ به الكتاب أنفسهم في هذا التاريخ من التفنن في القول، وهو تفنن كان يفتقر إلى ترتيب ورياضة في نسق الكلام وضبط أساليبه، حتى يخلبوا ألباب مَن يقرءونهم.
    ونمضي إلى عصر عبد الملك بن مروان، فنجد بين كتابه روح بن زنباع الجذامي، وقد وصفه عبد الملك بأنه فارسي الكتابة، وليس بين أيدينا رسائل مأثورة له، وروى له الجهشياري وغيره كلمة قالها لمعاوية وقد غضب عليه يومًا لأمر كان منه، وهم به، فقال له: "لا تشمتن بي عدوًّا أنت وقمته، ولا تسوءن بي صديقًا أنت سررته، ولا تهدمن مني ركنًا أنت بنيته، هلا أتى حلمك وإحسانك على جهلي وإساءتي؟".
    فعفا معاوية عنه.
    ورأس كتاب عبد الملك وأبنائه من بعده سليمان بن سعد الحشني كاتب رسائله الذي حول الدواوين من الرومية إلى العربية، ولم تنص المصادر القديمة على ما كتب به بيد يدي الخلفاء. ومما لا ريبَ فيه أنه كان من أرباب البلاغة والبيان، وفي الجهشياري أنه خلا بيزيد بن عبد الله كاتب يزيد بن عبد الملك قبل توليه الخلافة، وكان يزيد حين ولي أزمة الأمور استدعى أسامة بن زيد ولي الخراج على مصر، فقال سليمان لابن عبد الله: "لم بعث أمير المؤمنين إلى أسامة بن زيد؟ فقال: لا أدري، قال: أفتدري ما مثلك ومثل أسامة؟ قال: لا. قال: مثلك ومثله مثل حية كانت في ماء وطين وبرد، فإن رفعت رأسها وقع عليها حافر دابة، وإن بقيت ماتت بردًا، فمر بها رجل، فقالت: أدخلني في كمك حتى أدفأ ثم أخرج، فأدخلها، فلما دفئت قال لها: اخرجي، فقالت: إني ما دخلت في هذا المدخل قط فخرجت حتى أنقر نقرة، إما أن تسلم منها، وإما أن تموت، ووالله لئن دخل أسامة لينقرنك نقرة إما أن تسلم معها وإما أن تموت".
    والكلمة تدل دلالة بينة على دقة مداخله ومسالكه إلى الإقناع، وإن في نقله الدواوين ما يدل على سعة ثقافته وهي سعة كانت تقترن بعذوبة المنطق وتزيينه بالألفاظ المستحسنة السائغة على نحو ما توضحه كلمته.
    وإذا ولينا وجوهنا نحو العراق والشرق رأينا الكتاب يعنون برسائلهم عناية لا تقل عن عناية كتاب دمشق، ومما يؤثر من هذه العناية أن نجد عبد الرحمن بن الأشعث يقول لابن القرية كاتبه حين ثار على الحجاج: "إني أريد أن أكتب إلى الحجاج كتابًا مسجعًا أعرفه فيه سوء فعاله وأبصره قبح سريرته" وينفذ ابن القرية مشيئته، ويرد عليه الحجاج برسالة مسجوعة. ولا تهمنا الرسالتان بقدر ما تهمنا رغبة ابن الأشعث في أن تكون الرسالة مسجوعة، وكأنما يريد أن يضيف إلى حجته في الثورة حجة فنية من بلاغة كتابه.
    وفي ذلك ما يدل دلالة صريحة على أن الكتابة السياسية أصبحت تقترن بها غايات بلاغية، وكل كاتب يأتي من هذه الغايات بما يتفق وذوقه. ومن طريف ما يروى في هذا الصدد أن يحيى بن يعمر -أحد علماء اللغة الأوائل- كان يكتب ليزيد بن المهلب في ولايته على خراسان للحجاج، ولما انتصر يزيد على ملك الترك في "باذغيس" انتصارًا حاسمًا أمره أن يكتب إلى الحجاج بالفتح فكتب: "إنّا لقِينا العدَوّ، فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفةً، وأسَرْنَا طائفة، ولحقَتْ طائفةٌ بعَراعِر الأودية، وأهضام الغِيطانُ، وبتنا بعُرعُرة الجبل، وبات العدُوُّ بحضيضه".
    وواضح أن ذوق يحيى بن يعمر اللغوي أداه إلى أن يسوق رسالته في هذه الألفاظ الغريبة، وشجعه على ذلك أنه كان يعرف ذوق الحجاج واستحسانه لأوابد الألفاظ، على نحو ما قدمنا في غير هذا الموضع. وفعلًا راعت الرسالة الحجاج، فقد روى الرواة أنه حين قرأها قال: ما يزيد بأبي عذرة هذا الكلام. فقيل له: إن معه يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد أن يشخصه إليه، فلما أتاه سأله عن مولده فقال له: الأهواز، فسأله: أنى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي.
    وعلى هذا النحو كان كتاب الولاة والقواد في الشرق يحبرون رسائلهم، كل حسب فصاحته وذوقه وقدرته البيانية. وكان ديوان الحجاج نفسه أشبه بمدرسة كبيرة يتخرج فيها الكتاب على يد رئيسه صالح بن عبد الرحمن الذي نقل الدواوين من الفارسية إلى العربية، يقول الجهشياري: "كان عامة كتاب العراق تلامذة صالح، فمنهم المغيرة بن أبي قرة كتب ليزيد بن المهلب -في ولايته لسليمان بن عبد الملك- ومنهم قحذم بن أبي سليم وشيبة بن أيمن كاتبا يوسف بن عمر، ومنهم المغيرة وسعيد ابنا عطية، وكان سعيد يكتب لعمر بن هبيرة، ومنهم مروان بن إياس كتب لخالد القسري، وغيرهم".
    وتلقانا نصوص تدل على أنهم كانوا يعنون بالطوامير والقراطيس التي كانوا يكتبون فيها، كما كانوا يعنون بنفس كتابتهم وخطوطهم، وفي الجهشياري أن الوليد أول من كتب من الخلفاء في الطوامير وأنه أمر بأن تعظم كتبه ويجلل الخط الذي يكتب به، وكان يقول: تكون كتبي والكتب إلي خلاف كتب الناس بعضهم إلى بعض. ويظهر أن الكتاب غالوا في النفقة على كتبهم، حتى لنرى عمر بن عبد العزيز يأمر بالاقتصاد في القراطيس، طالبًا من الكتاب أن يوجزوا، وكأنما أصبح الإطناب ظاهرة عامة.
    ونحن لا نصل إلى ديوان هشام بن عبد الملك (105- 124) حتى نحس أنه كان مدرسة كبيرة، وهي مدرسة رقي فيها النثر الفني لهذا العصر إلى أبعد غاية كانت تنتظره، إذ كان يتولى ديوان الرسائل سالم مولى هشام، وأخذ يخرج غير كاتب، وقد اشتهر له تلميذان أحدهما من بيته هو ابنه عبد الله والثاني من غير بيته، هو صهره وختنه عبد الحميد.
    وكان سالم يجيد اليونانية، ونقل منها -كما مر بنا- بعض رسائل لأرسططاليس، ونرى صاحب "الفهرست" يجعله أحد البلغاء العشرة الأول، ويقول عنه: إن له رسائلَ تبلغ نحو مائة ورقة. ومن يرجع إلى الجهشياري يجده ينص على أن هشامًا كان يأمره بالكتابة عنه إلى ولاته في الشئون التي تعرض له.
    فالخلفية لم يعد يملي كتبه على كتابه كما كان الشأن في القديم، بل أصبح الكاتب يكتب الرسالة، ثم يعرضها عليه، ومن ثم لم يعد الضمير في الرسالة ضمير متكلم، بل أصبح ضمير غائب، فالكاتب يقول في مستهل رسالته: "بلغ أمير المؤمنين كتابك" ونحو ذلك. ومن هنا كنا نزعم أن كتب هشام بصفة عامة لم يكتبها هو وإنما كتبها سالم وتلميذاه عبد الله وعبد الحميد، وقد ينص على التلميذين، أما سالم فقلما نصت المصادر على اسمه. وتحول عبد الحميد من ديوان هشام إلى ديوان مروان بن محمد عامله على أرمينية.
    ولعل من الطريف أن الرسائل التي صدرت عن ديوان هشام تطبع بطوابع أسلوبية واحد، إذ تجرى في أسلوب من الازدواج ومن اللغة الجزلة الرصينة، على شاكلة القطعة التالية من رسالة على لسان هشام إلى يوسف بن عمر وقد استخف ببعض أهله.
    "حللت هضبة أصبحت تنحو بها عليهم مفتخرًا، هذا إن لم يدهده بك قلة شكرك متحطمًا وقيذًا، فهلا -يا بن مجرشة قومك- أعظمت رجلك عليك داخلًا، ووسعت مجلسه إذ رأيته إليك مقبلًا. وتجافيت له عن صدر فراشك مكرمًا، ثم فاوضته مقبلًا عليه ببشرك؛ إكرامًا لأمير المؤمنين".
    والرسالة طويلة، وهي كلها من هذا النسيج الأنيق الذي يزينه الازدواج والصور البيانية، وقد أثرت لسالم رسالة يشكر بها بعض إخوانه على صنيع قدمه إليه، وهي على هذا النمط.
    "أما بعد؛ فقد أصبحت عظيم الشكر لما سلف إلي منك، جسيم الرجاء فيما بقي لي عندك. قد جعل الله مستقبل رجائي منك عونًا لي على شكرك، وجعل ما سلف إلي منك عونًا على مؤتنف الرجاء فيك".
    وفي الرسالة ما يصور دقة تفكيره ولطف مداخله إلى ما يريد من إخوانه، فهو يشكر ويرجو، ويجعل ما سلف آية على تحقيق رجائه. واحتفظ المبرد في كامله برسالة لابنه عبد الله كتب بها على لسان هشام سنة تسع عشرة ومائة إلى خالد القسري حين أخذ ابن حسان النبطي وكيل هشام على ضياعه بالعراق فضربه السياط. وهو يفتتحها بقوله:
    "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ فقد بلغ أمير المؤمنين عنك أمر لم يحتمله لك، إلا لما أحب من رب الصنيعة قبلك، واستتمام معروفه عندك. وكان أمير المؤمنين أحق من استصلح ما فسد عليه منك، فإن تعد لمثل مقالتك وما بلغ أمير المؤمنين عنك، رأى في معالجتك بالعقوبة رأيه.
    إن النعمة إذا طالت بالعبد ممتدة أبطرته، فأساء حمل الكرامة، واستقل العافية، ونسب ما في يديه إلى حيلته وحسبه وبيته ورهطه وعشيرته، فإذا نزلت به الغير، وانكشطت عنه عماية الغي والسلطان، ذلّ منقادًا، وندم حسيرًا، وتمكن منه عدوه قادرًا عليه قاهرًا له...".
    وأطنب عبد الله في الرسالة مبينًا لخالد ما بلغ هشامًا من فَلتات لسانه، ومصغرًا لأمره بالقياس إلى سلفه الحجاج وقضائه على الفتن والثورات، وكيف أن هشامًا أعلى من شأنه بتوليته على العراق مع وجود من يعلوه ويغمره. ويمضي يعدد عليه أخطاءه في سياسته وكيف أنه يستعين بالمجوس في أعماله، وكيف ضيع أموالًا كثيرة، هي أموال المسلمين، في حفر نهر المبارك، وكيف يبتز أموال رعاياه باسم هدايا النيروز والمهرجان، وينحي عليه باللائمة فيما صنع بابن حسان، ويسجل عليه نقص الخراج وأنه ولى أسدًا أخاه خراسان، مظهرًا بها العصبية اليمنية متحاملًا على المضرية. وهي في ثنايا ذلك يتهدد برواجع بغية وأنه إن لم يكف عن غيه فقبل أمير المؤمنين كثيرون خير منه عاقبةً وعملًا. وطالت الرسالة، حتى لكأنها تاريخ مختصر لخالد القسري وولاته الطويل على العراق. وهي جميعها مكتوبة بهذا الأسلوب الذي رأيناه في فاتحتها، والذي ثبته سالم في دواوين هشام، وقد انتهى هذا الأسلوب عند تلميذه عبد الحميد إلى الغاية المرتقبة.
