Results 1 to 2 of 2

Thread: مراجع الادب والنصوص 2 : شعر رثاء المدن والممالك الزائلة وأهم الشعراء والنصوص في هذا ا

  1. #1
    Super Moderator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    1,770
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    271

    مراجع الادب والنصوص 2 : شعر رثاء المدن والممالك الزائلة وأهم الشعراء والنصوص في هذا ا

    ع1:
    شعر رثاء المدن والممالك الزائلة وأهم الشعراء والنصوص في هذا الموضوع
    ج1:
    الأدب الأندلسي: موضوعاته وفنونه، لمصطفى الشكعة.
    رثاء المدن الأندلسية الذاهبة:
    ربما كان من الصعوبة بمكان تصنيف شعر رثاء الوطن الإسلامي الأندلسي إلى موضوعات جانبية بعينها، لأنه قيل متابعًا الأحداث، ملاحقًا المصائب، مرافقًا الكوارث، ومن ثم فقد كانت مسيرة هذا الشعر الحزين مسيرة تاريخية يسجل كل حادثة في زمانها، ويبكي كل كارثة في وقتها، فقد تسقط مدينة كبرى، ثم تنمحي بعدها إمارة مرموقة، ثم تداس مدينة أخرى بعد الإمارة ثم تحدث معركة كبرى في مرج أو جبل، ثم تسقط مجموعات من المدن وتتهاوى بعض الإمارات في وقت واحد، وهكذا سار الأمر حتى سقطت الأندلس كلها.
    ولكننا في محاولة لتنسيق شعر الكارثة موضوعيًا سنعمد –تيسيرًا على الباحث والدارس والقارئ على حد سواء- إلى تقديم هذا الشعر تحت عناوين ثلاثة هي: رثاء المدن، ثم رثاء الإمارات، ثم رثاء الديار كلها بغض النظر عن أنه قد يكون الفارق الزمني بين سقوط مدينة وأخرى ما يناهز قرنًا ونصف قرن من الزمان كما هو الحال في سقوط كل من طليطلة وسقوط بلنسية الأخير؛ لأنها سقطت ثم استعيدت لفترة من الزمن غير قصيرة، ثم سقطت نهائيًا.
    كانت أولى المدن الأندلسية الإسلامية الكبرى التي سقطت هي طليطلة، وهي واحدة من أكبر القواعد الإسلامية في الأندلس، وكان سقوطها في وقت مبكر، في سنة 478هـ، ولكن أسباب سقوط الدول لا تخضع للزمان بقدر ما تخضع لصلاح الحاكم أو فساده، وسلامة السكان أو فسادهم. لقد كان من المخجل وطليطلة تسقط أن يرى الناس من غزاة وميقيمين حاكمها القادر بالله بن يحيى بن ذي النون وبيده اصطرلاب ينظر فيه ليحدد الوقت الذي يرحل فيه.
    لقد كان سقوط طليطلة صدمة كبرى أصابت المسلمين في الأندلس بالذهول التي ما لبث أن ترجم إلى الحقيقة المريرة التيعبر عنها الشاعر عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن الغسال تعبيرًا مثقلا بالشؤم متنبئًا بغروب شمس الأندلس، ومنطقه يكمن في هذه الأبيات المخيفة، أو بالأحرى التي كانت مخيفة لمن سمعها من معاصريه:
    ياأهلأندلسشدوارحالكم فماالمقامبهاإلامنالغلط
    السلكينثرمنأطرافهوأرى سلكالجزيرةمنثورًامنالوسط
    منجاورالشرلايأمنعواقبه كيفالحياةمعالحياتفيسقط
    ويروى البيت الثاني بشكل آخر –ولكنه لا يغير هدف المعنى- على هذا الشكل:
    الثوبينسلمنأطرافهوأرى ثوبالجزيرةمنسولًامنالوسط
    وهذا شاعر آخر أكثر تشاؤمًا بل إنه داعية إلى الخراب، متطوع لبث روح الهزيمة يستعمل اصطلاحات لاعبي الشطرنج في قوله:
    ياأهلأندلسردواالمعارفما فيالعرفعاريةإلامردات
    ألمتروابيدقالكفارفرزنه وشاهنًاآخرالأبياتشهمات
    ويورد المقري في رثاء طليطلة قصيدة من عيون الشعر لم يذكر قائلها تزيد على سبعين بيتًا ضمنها الشاعر كل أحاسيسه بالحسرة ومدها بكل ما رفدته به شاعريته، فضمن أبياتها الدعوة إلى الاستنفار والنخوة والتقريع والتركيز على وضع الكارثة في حجمها الحقيقي الكبير وإظهار المهانة التي لحقت بالمسلمين لسقوطها فقد كانت من المنعة والتحصين بحيث يستحيل سقوطها الأمر الذي اضطر العدو إلى حصارها سبع سنين طوال.
    يقول الشاعر المجهول الموهوب الحزين الذي لم يمنعه حزنه من أن يعمد في بعض الأبيات إلى محسنات بديعية من جناس وتورية و طباق لم تكن طبيعة الموضوع لتدعو إليه:
    لثكلككيفتبتسمالثغور سرورًابعدمابئستثغور
    أماوأبيمصابهُدَّمنه ثبيرالدينفاتصلالثبور
    لقدقُصِمتظهورحينقالوا: أميرالكافرينلهظهور
    ترىفيالدهرمسرورًابعيش؟ مضىعنالطيتهالسرور
    أليسبناأبيالنفسشهم يديرعلىالدوائرإذتدور
    لقدخضعترقابكنغلبًا وزالعتوهاومضىالنفور
    وهانعلىعزيزالقومذل وسامحفيالحريمفيغيور
    طليطلةأباحالكفرمنها حماها! إنذانبأكبير
    فليسمثالهاإيوانكسرى ولامنهاالخورنقوالسدير
    محصنةمحسنةبعيد تناولها،ومطلبهاعسير
    ويمضي الشاعر مستنكرًا سقوط المدينة الحصينة منعطفًا على المشاعر الدينية مظهرًا ما أصاب المدينة من تحول ديني، فبعد أن كانت دار إسلام تحولت إلى دار نصرانية، وأما مساجدها فقد صارت كنائس بين عشية وضحاها وأما أهلها فقد صاروا بلا مأوى مشردين:
    ألمتكمعقلًاللدينصعبًا فذللهكماشاءالقدير
    وأخرجأهلهامنهاجميعًا فصارواحيثشاءبهممصير
    وكانتدارإيمانوعلم معالمهاالتيطمستتنير
    فعادتداركفرمصطفاة قداضطربتبأهليهاالأمور
    مساجدهاكنائس،أيقلب علىهذايقرولايطير
    وفي صراحة صادقة مريرة يعمد الشاعر إلى التقريع والتوبيخ ذاكرًا أسباب السقوط، وأسباب سقوط أي أمة واحدة على الدوام، إن لم تكن متطابقة على التمام فهي متشابهة متقاربة، إن من أسباب سقوط طليطلة -حسبما ذكر الشاعر في قصيدته-: فساد الحكم، وانتشار الظلم والجور والمصادرات، وذيوع الفاحشة بين الناس، وتعفن المجتمع بالانحلال والإقبال على الشهوات واقتراف المعاصي، وخور الحكام وتفرقهم وجبنهم، والاستهانة بأخطار العدو، إما كبرًا وغرورًا، وإما غفلة وغباءً. إن الشاعر يعدد كل ذلك ويفصله عامدًا إلى التوبيخ هادفًا إلى التقريع غير بعيد عن النغمة الشعرية وحسن الإيقاع حتى تؤدي القصيدة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه فيقول:
    ... وكانبناوبالقيناتأولى لوانضمتعلىالكلالقبور
    لقدسخنتبحالتهنعين وكيفيصحمغلوبقرير
    لئنغبناعنالإخوانإنا بأحزانوأشجانحضور
    نذوركانللأيامفيهم بملكهمفقدوفتالنذور
    فإنقلناالعقوبةأدركتهم وجاءهممناللهالنكير
    فإنامثلهموأشدمنهم نجور،وكيفيسلممنيجور
    أنأملأنيحلبناانتقام وفيناالفسقأجمعوالفجور؟
    وأكلللحرامولااضطرار إليه؟فيسهلالأمرالعسير
    ... أصبرًابعدسبيوامتحان يلامعليهماالقلبالصبور
    فأمالصبرمذكارولود وأمالصقرمقلاتنزور
    نخورإذادهينابالرزايا وليسبمعجببقريخور
    ونجبنليسنزأر،لوشجعنا ولمنجبنلكانلنازئير
    لقدساءتبناالأخبارحتى أماتالمخبرينبهاالخبير
    أتتناالكتبفيهاكلشر وبشرنابأنحسناالبشير
    وقيلتجمعوالفراقشمل طليطلةتملكهاالكفور
    ويقع الشاعر في حيرة شديدة وهو يذكر طليطلة الجميلة الأسيرة المحتلة وحين يذكر الأهل والحقل والبستان والديار، ويرثي لحال المقيم ويبكي لمصير النازح، وتتمثل له كل معاني السحر والجمال في وطنه، وكل وطن عزيز جميل على أهله ولو كان مفازة قاتله أو صحراء قاحلة، فما بالك وهذا الوطن هو الأندلس، وتلك الديار هي طليطلة بعمرانها ومائها وخضرتها وظلالها، إن الشاعر وأهله بين أمرين أحلاهما مر، فإما بقاء مع ذل الرق وذهاب الدين، وإما تشرد وذهاب الدنيا، فليس أمامه إذن إلا البكاء:
    كفىحزنًابأنالناسقالوا إلىأينالتحولوالمسير
    أنتركدورناونفرعنها وليسلناوراءالبحردور
    ولاثمالضياعتروقحسنًا نباكرهافيعجبناالبكور
    وظلوارفوخريرماء فلاقرهناك،ولاحرور
    ويؤكلمنفواكههاطري ويشربمنجداولهانمير
    يؤديمغرمفيكلشهر ويؤخذكلصائفةعشور
    فهمأحمىلحوزتناوأولى بنا،وهمالمواليوالعشير
    لقدذهباليقينفلايقين وغرالقومباللهالغرور
    فلادينولادنياولكن غروربالمعيشةماغرور
    رضوابالرقيالله! ماذا رآهوماأشاربهمشير
    مضىالإسلامفابكدمًاعليه فماينفيالجوىالدمعالغزير
    ويفيض بالشاعر حب التعلق بمدينته الضائعة، ويحس من جانبه بالضياع فيستنهض الهمم ويستنفر المتقاعس ويبحث عن قائد زعيم شجاع غيور باسل يخوض معركة التحرير، فإما حياة للجميع وإما موت للجميع، ويسبغ على أبياته هذه صفة حربية حتى نكاد نظنها فيما لو قرأناها مستقلة أنها مقطوعة من شعر الحرب، لولا البيتين الأخيرين في القصيدة اللذين يسبغان على المرء مسحة من حزن ولمحة من يأس. يقول الشاعر الموهوب المجهول مختتمًا قصيدته في رثاء طليطلة أول مدينة إسلامية كبيرة استشهدت في الأندلس:
    ألارجللهرأيأصيل بهممانحاذرنستجير؟
    يكرإذاالسيوفتناولته وأينبناإذاولتكرور
    وطعنبالقناالخطارحتى يقولالرمح: ماهذاالخطير؟
    عظيمأنيكونالناسطرًا بأندلس: قتيلأوأسير
    أذكربالقراعالليثحرصًا علىأنيقرعالبيضالذكور
    يبادرخرقهاقبلاتساع لخطبمنهتنخسفالبدور
    يوسعللذييلقاهصدرًا فقدضاقتبماتلقىالصدور
    تنغصتالحياةفلاحياة وودعجيرةإذلامجير
    فليلفيههممستكن ويومفيهشرمستطير
    ومن مراثي المدن الأندلسية أيضًا ما كتبه الشعراء في رثاء مدينة بلنسية، وهي من أجمل المدن وأرقها وأرقاها، ومنها عدد من الشعراء المرموقين من أمثال ابن خفاجة وابن أخته ابن الزقاق البلنسي، والرصافي الرفاء البلنسي وغيرهم كثيرين.
    ولقد سقطت بلنسية في أيدي نصارى الأندلس مرتين...
    لقد رثى الشعراء بلنسية مرتين كما لو كانت إنسانًا مرموقًا مات مرتين. ويبدو أن أهل بلنسية كانوا على شيء من الإهمال والغفلة، وكانوا جاهلين بشؤون الحرب مقبلين على الملذات والأكل والشراب، ذلك أن مدينة بطرنه وهي غير بعيدة عن بلنسية كانت قد سقطت قبل ذلك بحوالي ثلاثين سنة، فكان على البلنسيين أن يعيشوا حياة استعداد وحذر ولكنهم ما برحوا يقيمون الاحتفالات متجمعين خارج مدينتهم في ثيابهم الأنيقة المترفة ومعهم أميرهم عبد العزيز بن أبي عامر يأكلون ويشربون، فكمن لهم الفرنجة وأعملوا فيهم القتل والأسر، الأمر الذي جعل أحد الشعراء يصف هذه الحادثة الأسيفة مشيرًا إلى احتلال بطرنة وسقوطها قبل زمن قصير قائلًا:
    لبسواالحديدإلىالوغىولبستم حللالحريرعليكمألوانا
    ماكانأقبحهموأحسنكمبها لولميكنببطرنةماكانا
    وحين تم للفرنجة إخضاعها والاستيلاء عليها سنة 488 هـ وقتلوا أهلها وأحرقوا دورها وعاثوا فيها الفساد، وشوهوا نضرتها، بكاها شاعرها وابنها ابن خفاجة قائلًا:
    عاثتبساحتكالظبايادار ومحامحاسنكالبلىوالنار
    فإذاترددفيجنابكناظر طالاعتبارفيكواستعبار
    أرضتقاذفتالخطوببأهلها وتمخضتبخرابهاالأقدار
    كتبتيدالحدثانفيعرصاتها لاأنتأنتولاالديارديار
    إن ابن خفاجة الرقيق المترف حسًا، الأنيق شعرًا، سيد من وصف جمال الطبيعة في الأندلس حتى لقب بالجنان، لم يطق أن يرى جنته بلنسية تخرب وتنقلب إلى جحيم وخراب فكانت هذه النفثة الساحرة التي تعطي عبرة وتذرف عبرة.
    ثم كانت الهجمة الثانية للفرنجة على بلنسية، وكانت هجماتهم ضاربة وحشية، يعملون الحرق والقتل والسبي، بدون تفريق بين شيخ كبير أو ولد صغير أو طفل رضيع أو امرأة عزلاء، مما يذكرنا بما يصنعه اليهود الذين يحتلون أرض فلسطين في أيامنا هذه في اعتداءاتهم الغادرة على العرب، سواء منهم من كانوا داخل فلسطين أو حولها من البلاد العربية.
    والحق أنه منذ معركة العقاب سنة 609هـ التي سبقت الإشارة إليها، وأمر الأندلس بات سائرًا على درب الفناء، فإن المسلمين لم يهزموا في الأندلس على مدى عيشهم فيها بمثل هذه الهزيمة، فقد قدر المؤرخون قتلى المسلمين بعدد تراوح بين مائة ألف عند البعض ومائة وخمسين ألفًا عند البعض الآخر، فكانت نذير شؤم وزوال فزلزلت أفكار الناس وبلبلت أحوالهم وأدخلت اليأس إلى قلوبهم كما عبر عنها أبو إسحاق بن إبراهيم الدباغ في أبياته القليلة المفزعة:
    وقائلةأراكتطيلفكرًا كأنكقدوقفتلدىالحساب
    فقلتلهاأفكرفيعقاب غدًاسببًالمعركةالعقاب
    فمافيأرضأندلسمقيم وقددخلالبلامنكلباب
    كان على المسلمين الأندلسيين والأمر كذلك أن يستنجدوا بالمسلمين من ملوك إفريقية، وكانوا على حال من القوة والمنعة، فكان أن استصرخ زيان ابن مردنيش أمير بلنسية بأبي زكريا عبد الواحد بن حفص صاحب إفريقية، وأرسل إليه الكاتب البارع والشاعر المبدع والعالم المثقف المؤرخ أبا عبد الله بن الأبار القضاعي البلنسي المتوفى سنة 658هـ الذي أنشد بين يديه القصيدة السينية المشهورة:
    أدركبخيلكخيلاللهأندلسًا إنالسبيلإلىمنجاتهادرسا
    وكأنما كان ابن الأبار يكتب التاريخ آنذاك فإن المدينة سقطت قبل أن يدركها أي من جيوش المسلمين.
    إن ابن الأبار يقصد إلى هدفه في قصيدته العصماء الفريدة قصدًا مباشرًا دون مقدمات ودون استهلال بالمديح الذي جعله خاتم القصيدة بل الثلثين الأخيرين من القصيدة، إنه يستصرخ الأمير الأفريقي ويستنجد به بصوت مرتفع مسموع، وإيقاع نحس بصدوره من قلبه رغم الصنعة البديعية الوافرة الفاشية في القصيدة، إنه يبدي الحزن ويظهر الأسى على ما حل بالمدينة الجميلة وما حولها، ويثير حميته الملكية وعاطفته الدينية فقد انقلبت المساجد إلى كنائس،، وانهدمت مدارس القرآن فصارت خرائب، وذوت حضارة المدينة وخبا نورها، يقول ابن الأبار:
    أدركبخيلكخيلاللهأندلسًا إنالسبيلإلىمنجاتهادرسا
    وهبلهامنعزيزالنصرماالتمست فلميزلمنكعزالنصرملتمسا
    وحاشمماتعانيهحشاشتها فطالماذاقتالبلوىصباحمسا
    ياللجزيرةأضحىأهلهاجزرًا للحادثاتوأمسىجدهاتعسا
    فيكلشارفةإلمامبائقة يعودمأتمهاعندالعداعرسا
    وكلغاربةإجحافنائبة تثنيالأمانحذارًاوالسرورأسى
    تقاسمالروملانالتمقاسمهم إلاعقائلهاالمحجوبةالأنسا
    وفيبلنسةمنهاوقرطبة ماينسفالنفسأوماينزفالنفسا
    مدائنحلهاالإشراكمبتسمًا جذلانوارتحلالإيمانمبتئسا
    وصيرتهاالعواديالعابثاتبها يستوحشالطرفمنهاضعفماأنسا
    فمندساكركانتدونهاحرسا ومنكنائسكانتقبلهاكنسا
    ياللمساجدعادتللعدابيعا وللنداءغداأثناءهاجرسا
    لهفيعليهاإلىاسترجاعفائتها مدارسًاللمثانيأصبحتدرسا
    وأربعًانمنمتأيديالربيعلها ماشئتمنخلعموشيةوكسا
    كانتحدائقللأحداقمونقة فصوّحالنضرمنأدواحهاوعسا
    وحالماحولهامنمنظرعجب يستجلسالركبأويستركبالجلسا
    سرعانماعادتجيشالكفرواحربا عيثالدَّبىفيمغانيهاالتيكبسا
    وابتزبزتهامماتحيفها تحيفالأسدالضاريلماافترسا
    ويمضي الشاعر في استصراخه الأمير مبديًا الحسرة على ما انهدم من محاسن المدينة فهز الجبال ونكس الأعلام في غيبة المدافعين البواسل من حملة راية التوحيد لمجابهة ذلك المنفرد في الميدان الداعي إلى التثليث، يقول ابن الأبار ماضيًا في إنشاده:
    فأينعيشجنيناهبهاخضرًا وأينعصرجليناهبهاسلسا
    محامحاسنهاطاغٍأتيحلها مانامعنهضمهاحينًاولانعسا
    ورجأرجاءهالماأحاطبها فغادرالشممنأعلامهاخنسا
    خلالهالجوفامتدتيداهإلى إدراكمالمتطأرجلاهمختلسا
    وأكثرالزعمبالتثليثمنفردًا ولورأىرايةالتوحيدمانبسا
    ويستعين ابن الأبار ببيانه في مدح الأمير الإفريقي وإلقاء صيغ التوسل بين يديه مورطًا إياه بما خلعه عليه من ألقاب الإمامة وصفات البسالة وسمات البطولة، ويمضي في ذلك طويلًا في أبيات تزيد على الأربعين نجتزئ منها هذه الأبيات:
    صلحبلهاأيهاالمولىالرحيمفما أبقىالمراسلهاحبلًاولامرسا
    وأحيماطمستمنهاالعداةكما أحييتمندعوةالمهديماطمسا
    أيامصرتلنصرالحقمستبقًا وبتمننورذاكالهدىمقتبسا
    وقمتفيهابأمراللهمنتصرًا كالصارماهتزأوكالعارضانبجسا
    تمحوالذيكشفالتجسيممنظلم والصبحماحيةأنوارهالغلسا
    وتقتضيالملكالجبارمهجته يومالوغىجهرةلاترقبالخلسا
    هذيرسائلهاتدعوكمنكثب وأنتأفضلمرجولمنيئسا
    وَاَفتكجاريةبالنُّجحراجية منكالأميروالسيدالندسا
    والحق أن بلنسية بما لحقها من محن وما حل بها من ضياع قد نالت الكثير من اهتمام الشعراء والحزن عليها والبكاء على نضرتها والتحمس لرثائها كما يكثر الشعراء من رثاء عظيم قوم طواه الموت، إن صاحب "نفح الطيب" يورد قصيدة أخرى في رثاء بلنسية بلغت من الطول تسعين بيتًا، موجهة إلى نفس الأمير الإفريقي أبي زكريا بن حفص دون أن يذكر اسم الشاعر، وعلى الرغم من رقة القصيدة وسمات الحزن التي ترافق أبياتها ومشاعر التحسر التي توشيها من أولها إلى آخرها فإن معانيها لا تخرج عن معاني سينية ابن الأبار، يقول ذلك الشاعر المجهول في بعض أبيات قصيدته:
    إيهبلنسيةوفيذكراكما يمريالشؤوندماءهالاماءها
    كيفالسبيلإلىاحتلالمعاهد شبالأعاجمدونهاهيجاءها
    وإلىربىوأباطحلمتعرمن حللالربيعمصيفهاوشتاءها
    طابالمعرسوالمقيلخلالها وتطلعتغررالمنىأثناءها
    بأبيمدارسكالطلولدوارس نسختنواقيسالصليبنداءها
    ومصانعكسفالضلالصباحها فيخالهالرائيإليهمساءها
    ناحتبهاالورقاءتسمعشدوها وغدتترجعنوحهاوبكاءها
    عجبًالأهلالنار! حلواجنة منهاتمدعليهمأفياءها
    أملتلهمفتعجلواماأملوا أيامهم،لاسوغواإملاءها
    بعدًالنفسأبصرتإسلامها فتوكفتعنحزبهاإسلاءها
    أماالعلوجفقدأحالواحالها فمنالمطيقعلاجهاوشفاءها
    أهدىإليهابالمكارهجارح للكفركرهماءهاوهواءها
    وكفىأسىأنالفواجعجمة فمتىيقاومأسوهاأسواءها
    ولعل بلنسية قد استحوزت على النصيب الأولى من استنفار الشعر للمسلمين بصددها والدفاع عنها والبكاء عليها، فإن عديدًا من شعراء الأندلس قالوا في رثائها درر القصائد وغرر الأشعار.
    ومن المدن التي كافحت غزو النصارى ببسالة وضراوة وعزم وإيمان وتصميم، إشبيلية العتيدة قلعة المعتضد بن عباد وعرين ابنه المعتمد. لقد جمع "فرناندو" قوات هائلة جندها من كل أطراف إسبانيا النصرانية، ووسم المعركة بميسم صليبي صريح حين جمع الأمراء والمطارنة والقساوسة وبثهم بين جيشه البري، ثم جلب أسطولًا بحريًّا عسكر به في نهر الوادي الكبير ليشدد النكير على المدينة المتأبية على السقوط، وكان من المخجل حقًّا أن يشترك أمير مسلم هو ابن الأحمر في مساعدة النصارى بالمدد والعدد انتقامًا من أهل إشبيلية لرفضهم الخضوع لطاعته. ولم يكن ابن الأحمر الوحيد من بين أمراء المسلمين الذين ساعدوا ملوك الحروب الصليبية الأندلسية، وإنما وجد بين الحكام المسلمين عدد من الخونة كانوا على شاكلة ابن الأحمر، كانوا يفعلون ذلك انتقامًا من خضوعهم بغض النظر عن أخواتهم جميعًا في العروبة والدين.
    لقد استعصت المدينة على جموع الجيوش والأساطيل الإسبانية النصرانية وامتنعت عليهم رغم خيانة ابن الأحمر، ومن صفحات الشرف الخالدة لهذه المدينة: أن الذين دافعوا عنها هم أهلها من أبناء الشعب دون قيادة ملك أو أمير، وظلت تقاوم في ضراوة مدة ثمانية عشر شهرًا رغم الحصار الرهيب، فلما نفد الزاد والطعام والسلاح، لم تجد المدينة بُدًّا من الاستسلام في جمادى الأولى سنة 645هـ مقابل حقن دماء أهليها وحفظ أموالهم، وأن يمهلوا شهرًا لتسوية أمورهم وإخلاء دورهم.
    خلال تلك المقاومة الباسلة كتب شاعر إشبيلية إبراهيم بن سهل الإشبيلي قصيدة رائية يستنهض همم المسلمين في إفريقية، ويستصرخ نخوتهم في أسلوب قوي فحل رصين لم نألفه لديه من قبل، لقد ألفنا عنده رقة الغزل وسحر الأسلوب وفتنة التوشيح وبهرجة الصنعة، ولكنه هنا يرتفع إلى مقام القول المجاهد والشعر المحارب والدعوة إلى القتال ابتغاء النصر أو بلوغ الشهادة مستغلًا إيقاظ العاطفة الدينية وتنبيه النخوة الإسلامية:
    وردًا! فمضموننجاحالمصدر هيعزةالدنياوفوزالمحشر
    نادىالجهادبكمبنصرمضمر يبدولكمبينالقناوالضمر
    خلواالديارلدارعزواركبوا عبرالعجاجإلىالنعيمالأخضر
    وتسوغواكدرالمناهلفيالسرى ترووابماءالحوضغيرمكدر
    يامعشرالعربالذينتوارثوا شيمالحميةكابرًاعنأكبر
    إنالإلهقداشترىأرواحكم بيعواويهنئكموفاءالمشتري
    أنتمأحقبنصرديننبيكم ولكمتمهدفيقديمالأعصر
    أنتمبنيتمركنهفلتدعموا ذاكالبناءبكللدنأسمر
    إن امتناع إشبيلية على الغزاة فترة طويلة جعلت "فرناندو الثالث" الذي حشد الحشود للاستيلاء عليها يرتب موكبًا فخمًا لدخولها، وكان أول عمل أقدم عليه هو تحويل مسجدها الجامع إلى كنيسة وإزالة كل معالم الإسلام فيها، وكان سقوط المدينة التليدة نذيرًا بسقوط مدن أخرى كبيرة وزوال حصون إسلامية حصينة، "شريش وشذونة وقادس وشلوقة وروضة وأركش وشنتمريه".
    إن هذا الاكتساح الرهيب والهدم والحرق والتخريب، والقتل والسبي والانتقام جعل الشعراء يبعثون بالعديد من قصائد الاسترحام وطلب النجدة من مسلمي إفريقية حتى إن أبا الحكم بن المرحل كتب قصيدة ميمية بعث بها إلى المغرب فقرئت على منبر جامع القرويين في فاس في يوم جمعة من سنة 662هـ فلما سمعها الناس انهمرت دموعهم وعلا نشيجهم وانفجر بكاؤهم، وكان لمثل هذا الشعر نتائجه في تحريك النفوس نحو الجهاد، ولكن يبدو أن الفساد في الأندلس كان من العمق بحيث لم يكن للنجدة جدوى أو أثر ملحوظ. أما قصيدة ابن المرحل سالف الذكر فيقول في بعض أبياتها:
    استنصرالدينبكمفاستقدموا فإنكمإنتسلموهيسلم
    لاذتبكمأندلسناشرة برحمالدينونعمالرحم
    فاسترحمتكمفارحموهاإنه لايرحمالرحمنمنلايرحم
    ماهيإلاقطعةمنأرضكم وأهلهامنكموأنتممنهم
    3- الشعر يرثي الإمارات الغاربة:
    إذا كان الشعر قد رثى المدن وبكاها وهي تسقط في ربوع الأندلس العريضة الواحدة بعد الأخرى، فإن هذه المدن كانت تنتمي إلى ممالك وإمارات غير أن أكثر هذه الإمارات لم تسقط تحت وطأة جيوش الفرنجة، وإنما سقطت تحت وطأة جيوش مسلمة، وافدة من إفريقية حينًا، ومنطلقة من بقاع الأندلس نفسها حينًا آخر، والإمارات الغاربة والملوك الآفلون من الكثرة بمكان، فإن ملك بني أمية الكبير قد ذهب، وإن ملوك الطوائف على ما في الكثير منهم من فضل وأدب وعلم وفروسية قد دالت دولهم، وإن المرابطين قد هلكوا، والموحدين قد سقطوا، وهكذا رافق التاريخ في الأندلس سقوط الدول واحدة بعد واحدة، وأحيانًا مجموعة بعد مجموعة، يسقط العديد من الإمارات في جيل واحد بل في سنة واحدة أحيانًا.
    وإذا كان من غير الميسور أن نقدم الشعر باكيًا في جنازات هذه الإمارات أو الدول جميعًا، فقد فضلنا أن نقدم دولتين غاربتين شارك الشعر في مأتميهما وقدم العزاء والدموع في رثاء كل منهما، إنهما دولتا بني عباد في إشبيلية، وبني المظفر في بطليوس وماردة.
    إن الدولة العبادية دولة فروسية ونخوة وشجاعة وحرب وشعر وأدب، والدولة الثانية من نفس الطراز: فروسية ونخوة وأدب وشعر، وتزيد على بني عباد في العلم والتأليف يسهر عليه الملك وتتعب عليه الرعية، ومن المؤسف أن هاتين الدولتين اللتين كانتا ترصعان جبين الأندلس بتاج من الغار في السلم والحرب قد لقيتا مصرعهما على يد ملك المرابطين يوسف بن تاشفين الإفريقي الذي قابل الإحسان وكرم الوفادة وحسن الضيافة بالغدر والطمع والحسد والقتل.
    قامت دولة بني عباد كما هو معروف في إشبيلة سنة 426هـ ورسخت أركانها واشتد بنيانها وامتد سلطانها في عهد عباد بن محمد بن عباد المعروف بالمعتضد واستولى على غرب الأندلس، وكان سياسيًا محنكًا ومحاربًا جبارًا، ثم خلفه ابنه الملك الشاعر الفارس، بل ملك شعراء الأندلس وشاعر ملوكها محمد المكنى بأبي القاسم الملقب بالمعتمد على الله، وقد امتد ملكه حتى شمل قرطبة وجزءًا كبيرًا من الأندلس وهو بطل موقعة الزلاقة المشهورة، وكان حوله من الشعراء نوابغ شعراء الأندلس مثل: ابن زيدون، وابن حمديس، وابن عبد الصمد، وابن اللبانة، وابن عمار الذي اتخذه أخًا ووزيرًا ثم قتله، وغيرهم حتى إنه لم يجتمع بباب ملك من ملوك الأندلس من الشعراء ما اجتمع بباب المعتمد، وانتهت دولة بني عباد على يد ابن تاشفين حسبما ذكرنا قبل قليل، وحُمل أسيرًا إلى أغمات في المغرب سنة 484 ثم مات في سجنه سنة 488هـ وبموته انقضت دولة جديرة بالبكاء عليها حرية بالرثاء.
    لقد كان المعتمد أول من رثى نفسه، وهو لم يصنع هذا الرثاء على طريقة من يئسوا من حياتهم لمرض عضال أو أمل ضائع مثلما صنع ابن شهيد وغيره، وإنما كان يرثي ملكه ويبكي دولته حين أمر أن يكتب على قبره وقد أحس باقتراب منيته في الأسر هذه الأبيات:
    قبرالغريبسقاكالرائحالغادي حقًاظفرتبأشلاءابنعباد
    بالطاعنالضاربالراميإذااقتتلوا بالخصبإنأجدبوابالريللصادي؟
    نعم! هوالحقوافانيبهقدر منالسماءووافانيلميعادي
    ولمأكنقبلذاكالنعشأعلمه أنالجبالتهادىفوقأطواد
    فلاتزلصلواتاللهدائمة علىدفينكلاتحصىببتعداد
    لقد نشط الشعر أسيفًا في رثاء المعتمد، أعني في رثاء مملكة ابن عباد، بل إن كتبًا ألفت في رثائهم، فإن الشاعر أبا بكر الداني المشهور بابن اللبانة قد ألف فيهم كتابين، أحدهما "السلوك في وعظ الملوك" ضمنه ما قيل فيهم من شعر في رثائهم والبكاء على مملكتهم، والكتاب الثاني "الاعتماد في أخبار بني عباد" وهو كتاب يهتم بتاريخهم وأخبارهم. هذا فضلًا عن مراثيه الكثيرة فيهم وفي المعتمد بصفة خاصة، فمن القصائد الجيدة في رثاء المعتمد قول ابن اللبانة جامعًا بين المعنى الرصين الحزين والصنعة اللفظية البديعية:
    لكلشيءمنالأشياءميقات وللمنىمنمناياهنغايات
    والدهرفيصبغةالحرباءمنغمس ألوانحالاتهفيهااستحالات
    ونحنمنلعبالشطرنجفييده وربماقمرتبالبيدقالشاة
    فانفضيديكمنالدنياوساكنها فالأرضقدأقفرتوالناسقدماتوا
    وقللعالمهاالأرضيقدكتمت سريرةالعالمالعلويأغمات
    طوتمظلتها،لابلمذلتها منلمتزلفوقهللعزرايات
    منكانبينالندىوالبأسأنصله هنديةوعطاياههنيدات
    أنكرتإلاالتواءللقيودبه وكيفتنكرفيالروضاتحيات
    وقلت: هنذؤاباتفَلِمعكست منرأسهنحورجليهالذؤابات؟
    رأوهليثًافخافوامنهعادية عذرتهم،فلعدوىالليثعادات
    ومن مراثي ابن اللبانة أبي بكر الداني هذا في دولة بني عباد والمعتمد قصيدة دالية جيدة يستهلها بهذه الأبيات:
    تبكيالسماءبدمعرائحغادي علىالبهاليلمنأبناءعباد
    علىالجبالالتيهدتقواعدها وكانتالأرضمنهمذاتأوتاد
    والرابياتعليهااليانعاتذوت أنوارهافغدتفيخفضأوهاد
    عريسةدخلتهاالنائباتعلى أساورلهمفيهاوآساد
    وكعبةكانتالآمالتعمرها فاليوملاعاكففيهاولاباد
    وفيها يقول وقد لون معانيه بصبغة داكنة من الحزن والأسى مصورًا حزن الناس حين رأوا بني عباد مأسورين في الطريق إلى المنفى:
    نسيتإلاغداةالنهركونهم فيالمنشآتكأمواتبألحاد
    والناسقدملأواالعبرينواعتبروا منلؤلؤطافياتفوقأزباد
    حطالقناعفلمتسترمخدرة ومزقتأوجهتمزيقأبراد
    تفرقواجيرةمنبعدمانشئوا أهلًابأهلوأولادبأولاد
    حانالوداعفضجتكلصارخة وصارخمنمفداةومنفادي
    سارتسفائنهموالنوحيتبعها كأنهاإبليحدوبهاالحادي
    كمسالفيالماءمندمع،وكمحملت تلكالقطائعمنقطعاتأكباد
    منليبكميابنيماءالسماءإذا ماءالسماءأبىسقياحشاالصادي
    وللشاعر الداني شعر كثير في رثاء بني عباد، ولم يكن رثاؤه لهم بعد موت المعتمد فقط حسبما هو واضح من أبياته السالفة الذكر، وإنما رثى الدولة والمعتمد على قيد الحياة بعيدًا عن الملك مقيدًا في سلاسل الأسر في أغمات المغرب، لقد كان ابن اللبانة من الوفاء بحيث عبر البحر إلى المغرب وقصد أغمات سنة 486هـ أي قبل وفاة المعتمد بعامين، وأنشد قصيدة ميمية من أجود ما قيل في رثاء هؤلاء الملوك اللخميين مطلعها:
    تنشقبريحانالسلامفإنما أفضبهمسكًاعليكمختمًا
    وقلليمجازًاإنعدمتحقيقة لعلكفينعمىفقدكنتمنعمًّا
    ومنها:
    بكىآلعبادولاكمحمد وأولادهصوبالغمامإذاهمَى
    حبيبإلىقلبيحبيبلقوله عسىطلليدنوبهمولعلما
    صباحهمكنابهنحمدالسرى فلماعدمناهمسريناعلىعمى
    وكنارعيناالعزحولحماهم فقدأجدبالمرعيوقدأقفرالحمى
    والقصيدة تسير على هذا النهج المفعم المترع بمعاني الوفاء.
    ومن الشعراء الأوفياء لبني عباد الذين أجادوا رثاءهم ابن عبد الصمد شاعر المعتمد الذي سعى إلى قبره في أول عيد مر على وفاته، وكان جمع من الناس سعوا لزيارة القبر. وقف ابن عبد الصمد على القبر وأنشد قصيدة دالية من عيون الشعر استهلها قائلًا:
    ملكالملوكأسامعفأنادي أمقدعدتكعنالسماععواد
    لماخلتمنكالقصورفلمتكن فيهاكماقدكنتفيالأعياد
    أقبلتفيهذاالثرىلكخاضعًا وتخذتقبركموضعالإنشاد
    وهنا خر الشاعر على الأرض يبكي ويعفر وجهه في تراب القبر، فبكى الناس من حوله حتى اخضلت ملابسهم وارتفع نشيجهم وعويلهم.
    ومضى ابن عبد الصمد بعد أن استعاد أنفاسه في إنشاد قصيدته الطويلة الجيدة الحزينة التي تزيد كثيرًا على مائة بيت، وكل بيت عين من عيون الشعر. يقول في بعضها مشيرًا إلى سعة ملكه:
    عهديبملككوهوطلقضاحك متهللالصفحاتللقصاد
    أيامتخفقحولكالراياتفو قكتائبالرؤساءوالأجناد
    والأمرأمركوالزمانمبشر بممالكقدأذعنتوبلاد
    والخيلتمرحوالفوارستنحني بينالصوارموالقناالمياد
    إذتحسبالهيجاءروضًايانعًا وترىالأزاهرمنضياءصعاد
    وتخالعنبرهادخانالنَّدِّقد فغمالأنوفوعامفوقالنادي
    وكأنبيضالمرهفاتعلىالطلى ورقالحمامعلىالغصونشواد
    ومنها قوله في شجاعة المعتمد وسماحته وثقافته:
    منيفتحالأمصاربعدمحمد منيعقدالراياتللقواد
    منيطعنالنجلاءفيالمراقأو منيضربالأخدودفيالمراد
    منيتركالأسطارفيالأوراقمثـ ـلالحلىفياللباتوالأجياد
    منيفهمالمعنىالخفيومنله صدقالحديثوصحةالإيراد
    منيبدلالآلافللزواروالـ مداحالقصادوالرواد
    وكانت زوجة المعتمد قد ماتت قبله، فلما مات دفن معها في قبر واحد، الأمر الذي يوحي إلى الشاعر أن يوجه إليها في قبرها هذا القول الأسيف الحزين:
    أمالملوكأماعلمتبزائر لكذيوفاءمخلصووداد
    أبكىالعلاوالمجدفقدكماالذي لبستلهالدنياثيابحداد
    لهفيعلىتلكالسجاياإنها زهرالربىموشيةالأبراد
    والحق أن القصيدة جديرة بكل احتفاء وخليقة بالقراءة والاستقراء ولعلها من القصائد القلائل التي لم يؤثر طولها في قيمتها الفنية ولم يتعرض الشاعر فيها لعثرات القول التي يتعرض لها في أحيان كثيرة أصحاب المطولات من القصائد.
    هذا ما كان من أمر رثاء بني عباد، ولعلنا لاحظنا أن رثاء الدولة كان دون رثاء شخص المعتمد، وليس ذلك بغريب؛ فلقد كان المعتمد ملكًا شاعرًا، وكان هو نفسه عصب الدولة وعنوان مجدها، وكان سخيًّا كريمًا مع الشعراء وغير الشعراء، وكان صاحب شمائل وأمجاد، فلا غرو أن يكون حجر الزاوية في رثاء الشعر لدولته ولبني قومه. وربما كانت هناك حقيقة أخرى ضاعفت من حزن الناس بعامة والشعراء بخاصة على بني عباد، فقد رأى الناس أبناء الملك العظيم وقد تحولوا إلى حرفيين يكتسبون قوت يومهم بعرق جبينهم، بل إن بعض بناته قد رآهن الناس يلبسن الأسمال البالية ويمشين حافيات الأقدام لأنهن لا يملكن ثمن ما تحتذي أقدامهن.
    أما الدولة الثانية التي اخترناها في مجال رثاء الدولة الغاربة فهي حسبما أشرنا في سالف الحديث دولة بني المظفر التي أنشأها محمد بن المنصور بن الأفطس التجيبي في بطليوس وماردة ويابرة وسنترين وإشبونة وما حولها، أي أنه كان ملكًا على البرتغال الحالية وجزء غير صغير من إسبانيا، وكان يلقب بالمظفر، وكان فارسًا أديبًا عالمًا مؤرخًا، وهو معاصر للمعتمد، وكانا على خلاف بعض الوقت، وإذا كان المعتمد كبير الملوك الشعراء، فقد كان المظفر كبير الملوك الأدباء، فعلى الرغم من اهتمامه بشئون الحرب والملك ألف كتابًا على نمط عيون الأخبار لابن قتيبة وأسماه "المظفري" أو "التذكر المظفري" وجعله في خمسين جزءًا، كما كتب تفسيرًا للقرآن الكريم. ولما مات المظفر سنة 460هـ تولى الملك من بعده ابنه المنصور يحيى ولم يكن ذا شأن كبير مثل أبيه، فلما توفي المنصور سنة 473 تولى الملك بعد أخاه عمر الذي تلقب بالمتوكل وكان أديبًا شاعرًا فارسًا سياسيًا محنكًا. وقد مارس الفروسية والشعر منذ فجر شبابه، ومن شعره العذب ما قاله حين بلغه أنه ذكر في مجلس أخيه المنصور -وكان ملكًا بعد أبيه- بسوء، لقد كتب إلى أخيه آنذاك:
    فمابالهملاأنعماللهبالهم ينيطونبيذمًاوقدعلموافضلي
    يسيئونبيالقولجهلًاوضلة وإنيلأرجوأنيسوءهمفعلي
    لئنكانحقًّاماأذاعوافلامشت إلىغايةالعلياءمنبعدهارجلي
    ولمألقأضيافيبوجهطلاقة ولمأمنحالعافينفيزمنالمحل
    إنها روح أدب ونفس شاعر أصيل. وبقية القصيدة أحلى من مستهلها إن الذي يدعو إلى الأسى أن المتوكل هذا وابنيه الفضل والعباس -وكانا فارسين عظيمين- قد قتلوا تحت سابك خيل ابن تاشفين سنة 489هـ أي بعد عزل المعتمد بخمس سنوات وبعد وفاته بسنة واحدة، وقد حزن الناس عليهم لفضلهم، وفيهم وفي دولتهم أنشأ الوزير أبو محمد بن عبدون قصيدته الرائية التي تعتبر من أشهر قصائد الشعر الأندلسي وبخاصة في رثاء الدول، ومطلعها:
    الدهريفجعبعدالعينبالأثر فماالبكاءعلىالأشباحوالصور
    إن الشاعر الوزير المثقف الحكيم ابن عبدون يسلك نهجًا جديدًا في بناء قصيدته من حيث استيحاء تجاريب الحياة، واستقراء أحداث التاريخ والاستفادة من دروسه وأخذ الحكمة من غيره. ولكن ابن عبدون لا ينسى صيغ التفجع يتبع الواحدة منها الأخرى، وأنات التوجع يوردها متتالية متوالية، متهمًا الدهر بالختل، والليالي بالخديعة، والدنيا بالغرور والناس بالشرور: أبيضهم كالسيف في الإقبال على إراقة الدم وأسمرهم كالرمح في إزهاق النفوس.
    فالدهرحربوإنأبدىمسالمة والبيضوالسمرمثلالبيضوالسمر
    وقد تعودنا فيما سبق من شواهد وقصائد أن نتقبل الصنعة البديعية في أكثر ما قيل من شعر في هذا الموضوع الذي لا تتقبل طبيعته الصنعة البديعة في يسر أو ترحيب، ومع ذلك فهو البيت على حكمته مشحون بأكثر من لون من ألوان البديع. المهم أن الشاعر يستخدم معاني الحكمة والحذر من الدهر والليالي والناس، وينبه إلى غدرهما وبعدهما عن الوفاء ووضع الأحداث التاريخية الهامة في زوايا النسيان، فلنقرأ بعضًا من أبيات القصيدة ولنستعرضها في ضوء هذه المقاييس:
    الدهريفجعبعدالعينبالأثر فماالبكاءعلىالأشباحوالصور
    أنهاكأنهاكلاآلوكموعظة عننومةبيننابالليثوالظفر
    فالدهرحربوإنأبدىمسالمة والبيضوالسمرمثلالبيضوالسمر
    ولاهوادةبينالرأستأخذه يدالضرابوبينالصارمالذكر
    فلاتغرنكمندنياكنومتها فماصناعةعينيهاسوىالسهر
    مالليالي -أقالاللهعثرتنا- مناللياليوخانتهايدالغير
    فيكلحينلهافيكلجارحة مناجراحوإنزاغتعنالنظر
    تسربالشيءلكنكيتغربه كالأيمثارإلىالجانيمنالزهر
    كمدولةوليتبالنصرخدمتها لمتُبقِمنها -وسلذكراك- منخبر
    هوت: "دارا" وفلتغربقاتله وكانعضبًاعلىالأملاكذاأثر
    واسترجعتمنبنيساسانماوهبت ولمتدعلبنييونانمنأثر
    وألحقتأختهاطسمًا،وعادعلى عاد،وجرهممنهاناقصالمرر
    ويمضي ابن عبدون في مرثيته النفسية الحكيمة آخذًا العبر من التاريخ الذي يستعرض أحداثه الجسام التي أودت بدول كان نجمها ملتمعًا في ذرا المجد مثل الأكاسرة وبني ساسان واليونان، ويستقرئ صفحاته التي قضت على قبائل عظيمة من بائدة وعاربة مثل: طسم وعاد وجرهم وسبأ ومثل يمن ومضر، وعبس وذبيان، ويذكر من أعلام فرسان الجاهلية كليبًا ومهلهلًا، ويضرب المثل بالشهداء والقتلى من الصحابة والخلفاء الراشدين والأئمة المطهرين:
    يذكر استشهاد جعفر وحمزة عمي الرسول عليه الصلاة والسلام، ومقتل الراشدين عمر وعثمان وعلي، ومصرع الزبير واستشهاد الإمام الحسين.
    يسوق ابن عبدون كل هذه العبر في وقار الحكيم وأمانة المؤرخ ورشاقة الشاعر ولمسة الفنان، إنه يقدم لونًا من غدر الأيام في نطاق الأمثال التي يسوقها قائلًا:
    وخضبتشيبعثماندمًاوخطت إلىالزبيرولمتستحيمنعمر
    وأجزرتسيفأشقاهاأباحسن وأمكنتمنحسينراحتيشمر
    وليتهاإذفدتعمرًابخارجة فدتعليًّابمنشاءتمنالبشر
    ويستمر ابن عبدون ينسج على هذا المنوال، منوال غدر الدهر وخيانة الأيام ضاربًا المزيد من الأمثال متعرضًا لقضية اتهام معاوية بدس السم للإمام الحسن، وعبيد الله بن زياد والحسين، والأخوين مصعب وعبد الله ابني الزبير حيث قتل الأول على فرط شجاعته وحسن بلائه ولم تشفع للثاني عياذته بالكعبة واحتماؤه بالبيت العتيق، ويمضي ذاكرًا قتل الوليد بن يزيد من ملوك بني أمية وشعرائها وخلفائها، وسيوف السفاح تسفح بني أمية، ونكبة البرامكة على يد الرشيد رغم فضلهم عليه، وسوء مصائر بعض ملوك بني العباس من أمثال المقتدر والمستعين والمعتز.
    إن الشاعر يسوق خمسة وثلاثين بيتًا مصدرها أحداث التاريخ ومادتها الحكمة، وهدفها العبرة لكي ينتهي من ذلك كله إلى غدر الدنيا ببني المظفر، وهو إذ يصل إلى هذه المرحلة من مرثيته يعمد إلى طرح القضية الأبدية التي تتمثل في أن الحياة الدنيا مراحل والإنسان فيها ومنها على سفر، ثم لا يكاد يصمد الشاعر قليلًا أمام هذا المعنى الجليل؛ لأنه يسارع إلى إبداء اللوعة والارتماء في خضم الحسرة على بني المظفر دهاة الحكم والسياسة، وقمة الفصاحة والسماحة، وسادة الفرسان ورؤوس الحرب والفتح والطعان. إن الشاعر يخلع على القوم جليل الصفات التي تتساوق مع جليل الرزء وجسامة المصاب، ويخاطبهم على هذا النسق الجليل من فن القول:
    ... بنيالمظفروالأياممابرحت مراحلًاوالورىمنهاعلىسفر
    سحقًاليومكميومًا،ولاحملت بمثلهليلةفيغابرالعمر
    منللأسرةأومنللأعنةأو منللأسنةيهديهاإلىالثغر
    منللظُّبىوعواليالخطقدعقدت أطرافألسنهابالعيوالحصر
    وطوقتبالمناياالسودبيضهم فاعجبلذاكومامنهاسوىذكر
    منلليراعةأومنللبراعةأو منللسماحةأوللنفعوالضرر
    أودفعكارثةأوردعآزفة أوقمعحادثةتعياعلىالقدر
    وفي المرحلة الأخيرة من قصيدته يبكي ابن عبدون الدولة المظفرية ممثلة في الملك عمر الملقب بالمتوكل الأديب الفارس الشاعر وفي ولديه الفضل والعباس وكانوا قد استشهدوا دفاعًا عن ملكهم أمام جحافل المرابطين، ويشيد بالمعاني الجليلة التي كانت كامنة فيهم والقيم العليا التي كانوا يستمسكون بها من مهابة ووفاء، وجلال وإباء، ويفتقد الشاعر مواقف الاستقرار في الحكم، فقد كانوا موازين للاستقرار وصمامات للأمان، فذهب الاستقرار وغاب الأمان يقول الشاعر في هذا القسم من مرثيته:
    ويحالسماحوويحالبأسلوسلما وحسرةالدينوالدنياعلىعمر
    سقتثرىالفضلوالعباسهامية تعزىإليهمسماحًالاإلىالمطر
    ثلاثةمارأىالسعدانمثلهم واخبرولوعززوابالشمسوالقمر
    ثلاثةماارتقىالنسرانحيثرقوا وكلماطارمننسرولميطر
    ثلاثةكذواتالدهرمنذنأوا عنيمضىالدهرلميربعولميحر
    ومرمنكلشيءفيهأطيبه حتىالتمتعبالآصالوالبكر
    أينالجلالالذيغضتمهابته قلوبناوعيونالأنجمالزهر
    أينالإباءالذيأرسواقواعده علىدعائممنعزومنظفر
    أينالوفاءالذيأصفواشرائعه فلميردأحدمنهاعلىكدر
    كانوارواسيأرضالله،منذمضوا عنهااستطارتبمنفيهاولمتقر
    لا عجب أن يفتقد الأندلسيون بني عباد فيبكيهم الشعر ويرثيهم الشعراء، ولا عجب أن يحزن الأندلسيون على بني المظفر فيخلدهم الشعر ويؤبنهم الشعراء، فقد كانت الدولتان درتين نفيستين في عقد ملوك الطوائف الذي انتثرت حباته؛ لأن هذه الحبات على نفاستها كانت نثارًا من الجوهرة الكبيرة الثمينة المنيعة -حكومة الأندلس الواحدة- وكان هؤلاء الملوك أنفسهم محطمي تلك الجوهرة النفيسة الكبيرة.
    4- رثاء الأندلس الضائعة:
    بدأنا الحديث عن المدن التي كانت تسقط واستعرضنا رثاء الشعراء لها مفردة أو مجتمعة، فقد كانت تسقط أحيانًا عدة مدن دفعة واحدة، ثم ثنينا بالحديث عن دور الشعر في رثاء الدول الغاربة، وها نحن نعرض للمرحلة الأخيرة من هذه السلسلة الحزينة وهي مرحلة رثاء الأندلس كلها دفعة واحدة بعدما ضاعت، أو بالأحرى بعدما أضاعها أهلها بتخاذلهم وانحلالهم، وأصبحت غريبة عن الجسم الإسلامي.
    إن أشهر قصيدة قيلت في رثاء الأندلس الضائعة هي نونية أبي الطيب صالح بن شريف الرندي التي مطلعها.
    لكلشيءإذاماتمنقصان فلايغربطيبالعيشإنسان
    نقول إنها أشهر قصيدة في هذا الموقف التاريخي، ومن ثم يحق لنا أن نقول إنها ليست أحسن ما قيل، فإن ما قيل في هذه المحنة كثير وما عهدنا بسينية ابن الأبار أو برائية ابن عبدون ببعيد.
    ع2:
    شعر الحنين والغربة
    ج1:
    الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، لأحمد هيكل.
    التركيز العاطفي:
    ونعني بذلك أن العاطفة تتضح في العمل الشعري، حتى لنوشك أن تكون أبرز عناصره، ولنترك النص السابق برغم تلك السمة فيه، ولنأخذ لذلك مثلًا، أبيات عبد الرحمن الداخل في الحديث عن تخلة رآها بالرصافة، وفيها يقول:
    تبدت لنا وسط الرصافةنخلة تناءت بأرض الغرب عنوطن النخل
    فقلت شبيهي في التغريب والنوى وطول التنائي عن بني وعن أهل
    نشأت بأرض أنت فيها غريبة فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
    سقتك غوادي المزن في المنتأى الذي يسح ويستمري السماكين بالوبل
    فعبد الرحمن في هذه الأبيات يتناول موضوعًا تقليديًا، وهو الوصف، ولكنه يلح على الجانب العاطفي فيبرزه بحيث يكاد يخفي كل ما سواه من جوانب، فهو لم يصف النخلة في طولها ولا في لونها ولا ثمرها، ولم يتخيلها ماردًا ذا شعر طويل، ولا شيخًا ذا قوام هزيل، وإنما ترك ذلك كله ليصف النخلة بأوصاف عاطفية ويصورها بصورة نفسية، فيرسمها وقد "تناءت بأرض الغرب عن وطن النخل" ويعقد بينها وبينه شبهًا في التغريب والنوى وطول التنائي عن البنين والأهل، ويصفها بغربة المنشأ ومشابهة الشاعر في المنأى البعيد والمهجر القصي، وأخيرًا يدعو لها بالسقيا، فيطلب أن تجودها غوادي المزن في المنتأى الذي يسح ويستمري المساكين بالوبل".
    وهكذا جعل من النخلة إنسانًا حيًا، يغترب وينأى عن الوطن ويبعد عن الأهل وأوجد بينه وبينها مشاركة وجدانية وعلاقة نفسية جعلته يخاطبها في حنو ويناجيها في عطف، وكل ذلك يجعل العنصر العاطفي أبرز عناصر المضمون الشعري لهذه الأبيات.
    ومثل هذا النموذج قول عبد الرحمن أيضًا:
    أيها الراكب الميممأرضي أقر من بعضي السلاملبعضي
    إن جسمي كما تراه بأرض وفؤادي ومالكيه بأرض
    قدر البين بيننا فافترقنا وطوى البين عن جفوني غمضي
    قد قضى الله بالعباد علينا فعسى باقترابنا سوف يقضي
    فأوضح ما في هذا الشعر هو عنصر العاطفة، ولم يأتِ ذلك من كون الموضوع موضوعًا عاطفيًا بطبعه، بل جاء من تغليب الشاعر للجانب العاطفي على كل الجوانب، بحيث أصبح كل همه أن يوضح هذا الجانب وينقله إلى غيره ما استطاع نقلًا قويًا. ومن هنا جعل سلامه مبعوثًا من بعضه إلى بعضه الآخر، وفسر ذلك بأنه مقسم بين الأندلس والمشرق، فجسمه هنا، وفؤاده ومالكوه هناك. ثم ذكر أن البعاد قدر بين هذا القسم وذاك، فكان الفراق وكان السهاد وطي الغمض عن الجفون. وقرر أخيرًا أن ذلك كان قضاء الله بالبعاد، ودعاه أن يقضي بعد ذلك باللقاء.
    ولا شك أن هذه الطريقة في تناول التجربة بالإضافة إلى صدقها وطبيعة صاحبها، جعلت أبرز شيء في الشعر هو عنصر العاطفة.
    وهكذا نرى أن الشعر الأندلسي في فترة تأسيس الإمارة برغم كون ملامحه العامة هي ملامح الشعر المشرقي المحافظ، قد كانت له سمات خاصة، صنعت الملامح الأولى للشعر الأندلسي المتميز، ذلك أن تلك السمات التي بدت في تلك الفترة من طرق بعض الموضوعات الجديدة، وميل إلى التجويد، وغلبة للجانب العاطفي، لن تكون فقط خصائص الشعر الأندلسي التي تميزه عن نظيره المشرقي، فهناك سمات ستظهر في عصور تالية نتيجة لظروف مختلفة، وسوف نوضح كل ذلك في حينه إن شاء الله، وحسبنا الآن تلك السمات الثلاث التي شكلت ملامح شعر الأندلس بعض التشكيل، حتى في تلك الفترة المبكرة من تاريخه.

  2. #2
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Oct 2012
    Posts
    52,463
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    2

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •