الخلاف في دلالة السمع على
وجوب العمل بخبر الواحد
فقد حققنا فيما سبق أن خبر العدل يفيد العلم اليقيني، وعليه فإن من خالفه عناداً يكفر بعد إقامة الحجة عليه. ولكن المتكلمين في هذا الموضوع كغيره اعتمدوا كونه ظني الثبوت، واختلفوا فيه على قولين: القول الأول: أنه لا يجب العمل به سمعاً: وهو قول الجبائي ومن تبعه من المعتزلة في نفي جوازه عقلاً، وقاله أيضاً بعض من جوَّزه عقلاً كالقاساني من الظاهرية، وابن داود، وجمهور القدرية والرافضة. وقد استدلوا بأدلة: أولاً: من القرآن: كقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)(الإسراء:36)، وقوله حكاية عن أولاد يعقوب: (وما شهدنا إلا بما علمنا)(يوسف:81)، وقوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)(الأعراف:33)، وقوله حكاية عن الذين كفروا: (إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين)(الجاثية:32)، وقوله: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون)(الأنعام:148)، ونحوها من الآيات. فيقال: سبق أن استدل بهذه الآيات على إفادة الآحاد العلم اليقيني، وأن جعلها ظنية، مما تسلط به المعتزلة على ردها مطلقاً في الأصول والفروع، استدلالاً بهذه الآيات التي فيها النهي عن القول على الله بلا علم، وذم اتباع الظن. ولكن المتكلمين القائلين بوجوب العمل بها مع كونها ظنية أجابوا عن هذه الآيات بعدة أجوبة. 1- فمنها: أن امتناع التعبد بخبر الواحد ليس عليه دليل قطعي، فمن نفاه فإنما عمدته الظن فيدخل في الذم المذكور في هذه الآيات. 2- ومنها: أن الظن المنهي عن اتباعه خاص بما المطلوب فيه العلم كالعقائد. 3- ومنها: أن القول بموجب الآحاد، والعمل به عمدته الإجماع، وهو دليل قطعي، ليس العمدة الآحاد التي هي ظنية. 4- وأحسن ما أجيب به على قولهم أن الظن المذموم أريد به التخرص والوهم الذي ليس له مستند، بخلاف الظن الراجح، فهو ملحق بالقطعي في وجوب العمل به، ولا يصدق على من قال به أنه قال على الله بلا علم. ثانياً: من السنة: رد النبي صلى الله عليه وسلم خبر ذي اليدين، لما سلم النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشى عن اثنتين، فقال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: (لم أنس ولم تقصر) فقال: بلى قد نسيت. فلم يعمل بقوله حتى سأل الحاضرين معه. متفق عليه. فيقال: إنما رد عليه السلام خبر ذي اليدين لمخالفته لما يعتقده من إتمام الصلاة ولاستبعاد انفراده بمعرفة النقص دون غيره، ولا شك أن هذا مما يجعل الوهم يتطرق إليه، فبموافقة آخر له يزول الوهم. ثم يقال: إنه عليه الصلاة والسلام عمل بخبره مع خبر أبي بكر وعمر، وهو لا يخرج بذلك عن الآحاد. (ج) ومن الأدلة ما اشتهر عن بعض الصحابة من عدم قبول بعض الأخبار، فقد رد أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة، حتى شهد معه محمد بن مسلمة ورد عمر خبره أيضاً في املاص المرأة حتى أخبره بذلك محمد بن مسلمة، أيضاً متفق عليه. وفي الصحيح أيضاً أن عمر رد خبر أبي موسى في الاستئذان، حتى شهد معه أبو سعيد وردت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ورد على خبر ابن سنان الأشجعي في المفوضة وأمثال ذلك. فيقال: إنما ذلك لعارض، وهو إمكان الخطأ، واستبعاد أن ينفرد عنهم مثل هذا الراوي، بهذه السنة الظاهرة. فطلبهم لمن يشهد معه إنما هو من باب التثبت، وتقوية الخبر، ولا شك أن الخبر كلما كثرت نقلته ازدادت إليه طمأنينة النفس. ألا ترى العالم يروي الحديث من خمسة طرق، ثم إذا سمع زيادة سادس أو سابع كتبها، لأن الخبر كلما تواتر كان أثبت للحجة، وأقطع للخصم، ولذلك قال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكني أردت أن أتثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أجيب عن كل أثر بجواب خاص، يبين أن ردهم لذلك لم يكن عن شك، وإنما هو لأسباب مبررة. على أن انضمام راو إلى آخر لا يخرجه عن كونها آحاداً كما لا يخفى. القول الثاني: وجوب العمل يخبر الواحد سمعاً. وهذا قول جمهور الأمة، بل عليه إجماع السلف قاطبة، وإنما حدث الخلاف فيه بعد ظهور علم الكلام، ولهذا كان عمدة المتكلمين في القول بوجوب العمل بها إنما هو الإجماع، مع أن الإجماع لابد له من مستند. أما بقية أدلتهم مع كثرتها فقد أوردوا عليها اعتراضات صارت دلالتها من أجلها عندهم ظنية، مع أن المسألة من الأصول التي لابد فيها من قواطع الأدلة. وإليك بعض ما أوردوه في هذا الباب من الأدلة السمعية، مع مناقشة اعتراضاتهم عليها: 1- النوع الأول: القرآن: ودلالته في عدة آيات: 1- قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(التوبة:122) أمر تعالى الطائفة النافرة أو الباقية بالتفقه في الدين، وبإنذار قومها بما تفقهت فيه، وعلل الإنذار بحصول الحذر من القوم. والأمر يقتضي وجوب المأمور به، وهو التفقه ثم الإنذار الذي هو الإخبار بالأمر المخوف؛ والتعليل بقوله: (لعلهم يحذرون) ليس للترجي، فإنه محال في حق الله تعالى، لما يشعر به من عدم علمه بالعاقبة، بل هو للطلب فيفيد وجوب المطلوب، وهو الحذر اعتماداً على إنذار الطائفة، ولفظ الطائفة، يعم الواحد والاثنين، لقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)(الحجرات:9) فإنه يصدق على ما إذا اقتتل اثنان، وأيضاً فإن الفرقة أقلها ثلاثة. وقد أمرت كل فرقة أن يخرج بعضها، فظهر بذلك وجوب التفقه على هذه الطائفة، ووجوب إنذارها لقومها الذي يسبب الحذر الذي جعل الإنذار علة لحصوله. وقد أوردوا على دلالة هذه الآية شبهاً: (أ) فمنها: أن قوله: (لينذروا) ليس من صيغ الأمر الصريح، فلا يكون الإنذار واجباً، حيث لا أمر في الآية. فيقال: لا شك أن الله أوجب التفقه في دينه، ثم بيانه للناس، وذم الذين يكتمون ما أنزل الله، في هذه الآية من الحض على التفقه والإنذار ما يؤيد ذلك. ولما كانت صيغة (لينذروا) هنا ذكرت لتعليل الحض على التفقه دل على وجوب التفقه، ثم الإنذار وهو التخويف الموجب للحذر، إذ لا تخويف في ترك غير واجب. (ب) ومنها: أن الأمر قد لا يدل على وجوب المأمور به. فيقال: الأمر المطلق لا يصرف عن الوجوب إلا بقرينة، وها هنا دلت القرائن وهي أدلة وجوب البيان والنهي عن الكتمان - على أنه للوجوب. (ج) ومنها: أن الإنذار أريد به التخويف من فعل شيء أو تركه، بناء على اجتهاد المخوف والتخويف خارج عن الإخبار. فيقال: الإنذار كما قلنا الإخبار بمخوف يترتب على فعل أو ترك، والعلم بالمخوف أثر التفقه في الدين، فكان التخويف إخباراً عن شيء مخوف متلقى علمه عن الشرع. (د) ومنها: أن الإنذار أريد به الفتوى، ونحن معكم على قبول المقلد خبر المفتي. ويرجح ذلك لفظ التفقه الذي هو شرط لجواز الإفتاء. فيقال: الإنذار في الآية على عمومه لحذف مفعوله، فيشمل الإفتاء والإخبار بشيء من كلام الله ورسوله، أو ما استنبط منهما بما يوجب الحذر. كما أن لفظ القوم عام فيشمل المجتهدين والمقلدين مع أن التفقه في اللغة لا يستلزم الإفتاء. (هـ) ومنها قولهم: يلزم أن يخرج من كل ثلاثة واحد، ولا قائل بوجوبه. فيقال: النص يقتضي ذلك ويقتضي وجوب العمل بخبر الواحد، وقد خص الأول بالإجماع على عدم الوجوب، ولا يلزم من تخصيصه تخصيص الثاني. (و) ومنها: أن الآية في وجوب الإنذار، لا في العمل، وقد يكون الأمر بالإنذار ليحصل بخبر المنذر تمام حد التواتر. فيقال: إذا سلم وجوب الإنذار فقد علل بحصول الحذر، فدل على وجوب الأمرين معاً. فإن هذا التعليل نظير التعليل في قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)(البقرة:21)، ولا شك في وجوب التقوى. ولم يكن في الآية إشارة إلى تأخير الحذر حتى يحصل التواتر. 2- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(الحجرات:6) وفي قراءة (فتثبتوا) فلما أمر بالتثبت في خبر الفاسق دل على أن خبر العدل بخلافه، وإلا لم يكن لتخصيص الفاسق معنى، حيث يجب التثبت في الجميع. وأيضاً فلو كان خبر الواحد لا يقبل مطلقاً لم يحتج إلى تعليل التثبت فيه بالفسق، لأن علة الرد موجودة فيه قبل الفسق، فكان التعليل تحصيلاً للحاصل. وقد أورد على هذا بأنه استدلال بمفهوم المخالفة، وهو غير حجة أو هو حجة ظنية، والظن لا يكتفى به في الأصول. فيقال: إن هذا المفهوم مما تؤيده الفطرة وعمل الأمة، من التفريق بين خبر العدل والفاسق حتى عند العامة، فالتثبت هنا معلل بالفسق، فبعدم الفسق لا يؤمر بالتثبت. 3- قوله تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(النحل:43) وأهل الذكر يعم الواحد والعدد، حيث لم يقل:سلوا عدد التواتر منهم. فيلزم الجاهل سؤال من وجده من أهل العلم. وتقوم عليه الحجة بخبر الواحد منهم. واعترض على هذا الدليل بما يأتي: (أ) أن قوله (فاسألوا) ليست صيغة أمر. وإن سلم ذلك فلا تفيد الوجوب. فيقال: إن صيغة: افعل ونحوها. من أصرح الصيغ في الدلالة على الأمر عند المحققين من أهل الأصول. والأمر المطلق يفيد الوجوب، وإنما يصرف عنه لقرينة. (ب) أن المراد هنا الاستفتاء من أهل العلم. ونحن نقول بقبول قول المفتي. فيقال: ظاهر الآية أمر كل من جهل حكماً أن يسأل أهل الذكر - وهم أهل العلم بالشرع وأدلته فيعم سؤال المجتهد لغيره، وسؤال المقلد، حيث لا دليل على التخصيص. (ج) ظاهر الآية الأمر بالسؤال الذي يحصل منه العلم بالمسؤول عنه؛ لأنه إنما أمر بالسؤال عند عدم العلم. فالتقدير: اسألوا حتى يحصل لكم العلم بما لا تعلمونه. ولما كان خبر الواحد إنما يحصل الظن دل على أنه ليس هو المطلوب هنا وإنما المطلوب السؤال الذي يتم به العلم، وهو المتواتر. فيقال: سبق أن استدل بالآية على أن خبر الواحد يفيد العلم، وحينئذ يبطل هذا الاعتراض؛ مع أن ظاهر الآية أمر كل من جهل حكماً أن يسأل عنه أهل العلم الذي يعم الجزم بالمعلوم والظن الغالب. 4- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط)(المائدة:8). والأمر للوجوب. وإذا تحمل الإنسان علماً عن الرسول صلى الله عليه وسلم فمن القيام لله والشهادة بالقسط إبلاغه والإخبار به، ووجوب ذلك عليه دليل وجوب القبول منه. قالوا: الأمر لا يفيد الوجوب، ثم إن قدر أنه يفيده لم يجب على كل أحد القيام لله والشهادة بالقسط إلا إذا كان خبره مما يجب قبوله، ولا يجب قبول خبره إلا إذا كان قائماً لله شاهداً بالقسط، فيلزم الدور. فيقال: قد عرف أن مطلق الأمر للوجوب، ما لم يصرفه صارف، وأما الدور الذي زعموه فغير مسلم، فكل مؤمن مأمور بالقيام لله والشهادة بالقسط، ليحصل البلاغ، ولا يرده عدم قبول خبره؛ كما لم يرد الرسل عدم القبول منهم، قال تعالى: (إن عليك إلا البلاغ)(الشورى:48). 5- قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينَّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(البقرة:159)، فكل من أخفى شيئاً من الدين مع الحاجة إليه فهو متوعد بما في الآية، ولو لم يجب العمل بخبره لم يكن في إظهاره فائدة. (أ) قالوا: لعل المراد القرآن، فهو الذي يطلق عليه اسم المنزل. فيقال: لما كانت السنة من الدين، ولها حكم القرآن في العمل أحياناً، كان كتمانها حراماً كالقرآن، فتدخل في عموم الآية. مع أن السنة قد يطلق عليها أنها منزلة، حيث إنها مما علمه الله محمداً صلى الله عليه وسلم. (ب) قالوا: إنما الوعيد على الكتمان، ولم تتعرض الآية لحكم قبوله من الآحاد، كما أن الفاسق يجب عليه البيان لما يعلمه مع أنه لا يقبل منه. فيقال: قد تقرر أن الله أوجب على أهل العلم البيان، وأوجب على أهل الجهل السؤال، ولا شك أن الوعيد يعم من كتم العلم ولو واحداً، وإذا تحقق تحريم الكتمان دل على أن كل من أظهر علماً دينياً لزم كل من سمعه قبوله، ولو لم يسمعه إلا من واحد، للعموم، أما الفاسق فلم يقبل خبره لفسقه، لا لأن خبره خبر واحد، وهو مكلف قبل البيان بالتوبة، ليزول عنه المانع فيقبل خبره. (ج) قالوا: إن المراد وجوب إظهار كل فرد ما علمه؛ لينضم خبره إلى خبر غيره؛ فيتألف من الجميع التواتر المفيد للعلم. فيقال: لا دليل على هذا التخصيص، بل التحريم يعم من كتم علماً ولو شخصاً واحداً، فبقتدير فقد العلم في البلد إلا معه يكلف بالبيان، ويلزم قبول بيانه وخبره. 6- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إنه ولكن إذا دعيتم فادخلوا)(الأحزاب:53) ويجوز الاكتفاء بإذن الشخص الواحد ودعوته، لعدم تعيين العدد في النص، قال الحافظ في الفتح: وهذا متفق على العمل به عند الجمهور، حتى اكتفوا فيه بخبر من لم تثبت عدالته لقيام القرينة فيه بالصدق. اهـ. ومن تتبع الآيات وجد فيها كثيراً من هذا الضرب، وإذا كان في بعضها احتمالات فإنها بمجموعها تُقوي دلالتها، فيتحصل من الجميع دليل قطعي، كما أن خبر الواحد دلالته عندهم ظنية، فبعد توافق الآحاد تبلغ التواتر فتكون دلالتها قطعية. النوع الثاني: السنة النبوية: وقد اشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبول خبر الواحد والعمل به في مواضع كثيرة، سيأتي لها أمثلة إن شاء الله تعالى. وقد حكى الله عن بعض الأنبياء السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد. فإن موسى عليه السلام قبل خبر الرجل الذي جاء (من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفاً يترقب)(القصص:20-21) وكذا قبل خبر نصف رجل، حيث صدق بنت صاحب مدين التي قالت له: (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا)(القصص:25)، وقبل خبر أبيها في دعواه أنهما إبنتاه، فتزوج إحداهما بناء على خبره. وقبل يوسف عليه السلام خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك وقال له: (أرجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن)(يوسف:50) وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه في هذا الباب أكثر من عشرين حديثاً وتوسع كثير من العلماء في سرد الأدلة من السنة. ونحن نورد هنا ما تيسر منها مع الإشارة أحياناً إلى دلالتها باختصار: 1- فمنها: حديث مالك بن الحويرث حين وفد مع بعض قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال: (إذا حضرت الصلاة فيؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم) متفق عليه. 2- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم) رواه البخاري وغيره. 3- وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) متفق عليه. ودلالة هذه الأحاديث في الأمر بتصديق المؤذن وهو واحد، والعمل بخبره في فعل الصلاة، والعلم بدخول وقت الصلاة، وأول وقت الإفطار والإمساك، مع أن هذه من العبادات التي تختل بتغير وقتها. ولم يزل المسلمون في كل زمان ومكان يقلدون المؤذنين، ويعملون بأذانهم في أوقات مثل هذه العبادات، وإن هذه لأوضح دليل على وجوب العمل بخبر الواحد. وقد كثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً في الدلالة على تكليف الآحاد أو غيرهم. 4- فروى الشافعي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نضر الله عبداً سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). وقد رواه أحمد والدارمي، وأهل السنن إلا النسائي عن زيد بن ثابت بنحوه، وورد معنى ذلك مرفوعاً عن أنس، وأبي سعيد، وجبير بن مطعم، والنعمان بن بشير وغيرهم، روى ذلك الإمام أحمد والترمذي، والحاكم وغيرهم. ووجه دلالته أنه أمر كل عبد يسمع مقالته أن يبلغها، مع إمكان كونه غير فقيه. والعبد حقيقة للشخص الواحد، ولا يأمره إلا وخبره مما تقوم الحجة به. 5- وعن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري يقول: لا أدري؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه). رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم. فانظر كيف ذكره على وجه الذم، لرده أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يجده في القرآن، فمن رد خبر الواحد الثقة صدق عليه الذم الوارد في هذا الحديث. 6- ومثل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار). وهو حديث مشهور، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو هريرة، وابن مسعود، وعبدالله بن عمرو بن العاص بنحوه، أخرجه بعض أهل السنن والمسانيد، وذكر ابن عبدالبر بعض طرقه في أول كتابه (جامع بيان العلم) وترتب الوعيد على كتم العلم دليل على أن بيانه مما يجب قبوله والعمل به ولو من واحد، فإنه لو لم يقبل منه لم يكن في إظهاره فائدة، فلم يستحق هذا العقاب. ولقد اشتهر بعث النبي صلى الله عليه وسلم الآحاد من صحابته، واعتماده على أخبارهم فيما يترتب على تحققها. 7- فمن ذلك: ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف. وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس - لرجل من أسلم إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) فاعترفت فرجمها. فقد اعتمد صلى الله عليه وسلم خبره في اعترافها، مع ما فيه من إقامة حد، وقتل نفس مسلمة. 8- ومنها: ما رواه الإمام أحمد والشافعي، ومالك وغيرهم، عن رجل من الأنصار أنه قبل - امرأته وهو صائم، فأرسل امرأته تسأل فدخلت على أم سلمه، فأخبرتها أم سلمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، فما زاده إلا شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمه فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها فقال: (ما بال هذه المرأة) فأخبرته أم سلمه، فقال: (ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟) فقالت أم سلمه: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده). ففيه أن خبر أم سلمه مما يجب قبوله، وكذلك خبر امرأته وهي واحدة. 9- ومنها : ما رواه البخاري وغيره عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: (من يأتيني بخبر القوم؟) فقال الزبير: أنا. مرتين. فقال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) فانظر كيف اكتفى بخبر الزبير عن الأحزاب، وهو واحد. 10- ومنها: قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض زكاتهم، فرجع وقال: إنهم منعوا الزكاة فغضب النبي صلى الله عليه وسلم. وهم بغزوهم، رواه الإمام أحمد ابن أبي حاتم، والطبراني بإسناد حسن عن الحارث بن أبي ضرار، والد جويرية أم المؤمنين، وهو ممن جرت عليه القصة. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب بعد خبر الوليد، وبعث البعث إلى الحارث حتى إذا استقل البعث، وانفصل عن المدينة، لقيهم الحارث قادماً إلى المدينة. ورواه ابن جرير عن أم سلمه، وفيه: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. ورواه ابن جرير أيضاً عن عطية العوفي، عن ابن عباس، وقال فيه: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد. وقد روى هذه القصة مرسلة ابن أبي ليلى، ويزيد بن رومان، والضحاك، ومقاتل وغيرهم. ولو لم يكن العمل بخبر الواحد جائزاً لما هم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأنكره الله عليه، كما أنكر عليه عدم التثبت في خبر الفاسق. وأما رواية بعث خالد بن الوليد للتثبت من أمرهم، فإنما رويت مرسلة عن قتادة ومجاهد، ولعل ذلك في قصة أخرى بعد نزول الآية امتثالاً للأمر بالتثبت. ولقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث الآحاد إلى الجهات القريبة والبعيدة، ويحملهم أمور الدعوة والتبليغ، ويعتمد الناس أخبار أولئك الإفراد، من غير أن يكون تفردهم مسبباً لوجود الشك في خبر أحدهم. 11- فمن ذلك: ما رواه الشافعي في الرسالة بإسناد صحيح عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد). فاتبع الناس وهو على جملة يصرخ فيهم بذلك. وهو صلى الله عليه وسلم لا يبعث الواحد إلا وقد عرف لزوم قبول خبره فيما بلغه عنه، وإلا يكون بعثه عبثاً. 12- ومثله : حديث يزيد بن شيبان قال: كنا في موقف لنا بعرفة، بعيداً عن موقف الإمام، فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم. رواه أهل السنن الأربعة وغيرهم. 13- وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لأهل نجران: (لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين) فبعث أبا عبيدة وهو دليل على وجوب قبول ما بلغهم عنه. 14- وروى البخاري وغيره عن سلمه بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم: (أذن في قومك يوم عاشوراء أنه من أكل فليتم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم)، وبعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر سنة تسع على الحج، فأقام للناس مناسكهم نيابة عنه صلى الله عليه وسلم، وبعث علياً تلك السنة فنبذ إلى قوم عهودهم، وبلغ عنه أول سورة براءة، وبعث قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، ومالك بن نويرة، إلى عشائرهم، لتعليمهم الأحكام، وقبض الزكاة، وبعث معاذاً وأبا موسى، وعماراً وغيرهم إلى جهات متفرقة باليمن، ونحو ذلك كثير، واشتهر أيضاً بعثه الأمراء في السرايا والبعوث، وأمره بطاعتهم في ما يخبرون عنه. ومن أشهر ذلك كتبه التي يبعثها إلى الملوك في زمانه، التي يتولى كتابتها واحد، ويحملها شخص واحد غالباً، كما بعث دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل عظيم الروم، وعبدالله بن حذافة إلى كسرى. وذكر الشافعي أنه بعث في دهر واحد اثني عشر رسولاً، إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام، وهكذا كتبه التي يبعثها إلى ولايته وعماله بأوامره وتعليماته، يكتبها واحد، ويحملها واحد، ولم يتوقف أحد منهم في قبولها، واستمر على هذا عمل المسلمين بعده إلى اليوم، من غير نكير فكان إجماعاً. شبه للخصوم حول هذا الدليل: 1- قالوا: إن هذه الأحاديث لا تخرج عن كونها آحاداً، فلا يستدل بها على قبول الآحاد، لما يلزم منه من الدور. فيقال: إن بعض هذه الأخبار قد روي من طرق كثيرة، بلغ حد الاستفاضة، ولو استقصينا طرقها وشواهدها لطال الكلام. ثم إنها وإن كانت آحاداً فهي لكثرتها وتعدد جهاتها ملحقة بالمتواتر المعنوي، الذي يفيد القطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتفي بالآحاد، ويبني على خبرهم. 2- قالوا : إن القصد من بعث أولئك الرسل ونحوهم التعليم والفتوى، والقضاء، وقبض الزكاة، أما أدلة الأحكام فلم يؤمروا بتبليغها، فلا تدل على المراد. فيقال: لا شك أنه بعثهم إلى أناس لم يعرفوا شيئاً من الدين في الأغلب، وقد كان تعليمهم من موجب الرسالة، فاكتفى صلى الله عليه وسلم ببعث أولئك الآحاد الذين بلغوهم ما يلزمهم في الإسلام من عبادات ومعاملات، فمن خص تعليهم بنوع منها فقد كذب الواقع المحسوس. ثم لو قدر أنه بعثهم لقبض الزكاة ونحوها، وكان خبر الواحد، لا يقبل، لم يلزم المبعوث إليهم تسليمهم الزكاة، ولا قبول فتواهم وحكمهم، لكونهم بلغوا أصول الدين وهم آحاد. 3- قالوا : يمكن أن يكون بعث الواحد لينضم إلى من سبقه في ما يبلغه، حتى يبلغ حد التواتر الذي يفيد العلم. فيقال: وهذا التخصيص مما لا دليل عليه أيضاً، فإن أهل تلك الجهات تقبلوا منهم ما بلغوه، وطبقوه لأول مرة، فلم ينقل أن أحداً منهم توقف حتى يتواتر الخبر، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مبادرتهم إلى العمل بأول خبر. ولم ينقل أنه بعث إلى كل جهة أكثر من واحد، إلا في القليل النادر، فإن سعة البلاد، وبعد المسافات، وقصر زمن النبوة منذ قوي الإسلام، وكون المبعوثين معروفي الأسماء والجهات، مما يؤكد أنه لم يكن أهل جهة من تلك الجهات النائية وصلت إليهم تفاصيل الشريعة وأدلة الأحكام بطريق التواتر في تلك السنوات القليلة. النوع الثالث: إجماع سلف الأمة على قبول أخبار الآحاد: وقد نقل عن الصحابة والتابعين من الآثار الدالة على اكتفائهم بخبر الواحد ما لا يحصى إلا بكلفة، فنشير إلى طرف من ذلك. 1- ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. وقد رويت هذه القصة عن البراء، وأنس، وابن عباس، وعمارة بن أوس، وعمرو بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد، وعثمان بن حنيف، وغيرهم من طرق كثيرة. فانظر كيف اعتمدوا خبر هذا الشخص، وتحولوا عن قبلة كانت متحققة الثبوت عندهم، ولا شك أن قد اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم ينقل أنه أنكر عليهم. 2- وفي الصحيحين أيضاً عن أنس قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة، وأبي بن كعب شراباً من فضيخ، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها. فقد أقدموا على إتلاف مال محترم، تصديقاً لذلك المخبر، وهم من أهل القدم في الإسلام، ولم يقولوا: نبقى على حلها حتى يتواتر الخبر، أو نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم. مع قربهم منه، ولم ينقل أنه أنكر عليهم عدم التثبت. 3- وعن أبي موسى في قصة دخول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحائط وقوله: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء أبو بكر فقلت: على رسلك حتى أستأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت فاستأذنت له فقال: (أذن له وبشره بالجنة) ثم جاء عمر ثم عثمان فكان شأنهما كذلك، متفق عليه مطولاً. فقد اعتمد هؤلاء الصحابة الأجلاء خبر أبي موسى وحده في الإذن. 4- ومثله حديث عمر الطويل المتفق عليه لما احتجر النبي صلى الله عليه وسلم في مشربه له، فجاء عمر فقال للغلام: استأذن لعمر. فأذن له فدخل. فقد قبل عمر خبر هذا الغلام وحده، مع أن الله نهى عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإذن. 5- وفي حديث عمر المذكور أنه كان له جار من الأنصار، يتناوب معه النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا غاب أحدهما أتاه الآخر بما حدث وتجدد من الوحي والأخبار، وهو ظاهر في أن كلاً منهما يعتمد نقل صاحبه. 6- وروى أحمد وأبو داود، وابن ماجة والترمذي وصححه أن عمر رضي الله عنه كان يجعل الدية للعاقلة، ولا يورث الزوجة منها حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب إليه أن يروث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر. 7- وروى أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، عن ابن عباس أن عمر قال: أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئاً، فقام حمل بن مالك فقال: كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع به لقضينا بغيره. 8- وهكذا رجع عمر بالناس حين خرج إلى الشام فبلغه أن الوباء قد وقع بها، لما أخبره عبدالرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم به ببلدة فلا تقدموا عليه) متفق عليه