    عبد الحميد الكاتب:
    اسم أبيه يحيى بن سعيد، من موالي بني عامر بن لؤي، وهو فارسي الأصل. ويقول أكثر من ترجموا له إنه من أهل الأنبار بالعراق وسكن الرقة. وكان في أول أمره يتنقل في القرى معلما في كتاتيبها، وعرف في نفسه فصاحة ومهارة بيانية، فالتحق بديوان هشام بن عبد الملك، وأعجب به سالم فأصهر غليه، وما زال به حتى خرجه كاتبًا لا يبارى. وعرفه مروان بن محمد، وكان عاملا لهشام، وكما مر بنا، على أرمينية، فاتخذه كاتبا له. ولعلنا لا نخطئ في الحكم إذا قلنا إن ما أثبته الطبري من رسائل لمروان في ولايته إلى هشام ومن تلاه من الخلفاء وإلى أبناء عمومته إنما كان بقلم عبد الحميد. ويتولى مروان الخلافة (127- 132 هـ) فيصبح عبد الحميد رئيس ديوانه، وتتوالى رسائله الرائعة، وعبثا حاول أن يلم الشعث حين انقضت جيوش أبي مسلم من خراسان، حتى إذا هزم مروان في موقعة الزاب ولى وجهه معه إلى مصر حيث قتلا معا في معركة بوصير.
    وهكذا كان وفيًّا لمروان حتى الأنفاس الأخيرة من حياته. وزعم بعض الرواة أنه فر بعد موقعة الزاب على وجهه، واختفى مدة، ثم وقف عليه السفاح فأحضره وعذبه، حتى مات. وزعم آخرون أنه اختفى عند ابن المقفع قبل عثور السفاح عليه. وهي مزاعم لا تؤديها الروايات الوثيقة، ولعل مما يدل على أنه قتل في مصر أننا نجد بها أبناءه وأحفاده، وقد استخدمهم بعض الولاة في دواوينهم.
    وعبد الحميد بدون ريب أبلغ كتاب هذا العصر وأبرعهم، وقد سماه الجاحظ في بيانه عبد الحميد الأكبر، ونصح الكتاب أن يتخذوا كتابته نموذجًا لهم، وظلت شهرته مدوية على القرون حتى قيل: "فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد: وفيه يقول ابن النديم: "عنه أخذ المترسلون ولطريقته لزموا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل". وقد أجمع كثيرون على أنه أول من استخدم التحميدات في فصول الكتب، وكأنه تأثر في ذلك بتحميدات واصل وغيره من الوعاظ، وقد احتفظ كتاب المنظوم والمنثور لابن طيفور بطائفة منها لا تقل كمًّا ولا كيفًا عن تحميد واصل الذي مر بنا في أول خطبته المنزوعة الراء. ولا تلفتنا عند عبد الحميد براعته الأدبية في صنع رسائله فحس، وإنما يلفتنا أيضًا أنه تحول بطائفة منها إلى رسائل أدبية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، محاكيًا في ذلك ما كان يعرفه من رسائل الفرس الأدبية التي أثرت عن الساسانيين والتي يقال: إنه كان أحد نقلتها إلى العربية.
    وليس معنى ذلك أنه وقف عند النقل والترجمة، فقد مضى يحاكي هذه الرسائل لا محاكاة طبق الأصل، وإنما هذه المحاكاة التي تنتهي إلى التمثل وصنع الأعمال الأدبية المبتكرة، من ذلك رسالته إلى الكتاب، وهي رسالة عامة ليست موجهة إلى شخص معين أو كاتب بعينه، إنما هي موجهة إلى هذه الطائفة التي أصبح لها كيان واضح في حياة الدولة، وقد وصف فيها عبد الحميد صناعة الكتابة وأهمية الكتاب في تدبير الحكم، وما ينبغي أن يتحلوا به من آداب ثقافية وأخرى خلقية وسياسية تتصل بالخلفاء والولاة والرعية. ونحن لا نقرنها إلى ما استهل به الجهشياري كتابه "الوزراء والكتاب" من وصايا كان يوصي بها ملوك الفرس ووزراؤهم الكتاب حتى نحس أن عبد الحميد تأثر هذه الوصايا في رسالته التي تعد دستورًا دقيقًا لوظيفة الكاتب، وما عليه من حقوق للخلفاء والولاة وحقوق للرعية في سياستها، وضبط شئونها في الخراج وغير الخراج، ونراه يرسم فيها ما ينبغي أن يحسنه الكتاب من ضروب العلم والثقافة، يقول:
    "فنافسوا، معشر الكتاب، في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين وابدءوا بعلم كتاب الله عز وجل، والفرائض، ثم العربية، فإنها ثقاف ألسنتكم. وأجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسمون إليه بهممكم. ولا يضعفنَّ نظركم في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج منكم".
    فهو يطلب إليهم أن يتجمّلوا بحلى العلم والأدب، ويصرح بأن عليهم أن يوسعوا ثقافتهم في الدين والفرائض حتى يقفوا على أحكام الشريعة فيما يتصل بمعاملة أهل الذمة ومعاملة المسلمين أنفسهم في شئون الخراج. وقد طلب أن يضيفوا إلى ذلك إتقانًا لعلم الحساب، وعين لهم الينابيع التي تعينهم على إحسان التعبير عما في أنفسهم وعلى رأسها القرآن الكريم، ثم الأشعار ليعرفوا غريبها ومعانيها. ومضى فطلب غليهم أن يتثقفوا بتاريخ العرب، وتاريخ العجم وأحاديث ملكوها وسيرها، لينتفعوا بذلك في كتاباتهم السياسية. ونراه في تضاعيف رسالته يطلب إلى الكتاب أن يؤلفوا بينهم ما يشبه النقابة في عصرنا، فقد حضَّهم على الأخذ بيد من ينبو به الزمان منهم ومساعدته، حتى يعود إلى ما كان عليه من الرفه في العيش.
    ولعبد الحميد بجانب هذه الرسالة رسالة في وصف الإخاء رواها ابن طيفور وهي في رأينا تكملها، فقد عرض في رسالة الكتاب لأخوتهم، وما ينبغي أن يجمعهم من إلف الوداد والصداقة، ومضى في هذه الرسالة يفصل الحديث في معنى الإخاء وحاجة الأفراد إليه مبينًا دعائمه التي تكفل له البقاء وتجعل حياة الناس صفاء، مستحبًّا وعشرة عذبة، بما يبر به الأخ أخاه حين تنزل به عوارض الأقدار وحوادث الزمان.
    وبذلك تدخل الرسالة في هذا الضرب من الأدب الأخلاقي الذي شاع في بلاط الساسانيين، وصدر عنه ابن المقفع في كتابيه "الأدب الكبير" و"الأدب الصغير".
    وعلى نحو ما تتضح ثقافة عبد الحميد بالأدب الأخلاقي الساساني في الرسالتين السابقتين تتضح ثقافته بأدب القوم السياسي في رسالته الطويلة التي كتبها على لسان مروان إلى ابنه وولي عهده عبد الله، حين أمره بمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي الصفري، وكانت ثورته قد استفحلت بالعراق والموصل سنة 128. ولا نكاد نلم بهذه الرسالة حتى نراها طويلة طولًا غير مألوف، إذ امتدت إلى نحو أربعين صحيفة من القطع الكبير. وهو يستهلها بمقدمة يذكر فيها اختيار أمير المؤمنين له في محاربة الضحاك وأصحابه الذين انتهكوا حرمة الإسلام، وعاثوا في الأرض مستحلين دماء المسلمين، وأنه رأى أن يكتب إليه بعهد يؤدي به حق الله الواجب عليه في إرشاده. ويمضي العهد بعد ذلك موزعًا على موضوعات ثلاثة كبيرة، وكل موضوع يتشعب شعبًا كثيرةً، كل شعب تستقل بفقرة محدودة تحيط بدقائقها.
    وأول هذه الموضوعات يتناول فيه عبد الحميد آداب قائد الجيش في سلوكه مع نفسه ومع حاشيته ورؤساء جنده.
    ويتناول الموضوع الثاني سياسته في لقاء العدو وما ينبغي أن يتخذ من عيون ترصد حركاته، ويفيض في بيان الخصال التي ينبغي أن يتصف بها رؤساء جيشه والأخرى التي ينبغي أن تتصف بها طلائعه.
    وفي الموضوع الثالث يتناول نظام الجيش في الحرب، ويقول: إنه ينبغي أن لا يسير إلا في مقدمة وميمنة وميسرة وساقه أو مؤخرة، ويصور له كيف يعد جيشه حين اللقاء وكيف يقسمه إلى وحدات، كل وحدة مائة رجل عليهم شخص من أهل المروءة والنجدة. ويشير إلى ما ينبغي أن يتحلى به خازن أمواله من خلال.
    وينصحه أن يتخذ كل وسيلة لإفساد رجال العدو عليه بمكاتبتهم ووعده لهم بالمنالات والولايات. ودائمًا ينصحه بالتقوى والاعتماد على الله في غدوه ورواحه ومنازلة خصمه. ويختم الرسالة بالدعاء له.
    والرسالة على هذا النحو دستور كبير لقائد الجيش، وهو دستور استعان فيه عبد الحميد بما قرأه في أدب الفرس السياسي من وصايا وتعاليم، كانوا يديرونها في كتبهم، هي خلاصة تجاربهم في حروبهم وسياسة حكامهم وملوكهم، وقد شفعها بتعاليم الإسلام الزكية واطرد له فيها أسلوبه المن الشفاف الذي لا يحجب شيئًا من الفكرة، بل يوضحها من جميع شعبها وأطرافها بما أتيح له من بيان باهر استطاع أن ينفذ من خلاله إلى صياغة محكمة، وهي صياغة لا تكاد تفترق في شيء عن صياغة الحسن البصري وواصل بن عطاء، وأضرابهما من الوعاظ الذي ألانوا اللغة ومرنوها لأداء معانيهم، وكأنما تحول إلى عبد الحميد أسلوبهم، حتى أصبح لا يفترق عنهم في شيء، فهو يزاوج في ألفاظه، وهو يتخذ إلى ذلك طريقتهم في الترادف، موشيًا كلامه بالصور والطباقات والمقابلات الكثيرة.
    وقد حاول طه حسين أن يصل عبد الحميد بالثقافة اليونانية، معتمدًا في ذلك على تقسيمه الجيش إلى وحدات كل وحدة مائة على شاكلة ما كان معروفًا عند اليونان، وعلى أنه بالغ في استخدام الحال ونشرها في كلامه.
    ويضعف الحجة الأولى أن عبد الحميد كان يعيش في الشام، وكانت الحروب قائم بين العرب والبيزنطيين منذ الفتوح، وكان العرب بعامة يعرفون نظم الجيوش عند البيزنطيين والفرس جميعًا، فمعرفة عبد الحميد بذلك لا تصله مباشرةً بالثقافة اليونانية. أما مسألة استخدامه الحال فلم يوضح طه حسين كيف كانت خاصة من خصائص اللغة اليونانية، ومعروف أنها من خواص اللغة العربية، وهي شائعة في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم، ومرت بنا قطع من كتابات سالم وابنه عبد الله، وفيها الحال واضحة. والحق أن عبد الحميد إذا كان قد اتصل بالثقافة اليونانية، فعن طريق غير مباشر، نقصد طريق أستاذه سالم الذي كان يحسنها وينقل عنها أحيانًا على نحو ما مر بنا.
    وليس مِن شك في أن صلة عبد الحميد بالثقافة الفارسية أوضح منها بالثقافة اليونانية. وكان يضيف إلى ذلك ثقافة واسعة بالشعر العربي، وهي تتضح في رسالة ولي العهد السالفة حين نراه يقف ليفصل له ما ينبغي أن تكون عليه أسلحته وخيله من صفات، وكأنه ينثر أشعار أوس بن حجر وغيره من الجاهليين فيها نثرًا. ومن هذا الباب رسالته التي وصف بها الصيد، وجوارحه ومعاركها مع الظباء والآرام وحمر الوحش، وما وقعوا عليه من بعض الغدران والرياض، وما أصابهم من بعض الأمطار، وكأنه يتحدث بلسان امرئ القيس وزهير ومَن على شاكلتهما من الشعراء الجاهليين.
    والحق أن النثر الفني تطور تطورًا واسعًا عند عبد الحميد، فقد تحولت الرسائل عنده إلى رسائل أدبية حقيقية تكتب في موضوعات مختلفة من الإخاء وقيادة الحروب والصيد. وهي لا تكتب في ذلك كتابةً موجزةً، فلم تعد الكتابة وحدها كافية، بل أصبح أساسًا فيها أن تسند بالتفنن في القول، وتشعيب المعاني، معتمدةً على ثقافات مختلفة: أجنبية وعربية. وأخذت تزحم الشعر وتحاول أن تقتحم عليه ميادينه أو على الأقل بعض هذه الميادين، إذ نرى عبد الحميد يجرى قلمه في وصف الخيل والسلاح ووصف الصيد. ودائمًا تروعنا براعته البيانية، ولا نستطيع أن ننقل إلى القارئ إحدى رسائله الأدبية الطويلة ليتبين هذه البراعة، غير أنه ينبغي أن لا نمضي دون تقديم نموذج من كتابته، ونحن نسوق للقارئ هذه الرسالة التي كتب بها إلى أهله يعزيهم عن نفسه، وهو منهزم مع مروان:
    "أما بعد: فإن الله جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل فيها أقسامًا مختلفة بين أهلها، فمن درت له نجلاوتها، وساعده الحظ فيها سكن إليها ورضي بها، وأقام عليها، ومن قرصته بأظفارها، وعضته بأنيابها، وتوطأته بثقلها، قلاها نافرًا عنها، وذمها ساخطًا عليها، وشكاها مستزيدًا منها، وقد كانت الدنيا أذاقتنا من حلاوتها وأرضعتنا من ردها أفاويق استحلبناها، ثم شمست منا نافرة، وأعرضت عنا متنكرة، ورمحتنا مولية، فملح عذبها، وأمر حلوها، وخشن لينها، ففرقتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان، فدارنا نازحة، وطيرنا بارحة، قد أخذت كل ما أعطت، وتباعدت مثلما تقربت، وأعقبت بالراحة نصبًا، وبالجدل همًّا، وبالأمن خوفًا، وبالعز ذلًّا، وبالجدة حاجةً، وبالسراء ضراء، وبالحياة موتًا، لا ترحم من استرحمها، سالكة بنا سبيل من لا أوبة له، منفيين عن الأولياء، مقطوعين عن الأحياء".
    والرسالة تحمل جميع خصائص عبد الحميد التي تميز بها في أسلوبه ومعانيه، فالألفاظ منتخبة وليس فيها توعر ولا غريب وحشي، وإنما فيها العذوبة والحلاوة. والمعاني غزيرة مرتبة ليس فيها غموض ولا خفاء، وإنما فيها الوضوح وانكشاف الدلالة. ازدواج من شأنه أن يؤكد المعاني بما يحمل من معادلات موسيقية تثبتها في الذهن، وتجلوها جلاءً تامًّا. وهو يضيف إلى ذلك حلي من طباقات وتصويرات تضفي على أسلوبه روعة بيانية خلابة، بل إننا لا ندقق في القول حين نزعم أنه يضيف هذه الحلى، فإنها عنده جزء لا يتجزأ من جَوْهر الكلام، وكأنها سداه ولحمته. والحق أن بعد الحميد أوفَى بالكتابة الأدبية في العصر الأموي على كل ما كان ينتظر لها من رقي وإبداع فني.
    في الأدب الإسلامي، والأموي، لسليمان حسن ربيع.



    الدرس الحادي والعشرون

    الكتابة في العصر الأموي، وموضوعاتها, وخصائصها الفنية
    (د) الكتابة:
    بيّنا عند الكلام على الكتابة في صدر الإسلام، أن العصر الجاهلي لم يسمح بالكتابة؛ لأنه عصر سذاجة وبداوة. ولكن لما جاء الإسلام حاثًا على العلم والتعليم وجدت الكفاية ولكنها كانت كتابة رسائل فحسب لم تصطبغ بصبغة فنية ذات صناعة؛ لأن العهد كان قريبًا من البداوة.
    أما الكتابة الديوانية والكتابة العلمية فلم يسمح بهما هذا العصر أيضًا لما بيناه.
    ولكن لما جاء العصر الأموي وقد تهيأ للمسلمين إتمام الفتح والولاية على البلاد تغير الحال وأصبحت الكتابة بجميع أنواعها ضرورة وأساسًا لتلك النهضة العظمى، وسنتكلم على كل نوع منها.
    1- الكتابة الديوانية:
    كانت قبل هذا العصر تؤدى بلغة أهل المصر وهي الفارسية في فارس والعراق والرومية بالشام. والقبطية في مصر، واستمرت كذلك إلى عهد عبد الملك بن مروان حتى تم تعريب الدواوين.
    وكان القائم على ديوان الشام سرجون بن منصور الرومي فحلَّ محله سليمان بن سعد. وكان القائم على ديوان العراق زاذان فروخ فحلَّ محله صالح بن عبد الرحمن بأمر الحجاج. وكان القائم على ديوان مصر انتاش القبطي فحلَّ محله ابن يربوع الفزاري بأمر عبد الله بن عبد الملك بن مروان. وبهذا العمل العظيم في تلك الأقاليم الشاسعة طوق عبد الملك جيد العربية بمنة لا تمحى، ومكرمة لا تزول، وإن نظرة واحدة إلى كتّاب الدواوين في هذا العصر لتؤكد لنا قيمة هذا الفتح وعظمة ذلك التعريب.
    2- كتابة الرسائل:
    قلنا أيضًا -في عصر الإسلام-: إن كتابة الرسائل بقيت من عمل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ينشئون بملكتهم، فيكتبون بأيديهم أو يملون غيرهم إن لم يكونوا كاتبين.
    وفي هذا العصر الأموي سارت مسيرها أيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين حتى انتهى العصر السفياني دون أن يحدث فيها جديد، إلا ما كان من إنشاء معاوية لديوان الخاتم، ومهمته أن يرسل إليه ما يكون للخليفة من توقيع ليصدر منه مختومًا لا يدري حامله ما فيه ولا يستطيع أن يغيره.
    وسبب إنشاء هذا الديوان -على ما ذكره الفخري في كتابه "الآداب السلطانية"-: أن معاوية أحال رجلًا على زياد، وهو واليه على العراق بمائة ألف درهم، فمضى الرجل وجعل المائة مائتين، فلما رفع زياد حسابه إلى معاوية أنكر ذلك، ثم تبين حقيقة الأمر، فاستعاد المائة، وأمر بوضع ديوان الخاتم فصارت التوقيعات تصدر منه مختومة.
    أما كتابة الرسائل -وهي ما تعنينا- فقد كان لكل خليفة كاتب رسائل يتولى الخليفة بنفسه إملاءها عليه فكانت تفيض سحرًا وبلاغة، وتتيه بيانًا وجمالًا، ولم يظهر للكتاب شخصيته فيما يصدرون إلا في عهد سالم مولى هشام بن عبد الملك وكاتبه على الرسائل؛ إذ كان ينوب عن الخليفة في كثير منها ويُذيّل بعض الرسائل بما يدل على أنه منشئها. وبهذا تظهر على يديه صناعة الكتابة الإنشائية ذات الصبغة الفنية، والنظم والقيود، ولكنها لم تثمر ثمرها إلا على يد تلميذه وزوج قريبته عبد الحميد بن يحيى الذي عرف فيما بعد بعبد الحميد الكاتب.
    أطوار الكتابة الإنشائية:
    والكتابة الفنية الإنشائية مرت بطورين:
    الطور الأول من قيام الدولة إلى عهد عبد الملك:
    وكانت الكتابة فيه تسير على نهجها في صدر الإسلام من السهولة والإيجاز والوضوح وعدم التكلف، وخلوها من عبارات التفخيم واحتذائها حذو القرآن. وكان أغلبها يملى ارتجالًا "إملاآتهم كأحاديثهم ابنة السليقة، وربيبة الغريزة خالية من كل ما هو متكلف مصنع. وعلى منوال الخطابة نسجت الكتابة، وعلى طريق الخطباء مشى الكتاب، ذلك لأن الرسائل والخطابة متشاكلتان في أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية فألفاظ الخطابة تشبه ألفاظ الكتابة في السهولة والعذوبة، والفرق بينهما أن الخطبة يشافه بها بخلاف الرسالة، ويمكن جعل الرسالة خطبة والخطبة رسالة في أيسر كلفة" (راجع الصناعتين هلال لأبي العسكري).
    والطور الثاني من الوليد إلى آخر حياة الدولة:
    قيل: إن الوليد أول من جود القراطيس، وجلل الخطوط، وفخم المكاتبات وتبعه من بعده من الخلفاء إلا عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد؛ فإنهما جريا في المكاتبات على طريقة السلف.
    والكتابة في هذا الطور تدرجت في التأنق والصنعة والإطناب وإشراق البيان وحسن الديباجة حتى صارت صناعة فنية لها أصول وقواعد، وكان زمامها بأيدي الموالي الذي دخلوا في الإسلام واختلطوا بالعرب في الأقاليم الإسلامية الأولى كالشام والحجاز والعراق أو دخل عليهم الإسلام في ديارهم كآسيا الصغرى ومصر وإيران وخراسان؛ فجمعوا بين اللسان العربي والأعجمي والثقافتين الإسلامية والأعجمية وكان من هذا الخليط أو المزيج أدب طريق تلمح فيه معالم النفس الفارسية أو اليونانية على رغم هذا الأسلوب العربي الطاغي كسالم مولى هشام بن عبد الملك وأستاذ عبد الحميد الكاتب وأحد الواضعين لنظام الرسائل وصنعة الكتابة وكجبلة بن سالم كاتب هشام أيضًا، وكعبد الحميد بن يحيى الكاتب الذي يضرب به المثل في صناعة الكتابة، فيقال: "بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد".
    نعم إن لسالم الفضل الأول وبخاصة إذ كان يعرف اليونانية ونقل عنها إلى العربية شيئا من رسائل أرسطو إلى الإسكندرية فساعده ذلك على ما عانى من التجديد وجعل الناس يدونون له مجموعة كبيرة دون غيره، قال ابن النديم عنها: إنها تبلغ مائة ورقة، ثم زاد فيها تلميذه عبد الحميد، وأذاعها فضرب المثل ببلاغته، واعتبر شيخ الكتاب ورئيسهم، ونسب إليه ابن النديم مجموعة رسائل، قيل: إنها تبلغ ألف ورقة، ومما ساعد عبد الحميد فوق ما تقدم صحبته لابن المقفع الذي كان يجيد الفارسية، فجمع عبد الحميد إلى العربية ثقافة اليونان بسبب صحبته لسالم وثقافة الفرس بسبب صحبته لابن المقفع.
    وهو جدير بأن يكون شيخ الكتاب فقد استطاع أن يبتكر في هذه الصناعة أمورًا من أهمها:
    1- الإيجاز في غير إخلال والإطناب في غير إملال حتى قيل: إنه كان يكتب في سطر واحد ما يكتبه في صفحات، ولقد روى أنه كتب إلى أبي مسلم الخراساني حين أظهر الدعوة لبني العباس كتابًا يستميله فيه، وقال لمروان لقد كتب كتابًا متى قرأه بطل تدبيره، فإن يك ذاك وإلا فالهلاك، وكان الكتاب لكبر حجمه يحمل على بعير، فلما ورد الكتاب على أبي مسلم أمر بإحراقه ولم يقرأه، وكتب على جذاذة منه:
    محا السيف أسطار البلاغة وانتحى عليك ليوث الغاب من كل جانب
    وليس في هذا التطويل المأثور عن عبد الحميد من عيب مع ما عرف من تفننه في بلاغته، وكان لقدرته على الإيجاز والإطناب يتخير لكل منهما الموضع المناسب فيطنب في الإخبار بالفتوح والحث على الجهاد والوعد والوعيد ويوجز في أخبار الهزائم ووصف الأعداء مثلًا.
    ومن إيجازه قوله موصيًا بشخص: "حق موصل كتابي إليك كحقه علي إذ جعلك موضعًا لأمله، ورآني أهلًا لحاجته فصدق أمله" وطلب منه مروان أن يكتب لعامل أهدى إليه عبدًا أسودًا فكتب إليه: "لو وجدت لونًا شرًّا من السواد وعددًا أقل من الواحد لأهديته".
    2- أطال في الفواتح والخواتيم بما يعد جديدًا في هذا العصر. كالإتيان بكثير من التحميدات في أساليب متنوعة، وصور مختلفة وكالبدء بـ"بسم الله"، ثم اتباعها بـ"الحمد لله" فاصلًا بينهما بـ"أما بعد"، وفي الخواتيم التي كانت قاصرة على السلام أطال أيضًا.
    3- قد أكثر من الرسائل الإخوانية ويراد بها تلك الرسائل التي تكون بين الناس في عتاب أو شوق أو شكر أو استمناح أو تعزية أو تهنئة... إلخ.
    وقد كانت قبلة قليلة ضئيلة ولكنها على يديه تحولت إلى رسائل أدبية متعددة الغرض متشعبة الفنون.
    4- طرق موضوعات جديدة، وعالج فيها معاني لم تعهد لكاتب قبله كرسالته في النهي عن الشطرنج؛ فقد كان فيها قوي الحجة ناصع البرهان، ومثل رسالته التي أودعها نصائحه إلى أبنائه الكتاب، والحق أن عبد الحميد قد تطور النثر على يديه تطورًا واسعًا، وطرق موضوعات مختلفة من الإخاء وقيادة الحروب والصيد، وأجرى قلمه في وصف الخيل والسلاح، ولعل صلته بالثقافة الفارسية واليونانية وإلمامه بالثقافة العربية الواسعة، كل ذلك جعله بحق شيخ الكتاب.
    وبعد: فإن الناظر في رسائل عبد الحميد يرى الرجل واسع التفكير، مستقصيًا للمعاني، مرتبًا لها، متناولًا لسهلها وصعبها، وجد الكتابة مقيدة ففك قيودها، ومتعثرة فأجراها على إذلالها ومنقطعة النفس فأطال من أنفاسها، ومد من روحها كما حافظ على فضيلة السابقين من الجزالة والإحكام وزاد عليها الإسباغ، وإطالة الذيل.
    ولقد تميز عبد الحميد في أسلوبه ومعانيه وألفاظه فالألفاظ منتخبة وليس فيها توعر ولا غريب وحشي، وإنما فيها العذوبة والحلاوة والمعاني غزيرة مرتبة ليس فيها غموض ولا خفاء وإنما فيها الوضوح وانكشاف الدلالة وهو يغني بالترادف في أسلوبه ترادفًا ينتهي به إلى ازدواج واضح مضيفًا إلى ذلك حلى من طبقات وتصويرات تضفى على أسلوبه روعة بيانية خلابة. والكلام عن عبد الحميد لا ينتهي، ومحل إيفائه هو الترجمة له لا ما نحن فيه.
    نماذج الكتابة في العصر الأموي:
    (1) كتب معاوية إلى عليِّ يحاول أن يترضاه ويستميله ويأسف على ما حدث بينهما من حروب:
    "أما بعد: فلو علمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نرد به ما مضى، ونصلح به ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على ألا تلزمني لك طاعة، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، ولا تخاف من القتال إلا ما أخاف.
    وقد -والله- رقت الأجناد، وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به عزيز، ويسترق به حرم والسلام".
    فرد عليه علي بن أبي طالب بقوله: "من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان.
    أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وإنا وإياك نلتمس منها غاية لم نبلغها بعد.
    فأما طلبك مني الشام فإني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس.
    وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام على الدنيا بأحرص من أهل العراق على الآخرة.
    وأما قولك نحن بنو عبد مناف فكذلك نحن وليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا الطليق كالمهاجر، ولا المبطل كالمحق. وفي أيدينا فضل النبوة التي قتلنا بها العزيز، وبعنابها الحر، والسلام".
    (2) من محمد بن الحنفية إلى عبد الملك بن مروان يبايعه لما قتل ابن الزبير:
    "إني اعتزلتُ الأمة عند اختلافها فقعدتُ في البلد الحرام الذي مَن دخله كان آمنًا لأحْرزَ ديني وأمنعَ دمي وتركتُ الناسَ. {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا}. وقد رأيتُ الناسَ قد اجتمعوا عليك ونحن عصابة من أمتنا لا نُفارق الجماعة، وقد بعثتُ إليك منّا رسولًا ليأخذ لنا منك ميثاقًا ونحن أحق بذلك منك. فإن أبيتَ فأرضُ اللّه واسعة والعاقبة للمتقين."
    فرد عليه عبد الملك على محمد بن الحنفية بقوله: "قد بلغني كتابُك بما سألتَه منِ المِيثاق لك وللعصابة التي معك. فلك عهدً اللهّ وميثاقه أن لا تُهاج في سلطاننا غائبًا ولا شاهدًا ولا أحد من أصحابك ما وَفَوْا ببيعتهم فإن أحببتَ المُقام بالحجاز فأقم، فلن نَدع صِلتك وبِرَّك، وإن أحببتَ المُقام عندنا فاشخَص إلينا، فلن نَدع مواساتِك. ولعمري لئن ألجأتُك إلى الذهاب في الأرض خائفًا لقد ظَلمناك وقَطعنا رَحِمك. فاخرُج إلى الحَجاج فبايع. فإنك أنت المحمود عندنا دينًا ورأيًا وخيرٌ من ابن الزبير وأرضى وأتقى".
    (3) كتب الحجاج إلى عبد الملك لمسافر إليه عروة بن الزبير عامله على اليمن خوفًا من الحجاج:
    "أما بعد: فإنّ لوَذَان المُعترضين بك، وحُلول الجانحين إلى المُكث بساحتك، واستلانَتهم دَمِث أخلاقك، وسَعة عَفْوك، كالعارض المُبرق لا يَعْدم له شائمًا، رجاء أن ينالَه مطرهُ، وإذا أدنى الناس بالصّفح عن الجرائم كان ذلك تَمْرينًا لهم على إضاعة الحقوق مع كل والٍ. والناس عبيد العصا، هم على الشدّة أشد اسْتباقًا منهم على اللِّين. ولنا قِبَل عُروة بن الزُّبير مال من مال الله، وفي استخراجه منه قَطْعٌ لطمع غيره، فَلْيبعث به أميرُ المؤمنين، إن رأى ذلك. والسلام."
    فكتب إليه عبد الملك:
    "أما بعد: فإن أميرَ المؤمنين، رآك مع ثِقته بنَصيحتك خابطًا في السياسة خَبْط عَشْواء الليل. فإِن رأيك الذي يُسَوِّل لك أنَّ الناس عبيدُ العصا هو الذي أخرج رجالات العرب إلى الوُثوب عليك، وإذ أخرجت العامة بعُنف السياسة كانوا أوشك وثوبًا عليك عند الفُرصة، ثم لا يلتفتون إلى ضلال الدّاعي ولا هُداه، إذا رَجَوْا بذلك إدراك الثأر منك. وقد وَليَ العراق قَبلك ساسةٌ، وهم يومئذ أحمى أنوفًا وأقربُ من عَمياء الجاهلية، وكانوا عليهم أصلحَ منك عليهم، وللشدَّة واللين أهلون، والإفراطُ في العفو أفضلُ من الإفراط في العقوبة، والسلام".
    (4) كتب الحجاج إلى قطري بن الفجاءة رئيس الخوارج مهددًا متوعدًا:
    "بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى قطري بن الفجاءة، سلام عليك الموحد الله، والمصلى عليه محمد -عليه السلام.
    "أما بعد: أمّا بعدُ فإنّك مَرَقت من الدِّين مُروقَ السّهم من الرّمِيّة، وقد علمتَ حيث تجرثمْتَ، وذاكَ أنك عاصٍ للَّه ولِوُلاةِ أمرِه، غير أنَّكَ أَعرابيُّ جِلْفٌ أُمِّيَّ، تستطعم الكِسرةَ وتستشفي بالتَّمرةِ، والأمور عليك حَسْرَة؛ خرجتَ لتَنَالَ شُبْعَةً فلحقَ بك طَغامٌ صَلُوا بمثْلِ ما صَلِيتَ به من العيش، فهم يهزُّون الرِّمَاح، ويستنشئون الرّياح، على خوفٍ وجَهْدٍ من أمورهم، وما أصبحوا ينتظرون أعظمُ مما جَهِلوا معرفَته، ثمَّ أهلكَهم اللَّهُ بنَزْحَتَين، والسّلام."
    فأجابه قطري بقوله:
    "سلام على الهُدَاة من الوُلاة، الذين يَرعَون حرِيمَ اللَّه ويَرهبون نِقَمه، فالحمدُ للَّه على ما أظهَرَ من دينَه، وأظْلَعَ به أهل السِّفَال، وهدَى به من الضَّلال، نصَرَ به، عند استخفافك بحقِّه، كتبتَ إليّ تذكرُ أنّي أعرابيٌّ جِلفٌ أمِّيِ، استطعم الكسْرة واستشفى بالتّمرة، ولعمري يا ابنَ أمّ الحجَّاج إنَّك لَمُتَيَهٌ في جِبِلّتك، مُطلخِمٌّ في طريقتك، واهٍ في وثيقتك، لا تعرف اللَّه ولا تَجْزَع من خطيئتك، يئستَ واستيأستَ من ربِّك، فالشَّيطانُ قرينُك، لا تجاذبه وَثاقَك، ولا تنازِعُه خِناقَك، فالحمدُ للَّه الذي لو شاء أبرز لي صفحتَك، وأوضَح لي صَلَعتك، فوَ الذي نَفْسُ قطريّ بيده، لعَرَفْتَ أنَّ مقارعَةَ الأبطال، ليس كتصدير المقال، مع أنِّي أرجو أن يدحَضَ اللَّه حُجَّتَك، وأن يمنحني مهُجَتَك".
    (5) ومن أوجز الرسائل ما كتبه عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز:
    "أما بعد، فإن الناس قد كثروا في الإسلام، وخفت أن يقل الخراج".
    فكتب إليه عمر:
    "فهمت كتابك، والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حرَّاثين نأكل من كسب أيدينا".
    (6) وكتب بشر بن مروان إلى أخي عبد العزيز يعتذر:
    "بسم الله الرحمن الرحيم، لولا الهفوة لم أحتج إلى العذر، ولم يكن لك في قبوله مني الفضل، ولو احتمل الكتاب أكثر مما ضمنته لزدت فيه. وبقيا الأكابر على الأصاغر من شيم الأكارم، ولقد أحسن مسكين الدارمي حيث يقول:
    أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح
    وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه وهل ينهض البازي بغير جناح
    (7) وكتب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد وقد تلكأ في بيعته:
    "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، أما بعد؛ فإني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام.
    (8) وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري لما ولي الخلافة أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن:
    "اعلم يا أمير المؤمنين، أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنها من أذى الحر والقر. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارًا، ويعلمهم كبارًا؛ يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربته طفلًا تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين، يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده، والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله -عز وجل- كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله.
    واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها! وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده، وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر... إلخ" وهو طويل.
    (9) كتب عبد الحميد الكاتب إلى أهله وهو منهزم مع مروان بن محمد:
    "أما بعد: فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل فيها أقسامًا مختلفة بين أهلها فمن درت له بحلاوتها، وساعده الحظ فيها سكن إليها ورضي بها، وأقام عليها، ومن قرصته بأظفارها وعضته بأنيابها، وتوطأته بثقلها قلاها نافرًا عنها، وذمها ساخطًا عليها، وشكاها مستزيدًا منها، وقد كانت الدنيا أذاقتنا من حلاوتها، وأرضعتنا من درها أفاويق استحلبناها، ثم شمست منا نافرة، وأعرضت عنا متنكرة، ورمحتنا مولية فملح عذبها، وأمر حلوها، وخشن لينها، ففرقتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان فدارنا نازحة، وطيرنا بارحة...".
    وكتبت والأيام تزيدنا منكم بعدًا، وإليكم وجدًا، فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم ترجع إليكم بذل الإسار، والذل شر جار، نسأل الله الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة في دار أمنة تجمع سلامة الأبدان والأديان، فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين.
    (10) ونختم النماذج ببعض فقرات من رسالة عبد الحميد إلى الكتاب: قال في أولها:
    "أما بعد: حفظكم الله يأهل صناعة الكتابة وحاطكم ووثقكم وأرشدكم، فإن الله -عز و جل- جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين -صلوات الله عليهم أجمعين- ومن بعد الملوك المكرمين أصنافًا، وإن كانوا في الحقيقة سواء، وصرفهم في صنوف الصناعات وضروب المحاولات إلى أسباب معايشهم وأبواب أرزاقهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات أهل الأدب والمروءة والعلم والرواية بكم تنتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم وتعمر بلدانهم".
    ومنها:
    "فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب، وتفهموا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله -عز وجل- والفرائض ثم العربية، فإنها ثقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها؛ فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم، ولا تضيّعوا النظر في الحساب؛ فإنه قوام كتاب الخراج".


  2. #2
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Sep 2017
    Posts
    364
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    help writing an admission essay

    هذه المشاركة تتطلب منك الضغط على "شكراً لهذه المشاركة" لمشاهدة المحتوى

  3. #3
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Sep 2017
    Posts
    364
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    custom term papers 5 per page

    هذه المشاركة تتطلب منك الضغط على "شكراً لهذه المشاركة" لمشاهدة المحتوى

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •