Results 1 to 2 of 2

Thread: مراجع الادب والنصوص2 : ابن زيدون

  1. #1
    Super Moderator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    1,770
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    271

    مراجع الادب والنصوص2 : ابن زيدون

    ع1:
    ابن زيدون
    ج1:
    تاريخ الأدب العربي في الأندلس، لإبراهيم أبو الخشب.
    نثر ابن زيدون الفني:
    كان ابن زيدون كاتبًا كما كان شاعرًا، أملى عليه هذا النثر الرائع، والأدب اليانع، والبلاغة النادرة، والفصاحة الحلوة، طبع مستجيب وذهن فياض، وعقل لماح، وفكر متوقد، ووعي متيقظ، وإحساس مشبوب، وثقافة جامعة، وتحصيل شامل، وتكوين عام، وتربية سليمة، وبيئة نظيفة، وتجارب صحيحة، وسياسة حكيمة، ورغبة صادقة، لم يدفعه إلى الاحتراف، ولم يحمله عليه التكسب، وإنما كان يدفعه إليه الميل والرغبة، لذلك كانت جمله عامرة بالموسيقى، مليئة بالأحزان، كأنه شعر من طراز جديد، أو نوع مستحدث، لم يجر فيه على سنن المعاصرين، ولا أسلوب الكاتبين، وإنما كان مثالًا فريدًا ونموذجًا وحيدًا، جرى فيه على طريقة ابن العميد ولكنه زاد عليه الخيال المحلق، واللفظ المتألق، والنسج الناعم، والوزن الناغم، والمجال الواسع، والأسلوب الرائع، وإن كانت فقراته -في بعض الأحيان- تساويه، وسجعاته ربما تدانيه، إلا أنه يستخدم التاريخ والحوادث، ويستعين بالأشخاص والأمثال، والمواقف والعظات، ويحملك على أن ترجع إلى ثنايا الزمن، وتعيش في بطون الأيام والليالي، فهو لا يكتب للدهماء، ولا يخاطب السوقة، بل يكتب للمستنيرين، ويخاطب المثقفين، الذين قرؤوا التاريخ، وأحاطوا بالحوادث، وعرفوا الأمثال، وانتفعوا بالتجارب، وارتفعوا على مستوى السوقة.
    وعلى الجملة: فإننا لا نكون مبالغين ولا مغالين إذا قلنا: إنه فاق كتاب المشرق والمغرب في حسن الديباجة، وجمال الأسلوب، والافتتان في ضروب القول، وغزارة المادة، وسعة الاطلاع، والتمكن من ناصية البلاغة تمكنًا استطاع به أن يحتل الصدارة ويجوز قصب السبق، ويكون بين كتابه جيله نسيج وحده.
    والخصائص التي تميزه تكاد تكون:
    1- في الإطناب الذي يبدو عليه في تكرار المعنى بألفاظ مترادفة وعبارات متقابلة، وجمل متنوعة، يغني بعضها عن البعض الآخر، وتؤدى ثانيتهما ما تؤديه الأولى، وفي الرسالة الجدية من الأمثلة الصادقة، والشواهد الصحيحة، ما يؤيد ذلك تأييدًا واضحًا.
    2- الإكثار من التمثيل بالأبيات الحكيمة يحكيها باللفظ، أو يجيء بها المعنى.
    3- إيراد الأمثال بلفظها أو الإشارة إليها، واستخدام التاريخ والحوادث والأعلام المشهورة.
    4- التهويل في المعاني، وعدم التزام السجع إلا ما جاء عفوًا..
    وابن زيدون على الرغم من أن كتابته كثيرة، ورسائله متنوعة وأدبه خصب فياض، تناول أغراضًا ذات ألوان، إلا أن رسالتيه الجدية والهزلية أبرز كتاباته، وأشهر أنواع أدبه، ويعرف بهاتين الرسالتين أصحاب كتاب "المفصل" فيقولون..
    "أما رسالته الجدية فقد جمع فيها كل ما يمكن أن يقال في الاستعطاف والمدح، بعبارات ممزوجة بالأمثال والحكم، وأول شيء يستدعي النظر في أسلوبها أن ألفاظها وجملها تكاد تكون كلها مقتبسة من كلام غير الكاتب، من آثار أدبية، وأمثال سائرة، وأبيات من الشعر، وهذا وإن لم يشهد له بقوة الابتكار، دليل على قدرته في تأليف الكلام ونظمه، وبراعته في صناعة الكتابة، واطلاعه الواسع.
    وقد جمع في هذه الرسالة بين التناسق في المعاني والألفاظ والتأليف والجمع، فبينما تجده يرق في الاستعطاف إلى أن يستصغر نفسه، ويجمع من المعاني والألفاظ ما يناسب ذلك، تجده انتقل من هذا الموقف إلى الفخر بنفسه، والإشادة بشيمه.... فهي رسالة بديعة في نظمها وأسلوبها، كثيرة الفائدة لما اشتملت عليه من الأشعار والأمثال والحكم والحوادث وأسماء الرجال، جامعة لكثير من المعاني كالمدح والاعتذار والاستعطاف والفخر والامتنان وذم الزمان ولوم الأعداء والحقد عليهم والصبر والتجلد، كل ذلك بعبارات أكثرها بليغ سائغ يدل على طول باع الكاتب في الأدب واللغة والتاريخ.
    ولكنها ليست على طريقة واحدة من التزام السجع أو الترسل ثم إن كثرة الاقتباس بمناسبة وبغير مناسبة ربما يهوش على القارئ، ويصرفه عن الغرض من كتابتها، ويحمله على التفكير في البحث عن معاني الأمثال، ومعرفة الرجال والحوادث التي أشار إليها الكاتب..
    وأما الرسالة لهزلية التي كتبها لابن عبدوس على لسان ولادة يتهكم به، ويذمه، فهي من هذا النوع أيضًا، من حيث الأسلوب، كذكر الأمثال السائرة وأسماء الرجال والحوادث، فكلما دل على رسالته الجدية على باع طويل في الاستعطاف والمدح، دل في رسالته الهزلية على أنه عارف بأساليب الهجاء، سباق في هذا الميدان أيضًا، فقد أقذع في ذم ابن عبدوسإقذاعًا شديدًا، وكأنه جمع كل ما يمكن أن يقال في الذم والتهكم وأفرغه على ابن عبدوس في أسلوب جميل خلاب يدل على تمكنه من التصرف في أساليب الكلام.. إذ على الرغم مما في هذه الرسالة من الطول، وكثرة الاقتباس لأسماء الرجال والأمثال والحوادث والأبيات الشعرية، والإطناب في كثير من المعاني، لا يكاد يشعر القارئ لها بشيء من الملل والابتذال، على أنها لا تخلو من العيوب، فق سرد أسماء أكثر من خمسين رجلًا، وأكثر من عبارات الذم مما يحسب ثرثرة ولغوًا، وجاء بعبارات تدل على غلظة طبعه، وشدة حقده، وحبه للانتقام، وعلى قدرته على التهكم والافتنان فيه.
    ولعلنا -وقد نقلنا لك هذا البيان الواضح، والوصف الكاشف، عن الرسالة الجدية والرسالة الهزلية- كان ينبغي لنا أن نجيء إليك بالرسالتين كاملتين من غير اختصار ولا حذف لترى مدى انطباق تلك السمات والملامح عليها، إلا أن طولهما والحاجة إلى التعليق والشرح تحول بيننا وبين ذلك، ونود بكل ما تحمل كلمة الود من معنى أن يرجع إليهما كل متعشق لأدب ابن زيدون في مظانهما، ليكون ذلك أدعى إلى شفاء غليله، وإرواء ظمئه فمن الجدية قوله:
    يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتدادي به، واعتمادي عليه، ومن أبقاه الله ماضي حد العزم، وأرى زند الأمل، ثابت عهد النعمة، إن سلبتني -أعزك الله- لباس نعمائك، وعطلتني من حلي إيناسك، وأظمأني إلى برود إسعافك، ونفضت بي كف حياطتك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، وأحس الجماد باستنادي إليك، فلا غرو قد يغص بالماء شربه، ويقتل الدواء المستشفى به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وتكون منية المتمني في أمنيته، والحين قد يسبق الجهد الحريص:
    كل المصائب قد تمر على الفتى وتهون غير شماتة الحساد
    وإني لأتجلد وأرى الشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع... فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صائله، وسمهري عرضه على النار مثقفه، وعبد ذهب سيده مذهب الذي يقول...
    فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا فليقسُ أحيانًا على من يرحم
    هذا العتب محمود عواقبه، وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي، وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه، أو تأخر غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء فيضًا أملؤها، وأثقل السحائب مشيا أحفلها، وألذ الشراب ما أصاب غليلًا، ومع اليوم غد ولكل أجل كتاب، له الحمد على اهتباله، ولا عتب عليه في إغفاله...
    ومن الرسالة الهزلية قوله:
    أما بعد أيها المصاب بعقله، المورط بجهله، البين سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب، فإن العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب، وإنك راسلتني مستهديًا من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصديًا من خلتي لما قرعت دونه صنوف أشكالك، مرسلًا خليلتك مرتادة، مستعملًا عشيقتك قوادة، كاذبًا نفسك أنك ستنزل عنها إلى، وتخلف بعدها على...
    ولست بأول ذي همة دعته لما ليس بالنائل
    ولا شك أنها قلتك إذ لم تضن بك، وملتك إذ لم تغر عليك، فإنها أعذرت في السفارة لك، وما قصرت في النيابة عنك، زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه، و الإنسانية اسم أنت جسمه وهيولاه، قاطعة أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال، واستعملت في مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال، حتى خيلت أن يوسف -عليه السلام- حاسنكفغضغضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنطف عثر على فضل ما ركزت، وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك، والإسكندر قتل دارًا في طاعتك، وأردشير جاهد ملوك الطوائف بخروجهم عن جماعتك، والضحاك استدعى مسالمتك، وجذيمة الأبرش تمنى منادمتك.... وهكذا إلخ...
    ع2:
    ابن شهيد
    ج1:
    الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، لأحمد هيكل.
    أبو عامر بن شهيد:
    اسمه أحمد، وأبو عامر كنيته، واسم أبيه عبد الملك بن شهيد، وأبو مروان كنيته، وهذا الأب هو ثاني اثنين من هذه الأسرة سموا بعبد الملك، والأول هو الجد الأعلى، الذي كان وزيرًا للأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكذلك صاحبنا أبو عامر، قد حمل نفس الاسم الذي حمله الجد الأدنى، وهو أحمد بن عبد الملك بن شهيد، الذي كان وزيرًا للخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، ومن هنا حصل لبس بين الصغير والكبير، والحفيد والجد من بني شهيد، عند بعض الباحثين.
    وأبو عامر سليل أسرة عرفت بالوزارة والرياسة كما رأينا، وقد كان أبوه عاملًا للمنصور بن أبي عامر بشرق الأندلس في إقليم بلنسية، وكان ذا مكانة كبيرة عند الحاجب، تدل عليها قصة عودته إلى قرطبة بثروة عظيمة، وعرضه إياها على المنصور، وإقرار المنصور له على ثروته مع منحه بعض لمنح زيادة في تكريمه.
    وقد ولد أحمد بن شهيد في بيت أبيه بقرطبة سنة 382هـ أيام المنصور بن أبي عامر، ونشأ في أحضان النعمة، وتربى على مهاد الجاه، فقد كان البيت الذي ينتمي إليه بيت سراء وثراء ونفوذ وسلطان. وكانت صلة هذا البيت ببيت الحاجب -ولي الأمر الفعلي- قوية الوشائج، بحيث سمحت للصغير أحمد أن يلهو بين يدي المنصور، وأن يحمل على أكتاف ابنه عبد الرحمن، وأن يجلس على سرير زوجة الحاجب، وينال الكثير من التدليل والعطف والهدايا، وهكذا لعب أبو عامر بالمال منذ صغره، فنشأ وكفاه لا تقدران على القبض، وإنما تألفان البسط والعطاء والتبديد.
    وكان للتدليل الكثير والترف البالغ والنعمة الموفورة أثر كبير في نشأة أبي عامر، فهو لم يؤخذ بجد إلى التعليم، ولم يحمل في صرامة على الدرس، ومن هنا لم يقبل كثيرًا على ما كان يقبل عليه معاصروه من حديث وتفسير وفقه ونحو، وغير ذلك من العلوم الدينية واللغوية، وإنما أقبل على ما يلائم ترفه وانطلاقه، ويناسب طبعه ومواهبه، أقبل على الأدب، يتزود من قديمه وحديثه، ومن شعره ونثره، ويطيل النظر فيما خلف الجاهليون والإسلاميون والمشارقة والمغاربة من شعر ونثر، وحفظ من ذلك كله الكثير، واختزن من المعاني والأفكار والصور والأساليب ما حرك ملكته، وأنطق لسانه، وأجرى قلمه منذ حداثته.
    فبدأ يقول الشعر في مرحلة باكرة، ويراسل به المتقدمين عليه سنًا وفنًا، وذلك لمنزلة والده ومكانة أسرته، وسرعان ما اشتهر أمره كأديب، لا يقتصر على قول الشعر وإنما يزاول كتابة النثر ويتعرض لبعض قضايا النقد أيضًا.
    ولم تكن الحاجة تدفع ابن شهيد إلى عمل يكسب منه قوته، فقل توليه للمناصب، وكثر تفرغه للهو والمجون وقرض الشعر وتدبيج النثر، ولم تستطع الفتنة الضاربة على الأندلس وعلى قرطبة بنوع خاص، أن تعقل لسانه أو تحطم قلمه، وإن استطاعت أن توجهه وجهة تناسبها وتناسب استعداد ابن شهيد أيضًا، فكان أدبه مقسمًا بين خمريات ولهو ومجون، ومجاملة وترض للحاكمين، وهجاء وتجريح للمعادين، ثم بين مراجعة وتأمل، وتخيل وقص، وتحليل ونقد.
    وكان ابن شهيد يخلص الإخلاص كله للعامريين، وقد تمثل هذا الإخلاص في مراسلاته الطويلة وأمداحه السخية للمؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور، الذي كان يقيم بشرق الأندلس.
    كما تمثل في صحبته وصداقته لأبي عامر بن المظفر بن المنصور، الذي كان يقيم بقرطبة، حتى اضطر إلى الخروج منها أيام هشام المعتد.
    كذلك كان ابن شهيد على ولاء للأمويين، غير أنه لم يكن ذا حظ موفور مع من تولوا الأمر منهم في فترة الفتنة، كذلك كان سيء الخلط أيضًا مع الحموديين، حتى لنراه يسجن مدة في أيامهم ويعاني كثيرًا من الضيق، ولم تقم صلة قوية بين ابن شهيد وحكام هذه الفترة برغم محاولاته ذلك فيما يبدو، ولا يستثنى من هذا كله إلا اثنان من الحكام هما: عبد الرحمن الخامس الملقب بالمستظهر، ويحيى بن حمود الملقب بالمعتلي، فقد استوزره الأول ضمن من استوزر من الأدباء والمفكرين، غير أن خلافته لم تدم إلا أسابيع ثم قوضت، وقوضت معها آمال ابن شهيد، أما يحيى بن حمود فقد قرب الشاعر وشجعه على الاطمئنان إليه، بل جذبه إلى الهجرة من قرطبة إلى مالقة، مقر هذا الحمودي بعد نقض يده من قرطبة ومتاعبها، ولكن إقامة ابن شهيد في مالقة لم تطلق؛ لأن حبه لقرطبة كان فوق كل شيء؛ فهي مكان لهوه، ووكر ملذاته، ومركز مساجلاته ومناظراته، وأوضح دليل على قصر إقامة ابن شهيد بعيدًا عن قرطبة، أن كل ما أثر عنه من أدب صادر عنها ومحرر فيها.
    ولم يكن ابن شهيد يعاني من كراهية أكثر الحكام فحسب، وإنما كان يعاني من كراهية كثير من رجال العلم والأدب، وخاصة من عرفوا منهم بالمحافظة، ولعل من أهم أسباب كراهية هؤلاء لابن شهيد، تحرره البالغ، وانطلاقه الزائد، ومجونه المعربد، ولسانه اللاذع، وجرأته الجارحة.
    على أن ابن شهيد إن فقد عطف طائفة فقد كسب حب أخرى، فقد كان له نخبة من الخلصاء ربما يرجحون الأعداء علمًا وأدبًا ومنزلة وفي مقدمة هؤلاء: أبو محمد بن حزم وابن عمه أبو المغير بن حزم.
    وقد ظل ابن شهيد في قرطبة بعد رحلته القصيرة إلى مالقة، متفرغًا للحياة الفنية الخالصة، بما يخالطها من تحرر وانطلاق حتى مرض بالفالج، وظل يعاني منه حينًا ثم ختمت حياته سنة 426هـ ففجع الناس بموته، حتى قيل: "ولم يشهد على قبر أحد ما شهد على قبره من البكاء والعويل، وأنشد على قبره من المراثي جملة موفورة لطوائف كثيرة".
    شعره:
    أما شعر ابن شهيد فلم يؤثر عنه مجموعًا في ديوان يضم شتاته، وإنما خلفه قصائد ومقطوعات وأبياتًا مفرقة في رسالة "التوابع والزوابع" وفيما نقل أصحاب كتب الأدب والتراجم ممن تناولوه بالحديث، كابن بسام وابن خاقان والثعالبي.
    ع3:
    ابن حزم الأندلسي
    ج1:
    الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، لأحمد هيكل.
    ابن حزم:
    هو أبو محمد بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، ويلقب بالقرطبي نسبة إلى موطن ولادته ونشأته، كما يلقب بالظاهري نسبة إلى المذهب الفقهي الذي اشتهر به، وأصول ابن حزم تحيط بها ظلمة كثيقة، فيقال: إن أسرته تنحدر من أصل فارسي؛ حيث ينتهي نسبه إلى رجل من أهل فارس اسمه يزيد، كان مولى ليزيد بن أبي سفيان، ويقال: إن أسرة ابن حزم من أصل إسباني، وأن جده الأدنى كان جديد عهد بالإسلام، ويبدو أن هذا القول هو الأقرب إلى الصواب، لأننا لا نعرف للموالي نسبًا محققًا، ولأننا لا نجهل ما كان من انتحال كثير من الأنساب العربية ما أمكن. فإن لم يمكن فلتكن أنساب موال للعرب، كل ذلك ليرتفع قدر منتحل النسب فيكون في طبقة الغالبين الفاتحين، ومما يرجع هذا الرأي في أصل ابن حزم ميل ابن حيان المؤرخ الأندلسي إليه، وقد كان ابن حيان معاصرًا لابن حزم، فلعل جد ابن حزم أو أحد تلاميذه اصطنع هذا النسب الذي ينتهي به إلى فارس ويرفعه إلى مرتبة الفاتحين؛ لأننا نستكثر على ابن حزم الفقيه الدقيق أن يصطنع نسبًا غير صحيح.
    ومهما يكن من أمره فأسرة ابن حزم كانت تعيش أولًا في إقليم "لبلة Liebla" وفي بلدة كانت تسمى "منت ليشم"، وأصبحت تسمى اليوم "منتيجار " أو "كاسا منتيخاCasa Montija"، وكانت تلك الأسرة أسرة متواضعة تعيش على ما تغله الأرض من الرزق، ثم تطلعت عينها إلى أضواء عاصمة الأندلس، وتحركت بهذا القانون الاجتماعي الذي يجذب الناس إلى العواصم، فقررت الانتقال إلى قرطبة، وكان ذلك في زمن سعيد بن حزم، جد عالمنا أبي محمد والأنباء التي لدينا عن حياة سعيد هذا بقرطبة قليلة وغامضة، وعلى العكس من ذلك أنباء ابنه أحمد، فهي أكثر وأوضح، وأحمد هذا هو والد عالمنا أبي محمد بن حزم، فمن المعروف عن أحمد بن سعيد أنه كان أديبًا بارزًا وعالمًا صالحًا وإداريًا حازمًا؛ وكان إلى ذلك كله ذا مهارة عظيمة في الاتصال بالأوساط السياسية وكسب ثقة الحكام، فسرعان ما تقدم إلى صفوف الإداريين، واستمر في تقدمه حتى كان وزيرًا للمنصور بن أبي عامر، وهنا ارتفعت منزلته درجات، وانتقل بيته من بلاد مغيث غربي قرطبة، إلى مدينة الزاهرة شرقي العاصمة، حيث قصر الحاجب القابض على زمام الأمور، وكانت لباقة أحمد بن سعيد عظيمة للغاية فقد استطاع أن يكسب ثقة المنصور مع الاحتفاظ بالولاء الصادق للخليفة الأموي؛ ومن هنا ظل محتفظًا بمكانته عند الحاجب والخليفة جميعًا، وظل بيته حتى شبت الفتنة من البيوت الرفيعة بين بيوت الوزراء والمرموقين.
    في هذا البيت ولد علي بن حزم سنة 384هـ (994م)، ونشأ في تلك الأسرة التي تعتبر إحدى الأسر الأرستقراطية، التي كانت تعيش في ترف وحسن مظهر، وتأخذ مكانها في أعلى مستوى بين الأسر القرطبية.
    وقد قضى صاحبنا فترة صباه في حريم قصر أيه، حيث عهد إلى النساء بتربيته وتحفيظه القرآن.
    ولعل السبب في ذلك ما كان قد أصيب به علي وهو صغير من مرض قلبي، أو لعل السبب هو فرط التدليل أو الترف، أو لعله شيء غير هذا وذاك، فهذا لا يعنينا كثيرًا، وإنما الذي يعنينا هو أن ابن حزم نشأ في هذه الفترة من حياته بين حريم القصور، وكانت نشأته مترفة ناعمة، وكانت إلى ذلك على كثير من المحافظة ورعاية الخلق القويم، وقد أكسبته تلك البيئة النسوية كثيرًا من الخبرة بأحوال النساء وأسرار نفوسهن، كما أتاحت له تجارب عاطفية فتحت قلبه الغض على الحب والعشق، كذلك أمدته تلك البيئة بكثير من قصص الغرام، وأطلعته على عديد من أحوال العشق، ووجهته منذ حداثته إلى البحث في فلسفة الحب.
    أما ترف البيئة ونعومتها وأرستقراطيتها، فقد طبعته على رقة المزاج ونعومة المشاعر وإباء النفس، كما وجهته التربية المحافظة إلى الأخذ بالسلوك القويم والبعد عن كل ما يشين، برغم ما كان في صدر حياته من مخالطة لصنوف من النساء في بيت أبيه وفي غيره من البيوت.
    وبعد الخامسة عشرة تقريبًا تبدأ مرحلة جديدة من مراحل حياة ابن حزم، وهي مرحلة الخروج إلى الحياة والتحصيل والدرس و التعلم خارج البيت، وقد كان بدء هذه المرحلة حوالي سنة 399هـ، حيث خرج أبو محمد إلى مجالس العلماء، فتردد على ابن الجسور، وجلس إلى الرهوني، وانضم إلى حلقات أبي القاسم المصري، وأخذ عن هؤلاء وغيرهم، واتجه حينئذ نحو العلوم الدينية بنوع خاص، وظل يواصل التحصيل في قرطبة برغم ما بها من أحداث أوائل الفتنة، حتى اضطرته أعمال العنف ومطاردة أنصار الأمويين إلى الهجرة، فترك قرطبة سنة 404هـ واختار مدينة ألمرية، وهناك واصل درسه وتحصيله الذي بدأه في قرطبة، ويبدو أنه في المرية غني بالدراسات الفلسفية والإسرائيلية، حيث كان في هذه المدينة جماعة من المشتغلين بالفلسفة وخاصة من أتباع ابن مسرة، كما كان بها أيضًا بعض الإسرائيليين الذين اضطر ابن حزم إلى دراسة دياناتهم، لينجح في مناظراتهم.
    ولكن الظروف لم تترك ابن حزم يفرغ للعلم الذي أخذ نفسه بتحصيله كأحسن ما يكون التحصيل، بل دفعته إلى بعض النشاط السياسي الذي ربما كان يجرف المفكرين في تلك الآونة عن رضا حينًا، وعن سخط حينًا آخر، فقد قبض على ابن حزم في ألمرية، لما اشتهر به من الولاء للأمويين، وسجن بها حينًا ثم نفي، فتوجه إلى حصن القصر. ولما علم أن أمويًّا يدعى له في بلنسية، وهو عبد الرحمن الرابع الذي لقب بالمرتضي، انتقل إلى بلنسية ليكون في نصرة الأمير الأموي الجديد، ومعروف أن حركة هذا الأموي قد فشلت، وأن أنصاره كانوا بين قتيل وفار ومعتقل، وقد كان الاعتقال نصيب صاحبنا ابن حزم، حيث اعتقله صاحب غرناطة وسجنه حينًا، ثم أطلقه، وقد توجه ابن حزم بعد ذلك إلى قرطبة سنة 409، بعد قيام القاسم ابن حمود على الخلافة بها، وسلوكه أول الأمر مسلك المهادنة والترضية، واستأنف ابن حزم في قرطبة حياته العلمية والأدبية حينًا، ثم دفعته الظروف إلى السياسة من جديد، فقد بويع في قرطبة لأموي جديد، هو عبد الرحمن الخامس الملقب بالمستظهر وكان هذا الأموي محبًا للمفكرين والأدباء، فاستوزر بعضهم، وجعل ابن حزم في مقدمتهم، ولكن المستظهر سقط بعد قليل، وقام مقامه المستكفي، فسجن ابن حزم حينًا، ولم يطلقه إلا سقوط المستكفي وتقوض خلافته، وخرج ابن حزم من السجن، على عجز عن عمل أي شيء لنصرة بني أمية، وعلى مرارة مما لاقى من السياسة، وربما كان على عزيمة أيضًا للانصراف إلى العلم، فهاجر بعد قليل إلى شاطبه Jativa في شرق الأندلس، وكان قد نضج علميًّا وفنيًّا، وهناك ألف أعظم كتبه الأدبية "طوق الحمامة" ثم ألف أعظم كتبه العلمية "الفصل في الأهواء والنحل".
    ثم سقطت الخلافة الأموية نهائيًا بالأندلس، وساد عصر الطوائف، فلم يعد هناك من تيارات الساسة ما يجرف ابن حزم من جديد، بعد انتهاء دولة الأمويين الذين كان صاحبنا يكن لهم كل الولاء، وصارت حياة ابن حزم خالصة للعلم، وتنقلًا مستمرًا بين أقاليم الأندلس المختلفة، وذلك لإشاعة علمه، ونشر المذهب الظاهري، الذي تحول إليه وآمن به وقضى بقية حياته منافحًا عنه؛ فقد كان أول أمره مالكيًّا كأكثر فقهاء الأندلس، ثم مال إلى المذهب الشافعي حينًا، ثم تحول إلى الظاهرية في قوة وإلى النهاية، ولعل هذا التحول كان بسبب نفرته مما تورط فيه الفقهاء من التأويل الكثير والتجويد الشديد والاستنباط المتضارب، كما كان بسبب كراهيته لما كان عليه كثير من الفقهاء من نفاق ومجاراة للحكام وإخضاع للنصوص حسب هوى المتسلطين؛ فدفعه ذلك دفعًا إلى التمسك بالظاهر والاحتكام إليه؛ لأنه شيء لا يمكن التلاعب به ولا المساومة عليه، فكأن ظاهرية ابن حزم قد كانت رد فعل لظروف عصره وأحوال مجتمعه وما عاناه في فترة الفتنة من محنة خلقية وعقلية.
    ومهما يكن من أمر فقد أنجز ابن حزم خلال تنقلاته إلى جزيرة ميورقة، وكان عليها أحمد بن رشيق، نائبًا عن مجاهد العامري الذي كان يحكم جزر البليار، ويؤثر البقاء في دانية. وإنابة ابن رشيق عنه في ميورقة، وفي تلك الجزيرة نشر ابن حزم مذهبه وأحدث ضجة علمية هائلة، فكثر تلاميذه ومؤيدوه ومعارضوه، ثم وفد على الجزيرة أبو الوليد الباجي، وكان أحدث سنًا من ابن حزم، كما كان قريب عهد بالقدوم من المشرق، وكان إلى ذلك ركنًا من أركان المالكية في الأندلس، فناظر ابن حزم، ويبدو أنه كتل كثيرًا من الفقهاء ضده، ونفر حاكم الجزيرة منه، وهنا اضطر أبو محمد إلى ترك ميورقة والتنقل في أقاليم أخرى من الأندلس، وأخيرًا توجه إلى إشبيلية حيث المعتضد بن عباد. ولكن مقامه في إشبيلة لم يطل، وأغلب الظن أن اعتزاز ابن حزم أو إيمانه بنفسه لم يتح له أن يصبر كثيرًا على العيش في كنف المعتضد، وأغلب الظن أيضًا أن منافسة الفقهاء له وتكتلهم ضده؛ كانت من أسباب التعجيل برحيله عن مملكة المعتضد، ولم يجد ابن حزم مستقرًا أهدأ من موطن أسرته الأول في إقليم ليلة، حيث قضى بقية حياته في التعليم والتأليف بعيدًا عن المكايد التي عجزت عن ملاحقته فلاحقت كتبه؛ إذ أحرقها في إشبيلية علنًا المعتمد بن عباد، الذي كان قد ولي إشبيلية بعد موت أبيه، والذي وقع تحت تأثير الفقهاء الحانقين على ابن حزم، فارتكب هذه الفعلة المنافية لحرية الرأي واحترام كرامة العقل، ولكن تلك الحادثة لم تضعف من عزيمة ابن حزم، بل قابلها بقوله:
    فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري
    يسير معي حيث استقلت ركائبي وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
    دعوني من إحراق رق وكاغد وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
    وإلا فعودوا في المكاتب بدأة فكم دون ما تبغون لله من ستر
    وظل ابن حزم يواصل رسالته العلمية الكبيرة حتى وافته منيته سنة 456هـ بعد أن عاش أكثر من سبعين عامًا، قضى معظمها في النشاط العلمي والأدبي.
    فقد وضع ابن حزم كثيرًا من المؤلفات في فنون مختلفة، ولو بقيت كلها لكان لها وحدها أكبر مكان في المكتبة الأندلسية، ولكن أيدي الزمن عدت على بعض مؤلفات ابن حزم، واستطاع البعض الآخر أن يفلت من تلك اليد العادية، وهذا البعض الباقي من أخصب وأدسم ما خلف الأندلسيون من تراث.
    ففي الفقه والأصول: ألف ابن حزم عدة كتب أهمها كتاب "الإبطال" الذي بسط فيه أبو محمد دقائق المذهب الظاهري، وله أيضًا كتاب "المحلى" الذي يناقش فيه أصول المذهب الشافعي، ثم له كذلك كتاب "الخصال" الذي ضاع. والذي يغلب عل الظن أنه كان شرحًا لأصول المذهب المالكي، ثم كتاب "الإيصال" الذي أوجز فيه ابن حزم ما بسطه في كتاب "الخصال".
    وفي تاريخ الأديان: خلف صاحبنا كتابه المشهور "الفصل في الملل والأهواء والنحل". وهو كتاب حافل بما فيه من تاريخ نقدي للأديان والفرق والمذاهب على اختلافها. وقد قال المستشرق الإسباني "أسين بلاثيوسAsin Palacios": إننا لا نجد بين أيدينا وثيقة أغنى ولا أجدر بالثقة من كتاب "الفصل" لابن حزم؛ فهو يمكننا من تتبع سير تيار الثقافة الذي لم يتوقف أبدًا خلال العصور الوسطى. فيما يتصل بتاريخ الأديان والمذاهب، ففي ثنايا صفحات هذا الكتاب يتجلى لنا ذلك النسيج الذهبي، الذي تتألف منه الفلسفة الخالدة. ذلك النسيج الذي صنعته أوفر عبقريات الإغريق حكمة بأيديها الصبور في مهارة فائقة، وعلى ضوء صفحاته نرى كيف يزداد النسيج سعة وامتدادًا، وكيف تدخل في تكوينه على مر العصور أنسجة جديدة، وربما وجدنا أن هذه الأنسجة لا تضاهي نسيج الإغريق روعة وبريقًا، ولكنها لا تقل عنه متانة وقدرة على البقاء ونراها تجود وتزداد إحكامًا. بفضل ما أدخله عليها التفكير النصراني الشرقي، وما أضافه إليها المسلمون من مادة أوفر، وقد كان المسلمون آخر من انتهت إليهم أطراف هذه العناصر كلها، ولهذا قد تجمعت بين أيديهم ثمرات هذا التطور الفكري الغني ونتائجه، ومن ثم لم يكن من العسير عليهم أني سبقوا مفكري النصارى من أهل الغرب في تحليلها ووضع منهجها وأساسها الذين سيقوم عليها التفكير المنهجي. "الإسكولاستي". في القرن الثالث عشر.
    وفي الفلسفة: ألف ابن حزم كتبًا في مراتب العلوم والمنطق، وفي نقد أبي بكر الرازي، وقد ضاعت كلها، ولكن بقي لنا مما يستحق الذكر كتابه المسمى "الأخلاق والسير في مداواة النفوس" وهو أشبه بسجل يوميات، دون فيه ابن حزم ملاحظات منتزعة من تجاربه وخبراته في الناس والحياة، وهذه الملاحظات قد صاغه ابن حزم في تركيز ودقة، فجاءت كأنها مبادئ عامة أو حكم بالغة.
    وقد قال المستشرق الإسباني "أسين بلاثيوسAsinPalaios": عن أسلوب ابن حزم في هذا الكتاب: "وهذا الأسلوب الوعظي الحكمي الذي اتبعه ابن حزم، يجعل كتابه هذا شبيهًا بحكم "ديمقراط" و "سنيكا"، ولا يخلو الكتاب مع ذلك من الفقرات الطوال، كهذه القطعة الجميلة التي يذم فيها الغرور، أو تلك التي يصارحنا فيها برذائل ونقائص أخلاقية يراها في نفسه، ويقررها في تواضع يذكرنا باعترافات القديس "أوغسطين". وفي مواضع أخرى من الكتاب يصف ابن حزم أخلاق البشر في أسلوب يفيض حيوية ويتجرد عن الميل والهوى، وإن الإنسان ليشعر وهو يقرأ كلام ابن حزم في هذا المقام كأنه يطالع كتب الأخلاق التي كتبها "ثيوفراست" أو "لا برويير" أو يقرأ "مقالات في الأخلاق والسياسة لبيكون".
    وفي التاريخ: خلف ابن حزم عدة رسائل وكتب، ومن ذلك: كتاب "جمهرة أنساب العرب" و"نقط العروس".
    ولابن حزم أيضًا رسالته المشهورة في "بيان فضل الأندلس وذكر علمائه" وهي رسالة كتبها ردًا على ما ورد في خطاب بعث به ابن الريب التميمي القيرواني إلى أبي المغيرة عبد الوهاب بن حزم، وكان هذا العالم القيرواني قد ذكر "تقصير أهل الأندلس في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضلهم وسير ملوكهم". فانبرى أبو محمد بن حزم يذكر علماء الأندلس ويعدد أفضالهم ومؤلفاتهم، فالرسالة تعتبر ثبتًا لما ألف الأندلسيون في مختلف العلوم، ولمن نبغ منهم في شتى الفنون حتى أيام ابن حزم.
    ولأبي محمد كذلك في التاريخ "الإمامة والخلافة" و"فهرست" ما كان له من شيوخ، ويبدو أنهما من كتبه الضائعة.
    هذا، ولم يكن ابن حزم عالمًا مبرزًا فقط، وإنما كان أديبًا شاعرًا وثائرًا أيضًا، وقد مضت مؤلفات ابن حزم في الميدان العلمي، أما مؤلفاته الأدبية فأهمها جميعًا، كتابه "طوق الحمامة" وسوف نفرد له كلمة حين نتحدث عن الأدب في هذه الفترة التي نسوق عنها الحديث.
    ع4:
    ابن طفيل
    ج1:
    حي بن يقظان، لابن طفيل.
    ابن طفيل:
    في تاريخ الفكر الفلسفي شخصيات لا يعرف المرء عن حياتها الكثير، ومن هذه الشخصيات نجد فيلسوفنا ابن طفيل.
    فللأسف الشديد لم يذكر المؤرخون شيئًا له شأنه أو أهميته عن حياة هذا الفيلسوف الإسلامي الكبير، ونحن نعلم أن معرفة ماضي المفكر، سواء الأسري والثقافي والاجتماعي... وكل ذلك من شأنه أن يساعد الدارس على تحليل آراء الفيلسوف وفهمها وتفسيرها، وتعليل ميل هذا الفكر أو ذاك إلى بعض الاتجاهات والآراء دون غيرها.
    واسم فيلسوفنا كاملًا هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن طفيل القيس"... وقد عرف في العصور الوسطى الأوربية باسم "Abu bacer" ويبدو أن ابن طفيل قد ولد في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، أي في القرن السادس الهجري (من المحتمل أنه ولد قبل عام 506 هـ بقليل (راجع أحمد أمين في كتابه: ظهر الإسلام -الجزء الثالث).
    ورغم أن بعض المؤرخين قد ذهب إلى أنه كان تلميذًا لابن باجة، إلا أن الرجل نفسه (ابن طفيل) قد ذكر في مقدمة كتابه "حي بن يقظان" أنه لم يقابل ابن باجة مرة واحدة، ومن ثم تكون تلمذة ابن طفيل على يد ابن باجة مشكوكًا في روايتها كل الشك اللهم إلا إذا كانت هذه التلمذة من خلال أعمال ابن باجة فحسب.
    وقد اتصل ابن طفيل بالسلطة الحاكمة، كما كان الحال دائمًا مع معظم المفكرين في هذه الحقبة من الزمان وفي غيره، اتصل الرجل بالسلطة الحاكمة حيث أنه قد نال شهرة كبيرة بحسبانه طبيبًا ماهرًا، الأمر الذي جعله يتبوأ بعض المناصب المرموقة، ونعلم أن ابن طفيل أصبح كاتب سر إقليم غرناطة ثم أصبح كاتب سر والي سبته وطنجه عام 549 هـ، ونعلم أن والي السر هذا كان ابن عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين ثم بعد ذلك، أي في عام 558هـ أصبح طبيب السلطان الموحدي أبي يعقوب يوسف.
    ولقد كان ابن طفيل، فيما يبدو يحتل مكانة كبيرة لدى هذا السلطان، حيث ظل بجواره مدة طويلة من الزمن استمرت حتى بعد وفاة هذا السلطان (الذي مات سنة 580هـ) ، حيث كان فيلسوفنا على صلة طيبة أيضًا بابنه أبي يوسف يعقوب، وقد سمحت هذه المكانة الطيبة لابن طفيل لدى السلطة الحاكمة في أن تلفت الأنظار إلى أهمية العلم والعلماء، ومن ثم رفع شأنهم، ونعلم أن من جملة ذلك ما هو معروف من أن ابن طفيل هو الذي قدم ابن رشد إلى الأمير أبي يعقوب يوسف، ولقد مات ابن طفيل عام 581هـ في أغلب الظن.
    ولقد عرف المشتغلون بالدراسات الفلسفية والأدبية ابن طفيل من خلال كتابه أو إذا شئتم قصته "حي بن يقظان"، إذ أنها تعد بحق من أروع الأعمال الخالدة عبر تاريخ الدراسات الفلسفية.
    ولقد حظيت "قصة حي بن يقظان" على اهتمام الشرقيين والغربيين على حد سواء ففضلا عن صداها الذي أحدثته في البيئة العربية الإسلامية، نجد أنها قد ترجمت إلى عدة لغات، فقد ترجمها موسى الناربوني في منتصف القرن الرابع عشر إلى العبرية، وقام بترجمتها إلى اللاتينية الإنجليزي "بوكوك" ونشرت في أكسفورد مع النص العربي سنة 1671 وعام 1700م ولا ريب أن إحدى هذه الترجمات هي التي يسرت للكاتب الإنجليزي "دانيال دي فويه" التأثر بخيال ابن طفيل فألف سنة 1719 على غرارها روايته الفخمة "روبنسون كرو زوويه" كذلك ترجم كتاب "حي" إلى اللغة الهندية سنة 1672م، وقد ترجمه إلى الألمانية "بويتيوس" عام 1726، ثم ترجم إلى نفس اللغة عام 1783 على يد "إيشون" (راجع د. محمد غلاب: الفلسفة الإسلامية في المغرب -القاهرة سنة 1948م).
    على أن المؤرخين -وإن كانوا قد أشاروا إلى بعض الأعمال الأخرى ومنها بعض الأشعار إلى ابن طفيل إلا أنهم- لم يذكروا -بالفعل- شيئًا له أهميته لفيلسوفنا هذا، فكل أعماله إن صح وجودها التاريخي، ما زالت حتى الآن مفقودة اللهم إلا رسالته هذه، ويبدو أنه كان يفضل النظر الفلسفي والتأمل في الكون دون أن يكون حريصًا على تدوين آرائه ونظراته، ومن هنا كان إنتاجه محدودًا للغاية.
    ويذهب "دي بور" إلى أن شغل ابن طفيل الشاغل، وأكبر همه كان فيما يرى هذا المستشرق "مزج العلم اليوناني بحكمة أهل الشرق ليطالع الناس برأي جديد في الكون، وقد دفعه إلى ذلك باعث من نفسه، كما كان الحال عند ابن باجة، وقد أثار اهتمامه أيضًا أمر العلاقة بين الفرد والمجتمع وما فيه من آراء غير ممحصة، ولكنه ذهب أبعد من ابن باجة: جعل ابن باجة المفكر المتوحد أو طائفة صغيرة من المفكرين المتوحدين يكونون دولة داخل الدولة كأنهم صورة للجماعة كلها أو أنموذج لحياة سعيدة، أما ابن طفيل فإنه رجع إلى منشأ الجماعة وهو الفرد (راجع دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام ص249).
    عرض موجز لقصة حي:
    وقبل أن نأتي على عرض آراء ابن طفيل بشيء من التفصيل والنقد، سوف نعرض أولًا موجزًا شاملًا وعامًا لهذه الرسالة:
    يعرض ابن طفيل من خلال "حي بن يقظان" صلة العقل بالكون، من جهة وصلته بالوحي من جهة أخرى، فمن حيث صلة العقل بالكون، ذهب ابن طفيل إلى أن باستطاعة العقل، واعتمادًا على ذاته، أن يفهم هذا الكون ويميز فيه الموجودات بعضها من بعض، ويستطيع أيضًا أن يسخر هذا العالم كله لخمته، كذلك من خلال العقل الإنساني وحده يستطيع المرء أن يدرك أن ثمة علة أولى متميزة عن هذه الموجودات، وأن هذه العلة هي التي تحدث الكون والفساد، وأن هذه العلة ثابتة خالدة وأنها واحدة في مقابل هذه الكثرة الظاهرة... الخ.
    أما من حيث صلة العقل بالدين، فقد أوضح ابن طفيل أنه لا يوجد في الواقع اختلاف بين منطق العقل وبين منطق الدين، قد يختلف الأسلوب، وقد تختلف الوسائل ونحن بصدد الوصول إلى الحقيقة، لكن اختلاف الوسائل لا ينفي البتة الصلة القوية بين العقل والدين، وقد أكد ابن طفيل أن الدين يأتي مطابقًا للعقل، وأن العقل من ناحية أخرى يسعى إلى ما يسعى إليه الدين، ولهذا كان اتفاق حي بن يقظان وأبسال حين التقيا معًا في الجزيرة التي كان يقطنها حي، ثم توجها معًا حيث وضع كل منهما يده في يد الآخر لدعوة الناس إلى ما وصلا إليه من حق، ونحن نعلم أن الناس قد أعرضوا عنهما لارتباطهم بالظاهر بينما حي وصاحبه يتشبثان بالباطن.
    هذه هي الصورة العامة التي أراد ابن طفيل أن يعرضها لنا من خلال قصته الشيقة "حي بن يقظان"، وعلينا أن نعرض بالتفصيل هذه القصة.

  2. #2
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Oct 2012
    Posts
    52,463
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    2

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •