Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع:أنواع الخطابة؛ الخطابة السياسية...الدرس الحادس عشر .(1)..!!!

  1. #1
    Administrator amira.salah's Avatar
    Join Date
    Oct 2012
    Location
    EGYPT
    Posts
    10,677
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    43

    مراجع:أنواع الخطابة؛ الخطابة السياسية...الدرس الحادس عشر .(1)..!!!




    فن الخطابة، لأحمد محمد الحوفي.



    الدرس الحادي عشر

    أنواع الخطابة؛ الخطابة السياسية
    قسم أرسطو الخطابة ثلاثة أقسام؛ لأن العناصر المكونة لكل خطبة ثلاثة: الخطيب، والموضوع، والسامع، والغاية في الخطابة تتعلق بعنصرها الأخير -أي: السامع- ولأن المستمعين ثلاثة فالسامع إما أن يكون قاضيًا، وإما أن يكون مستمعًا عاديًا، كذلك القاضي إما أن يقضي فيما يتعلق بالماضي، أو فيما يتعلق بالمستقبل، فمَنْ يقضي في مسائل ماضية فهو القاضي، ومَنْ يقضي في مسائل آتية فهو عضو المجامع العامة، ومَنْ يحكم على مقدرة الخطيب فهو المستمع العادي، فأنواع الخطابة إذن ثلاثة: الخطابة الاستشارية أو الحملية، ثانيًا: الخطابة القضائية، ثالثًا: الخطابة الاستدلالية -أي: خطب المدح والذم- ولكلِّ نوعٍ منها اتجاه خاص.
    أولًا: ففي الخطابة الاستشارية يتوجه الخطيب إلى السامعين بالنصيحة أو بالتحذير، والغاية من نصحه وتحذيره بيان النفع والضرر؛ لأن الناصح يعرض ما يتقدم به على أنه الأصلح، والمحذر يعرض ما يرى فيه الضرر كله، وما وراء النفع والضرر من شتى الاعتبارات كالعدل والظلم، والحسن والقبح مرده إلى هذين الغرضين.
    ثانيًا: وفي الخطبة القضائية يتوجه الخطيب إلى الاتهام أو إلى الدفاع، ومهمة المتقاضين لا تخرج عن هذين؛ لأنهم يهدفون إلى العدل أو الجور، وعليهما يحمل كل ما يقال.
    وثالثًا: في الخطبة الاستدلالية يتوجه الخطيب إلى المدح أو إلى الذم، وهدفه الحسن والقبح الخلقيان، وإليهما ترجع الأمور المتعلقة بهما. ونجد أن أرسطو قسم الخطابة إلى ثلاثة أقسام مراعيًا للزمن من الخطبة، وهي: أولًا: الاستشارية أو الحملية، وهي التي يُقصد بها إثبات شيء أو نفيه، وذلك بالاستشارات، وبمعادلة الآراء، وحمل السامعين على الاقتناع بما يدعو إليه الخطيب، أو الحمل على الخصيم بدحض رأيه وتفنيد حججه، ومنها الخطب البرلمانية، وهي تتناول شئون الدولة العامة من حربٍ وسِلمٍ وتشريع واقتصاد، والخطابة الاستشارية متعلقة بالزمن المستقبل؛ لأن الخطيب يريد حمل السامعين على فكرة أو إبعادهم عن فكرة كتأييد الحكومة أو لومها، وفرض ضريبة أو إلغائها، وهذا مرتبطٌ بالزمن المستقبل لا بالماضي.
    ثانيًا: القضائية، وهي التي يدافع الخطيب عن مُتهمٍ ليبرئه بوسائل شتى بعضها معتمد على وقائع معينة، وبعضها مستنتج من أحداث، وبعضها يشرح الظروف التي أحاطت بالمتهم فحملته على الجريمة، ممّا يتلمسه المدافع عنه للاعتذار عنه وتبرير مسلكه، وهي متعلقة بالزمن الماضي؛ لأن موضوعها جريمة حدَثت، أو تهمة لصقت وانتهى زمنها. ثالثًا: الاستدلالية، وهي خطب المدح والذم لإنسانٍ أو شيء، وهي مبنية على الزمن الحاضر؛ لأن المادح أو الذام يتناول شخصًا أو شيئًا حاضرًا أمامه.
    نأتي الآن إلى مناقشة هذا التقسيم الذي قسمه أرسطو، فنقول: ليس هذا التقسيم دقيقًا؛ لأن الزمن يتداخل بعضه في بعض، فمثلًا الخطابة الحملية وهي مبنية في نظر أرسطو على الزمن المستقبل كثيرًا مما تتناول الماضي والحاضر، والخطابة الاستدلالية وهي مؤسسة في رأيه على الزمن الحاضر كثيرًا ما تتعلق بالزمن الغابر، كأن يعرض الخطيب إلى حياة المُكرّم أو المؤبن ليستخلص منها وقائع تدل على العظة، ثم إن الخطيب الماهر من يتخذ هذا الضرب من الخطابة وسيلة لتحبيب البطولة إلى جميع المستمعين، وترغيبهم في الخير والحق، وهذا متعلق بالمستقبل، وكذلك الخطابة القضائية المرتبطة بالزمن الماضي في نظر أرسطو قد تنجر إلى المستقبل كالثقة بعدالة القضاة، والنُفرة من الجريمة، وكثيرًا ما تتداخل الأقسام كأن يلجأ المحامي وخطبته قضائية إلى الاعتماد على أمور سياسية، ويعتمد الخطيب السياسي على أمور قضائية. وقد أحس أرسطو نفسه أن الأقسام متداخلة، وقرر ذلك في قوله: "كذلك الذين يهدفون إلى المدح أو الذم لا يبحثون فيما إذا كان لا يصدر عن ممدوحهم أو مذمومهم يعود بالنفع أو بالضرر؛ لأن غايتهم الحسن والقبح، وكثيرًا ما يمجدونه ويثنون عليه؛ لأنه احتقر منفعة خاصة في سبيل الاستجابة لعمل من الأعمال الحسنة".
    ثم إن تقسيم الخطابة على أساس الغاية منها غير صحيح أيضًا؛ لأن أرسطو يرى أن الغرض من الخطبة الاستشارية بيان النفع والضرر، ومن القضائية تقرير العدل ورفع الجور، ومن الاستدلالية معرفة الحسن والقبح، وهذه أغراض متداخلة، فإن العدل حسن، والجور قبيح، وفي الإشادة بفضائل المُكرّم نفعٌ للشعب كله، ودعوةٌ ضمنية إلى الاقتداء بالمثل العالية، وهكذا تتداخل الغايات من الخطب.
    أما التقسيم الحديث، فهو تقسيم لا يبني فيه المُحدَثون تقسيم الخطابة على الزمن، ولا على الغرض من الخطبة كما فعل أرسطو؛ لأن الخطبة تستمد نوعها من ظروفها، ومن اتجاه الخطيب نفسه، فالخطبة التي تُلقى في المجامع في شأنٍ من شئون الدولة العامة خطبة سياسية، والتي تُلقى في المحاكم قضائية، والتي تُلقى في المجامع للتكريم أو التأبين هي خطبة المدح، فإذا كانت لإصلاح حال المجتمع فهي اجتماعية، على أن أرسطو أهمل نوعين آخرين من الخطابة هما: الخطابة الدينية، والخطابة الحربية، ولا نستطيع أن ندمج الخطابة الدينية أو الحربية في نوع من الأنواع الثلاثة السابقة إلا بتعسف؛ لأن لكلٍّ منها طابعًا خاصًا غير طابع الأنواع السابقة، وغرضًا خاصًا غير الأغراض السابقة. فالتقسيم الحديث للخطابة تقسيم طبيعي يستند إلى موضوع الخطبة، ويعتمد على توجيه الخطيب نفسه، وهي على هذا تنقسم إلى سياسية، وقضائية، وحربية، وحفلية، ودينية، على أن بعضها قد يتداخل، فمثلًا قد يخطب الخطيب في تكريم شخصٍ فيتناول مسائل سياسية، أو يخطب في ساحة القضاء فيتعرض لمسائل علمية، ولكن هذا لا يُخرِج الخطبة عن أن تُسمّى باسمها الأصيل، ولا يبعدها عن نوعها وطبيعتها. ونأتي الآن إلى الحديث عن كل نوع من هذه الأنواع المتعددة للخطابة، فنتحدث عن الخطابة السياسية، ونبدأ بتعريفها فنقول: هي التي تدور حول الشئون العامة للدولة فتشمل الخطب التي تُلقى في البرلمان، وفي المجتمعات الانتخابية، والأندية الحزبية، والمؤتمرات الدولية السياسية، سواء تعلقت بأمور خارجية كالمعاهدات، والحرب، والسلام، أو بأمور داخلية كالتعليم، والاقتصاد، والزراعة، والتشريع، ونظام الحكم. ثم نأتي الآن للحديث عن عوامل ازدهارها، فنقول: هذا النوع من الخطابة يزدهر في الدولة الدستورية؛ لأنه وليد الحرية، وقد بدأ عند اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد؛ إذ كان الحكم جمهوريًّا للشعب فيه القيادة والتوجيه، فارتبطت السلطة الحاكمة برضا الشعب وتأييده، واعتمد طلاب الحكم على استرضاء الشعب وإقناعه، وكانت الخطابة وسيلتهم إلى ذلك، ثم ارتقت عند الرومان في الجمهورية الديمقراطية؛ إذ كانت شئون الدولة تناقش في حرية بمجلس الشيوخ وبالمجتمعات الشعبية، والحق أن الحياة السياسية عند اليونان والرومان كانت أعظم مشجع على ازدهار الخطابة السياسية؛ لأنها كانت الوسيلة الوحيدة للاتصال بالشعب، ولأن المهن التي تشغل الناس في أيامنا هذه وتستنفد جهودهم كالصناعات والطب، كانت عند اليونان والرومان من أعمال الأرقاء، أما الأحرار فقد كان هدفهم الوصول إلى الوظائف العامة، والمشاركة في الحكم.
    وفي العصر الحديث عظم شأن الخطابة في الحكومات الديمقراطية النيابية كانجلترا، وفرنسا، ومصر، والعصر الحديث عصر الخطابة السياسية لكثرة الأحزاب المختلفة في وسائلها وغاياتها، المعتمدة على الخطابة في إقناع الجماهير بصواب الحزب، وابتغائه الخير للأمة، وفي استمالتها إلى نصرة الحزب وتأييده، وفي تفنيد برامج الأحزاب الأخرى، وانتقاص أعمالها، ثم لقوة اتصال الأمم، فقد ألغت وسائل الاتصال المسافات، وربطت العالم ربطًا تنجم عنه مشكلات دولية ومؤتمرات لدراستها وحلها، والمؤتمرون يتسلحون بالخطابة وتأثيرها، ثم لانتشار الحكومات الديمقراطية والمجالس النيابية، وفيها يتصاول الخطباء، ثم ليقظة بعض الشعوب التي كانت في سُبات، وتطلعها إلى حياة راقية كريمة على أن الوعي القومي نضج عند بعض الأمم، وكاد ينضج في بعضها، وهذا من شأنه أن يوقظ الناس إلى حقوقهم فتزدهر الخطابة، وهذا النوع وثيق الصلة بالشعب؛ لأنه يتعلق بالشعب، والحكم فيه للشعب، فهو وصف القوة الوحيدة التي تسيّر القوم إلى الحرب أو تجنح بهم إلى السلم، والشعب لا يؤثر فيه غير الكلام.
    أما عُدة الخطيب السياسي:
    فأولًا: يجب عليه أن يدرس الموضوع دراسة استيعاب وتعمق، خصوصًا إذا خطب في البرلمان؛ لأن السامعين كلهم أو بعضهم على علم بالمسائل التي يخطب فيها، وقد يكون بعضهم أغزر من الخطيب علمًا، وعليه أن يكون إذن دارسًا للائحة المجلس الداخلية، ولشئون الدولة، ولنظام المجتمع.
    ثانيًا: أن يدرس نفسية السامعين ليعرف المنافذ إلى مشاعرهم، والطريقة المُثلى لاستمالتهم وإقناعهم.
    ثالثًا: أن يكون سريع الخاطر حاضر البديهة، قديرًا على الرد في مهارة ولباقة وإفحام، إذا فاجأه سامع بسؤال، أو معارضة، أو مقاطعة، قالت سيدة لخطيب من غير حزبها وهو مسترسل في الخطابة قالت له: لو كنت زوجي لسقيتك السُّم؛ فقال لها على البديهة: ولو كنت زوجتي لشربت السُّم من يدك راضيًا.
    رابعًا: أن يكون حار العاطفة معتقدًا ما يقول ومقتنعًا به؛ لينقل حماسته إلى السامعين، فإن الكلام إذا صدر من القلب وصل إلى القلب.
    خامسًا: أن يكون قديرًا على تنفيذ آراء خصمه بالأدلة، وأن يبتعد في تفنيده عن المسائل الشخصية، وينصرف إلى الموضوع نفسه فيبين ما في آرائه من الخير للأمة، وما في آراء خصمه من الضرر، وبهذه العُدة بَهَرَ مصطفى كامل، وسَحَرَ سعد زغلول، وأثر ميرابو ووليم بد، وهم جميعًا لا سلاح لهم أقوى تأثيرًا في النفوس من الكلام.
    أما خصائص أسلوبها، فنقول:
    أولًا: تعتمد على الخيال لإثارة العاطفة، فالخطيب في هذا النوع شاعرٌ حريصٌ على الاجتذاب والاختلاب بما يجلو من الصور، وبما يعقد من الموازنات، وبما يرسم من آمال، وهو شديد الحاجة إلى هذا في الحفلات الانتخابية ليهز سامعيه، ويستميلهم إلى جانبه، فهم -كما قال جوستاف لوبون- قلما تذكروا وعود الخطيب بعد نجاحه في الانتخابات، أو سائلوه عن البرنامج الإصلاحي الذي وعدهم به.
    ثانيًا: تتنوع أساليبها الرائعة من شدةٍ إلى لينٍ، ومن جدٍّ إلى هزلٍ، ومن إخبارٍ إلى استفهامٍ، ومن تسليمٍ إلى إنكارٍ... إلى آخره.
    ثالثًا: اللباقة في التعبير بحيث تؤدي الجملة ما يريد السياسي، فقد تكون صريحة لا التواء فيها، وقد تكون مبهمة كما في بعض التصريحات السياسية. رابعًا: الاستشهاد بنصوص القوانين والمعاهدات وتصريحات الساسة إذا عرض الخطيب لتصرف سياسي ذي صلة بالقانون، وكثيرًا ما يحدث هذا في البرلمان، وفي هيئة الأمم المتحدة، وفي مجلس الأمن، والاقتباس من مأثور الكلام الرائع ذي السلطان على النفوس كآية كريمة، أو حديث شريف، أو بيت طائر، أو مَثَلٍ سائر. ولنضرب مثالًا على هذه الخطابة السياسية، فنذكر منها: خطب الخلفاء حين توليتهم، والولاة والعمال حينما يُعهد إليهم بالولاية ليبينوا للناس سياستهم، أو يبشروهم بوعود، أو يسكنوا من ثورة ويخمدوا من فتنة، ولعل أول خطبة من هذا النوع هي خطبة أبي بكر بعد بيعته، التي قال فيها: "أيها الناس إني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإني رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطلٍ فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".




    فن الخطابة، لأحمد محمد الحوفي.



    الدرس الحادي عشر

    الخطابة القضائية
    الخطابة القضائية: هي التي تلقى في المحاكم سواء كان الملقي ممثل النيابة أم المحامي عن المتهم، وهي قديمة العهد عند اليونان والرومان، وكانت لها أصول تغاير ما عندنا، أما غايتها والغرض منها فإن الغرض منها تمييز الحق من الباطل، والفصل في المنازعات، ومساعدة العدالة على القصاص من الجاني، وتبرئة المتهم البريء، وحماية المجتمع من الجريمة؛ ولذلك يجب أن يتعاون القاضي والنائب، والمحامي على إحقاق الحق ونصرة المظلوم، ومحاربة الجرائم، ومن الباطل أن يحترف بها بعض المحامين للاستغلال، وكسب المال، وذلك بتنجية المجرم الآثم بقوة البيان، وفصاحة المنطق، وذلاقة اللسان، وهم يعلمون أنه أثيم، ولكنهم يبتدعون الحيل لإفلاته بدعوى أنه لم يُجرِم على أنهم في حلِّ من أن يحاولوا تخفيف العقوبة ببيان دوافع الجريمة وظروفها وعللها. ولخطورة الخطابة القضائية نظر إليها القدماء نظرة فيه وجل وتردد، فمثلًا كان قدماء المصريين في بعض عصورهم يقيدون المرافعة بأن تكون مكتوبة، مخافة أن تتأثر العدالة بخلابة الخطابة، وتبين اليونان أثر مرافعاتهم فسنوا القوانين لمنع الخطباء من استخدام الوسائل المثيرة للوجدان، وبالغوا في ذلك حتى عينوا رجلًا يُقاطع المحامي أو يسكته إذا رآه يحاول إثارة العاطفة، أما الرومان فقد تركوا الدفاع حرًّا يقول ما يشاء ثقة بالقضاء، واعتمادًا على صراحة القانون ووضوحه، وهذا هو النظام المتبع في العالم اليوم، وإذا كان بعض القضاة يؤجلون الحكم مدة بعد سماع المرافعات، فإنما يفعلون ذلك ليدرسوا ويوازنوا أقوال الدفاع بأقوال الاتهام، وهم بنجوة من تأثير هؤلاء وهؤلاء.




    الخطابة والمناظرات في العصر الأموي، لعثمان بن عباس آل فدا.



    الدرس الحادي عشر

    الخطابة الحفلية
    ضروب الخطابة في العصر الأموي:
    ...والضرب الثالث من الخطابة: هو الخطابة الحفلية، والمراد بالخطابة الحفلية: الخطب التي كانت تلقى في المحافل والمجالس والأسواق لغرض من الأغراض المتصلة بالحياة الاجتماعية كالمفاخرة، والتهنئة، والتعزية، والتكريم، والشكوى، وعقد النكاح، وإصلاح ذات البين، ونحو ذلك.
    وقد حظيت هذه الخطب بقسط وفر من النماء والارتقاء في العصر الأموي لتوافر دواعيها، فكانت الوفود تقدم على الولاة والخلفاء، ويقوم خطباؤها فيلقون الخطب بين يدي الوالي والخليفة في الغرض الذي قدموا من أجله. وربما اجتمع في مجلس واحد خطباء من قبائل شتى فيجري بينهم التفاخر بقبائلهم والإشادة بمآثرها. وقد شهد العصر الأموي استعار نار العصبية القبلية على نحو لم تعرفه العصور السابقة وأدى استعارها إلى نمو الشعر القبلي واتساع نطاقه من جانب وإلى كثرة المفاخرات القبلية من جانب آخر، ولاسيما بين خطباء العدنانية والقحطانية.
    ومما يلفت النظر في ذلك انتقال مراكز النشاط الأدبي من البوادي إلى الحواضر والأمصار المحدثة التي ازدحمت بأفواج المهاجرين إليها من شتى قبائل العرب، فأدى ذلك إلى وقوع المفاخرات بين خطباء تلك القبائل في تلك الحواضر فضلًا عما قام بين شعرائها من مناقضات.
    وقد ظلت الخطابة الحفلية التي كانت معروفة من قبل قائمة في العصر الأموي كخطب الإملاق، وخطب إصلاح ذات البين، وخطب التعزية وغيرها.
    خصائص الخطابة في العصر الأموي: كان الخطباء الأمويون يعنون بتجويد خطبهم وتحبيرها وتنميقها حتى تأتي في الصورة التي يرتضونها ولم يكونوا يرسلون الكلام عفوًا على البديهة -صنيع الجاهليين- وقد أثر عن البعيث الخطيب الشاعر قوله: "إنّي والله ما أرسل الكلام قضيبًا خشبيًا، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك".
    وكان من ثمرة هذا التنقيح: أن جاءت خطب العصر الأموي منسقة الأفكار، مرتبة الأقسام، محكمة التسلسل. وتظهر هذه السمات على نحو جلي في خطبة زياد التي قالها يوم قدم البصرة.
    وكان من خطباء العصر الأموي من تعمد محاكاة أهل البادية في جزالة أسلوبهم وبداوة ألفاظهم. ويظهر الطابع البدوي في خطب الحجاج خاصة. على أن أسلوب الخطابة الأموية كان يتفاوت بتفاوت أغراضها وموضوعاتها. وقد ظلت خصائص الخطابة التي وجدت في خطب صدر الإسلام قائمة في الخطب الأموية، ومن ذلك استهلال الخطبة بذكر اسم الله وحمده وإلا كانت بتراء وتوشيحها بآي من القرآن الكريم وإلا كانت شوهاء، وقد يتمثل الخطيب بشيء من الشعر أو الرجز.
    وربما وقع السجع في طائفة من الخطب الأموية، ولكن الخطباء ما كانوا يسرفون في الإتيان به كراهية محاكاة سجع الكهان، وكان النبي وخلفاؤه يوصون الخطباء بتحامي هذا السجع.
    وحين ظهرت الفرق الكلامية برزت الحاجة إلى تعليم أتباع كل فرقة أصول الخطابة، ووسائل الإقناع، وتدريبهم على محاجة خصومهم بالبراهين والأدلة العقلية، وظهر صدى ذلك في خطبهم ومناظراتهم من حيث خصب الأفكار وتنسيقها وعمقها، واستنادها إلى المنطق، وأصول الجدل.
    وفي الوسع القول إن فن الخطابة لم يبلغ في أي عصر من العصور ما بلغه في العصر الأموي من النماء والنضج.
    أعلام الخطباء في العصر الأموي: ظهر في العصر الأموي عدد وفر من الخطباء في شتى ضروب الخطابة، ومن اللافت للنظر في ذلك العصر ظهور جماعات من الخطباء تنتمي كل منها إلى أسرة واحدة. ومن هؤلاء آل رقبة الذين ينتمون إلى قبيلة عبد القيس الربعية، ومن الخطباء المشهورين في هذه الأسرة كرب بن رقبة وابنه مصقلة بن كرب، وهو أشهر خطباء هذه الأسرة، وكان أيام الحجاج. وقد ذكر الطبري أن الحجاج لما دخل الكوفة بعد هزيمة ابن الأشعث أجلس مصقلة بن كرب إلى جانبه وأمره أن يخطب فيشتم كل امرئ بما فيه. وكان ابنه كرب بن مصقلة خطيبًا مفوهًا كذلك، وكان له خطبة يقال لها "العجوز" كان آل رقبة يفاخرون بها.
    ومن الأسر التي اشتهرت بالخطابة كذلك آل الأهتم من قبيلة تميم، وهي أعرق الأسر العربية في الفن الخطابي، وعرف منها في العصر الجاهلي والإسلامي عمرو بن الأهتم، وأخوه عبد الله بن الأهتم. وكان لعبد الله ولدان اشتهرا بالخطابة في عصر بني أمية هما: صفوان بن عبد الله بن الأهتم، وعبد الله بن عبد الله بن الأهتم. وقد ذكر أن عبد الله هذا دخل على عمر بن عبد العزيز فألقى بين يديه خطبة بليغة عرض فيها بأسلاف عمر من بني أمية.
    وفي أواخر العصر الأموي ظهر من هذه الأسرة خطيبان أصابا شهرة بعيدة هما خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم، وشبيب بن شيبة بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وكان لهذين الخطيبين شأن كبير في العصر العباسي كذلك.
    ومن الأسر القرشية التي كان لها حظ واف من الشهرة الخطابية عصرئذ آل العاص، وهم من بني أمية. ومن مشهوري خطباء هذه الأسرة سعيد بن العاص، وهو أشهر خطبائها. ومنها كذلك عمرو بن سعيد بن عمرو بن العاص المعروف بعمرو بن خولة -نسبة إلى أمه- وهو من الخطباء الذين فاخر بهم بنو أمية بني هاشم.
    ومن الأسر التي اشتهرت بالخطابة الدينية في ذلك العصر أسرة فارسية الأصل تنتمي بالولاء إلى قبيلة رقاش البكرية، ومن هذه الأسرة يزيد بن أبان الرقاشي، وكان من القصاص المجيدين، وابن أخيه الفضل بن عيسى بن أبان القصاص. وكان عمرو بن عبيد يحضر مجلسه، ثم اشتهر بعدئذ ابنه عبد الصمد بن الفضل الرقاشي.
    إلى جانب هذه الأسر الخطابية ظهر عدد جم من الخطباء المجيدين، وقد تقدم القول: إن كل حزب من الأحزاب السياسية كان يستظهر بطائفة من الخطباء للمنافحة عنه. وقد برز من الحزب الأموي خطباء من الأسرة الأموية أشهرهم معاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، وسليمان بن عبد الملك، وعتبة بن أبي سفيان، وعمرو بن سعيد الأشدق.
    وأشهر خطباء الحزب الأموي زياد بن أبي سفيان، والحجاج بن يوسف، وكلاهما من قبيلة ثقيف التي كانت تستوطن الطائف، وقد تجلى نبوغ زياد الخطابي منذ أيام عمر بن الخطاب، ودعاه عمر بالخطيب المصقع. وقد مهدت له براعته البيانية والحسابية وثقافته الطريق لتولي الإمارة أيام علي ومعاوية، فولاه علي فارس وكرمان، وبعد مقتل علي استماله معاوية إلى صفه واستحلفه بنسبه وولاه البصرة، وهي يومئذ تموج بالفتن والاضطراب، فاستطاع بحنكته السياسية وحزمه القضاء على الفتنة وحمل أهل البصرة على طاعة بني أمية وأشاع الأمن والاستقرار فيها. وما لبث معاوية أن ضم إليه الكوفة بعد وفاة واليها المغيرة بن شعبة، فكان أول من جمع له العراقان. ولما توفي سنة 53هـ كان الأمن والهدوء يعمان أرجاء العراق.
    وقد سار الحجاج بن يوسف على خطا سلفه زياد، ولكنه كان أكثر ميلًا إلى البطش وسفك الدماء، وكان يضارع في البراعة الخطابية، وشهد له معاصروه بذلك فقال مالك بن دينار: "ما رأيت أحدًا أبين من الحجاج، وإن كان ليرقى المنبر فيذكر إحسانه إلى أهل العراق وصفحه عنهم وإساءتهم إليه حتى أقول في نفسي: لأحسبه صادقًا وإني لأظنهم ظالمين له".
    ومن ولاة بني أمية الذين اشتهروا بالخطابة خالد بن عبد الله القسري وأخوه أسد، وروح بن زنباع، وعبد الله بن عامر، وبلال بن أبي بردة الأشعري، والمهلب بن أبي صفرة، وابنه يزيد، وقتيبة بن مسلم، ونصر بن سيار. وظهر من الخوارج كثرة من الخطباء المجيدين منهم قطري بن الفجاءة، وعبيدة بن هلال اليشكري، والمستورد بن علفة، وزيد بن جندب الإيادي، وقد أشاد الجاحظ بفصاحته وبراعته الخطابية، وعمران بن حطان شاعر الصفرية وخطيبهم، وصالح بن مسرح، وقد اشتهر بقصصه ووعظه لأصحابه، والضحاك بن قيس الشيباني. وأشهر خطباء الخوارج في ذلك العصر هو أبو حمزة الخارجي الإباضي، وقد انتهت إلينا طائفة من خطبه تنبئ بمهارته البيانية المتفوقة.
    وبرز من رجال الحزب الشيعي عصرئذ الحسن والحسين ابنا علي -رضي الله عنهم-، وقد ورثا عن أبيهما البلاغة والمقدرة الخطابية. ومن خطباء الشيعة كذلك زيد بن علي، رأس الزيدية، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وحفيده عبد الله بن معاوية بن عبد الله، ومنهم كذلك صعصعة بن صوحان، والمختار الثقفي، وسليمان بن صرد زعيم التوابين، وعبيد الله بن عبد الله المري. ومن خطباء الحزب الزبيري المبرزين عبد الله بن الزبير، وأخوه مصعب، وعثمان بن عروة بن الزبير، وأخوه عبد الله بن عروة، وكان هذا أبرع الزبيرية وكانوا يشبهونه في بلاغته بخالد بن صفوان.
    وأشهر الخطباء الدينيين عصرئذ هو الحسن البصري، ولم يحظ أحد من رجال الدين بمثل المنزلة التي حظي بها الحسن في ذلك العصر، وعلى أنه كان من أصل غير عربي فقد أجاد الخطابة إجادة العرب الخلص؛ وذلك لأنه نشأ نشأة عربية بين مواليه الأنصار، حتى كانوا يشبهونه برؤبة بن العجاج، وشهد له أبو عمرو ابن العلاء بالفصاحة فقال: "لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج". وكان الحسن يعظ فيأسر القلوب ويسيل الدموع. وكانت حلقة «صاحب العمامة السوداء» أكثر حلقات المسجد ازدحامًا بالوافدين، وكانوا يشبهون كلامه بكلام الأنبياء، ولما توفي سنة 110هـ، كانت وفاته حدثًا عظيمًا في تاريخ البصرة، وقد مشى أهلها جميعًا في جنازته، واشتغلوا به فلم تقم صلاة العصر في الجامع.
    ومن فصحاء أهل الكلام وخطبائهم واصل ابن عطاء، شيخ المعتزلة، وقد بلغ من مقدرته الخطابية أنه خطب خطبة كاملة تجنب فيها حرف الراء لئلا تظهر لثغته. ومن خطباء الوعظ سحبان بن زفر الوائلي الذي ضرب المثل ببلاغته، وقد رووا أنه خطب عند معاوية ذات يوم من صلاة الظهر حتى صلاة العصر. ومنهم كذلك عمر بن عبد العزيز الذي كان يكثر من وعظ الرعية، ومنهم الأوزاعي، وإياس بن معاوية، وجامع المحاربي، وصالح المري القاص.
    ومن أشهر خطباء المحافل في ذلك العصر الأحنف بن قيس سيد بني تميم، والبعيث المجاشعي، والنخار بن أوس العذري، وصعصعة بن صوحان.




    فن الخطابة، لأحمد محمد الحوفي.



    الدرس الحادي عشر

    الخطابة الحفلية
    موضوعها: هي الخطب التي تُلقى في المحافل لتكريم أو تأبين، أو في تهنئة بنعمة خاصة أو عامة، أو في علاج مشكلة اجتماعية، وهذا النوع يكاد يكون موقوفًا سماعه على الخاصة وأنصاف المثقفين، فقلما يسمعه العامة؛ ولهذا رأى "شيشرون" أنه أصعب الأنواع كلها؛ لأن السامعين من الطبقة الممتازة، فلا يستطيع الخطيب أن يلقي الكلام بغير تروية فيه وتجويد.
    أما خصائصها: فأولًا: يحسن أن تكون في جملتها واضحة الأفكار، سهلة التعبير، طلية رقيقة معتمدة على الوسائل الخطابية وبعض المنطق، ولا تكفي الوسائل الخطابية وحدها؛ لأن الخطبة ستنشر وتقرأ، ولا تجزي الأدلة المنطقية؛ لأن هذا النوع في حاجة إلى فن الأدب، والفكاهة الحلوة، والأسلوب الرشيق.
    ثانيًا: على الخطيب أن يصدق في قوله، فلا ينسب للمُكرّم أو المؤبن محامد ليست من حُلاه، وأن يقتصد في ثنائه، فلا يكيل المدح جزافًا، وأن يتخذ خطبته وسيلة لتوجيه السامعين إلى التحلي بصفات النُبل التي من أجلها يُكرم المحتفل به، أو يؤبن المتوفى.
    ثالثًا: وأمام الخطباء ثلاثة طرقٍ في منهج التكريم والتأبين: أن يذكروا تاريخ المحتفل به، وما بر به من أحداث منذ صغره، ويشفعوا ذلك بملاحظاتهم، وتعليقهم على بعض مواقفه، أو أن يدرسوا قيمة المحتفل به، وأثره في أمته ومميزاته، وقد يجمعون بين الطريقتين إذا انفسح لهم الزمن، ولكن المنهج الحديث أن يتركوا تفاصيل تاريخ الحياة إلى الجرائد والمجلات؛ لأن سردها ممل لا يستثير العواطف، فالخطيب الآن تدور خطبته حول بيان نواحي العظمة في المحتفل به وصفاته التي تميزه، ومكانته في التاريخ بين أمثاله، والدروس التي تستفيدها الأمة من عظمته، وذلك يحتاج إلى مهارة في تحليل الشخصية، ولباقة في الموازنة بين المزايا والعيوب، وتقدير المحتفل به تقديرًا عامًّا.
    والخطابة الحفلية أنواع:
    أولًا: خطبة التكريم، والمديح:
    وهي التي تقال ثناء على عظيم أو ذي فضل، ومهمة الخطيب أن يبرز سمات عظمة المكرم وفضله، والفضائل أنواع شتى، منها: العدالة، والشجاعة، والمروءة، والعفة، والسخاء، والعظمة، والتسامح، وصدق الحس، والحكمة، وكبريات الفضائل ما كانت أكثر نفعًا للناس؛ لأن الفضيلة هي القوة التي تستطيع أن تُمدنا بخيرات كثيرة؛ ولذلك تعلو العدالة والشجاعة سائر الفضائل؛ لأن العدالة تؤثر تأثيرًا كبيرًا في وقت الحرب، ويأتي بعد هاتين الفضيلتين الكرم؛ لأن الكرماء يعطون بلا حساب، ولا يفكرون في موارد الثورة، ولا يجادلون فيها غيرهم، بينما يريد غيرهم المزيد منها، وقد عَرّفَ أرسطو كل فضيلة من هذه الفضائل، وليس من الصعب أن يفهم الإنسان ما وراء هذه الفضائل، فمن الواضح أن كل ما ينشأ عن الفضيلة جميل، ثم يتعمق الخطيب في نظرته إلى الجميل من الأعمال فيقرر أن الأشياء التي يكافأ عليها بالكرامة وحدها خيرٌ مما يجازى عليه بالمال، وأن كل ما عُمِلَ بدافع من الإخلاص المجرد عن المنفعة الشخصية جميلٌ يستحق المدح، والأشياء التي تُقدم لخير الوطن في غير رعاية للمصلحة الذاتية جميلة، والأشياء المفيدة بطبيعته وليست مفيدة لمن قام بها جميلة؛ إذ لو كانت مفيدة له لعُدّ مدفوعًا إليها بدافع من الدوافع الذاتية، وعلى الخطيب المُكرم أن يظهر ممدوحه مختارًا لما قام به من جلائل الأعمال مريدًا لها، وأنه كثيرًا ما قام بأمثالها.
    وخطبة المدح في حاجة إلى إطناب، وتفصيل كأن يذكر الخطيب أن الممدوح أول من قام بهذا العمل الجليل، أو فكر في هذا الصنيع، أو أنه الوحيد الذي قام به، أو أن قليلًا من الناس عملوا مثل ما عمل، أو أنه تفوق على من أشبهوه في عمله، وكذلك يوضح الظروف والمُلابسات التي أحاطت بالعمل الجليل الذي قام به المكرم، والإطناب مستحبٌ في خطب التكريم؛ لأن التكريم يتناول الإشادة بفضائل يشترك الناس في تقديرها من الوجهة الخلقية، فليس أمام الخطيب إلا أن يفصّلها ويجملها، ويطنب في تحلية المُكرّم بها، وليس من المستحب أن يتعرض الخطيب لشيءٍ آخر غير الفضائل كثراء المكرم، أو مآثر آبائه، إلا تبعًا لمميزاته الخلقية والنفسية، كأن يثبت عراقة نسبه ليؤكد أن عظمته تتمشى في أصوله، وأنه نَبَتَ في تربة مخصبة، أو عاش في جوٍّ يُنمي العظمة ويغذيها، ثم يعرض لصفاته المكتسبة، وقد يتعرض الخطيب للبيئة التي وُلِدَ فيها المكرم فيعرج على الحالة السياسية والدينية والاجتماعية والفكرية التي عاصرت مولده ونشأته.
    أما النوع الثاني من الخطب الحفلية: خطبة التأبين:
    وهي الخطبة التي تلقى على قبر الراحل العظيم أو المتوفى العزيز، أو في حفل تأبينه، أو في ذكرى وفاته، فيبين الخطيبة عظم الفجيعة فيه، ويعدد مناقبه، ويجلي آثاره، ويواسي آله وأحبابه، وقد عرفها اليونان منذ زمن قديم، وذكرها المؤرخ الكبير "توسيديد" في القرن الرابع قبل الميلاد، وكانوا يلقونها في محافل رسمية لتأبين شهداء الوطنية، وكذلك مارسها الرومان، ووردت منها نصوصٌ منذ القرن السادس قبل الميلاد، والمتبع أن يبدأ الخطيب خطبته بتصوير الفاجعة والأسى والحسرة، كما قال عبد الخالق ثروت في تأبين سعد زغلول قال: "أيها السادة في هذا الحشد الذي يريد كل فردٍ فيه أن يؤدي حقَّ فقيدنا العظيم عليه وعلى البلاد، إما باللوعة الصامتة والذكرى الباقية، وإما بالزفرات يرسلها كلمات، وبحياة الفقيد يحملها مناقب وعظات أردت أن يكون لي نصيب في الوداع الناطق للراحل الكريم، ولكن سعدًا ليس كغيره من الرجال، فلكل عظيم ناحية من العظمة، ولسعد منها نواح متعددة، والعظيم يملأ فراغًا في جانب من الحياة، وسعد قد شغل الحياة المصرية عامة، فقد اجتمع فيه تاريخ مصر الحديث، وانتهت إليه نهضتها الكبرى، فلا غرو إذا جلت مصيبتنا في فقده، وكثرت وجوه القول، وتعددت شعاب الذكرى فيه" ثم يعرض تاريخ الفقيد، ويشيد بما كان له من جهادٍ، أو إصلاحٍ، أو نُبلٍ، أو يحلل شخصيته ويبرز نواحي عظمته، ويضرب الأمثال من تاريخه وحوادثه، ثم يشارك الخطيب آل الفقيد في فجيعتهم ويعزيهم ويواسيهم، بأن عظمة الفقيد باقية فيهم وأن منهم خلفاء له، ثم يوجه السامعين بلباقة إلى الاقتداء بالفقيد. وقد يختم الخطيب بكلمة يتوجه بها إلى روح الفقيد يدعو له بالثواب، ويطمئنه على أن من خلفوه حريصون على تعاليمه، قوامون على رعاية ما كان يرعى، ومن ذلك مناجاة عبد الخالق ثروت لسعد زغلول في خطبة تأبينه بقوله: نم هادئًا مطمئنًا، فإن البذر الذي بذرته من خِلالٍ حسنة، ودعوة صالحة سيؤتي ثمره -إن شاء الله تعالى.




    البيان الزاهر إلى فرسان المنابر، لعبد الرحمن الأحمد.



    الدرس الحادي عشر

    تابع الخطابة الحفلية
    3-الخطابة الحفلية:
    موضوعها:
    هي الخطب التي تُلقى في المحافل لتكريم أو تأبين، أو في تهنئة بنعمة خاصة أو عامة، أو في علاج مشكلة اجتماعية.
    وهذا النوع يكاد يكون موقوفًا سماعه على الخاصة وأنصاف المثقفين، فقلما يسمعه العامة، ولهذا رأى شيشرون أنه أصعب الأنواع كلها، لأن السامعين من الطبقة الممتازة، فلا يستطيع الخطيب أن يلقي الكلام بغير تروية فيه وتجويد.
    خصائصها:
    1- يحسن أن تكون في جملتها واضحة الأفكار، سهلة التعبير، طلية رقيقة معتمدة على الوسائل الخطابية وبعض المنطق، ولا تكفي الوسائل الخطابية وحدها لأن الخطبة ستنشر وتُقرأ، ولا تجزي الأدلة المنطقية؛ لأن هذا النوع بحاجة إلى فن الأدب والفكاهة الحلوة، والأسلوب الرشيق.
    2- وعلى الخطيب أن يَصدُق في قوله، فلا ينسب للمكرَّم أو المؤبَّن محامد ليست من حُلاه، وان يقتصد في ثنائه، فلا يكيل المدح جزافًا، وان يتخذ خطبته وسيلة لتوجيه السامعين إلى التحلي بصفات النبل التي من أجلها يُكرَّم المُحتفَل به، أو يُؤبَّن المتوفّى.
    3- وأمام الخطباء ثلاثة طرق في منهج التكريم والتأبين: أن يذكروا تاريخ المحتفل به، وما مر به من أحداث منذ صغره، ويشفعوا ذلك بملاحظاتهم، وتعليقهم على بعض مواقفه، أو أن يدرسوا قيمة المحتفل به وأثره في أمته ومميزاته، وقد يجمعون بين الطريقتين إذا انفسح لهم الزمن.
    ولكن المنهج الحديث أن يتركوا تفاصيل تاريخ الحياة إلى الجرائد والمجلات؛ لأن سردها مُمِلّ لا يستثير العواطف، فالخطيب الآن تدور خطبته حول بيان نواحي العظمة في المحتفل به، وصفاته التي ميزته، ومكانته في التاريخ بين أمثاله، والدروس التي تستفيدها الأمة من عظمته، وذلك يحتاج إلى مهارة في تحليل الشخصية، ولباقة في الموازنة بين المزايا والعيوب، وتقدير المحتفل به تقديرًا عامًا.
    والخطابة الحفلية أنواع:
    (1)- خطبة التكريم والمديح:
    هي التي تُقال ثناء على عظيم أو ذي فضل.
    ومهمة الخطيب أن يبرز سمات عظمة المكرم وفضله.
    1- والفضائل أنواع شتى، منها العدالة والشجاعة والمروءة والعفة والسخاء والعظمة والتسامح وصِدق الحسِّ والحكمة.
    وكبريات الفضائل ما كانت أكثر نفعًا للناس؛ لأن الفضيلة هي القوة التي تستطيع أن تمدنا بخيرات كثيرة، ولذلك تعلو العدالة والشجاعة سائر الفضائل، لأن العدالة تؤثر تأثيرًا كبيرًا في وقت الحرب، ويأتي بعد هاتين الفضيلتين الكرم، لأن الكرماء يعطون بلا حساب، ولا يفكرون في مورد الثروة، ولا يجادلون فيها غيرهم، بينما يريد غيرهم المزيد منها.
    وقد عرف أرسطو كل فضيلة من هذه الفضائل ثم قال: وليس من الصعب أن يفهم الإنسان ما وراء هذه الفضائل، فمن الواضح أن كل ما ينشأ عن الفضيلة جميل.
    2- ثم يتعمق الخطيب في نظرته إلى الجميل من الأعمال, فيقرر أن الأشياء التي يكافأ عليها بالكرامة وحدها خير مما يجازى عليها بالمال, وأن كل ما عُمِل بدافع من الإخلاص المجرد عن المنفعة الشخصية جميل يستحق المدح, والأشياء التي تقدم لخير الوطن في غير رعاية للمصلحة الذاتية جميلة, والأشياء المفيدة بطبيعتها وليست مفيدة لمن قام بها جميلة, إذ لو كانت مفيدة لعُدّ مدفوعًا إليها بدافع من الدوافع الذاتية.
    وجميل أيضًا كل ما يمكن أن يفيد ميتًا ولا يفيد حيًّا, لأن ما يعمل للمنفعة الذاتية يرتفق به حي لا ميت.
    وكذلك كل الأعمال التي تعمل لمنفعة الغير, لأن المنفعة الذاتية هنا في المرتبة الثانية.
    3- وقد ينبغي في أدلة المدح والذم ألا يقتصر الخطيب على ما يتفق تمام الاتفاق مع الصفات الحقيقية, بل يعالج أيضًا ما هو قريب منها من فضائل تنشأ عنها أفعال النقيصة, ومن نقائض تنشأ عنها أفعال الفضيلة.
    4- وعلى الخطيب المكرّم أن يظهر ممدوحه مختارًا لما قام به من جلائل الأعمال, مريدًا لها, وأنه كثيرًا ما قام بأمثالها.
    5- خطبة المدح في حاجة إلى إطناب وتفصيل, كأن يذكر الخطيب أن الممدوح أول من قام بهذا العمل الجليل، أو فكر في هذا الصنيع, أو أنه الوحيد الذي قام به, أو أن قليلًا من الناس عملوا مثل ما عمل, أو أنه تفوق على من أشبهوه في عمله.
    وكذلك يوضح الظروف والملابسات التي أحاطت بالعمل الجليل الذي قام به المكرّم.
    والإطناب مستحب في خطب التكريم؛ لأن التكريم يتناول الإشادة بفضائل يشترك الناس في تقديرها من الوجهة الخلقية, فليس أمام الخطيب إلا أن يفصلها ويجمّلها ويطنب في تحلية المكرّم بها.
    6- وليس من المستحب أن يتعرض الخطيب لشيء آخر غير الفضائل, كثراء المكرّم, أو مآثر آبائه, إلا تبعًا لمميزاته الخلقية والنفسية, كأن يثبت عراقة نسبه, ليؤكد أن عظمته تتمشى في أصوله, وأنه نَبَت في تربة مخصبة, أو عاش في جو ينمي العظمة ويغذيها, ثم يعرض لصفاته المكتسبة.
    7- ولقد يتعرض الخطيب للبيئة التي ولد فيها المكرّم فيمر على الحالة السياسية والدينية والاجتماعية والفكرية التي عاصرت مولده ونشأته, ثم يبق تأثيره فيها من حيث تغييره هبوطها إلى رفعة, وضلالها إلى هدى, وتأخرها إلى تقدم, أو من حيث تأثره بها إن كانت صالحة, وتقدمه بها إلى استكمال الصلح.
    ولا بد للخطيب من مراعاة السامعين فيما يعرض من مدح, فيمدح المكرّم أمام من يحبه, كما قال سقراط: "من السهل أن نمدح الأثينيين في أثينا", ويمدحه بما يعرفه قومه عنه: وإن كانت معرفة إجمالية.
    أمثلة:
    1- عرف عرب الجاهلية نوعًا من الخطب, موضوعها المباهاة في الجمع الحاشد بعراقة الحسب, ونبالة الأصل, وعلو المكانة, وشرف الأخلاق, وهذه هي المفاخرة أو المنافرة.
    وليس من المستطاع الاطمئنان إلى ما ورد من نصوصها الجاهلية, لأنها من النثر الذي لا يطمئن الباحث إلى صحته كما يطمئن إلى الشعر, ولأن ما بقي من هذه المنافرات موسوم بلغة متأنقة مسجوعة ليست مما يقال عفو الخاطر.
    من ذلك منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن عُلاثة إذ تنازعا في الرياسة، فقال علقمة لعامر: أنا خير منك أثرًا، وأحدّ منك بصرًا، وأعزّ منك نفرًا، وأشرف منك ذكرًا، وقال عامر: إني أسمى منك سِمةً، وأطول منك قامة، وأحسن منك لِمّة، وأجمد منك جُمّة، وأسرع منك رحمة، وأبعد منك همّة.
    وشتان ما بين هذه العبارات وما ورد من منافرة بني تميم للنبي -صلى الله عليه وسلم.
    2- فقد وفد بنو تميم على النبي -صلى الله عليه وسلم- لينافروه، فقالوا: جئنا لنفاخرك، ثم قام خطيبهم فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق، وأكثره عددًا، وأيسره عُدّة، فمن مثلنا في الناس؟ فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عدَدنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نستحيي من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نُعْرف بذلك.
    أقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا، وأمرٍ أفضل من أمرنا.
    فأمر النبي ثابت بن قيس بأن يرد عليه فقال:
    "الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه ولم يكن شيء قط إلا من فعله؛ ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا واصطفى من خير خلقه رسولًا، أكرمه نسبًا، وأصدقه حديثًا وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه؛ وكان خيرة من العالمين؛ ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابًا، وأحسنهم وجوهًا، وخير الناس فعالًا؛ ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن فنحن أنصار الله، ووزراء رسول الله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله متع بماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا؛ أقول هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم".
    ولقد أبطل الإسلام كثيرًا من عادات الجاهلية، وسوّى بين الناس جميعًا وآخى بينهم، وأنكر العصبية الجاهلية، فتوارت المفاخرة حينًا، ثم عادت في العصر الأموي في قالب من الحوار.
    3- ومنها خطب الوفود التي وفدت على سيف بن ذي يزن لتهنئته بطرد الحبش من اليمن، والوفود التي قدمت إلى النبي تعلن إسلامها، والتي جاءت إلى الخلفاء الراشدين، ومَن بعدهم لتعلن تأييدها، أو تجهر بشكواها.
    ومنها خطب الزواج التي كان يلقيها أهل الخاطب في أهل الفتاة، يشيدون بمكانة أنفسهم، ويعرضون على أهل الفتاة رغبتهم في الإصهار إليهم، ويحددون المهر، ويذكرون من محامد العروس ما يكافئ مكانة المخطوب إليهم.
    وكثيرًا ما كان أهل الفتاة يردون عليهم، مرحبين بهم، ومفتخرين بأقدارهم.
    وإذا كان مجال هذا النوع ضيقًا، وكانت العواطف فيه هادئة، والأفكار التي يعرض لها الخطيب محدودة، استحسنوا أن يخطب فيه الخطيب قاعدًا لا قائمًا، وشعر كثير منهم بأنه شاق على النفس، ولذلك قال عمر بن الخطاب: "ما يتصَعَّدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح".
    ومن أمثلة هذا النوع خطبة أبي طالب في زواج النبي بالسيدة خديجة، كقوله: "الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، ومن ذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتًا محجوجًا وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكّام على الناس في محلّنا الذي نحن فيه؛ ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس به شيء إلا عَظُم عنده، وإنه وإن كان في المال قُلّ فإن المال بعدُ رزقٌ جارٍ، وله في خديجة رغبة، ولها فيه مثل تلك، وما أحببتم من الصداق فعليّ".
    4- وفد جماعة من قريش على سيف بن ذي يزن بعد انتصاره على الحبش وإجلائهم من اليمن فخطب عبد المطلب قائلًا:
    "إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلًا رفيعًا، صعبًا منيعًا، باذخًا شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته، وعزت جُرثومته، ونبل أصله، وبَسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت رأس العرب، وربيعها الذي به تُخصب، وملكها الذي به تَنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومَعْقِلها الذي إليه يلجأ العباد؛ سلفك خيرُ سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف؛ ولن يَهلك من أنت خلَفه.
    نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته، أشْخَصنا إليك الذي أنهجك لكشفك، الكَرْب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفود المَرْزِئة.
    فمدح الملك بالرفعة والمتعة، وبطيب المنبت وعراقة الأصل، ثم مدحه بأنه سيد العرب وموئلها ومعقلها، وبأنه خير سلف، ثم بيّن أنهم قد وفدوا للتهنئة لا لنيل العطاء.
    (2)- خطبة التأبين:
    هي الخطبة التي تُلقى على قبر الرجل العظيم أو المتوفى العزيز، أو في حفل تأبينه، أو في ذكرى وفاته.
    فيبين الخطيب عظم الفجيعة فيه، ويعدد مناقبه، ويجلي آثاره، ويواسي آله وأحبابه.
    وقد عرفها اليونان منذ زمن قديم، وذكرها المؤرخ الكبير توسيديد في القرن الرابع قبل الميلاد، وكانوا يلقونها في محافل رسمية لتأبين شهداء الوطنية.
    وكذلك مارسها الرومان، ووردت منها نصوص منذ القرن السادس قبل الميلاد.
    1- والمتبع أن يبدأ الخطيب خطبته بتصوير الفاجعة والأسى والحسرة، كما قال عبد الخالق ثروت في تأبين سعد زغلول:
    أيها السادة:
    في هذا الجمع الحاشد الذي يريد كل فرد فيه أن يؤدي حق فقيدنا العظيم عليه وعلى البلاد، إما باللوعة الصامتة والذكرى الباقية، وإما بالزفرات يرسلها كلمات، وبحياة الفقيد يحملها مناقب وعظات، أردت أن يكون لي نصيب في الوداع الناطق للراحل الكريم.
    ولكن سعدًا ليس كغيره من الرجال، فلكل عظيم ناحية من العظمة، ولسعد منها نواحٍ متعددة، والعظيم يملأ فراغًا في جانب من الحياة، وسعد قد شغل الحياة المصرية عامة، فقد اجتمع فيه تاريخ مصر الحديث، وانتهت إليه نهضتها الكبرى، فلا غرو إذا جَلَّت مصيبتنا في فقده، وكثرت وجوه القول، وتعددت شعاب الذكرى فيه...".
    2- ثم يعرض تاريخ الفقيد، ويشيد بما كان له من جهاد أو إصلاح أو نبل، أو يحلل شخصيته، ويبرز نواحي عظمته، ويضرب الأمثال من تاريخه وحوادثه.
    ومن خطبة شاب في تأبين المرحوم الأستاذ أبو الفتح الفقي رئيس جماعة دار العلوم ووكيل كلية دار العلوم:
    يا أبا الفتح لم أذق مرارة الفقد إلا يوم موتك، ولم أرهب الموت إلا يوم خطفك، ولن أنسى تشييعك في القاهرة، وحرارة توديعك في الدلجمون وفجيعة إيداعك في المقبرة... فقد بكاك يا أبا الفتح كل من شيعوا، وتفجع عليك من عِليَةِ القوم من ودَّعُوا، ومن حِيلَ بينهم وبين أن يودعوا، وبسرتْ لموتك وجوه كانت دائمة مشرقة، وحزنت قلوب كانت دائمًا مستبشرة، ونسي في جنازتك الشيخ وقاره، فبكى بكاء مرًَّا، وعصى الصبور صبره، فذرف الدمع سخيًا حارًا، واختلط جئير النائحين بلوعة النائحات.
    يا أبا الفتح هناك جثمانك الطاهر، وهنا ذكرك العاطر، وطيفك
    الزائر، وصدى صوتك الرنان الآسر.
    وسيبقى دائمًا ذكرك وطيفك وصوتك ما بقي في الدنيا وفاء، وما دام في الناس اعتزاز بالفضيلة، وتقدير للرجولة، وإيمان بالعظمة، والسلام عليك في علاك".
    3- ثم يشارك الخطيب آل الفقيد في فجيعتهم ويعزيهم، ويواسيهم بأن عظمة الفقيد باقية فيهم، وأن منهم خلفاء له.
    4- ثم يوجه للسامعين بلباقة إلى الاقتداء بالفقيد.
    من ذلك قول ثروت في ختام تأبينه لسعد:
    "إن حزننا على فقيدنا عظيم، ولكن يجب ألا يكون عقيمًا، وخير ما يلد هذا الحزن هو حُسُنُ التأسي، فلنتأسَّ بسعد في جهاده للحق، وصبره على المكاره، ودعوته إلى ضم الصفوف، وإيثار المصلحة العامة.
    وإني لأعلم أني لا أنبه غافلًا، ولا أوقظ نائمًا، فإن سيرتكم منذ مات سعد ناطقة بأن روحه لا تزال معكم، ولا أشك أنكم لن تزالوا سالكي هذا الطريق في توفيق من الله، وتأييد من صاحب العرش، وأوقن أنه ليس شيء أحب إلى سعد في قبره من أن تثابروا على المضي في هذا الطريق الحكيم، حتى نبلغ غايتنا جميعًا".
    5- وقد يختم الخطبة بكلمة يتوجه بها إلى روح الفقيد، يدعو له بالثواب، ويطمئنه على أن من خلفوه حريصون على تعاليمه، قوامون على رعاية ما كان يرعى.
    من ذلك مناجاة لسان الدين بن الخطيب للمتوفى بأن ابنه سيخلفه:
    "لَيْهنكَ أن صيَّر الله تعالى ملكك من بعدك إلى نيِّرِ سعدك، وبارق وعدك، ومنجز عهدك، أرضى ولدِك، وريحَانَةَ خلدِك، وشقَّةُ نفسك، والسرحة المباركة من غرسك، ونور شمسك، ومُوصل عملك من البرّ إلى رمسك".
    ومناجاة ثروت لسعد زغلول في خطبة تأبينه بقوله.
    "نم هادئًا مطمئنًا، فإن البذر الذي بذرته من خلال حسنة، ودعوة صالحة سيؤتى ثمره إن شاء الله.
    وستحفظ لك مصر أكبر الذكرى، فرحمة الله ورضوانه عليك".
    (3) الخطبة الاجتماعية:
    هي الخطبة التي تعرض لدراسة مشكلة من مشكلات المجتمع، فتبرز العيوب وأسبابها، وتَطِبُّ لها.
    وبعض هذه الخطب تنتظمه الخطابة وبعضها لا تنتظمه، فإذا اعتمد الخطيب على الدراسة وحدها، ولم يضف إليها الإلقاء الخطابي فهو محاضر لا خطيب.
    وإذا أضاف إلى الدراسة إثارة المشاعر بفنه الخطابي، وتصويره الجميل، وتخييله الساحر فهو خطيب لا محاضر.




    البيان الزاهر إلى فرسان المنابر، لعبد الرحمن الأحمد.



    الدرس الحادي عشر

    الخطابة العسكرية أو الحربية
    5- الخطابة الحربية:
    موضوعها وخصائصها:
    لطالما استمد السيف إلى مضائه قوة من الخطابة تزيده مضاء، وكثير ما لجأ القادة إلى الكلمة يشعلون بها الجنود حماسة إلى الاستبسال، وكثير ما كان الخطباء يشدون أزر الجيش المقاتل بما يلقون من خطب، ويوقدون حماسة الشعب ليجود بالدماء والأموال.
    ولئن كانت الخطب السابقة مجالًا للتحضير والتنقيح والتروّي، إن الخطابة الحربية كثيرًا ما تستهل لوقتها، إذ يفجأ الزمن القائد، فينتزع من بديهته المسعفة خطبة مرتجلة، على انه أحيانًا يعدها لظرف يتوقعه.
    ومهمته شاقة، لأن لا يستطيع أن يسمع الجيش كله، ولذلك جرت العادة الآن أن تكتب الخطبة، وتوزع على الجند.
    والغرض منها بعث العزيمة في نفوس الجند، وإذكاء حماستهم وتبشيرهم بالنصر، وبث الثقة، وتهوين الموت.
    والقائد يتخير الجمل القوية القصار، ويلجأ إلى الخيال كثيرًا يستثير به عظمة الماضي والأمل في الحاضر، ويُمنّى بالفوز والمجد، ويُنفِّر من التخاذل والانكسار.
    أمثلة:
    وقد أُثر عن العرب والمسلمين وغيرهم فيض من هذه الخطب.
    1- منها خطبة هانئ بن قبيصة الشيباني في موقعة ذي قار، يحرض قومه على الفرس: "يا معشر بكرٍ، هالك معذور، خير من ناجٍ فرور؛ إن الحذر لا ينجى من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر؛ المنية ولا الدنية؛ استقبال الموت خير من استدباره؛ الطعن في ثغر النحور، أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا من بد".
    2- ومن أعظم الخطب الحربية الخطبة المنسوبة إلى طارق بن زياد قبل فتح الأندلس:
    "أيّها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدوّ أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنّكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام، في مآدب اللئام.
    وقد استقبلكم عدوّكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلاّ ما تستخلصونه من أيدي عدوّكم، وإن امتدّت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرًا ذهبت ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإنّ انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت.
    وإنّي لم أحذّركم أمرًا أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطةٍ أرخص متاعٍ فيها النفوس أربأ فيها بنفسي.
    واعلموا أنّكم إن صبرتم على الأشقّ قليلًا، استمعتم بالأرفه الألذّ طويلًا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظيّ.
    وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات اليونان، الرافلات في الدرّ والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عربانًا، ورضيكن لملوك هذه الجزيرة أصهارًا وأختانًا، ثقةً منه بارتياحكم للطّعان، واستملاحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظّه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى وليّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكرًا في الدارين، واعلموا أنّي أوّل مجيبٍ إلى ما دعوتكم إليه، وأنّي عند ملتقى الجمعين حاملٌ بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولم يعوزكم بطلٌ عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، احملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا
    الهمّ من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون".
    وهذه الخطبة ثرية بخصائص الخطابة الحربية، من ناحية التعبير والتصوير والاستمالة، وفيها حَفْزٌ للعزائم بوسائل شتى، وتبشير بالنصر والغنائم، ودعوة إلى الجهاد ابتغاء الثواب.
    3- ومنها خطب ابن نباتة الفارقي في تأييد سيف الدولة الحمداني في حربه للروم، كقوله: "من وصل حبل الله أوصله، ومن أخمل حقه أخمله، ومن قعد عن نصرته خذله.
    فانفروا رحمكم الله كما أمركم إلى جهاد عدوه، فإنكم إن قعدتم عن جهاده نهض إليكم، وإن لم تنصروا الله نصره عليكم كدأبه فيمن رأيتموه من أهل الثغور الذين أحلّ بهم دواهي الأمور، ولقد كانوا أكثر منكم جهادًا، وأوفر عددًا واستعدادًا".
    ....ولهانيبال القائد القرطاجي المتوفى 183ق.م خطبة تشبه خطبة طارق في التيئيس من الفرار، والتخويف من الحواجز الطبيعية المحيطة بالجيش الغريب، والتخيير بين الهلاك وبين النصر، والترغيب في الغنائم المباحة للمنتصرين.
    وتنفرد خطبة هانيبال بتذكير الجنود بماضيهم المجيد، وانتصارهم الباهر، وتحقير شأن العدو واستصغار قوته وعدده، وهذا جزء منها: "أيها الجنود، إني لا أدري إذا كان الحظ لكم أو لمن في أيديكم من الأسرى، فقد شُدَّ بكم جميعًا الوَثاق، وحُمّت الحاجات، فعن اليمين وعن الشمال بحران بكتفانكم، وليست لديكم سفينة واحدة تهرعون إليها، ومن بين أيديكم نهر يو، وهو أعرض وأسرع جريًا من الرون، ومن خلفكم جبال الألب، تلكم الجبال التي لم تستطيعوا اقتحامها إلا بشق الأنفس حتى في أيام وفرة عددكم، فهيا أيها الجيوش، فليس أمامكم إلا الفناء أو النصر على الأعداء يوم لقائكم لهم.
    أيها الجنود، لا تيأسوا فإن تلك القدرة الإلهية التي ألقت بكم في هذا المأزق الحرج الذي يرغمكم على القتال، هي عينها التي أعدت لكم على مرأى منكم نعيمًا عظيمًا، ليكون أجرًا لكم على انتصاركم، وجزاء لا يرجو أعظم منه إنسان من الله الباقي.
    إننا إن لم نستطيع ببأسكم وحميتكم إلا أن نعيد إلى حوزتنا صقلية وسردينية اللتين سلبهما العدو من آبائكم سلبًا، كان ذلك جزاء وفاقًا لا يستهان به، ولكن أين هاتان مما أعد لكم من ثروة رومة الطائلة وأموالها المكدسة، وغنائمها التي سلبتها الأمم الأخرى، كل هذه وأمثالها ستكون لكم وفي حوزتكم.
    إني أربأ بكم أيها القوم أن تتصوروا أن الانتصار صعب المنال، أو تعتقدوا كما يعتقد الناس أن إعلان حرب على رومة أمر عظيم له وقع في النفوس، ولتعلموا أنه كثيرًا ما تغلب جيش مستصغر على عدد مستعظم، وصمد له في معارك أُريقت فيها الدماء، وحُصدت فيها الرؤوس، وكم ثُلت عروش فخمة، وأفنيت أُمم عريقة في المجد على أيدي جيوش قليلة العدد.
    ولكنكم لو جردتم رومة من اسمها الفخم البراق، وصيتها الذائع،
    فما الذي يبقى لديهم مما تستطيع أن تقف به أمامكم وتنافسكم به في قوتكم وبأسكم؟
    وإننا لو تغاضينا عن خدماتكم الجليلة في تلك الحروب الطاحنة المتعاقبة، التي دامت عشرين حولًا أظهرتم فيها ما أظهرتم من البسالة والإقدام، ونلتم فيها ما نلتم من الفوز والنصر المؤزر، أقول لو تغاضينا عن هذه كلها لبقيت لكم مفاخرًا أعلى شأنًا وأجل منزلة.
    ألم تأتوا من أسوار هركوليس، ومن أقاصي المحيط، بل من أقاصي حدود الأرض، ألم تجوسوا خلال ديار لأقوام عرفوا بالمهارة الحربية أمثال الإسبان والغالة، ألم تصلوا إلى هذه البلاد منتصرين فائزين؟ ومع ذلك فمن ستقاتلون؟ فلول جند قواهم غير ناضجة، وجيشًا يعوزه النظام، قد كسرت شوكته، وحاصره الغالة صيف العام الماضي، وما بالكم بجيش لا يعرف قائده، ولا يعرفه قائده".




    البيان الزاهر إلى فرسان المنابر، لعبد الرحمن الأحمد.



    الدرس الحادي عشر

    الخطابة الدينية
    4- الخطابة الدّينية:
    موضوعها:
    هي التي تعتمد على إثارة العاطفة لتحبب إليها الخير، وتنفرها من الشر، وتوجهها إلى تقوى الله وحبه وخشيته.
    وقلوب السامعين متفتحة للتأثر بالخطب الدينية؛ لأنها تصلهم بالخالق سبحانه وتعالى، وتعلو بهم عن الأرض إلى السماء، وتبصرهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، فالخطيب يتكلم من قِبَل الله، والموضوع ديني روحي، وثمرة الخطبة سعادة الفرد والمجتمع، وتمجيد الله وطاعته وابتغاء الخير.
    لماذا أخفقت؟
    ولكن كثيرًا من الخطباء الدينيين -في الأديان الثلاثة- لم يبرعوا في خطابتهم للأسباب الآتية:
    1- خطبهم ذات موضوعات عدة، من دعوة إلى فضائل شتى، وإلى تنفير من رذائل منوعة، فتبدو الخطبة كشكولًا جامعًا لموضوعات عدة مبتترة مقتضبة، لم يدرس واحد منها دراسة كاملة ترسخ في أذهان السامعين، وتمتلك مشاعرهم، والخطبة الناجحة لا بد أن تكون ذات موضوع واحد.
    2- وهذه الموضوعات الكثيرة ذوات معان واحدة مكرَّرة، وأحيانًا ذوات أسلوب واحد، تكرر على مسامع الناس فيملونها، وقد مضت على الخطباء فترة من الزمن- وما زالت لها بقية- كان الخطباء يحفظون فيها خطبهم، أو يلقونها من كتب مطبوعة، متمشية مع أسابيع كل شهر من كل عام، فلا تصرُّفَ ولا تجديد، ولا مراعاة لأحوال السامعين.
    3- على أنها بموضوعاتها المتعددة، ومعانيها الموحدة متخلفة عن قافلة الزمن، مباينة للحياة الواقعية، ليست فيها جدَّة، وكثيرًا ما يشغل الناس حدث جلل أو طارئ، ويتشوقون إلى سماع كلمة الدين فيه، فإذا بهم يسمعون نغمات قديمة لا صلة لها بما يتوقُون إلى سماعه.
    4- ومن نتائج ذلك كله أنها غير ملائمة لعقلية السامعين، وغير مشوقة، فأسلوبها رث متكلف، ومعانيها، لا تشويق فيها؛ وإلقاؤها باعث على التثاؤب والملال.
    5- ويغلب على القائمين بها ضحولة المعارف، والجمود الكريه، والبعد الشاسع عن الإلقاء المشوق، والأسلوب الجذاب.
    كيف ننهض بها؟
    وإذا ما أردنا أن ننهض بالخطابة الدينية فعلينا أن نصلح هذه العيوب، بأن نجعل كل خطبة موحدة الموضوع، جديدة الأفكار والمعاني، مسايرة للحياة الواقعية، معروضة في معرض شائق رائق، وأن نجملها بألوان من التشبيه والمقابلة وغيرها بحيث لا نتكلف ولا نتعسف.
    ثم ليعلم الخطباء الدينيون أنهم في مسلكهم قدوة للناس ومَثل، فيدين الناس بأقوالهم ووعظهم إن كانوا صالحين، ولا يهتدون بوعظهم إن كانوا غير صالحين، فالخطيب الذي يلقي خطبته كل أسبوع مرة، ثم لا يحبس نفسه على الفضيلة، يهدّم بيده مكانته، ويقدم بنفسه دعاية ضد التأثر بما يقول:
    وذمّوا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما يَدُرُّ لنا ثَعْلُُ
    قال الشيخ حسين المرصفي: "إن من نصب نفسه لوظيفة الهدى، ودعاء الناس إلى الخير يجب أن يكون أبعدهم من التصنع، وأحرصهم على الكمال، فإن أدنى هفوة منه تسقط اعتباره، وتسهل التهاون به، فلا يكون لكلامه تأثير في القلوب، ويصير مجلسه مسلاة يتلهى الناس بحضوره، ولهذا قالوا: ما أحسن التاج، وهو على رأس الملك أحسن، وما أحسن الدُّرّة، وهي على نحر الفتاة أحسن، وما أحسن الموعظة، وهي من الفاضل التقي أحسن".
    ثم إن الخطيب الديني إن لم يكن متأثرًا متحمسًا لما يدعو إليه فلا أثر لخطابته، قال الحسن البصري لواعظ لم تقع موعظته بموضع من قلبه، ولم يرقَ عندها: "يا هذا إن بقلبك لشرًّا أو بقلبي".
    ولا بد أن يكون الخطيب الديني مثقفًا ثقافة دينية واجتماعية وتاريخية وأدبية، ليمتلك قلوب السامعين بطلاوة عبارته، وحلاوة تصويره، وطرافة معانيه، وحداثة موضوعاته.
    ثم لا بد من إجادة الإلقاء، ومما يبشر بالخير أن بعض الخطباء المعاصرين تخلوا من القيود التي انحدرت إلينا من عصور الضعف العقلي والأدبي، فجددوا وأنشئوا، وتمشوا مع الحوادث، وأحسنوا الإلقاء، وإنا لننتظر في شوق ولهفة أن يكون خطباء الدين جميعًا لُسنًا مَقاول، ليطهروا النفوس من الأثرة والشر، وليسهموا في إعزاز الدين وإعلاء كلمة الله في عصر يتحلل فيه كثير من الناس من الدين ويَنسَلُّون، وهم إنما ينفلتون من سعادة إلى شقاء، ومن شرف إلى ضعة، ومن حياء إلى فناء.
    أمثلة:
    1- خطب فذكّر السامعين بالموت، وعجب من تغافلهم عنه، وبيّن أن الخير لمن شغله عيبه عن عيب غيره، ولمن انفق حلالًا، وخالط العلماء والفقراء، وحسنت أخلاقه والتمسك بدينه فقال: "وخطب الحسن البصري في يوم فطر وقد رأى الناسَ وأزياءهم: "إنّ اللَّه تبارك وتعالى جعل رمضانَ مِضمارًا لخلْقِه يستبِقُون فيه بطاعته إلى مَرضاته، فسبَقَ أقوامٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجَبُ من الضّاحك اللاعب في اليوم الذي يَفوزُ فيه المحسِنون، ويَخْسَرُ فيه المُبْطِلون، أمَا واللَّه أنْ لو كُشِف الغطاءُ لشُغِل مُحْسنٌ بإحسانه، ومسيءٌ بإساءته، عن ترجيلِ شَعْرٍ، وتجديد ثَوبٍ".
    وهذه خطبة دينية عصرية موضوعها "الجهاد لإنقاذ فلسطين":
    الحمد لله ولي المؤمنين، وناصر المجاهدين الصادقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نزّل الكتاب وهو ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المجاهد الصادق الأمين، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله حق جهاده، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون.
    قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
    عباد الله، شرع الله الجهاد لدفع عدوان المعتدين، ورد كيد الظالمين، وإعلاء كلمة الحق والدين، وأعد للمجاهدين المخلصين أجرًا عظيمًا، قال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}.
    وقد عمل المسلمون الأولون بهذا الهدي الكريم، فجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم, فعلت كلمتهم, وقويت شوكتهم, وعزت مكانتهم, فدانت لهم رقاب الجبابرة, وخضعت لسلطانهم القياصرة والأكاسرة.
    كانوا أمة عزيزة الجانب, متضامنة عند الشدائد, ومتحدة وقت الكوارث والخطوب, كانوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تألم له سائر الأعضاء.
    عباد الله يحدثنا التاريخ أن أمير المؤمنين المعتصم العباسي بلغه أن امرأة مؤمنة تستغيث به في بلاد الروم مما لحق بها من هوان, وتنادى وامعتصماه, فسار بجيشه معقود اللواء, وحارب حتى فك أغلالها, وصان كرامتها, ورد لها حريتها.
    واليوم ينتهك الصهيونيون حرمة فلسطين, تلكم البلاد المقدسة المباركة التي يحفظ المسلمون لها من الذكريات ما هو جدير بالإجلال والإكبار, فقد كان إليها إسراء رسولنا خير الأنبياء, ومنها كان معراجه إلى السماء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}, والمسجد الأقصى أول القبلتين وثالث الحرمين, وإلى تلكم البلاد المقدسة سار الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- غداة فتح المسلمين لها, ليؤمن أهلها, وينشر العدل في ربوعها, وظلت فلسطين عربية إسلامية, حتى اعتدى عليها المعتدون فقيض الله لها سلطان مصر صلاح الدين الأيوبي, فخلصها من أيدي الغاضبين وها هو التاريخ يعيد نفسه, فيعتدي الظالمون على تلكم البلاد الآمنة, يذبحون الأطفال والنساء, ويقتلون الشيوخ والضعفاء, لا تأخذهم في ذلك شفقة ولا رأفة, تجردوا من الإنسانية, وغلظت أكبادهم, وقست قلوبهم, فهي كالحجارة أو أشد قسوة, فكان حقًا على جميع المسلمين أن ينفروا سراعًا لنجدة هؤلاء المظلومين, ودفع عدوان الظالمين, وها هي جيوشهم المظفرة تحشد, وشبابهم الناهض يجند.
    فاتقوا الله عباد الله, وكونوا كأسلافكم الأمجاد نصرة في الحق, ومضاء في العزائم, وتآزرًا في الشدائد, وتساندًا في الملمات, واعتصامًا بالدين, والتفافًا حول راية الوحدة, واستمساكا بعروة التعاون والتضامن, يكتب الله لكم القوة والمنعة, والعزة والغلبة, ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
    روى البخاري ومسلم: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: والجهاد في سبيل الله)).
    وروى أبو داود والترمذي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من قتل دون ماله فهو شهيد, ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد, ومن قتل دون أهله فهو شهيد)).
    وبعد فإن خطباء المساجد يحسنون صنعًا إذا جاروا الحوادث, وعالجوا بالدين مشكلات المجتمع المتعددة المتجددة, ويحسنون صنعًا إذا راعوا البيئة وما يلائمها من موضوعات ومعانٍ وأساليب, فما من شك في أن خطب المساجد في القاهرة يجب أن تغاير أحيانًا خطب المساجد في القرى والموضوعات التي تليق بالتجار لا تليق بالموظفين وهكذا.




    تلخيص الخطابة، لابن رشد.



    الدرس الحادي عشر

    الركن الأول من أركان الخطابة: الخطيب
    وقد توجد أجناس الأَشياءِ التي تنظر فيها الخطابة من الأُمور الإِرادية ثلاثة، كما يوجد عدد أصناف السامعين للقول الخطبي ثلاثة.
    وذلك إِن الكلام مركب من ثلاثة:
    من قائل وهو الخطيب؛ ومن مقول فيه وهو الذي يعمل فيه القول؛ ومن الذين يوجه إِليهم القول وهم السامعون.
    والغاية بالقول: إِنما هي متوجهة نحو هؤلاءِ السامعين. والسامعون لا محالة: إِما مناظر، وإِما حاكم، وإِما المقصود إِقناعه. والحاكم: أما إِن يكون حاكما في الأُمور المستقبلة، وهي النافعة والضارة، وإِما في الأُمور التي قد كانت. والأُمور التي قد كانت: منها ما توجد في الإِنسان باختياره، وتلك هي الفضائل والرذائل، ومنها ما توجد في الإِنسان بغير اختياره، بل من إِنسان آخر، وهو الجور والعدل. والحاكم في الأُمور المستقبلة هو الرئيس، والحاكم في الأُمور الكائنة هو الذي ينصبه الرئيس، مثل القاضي في مدننا هذه، وهي مدن الإِسلام. وأما المناظر فإِنما يناظر بقوة الملكة الخطبية. فإِذن أجناس القول للخطيب ثلاثة: مشوري ومشاجري وتثبيتي.فأما الضمير المشوري: فمنه: إِذْن، ومنه: منع؛ وذلك إِن كل من يشير إما على واحد من أهل المدينة بما يخصه، أو على جميع أهل المدينة بما يعمهم، فإِنما يشير أبدا بقول هو إذن أو منع.
    وأما القول المشاجري: فهو أيضا صنفان: شكاية وتنصل من الشكاية. وأما القول التثبيتي: فهو أيضا صنفان: إما مدح، وإما ذم. والزمان الخاص بالأَشياءِ التي يشار بها هو الزمان المستقبل؛ لأَنه إِنما يشير إِنسان على إِنسان بأشياءِ معدومة. والزمان الخاص بالأَشياءِ المشاجرية هو الزمان الماضي؛ لأَنه إنما يتشكى من الأَشياءِ التي قد وقعت. وإِن تشكى من أُمور تتوقع من المشتكى به، فإِنما تلك شكاية على طريق الإِشارة بالنافع في ذلك. وكذلك قد يعرض إِن تكون المشورة في الأَشياِء التي قد كانت، لكن من جهة ما يتوقع منها. فمتى كانت الشكوى في شىء واحد، لا من أجل غيره، فإِنما تكون أبدا في الشيءِ الذي قد وقع. وأما الأَشياءُ التثبيتية: فإِن أوْلَى الأَزمنة بها هو الزمان الحاضر، أعني القريب من الآن. فإِن الناس إِنما يمدحون ويذمون بالأَشياءِ الموجودة في حين المدح وحين الذم في الممدوح والمذموم. وربما مدح بعضهم على طريق الحيلة في استكثار فضائل الممدوح أو مذامّه بالأَشياءِ التي يتوقع حدوثها منه، أو يرجى حدوثها منه، فيخلطون مع المدح الإِشارة على الممدوح بفعل تلك الأَشياءِ.




    موسوعة الخطب والدروس، لعلي بن نايف الشحود.



    الدرس الحادي عشر

    الركن الأول من أركان الخطابة: الخطيب
    الصفات المطلوب توفرها في الخطيب:
    يمكن تقسيم الصفات المطلوب توفرها في الخطيب إلى نوعين:
    النوع الأول: صفات وهبية أو فطرية: ويقصد بها الصفات التي جُبل عليها ولم يُبذل في تحصيلها دراسة أو مران أو دربة.
    وهذه الصفات قسمان:
    القسم الأول: صفات ضرورية: ولا غنى عنها للخطيب الكامل وهي:
    1- طلاقة اللسان: فاللسان أداة الخطيب الأولى، وطلاقته ألزم صفاته وأشدها أثراً في نجاحه، وقد بالغ بعض الناس حتى عدها ركن الخطابة الوحيد.
    2- رباطة الجأش: يجب أن يكون مطمئن النفس واثقاً من نفسه ثابتاً غير مضطرب، فالمستمعون إن أحسوا بضعفه واضطرابه صغر في نظرهم، وهان كلامه في أعينهم، كما أن الاضطراب يورث الحيرة والدهشة، وهما يورثان الحبسة والحصر. وهذه الصفة وإن كانت وهبية في أصلها؛ إلا أنه يمكن تنميتها واكتسابها بالدربة.
    3- جهارة الصوت وحسنه: وهذه من الصفات الضرورية التي تمكن الخطيب من الاستيلاء على نفوس السامعين وجلب إصغائهم إليه، وهذه الصفات وإن كانت فطرية إلا أنه يمكن اكتساب بعضها كجهارة الصوت بتدريب الحنجرة وترويضها على الصوت المرتفع، ولا نعني بجهارة الصوت الصراخ الذي يسبب نفور المستمعين.
    وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم.
    4- سرعة البديهة: حتى إذا وجد من القوم إعراضاً أو تعرض لموقف محرج أسعفته بديهته بالخروج من محنته وأزمته وإلا ضاعت الخطبة وآثارها.
    وهذه الصفة ترجع إلى حدة ذكاء الخطيب وشدة انتباهه وطول تجربته إضافة إلى ثقته بنفسه وقدرته على السيطرة على الموقف دونما ضعف أو خوف.
    والخطيب إذا واجه سؤالاً لا تحضره إجابته فعليه ألا يتحرج ويظهر ارتباكه ويمكنه الخروج من هذا الموقف بأن يقول للسائل: أعده علي بعد الخطبة أو نحو ذلك.
    وإذا واجه اعتراضاً لا يمكن الرد عليه فخير له التغافل عنه والاستمرار دون أن يعير قائله اهتماماً.
    وربما يتعرض الخطيب لموقف صعب غير متوقع يحتاج إلى أخذ قرار سريع ومناسب، كانقطاع التيار مثلاً، أو إغماء أحد المصلين أو تشنجه أو موته، والخطيب إذا لم يكن هيأ نفسه لمثل هذه المواقف ومعرفة التصرف الشرعي الصحيح فيها وأعد القرار المناسب لكل منها حسب ما تقتضيه الظروف والمصلحة فلا شك أن ذلك يكون سبباً لارتباكه أو ربما لاتخاذ قرار خاطئ مثل: ترك هذا المغمى عليه دون إسعاف له ثم العودة إلى خطبته أو قطعها إذا لزم الأمر.
    5- رجاحة العقل: وهذه الصفة لازمة للخطيب ولغيره من المربين والموجهين، وبها يتمكن من البحث المركّز والملاحظة الدقيقة والاستنباط الصحيح، وحسن المقارنة والموازنة بين الأشياء، والمعرفة بطبائع الأشياء والأشخاص والأحداث.
    القسم الثاني: صفات تكميلية:
    وهذه الصفات دون الأولى في لزومها، ولكن على قدر توافرها في الخطيب تكون منزلته، وبها تتفاوت مراتب الخطباء ومنازلهم، ومن هذه الصفات:
    1- قوة العاطفة:
    فليست النائحة الثكلى كالمستعارة، ولا يعرف الشوق من لم يكابده، ولا الصبابة من لا يعانيها، وإذا لم يكن الخطيب جياش العاطفة، حي المشاعر، رقيق القلب، مرهف الإحساس خرجت كلماته ميتة لا حياة فيها ولا روح، وكان أشبه بالنائحة المستعارة، ولم تتجاوز كلماته الآذان.
    فالعاطفة للخطبة كالروح بالنسبة للجسد، لكن ينبغي أن تكون هذه العاطفة موزونة بالعقل الرشيد، والرأي السديد، وأن تكون خاضعة وموافقة لأحكام الشرع المجيد.
    2- النفوذ وقوة الشخصية:
    وهذه هبة من الوهاب العليم يهبها بعض الناس فتشعر منه بقوة الروح وعظم النفس، وهذه الصفة في الخطيب تكسب كلماته ونظراته وصوته قوة ونفاذاً وتأثيراً عظيماً في الجماهير، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم من رآه بديهة هابه، ومن عاشره خلطة أحبه.
    وإذا كانت هذه منحة ربانية وهبة لا دخل للعبد فيها إلا أن هناك أسباباً وعوامل تضعفها أو تقويها، فمما يضعفها: تبذل الخطيب بثيابه، ووقوعه في رذائل الأعمال والأخلاق، ومزاحه الكثير أو القليل كما سيأتي بيانه في آداب الخطيب.
    النوع الثاني من صفات الخطيب: صفات كسبية:
    وهذه الصفات ينالها الخطيب بالدراسة والمران والدربة، وهذه الصفات هي:
    أولاً: العلم والاطلاع :
    وهي أولى الصفات وأهمها على الإطلاق، فقد بدأ الله بالعلم قبل العمل فقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} وهو البصيرة التي جعلها شرطاً لاتباع سبيل نبيه {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}. والخطيب مربٍ ومعلم وموجه، وإذا لم يكن عالماً مطلعاً كان ضرره أكبر من نفعه، بل لم يكن فيه نفع ألبتة، والعلم درجات ومنازل، منها الضروري ومنها التكميلي.
    أما العلوم الضرورية اللازمة للخطيب فهي:
    1 ـ علوم القرآن والسنة:
    وهذا هو لب بضاعة الخطيب ورأس ماله، فالخطيب داعية إلى الله ولا يمكن أن يهدي الناس ويعلمهم ويرشدهم بعيداً عن الكتاب والسنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم محذراً من صنيع أولئك الذين يدعون بعيداً عن الكتاب والسنة، وأن ذلك من الدخن فقال في وصفهم: ((قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي)).
    الخطيب والقرآن:
    لاشك أن حافظ القرآن عن ظهر قلب أقدر على استحضار الآيات والاستشهاد بها، وأن هذه الصفة من صفات الكمال للخطيب، ولكن لاشك أن هناك قدراً ضرورياً لا غنى للخطيب عنه، هذا القدر يتعلق أولاً بالقدرة على التلاوة الصحيحة السليمة لكتاب الله عز وجل بغير لحن، ثم القدرة على استحضار الآيات المتعلقة بموضوع خطبته ومعرفة أقوال أهل العلم في تفسيرها، والتمييز بين الصحيح والسقيم، والإسرائيليات والموضوعات وغيرها.




    الخطابة السياسية، لعبد الصبور مرزوق.



    الدرس الحادي عشر

    طرق تحصيل الخطابة
    طرق التحصيل وعوامل الرقى:
    وللخطابة طرق للتحصيل وعوامل للرقي، فمن طرق تحصيلها: الموهبة والاستعداد الفطري، ودراسة أصول الخطابة، ودراسة كثير من كلام البلغاء، وحفظ الكثير من الألفاظ والأساليب، وكثرة الاطلاع على العلوم المختلفة، والتدريب والممارسة.
    أما عوامل رقيها فمنها: الحرية، وطموح الأمة إلى حياة أرقى وذلك- مثلاً- إذا ما تفشى في أمة من الأمم سخط على نظام قائم ووجدت إرادة في التغيير إلى الأفضل، والتاريخ القديم والمعاصر يشهدان لهذا، والتغيرات الدينية والسياسية والاجتماعية، والحروب والثورات، وكثرة الأحزاب والتكتلات مع تنازعها، والرغبة في إصلاح ذات البين.
    وفن الخطابة له أصول يتعلق بعضها بالخطيب وبعضها بالخطبة.
    فأما ما يتعلق بالخطيب: فأهمه: الموهبة ورباطة الجأش، وسلامة الصوت من العيوب، وطول النفس، وحسن الوقفة، وحسن استخدام الإشارة في موضعها المناسب، والسمت الذي يستميل سامعيه.
    وأما ما يتعلق بالخطبة: فأهمه: براعة الاستهلال، ووفرة المحصول من مختلف أساليب البيان، والتنقل بين الإنشائية والخبرية، ووضوح المعاني من خلال قصر الجمل، وملاحظة تقسيم الخطبة، ثم موضوع الخطبة، ثم الختام الذي يجب أن يشتمل على جمل يسهل تردادها وتذكرها بعد انتهاء الخطيب من خطبته، وخاصة في النوعين السياسي والديني من الخطابة.
    هذا وتجدر الإشارة إلى بعض الأسماء من الخطباء الذين خلد التاريخ ذكرهم مثل: "ميرابو" و سحبان وائل " و قس بن ساعدة" و "واصل بن عطاء" في القديم، ومثل "غاندي" و "مصطفى كامل " و سعد زغلول" في الحديث.




    فن الخطابة، لعلي محفوظ.



    الدرس الحادي عشر

    طرق تحصيل الخطابة
    وطرق تحصيلها إجمالاً أربعة:
    الأول: الفطرة والاستعداد الغريزي؛ وهذا هو الأساس.
    الثاني: معرفة الأصول والقوانين التي وضعها الحكماء.
    الثالث: الإكثار من مطالعة أساليب البلغاء ومصاقع الخطباء، ودراستها دراسة متعرِّف لمناحي التأثير وجهات الإقناع فيها، ومتذوّق لما فيها من متانة الأسلوب وحسن العبارة وجودة التفكير، قال ابن الأثير في "المثل السائر": إنَّ في الاطلاع على أقوال المتقدمين من المنظوم والمنثور فوائد جمة؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس ونتائج أفكارهم ويعرف به مقاصد كل فريق منهم، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك، فهذه الأشياء مما تقوي الذهن وتزكي الفطنة، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفًا بها تصير المعاني التي تعب في استخراجها كالشيء الملقى بين يديه يأخذ منها ما أراد، وأيضًا فإنه إذا كان مطلعًا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه، وعلى الجملة فدراسة كلام البلغاء تقدم للقارئ ألوانًا من المعاني والأساليب تنمي فيه ملكة الخطابة.
    الرابع: الارتياض والاحتذاء؛ لأن الخطابة -كما علمت- ملكة نفسية، لا توجد دفعة واحدة؛ بل لا بدَّ لطالبها من الممارسة والمران كي تنمو مواهبه.
    فالارتياض: هو التدريب على الخطابة، فإنَّ ملكَتَها تنمو وتقوى بالمرانة والممارسة، قال خالد بن صفوان: إنَّما اللسان عضو إن مرَّنْتَهُ مرن، فهو كاليد تخشنها بالممارسة، وكالبدن تقويه برفع الحرج، والرِّجل إذا عودت المشيَ مشتْ.
    وللارتياض وجوه منها: أن تتوسَّع في شرح بعض المعاني فتبيِّنه بأوجه شتى، وتزينه بوسائل التأثير، ثُمَّ تتعوَّد على تلخيص العبارات المبسوطة في عبارة وجيزة جامعة للمعاني التي حواها الموضوع؛ لتبقى في ذهن السامعين، ومنها: أنْ تَجتَهِدَ في وضع بعض مواضع علميَّة وجيزة؛ لتكون ذريعة إلى أفخم منها، فإنَّ المتروِّض ينجح على قدر ما يصرف من الهمة والثبات في ذلك، ومنها: أن يكلف وصف المعاني التي يصل إليها من المشاهدات، بحيث ينقل ذلك إلى نفس السامع بحالةٍ تجعله كالمشاهد لها، فإنَّ الخطيب أحوجُ النَّاس إلى ضرب الأمثال وأنواع التشبيه في الوصول إلى غايته من نفس السامع، فإذا حَصَلَ على ملكة الاقْتِدارِ فله أن يَبْتَكِرَ ما شاءَ مِنْ وَسائِلِ التَّأْثير الَّتِي يَراها أرجى للوصل إلى ما يريد.
    والاحتذاء: أن يعمد الطالب إلى أساليب المتقدمين، فيقتفي أثرها، ويَنسج على منوالها، فلا غنى له عن الاقتداء بالسابقين، والاقتباس من الأوَّلين فيما اخترعوه من معانيهم وسلكوه من طرقهم، والتقليد عريق في بني الإنسان.
    وَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالرِّجَالِ فَلاحُ
    وكان بعض خطباء العرب يتصدَّى لتعليم الفتيان كيف يخطبون؛ كإبراهيم بن جبلة السَّكُونِي في عصر الدولة العباسية، ثُمَّ إنَّ الخطابة كسائِرِ الصَّنائع يتفاوَتُ النَّاسُ في إِتْقانِها والأخذ بِزِمامِها، فمِنْهُم مَنْ يَقْتَدِرُ عليها في أمدٍ قَرِيب، ومِنْهُم مَنْ يَحتاج إلى أن يَقْضِيَ في سَبِيلِها زمنًا بعيدًا، يقول أهل الأدب: إنَّهم لم يروا خطيبًا بلديًّا إلا وهو في أول تكلفه للخطابة كان مستثقلاً إلى أن يتوقح، وتستجيب له المعاني ويتمكن من الألفاظ إلا شبيب بن شيبة فإنه ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره، وأن العرب كانوا يأخذون أنفسهم بالتدرب عليها إلى أن تصير لهم سجية وعادة، يقولون: إن عمر بن سعيد بن العاص الأموي كان لا يتكلم إلا اعترته حبسة في منطقه، فلم يزل يَتشادق ويعالج إخراج الكلام حتى مال شدقه، ولذا لقب بالأشدق، وفيه يقول الشاعر:
    تَشَدَّقَ حَتَّى مَالَ بِالقَوْلِ شِدْقُهُ وَكُلُّ خَطِيبٍ لاَ أَبَا لَكَ أَشْدَقُ
    والأشدق: واسع الشدقين والفم الفصيح اللسن، وسعة الفم عندهم من سمات الفصاحة والبيان، وصفوة القول أنه لا يحصل على ملكة الخطابة إلا من أحكم وسائلها، وسلك سبيلها، وتدرب عليها يومًا فيومًا، وراض عليها لسانه في النوادي العامة والجموع العظيمة، وإن راعه الموقف أولاً أمنه آخرًا فقديمًا قيل: من وقف حيث يكره وقف حيث يحب.




    أضواء على خطبة الجمعة وصفات الخطيب الناجح، لإسماعيل نواهضة.



    الدرس الحادي عشر

    كيف يتمكن الخطيب من الإجادة بسرعة؟
    صفات الخطيب الناجح، أو الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يخطب الجمعة:
    فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:
    أولاً: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها؛ وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة إيصالها إلى الناس، لا يكل ولا يمل.
    والمشكلة الآن: أن الخطابة أصبحت وظيفة فقط عند الغالبية العظمى في كل البلدان، وهذا ما ضيَّع كثيرًا من فائدتها. والحقيقة إذا ما توفر هذا الشعور في نفس الخطيب فإن النجاح سيكون حليفه، وسيكون من أحسن الناس قولاً. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
    فلا أحد أحسن قولاً ممن حمل مشعل الدعوة إلى الله وإلى إتباع منهجه والالتزام بأحكامه وتعاليمه، والواجب على الداعية أو الخطيب: أن يعلن هويته وانتمائه بقوله: إنه من المسلمين بعيداً عن الفئوية الضيقة، والنظرة المحدودة؛ لأن الإسلام هو الأصل وهو الأعم والأشمل.
    ثانيًا: الخطابة فن؛ ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الإطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير. وما أحوجنا اليوم إلى من يفهم الإسلام ويحسن عرضه. فكثيراً ما تأتي الإساءة من قبل الذين لا يفهمون الإسلام، وفي نفس الوقت لا يحسنون عرضه على المسلمين ولا على الآخرين.
    ويتوجب على الخطيب عدم الخوض في الأمور التي لا علم له بها، كما يتوجب عليه الاتصاف باللين والرفق والتلطف مع الناس؛ لأن ذلك أدعى إلى استمالتهم وإقناعهم، أما أسلوب العنف والغلظة والشدة فقد أثبت الواقع فشله وعدم جدواه، لقد خاطب الله تعالى رسوله محمداً بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.
    وها هو الحبيب محمد يقول: (( إنّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه ولا ينزع من شيء إلاّ شانه)).
    ثالثًا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل كلامه مقبولاً عند المستمعين، أما مخالفة العمل للقول، فإنه يجعل المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.
    قال الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
    ويقول أيضاً: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}
    رابعًا: أن يكون الخطيب شجاعًا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدًا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لابد وأن يتحلَّى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة، فإن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع الوصول إلى الهدف والغاية المرجوة، وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فعلى الحكومات والوزارات المعنية أن توفر جانبًا من الحرية للخطباء، كما توفر هامشًا - قل أو كثر – للصحافة وأجهزة الإعلام.
    خامسًا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربًا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم، كلما كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله، والقرب منه.
    مع ملاحظة: أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، وكما ورد في الحديث الشريف: ((ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك)).
    سادسًا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرًا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك. فإذا لم يكن الخطيب على قناعة بما يدعو إليه، فلا يستطيع إقناع الآخرين بذلك، فإذا دعا الخطيب في خطبته الناس إلى دفع زكاة أموالهم وهو في نفس الوقت لا يدفع زكاة أمواله، أو دعاهم إلى ترك الغيبة وهو يفعل ذلك، أو دعاهم إلى إلزام بناتهم وزوجاتهم باللباس الشرعي، وبناته وزوجته لا يلتزمن بذلك، إلى غير ذلك، فإن الكثير من الناس سوف لا يلتفتون إلى أقواله ولا إلى خطبه.
    سابعًا: اختيار موضوع الخطبة من واقع الحياة التي يحياها الناس، ومناقشة المشكلات الاجتماعية المتعددة، ومحاولة طرح الحلول لها، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. فالخطيب الناجح هو الذي ينظر إلى واقع الناس ليتحدث عنه، فليس من الحكمة عدم مراعاة واقع الناس، فمثلا إذا ما حصلت حادثة وفاة فليس من المناسب أن يذهب الخطيب فيتحدث عن الزواج، إذ المناسب التحدث عن الموت من حيث كونه حقاً لا مفر منه ومن حيث أخذ العبرة منه، ودعوة الناس إلى الاستعداد له، وبيان أن الإنسان لا يدري متى يأتيه الأجل وهكذا. كما يتوجب عليه أن يكون مطلعاً على ما يجري في العالم من أحداث ومتغيرات ومستجدات، ليطلع جمهوره على ذلك مع بيان حكم الإسلام في ذلك.
    ثامنًا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوةً ولينًا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع، أو يعتمد أسلوب السجع الممقوت، فإن من شأن ذلك إضاعة المعنى، والتركيز على اللفظ.مع ضرورة مراعاة قواعد اللغة العربية؛ لأن عدم مراعاتها يحدث خللاً في المعنى.
    فمع الأسف كثيراً ما نشاهد بعض الخطباء أو المتحدثين لا يراعون في خطبهم أو كلماتهم قواعد اللغة العربية، ولا يقيمون لها وزناً، ويظنون أن ذلك ليس من الضرورة بمكان، وهذا خطأ كبير وجهل فاضح، فتغيير حركة واحدة في الكلمة من شأنه أن يقلب المعنى رأساً على عقب، والأمثلة على ذلك كثيرة.
    تاسعًا: حسن الهندام والمظهر، فينبغي عليه أن تكون ملابسه وهيئته حسنة؛ لأن ذلك أدعى إلى الالتفات إليه والانجذاب نحوه والإنصات له. مع مراعاة عدم المبالغة في اللباس إلى حد التكلف والتعقيد.
    عاشرًا: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: ضرورة التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى، حينما دعا ربه قائلاً: {ربِّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. وأنبه إلى ضرورة تجنب الخطيب الغرور والإعجاب بالنفس، فإن ذلك محبط للعمل والأجر والثواب.
    حادي عشرة: البعد عن التقليد الممقوت والمتكلف، وتقمص شخصيات الآخرين، نشاهد بعض الخطباء يقومون بتقليد خطباء مشهورين بصورة متكلفة تثير في النفوس عدم الارتياح والرضى، مع التنبيه بأنه لامانع من الاستفادة من أسلوب الآخرين بصورة مقبولة وغير متكلفة؛ لأن المستوى الثقافي والقدرة العلمية لكل من المقلد والمقلد غالباً ما تكون متفاوتة وغير متقاربة، ومن هنا يأتي الخلل وعدم التوفيق والنجاح في أداء الخطبة.
    ثاني عشر: عدم الإطالة في الخطبة مراعاة لأحوال وظروف المستمعين، فيكون من بينهم المرضى وأصحاب الحاجات والمهمات، وأحياناً طبيعة الجو تلعب دوراً أساسياً في تحديد وقت الخطبة، فيجب على الخطيب مراعاة ذلك بصورة معتدلة.
    بالإضافة إلى كل ذلك أقول: إن الخطيب الناجح هو الذي يغشى مجلسه الكرماء، والصلحاء والبسطاء، فيعمر الحديث بالفكر والذِّكر، فتحل بركة السماء في الزمان والمكان. وهو الذي له في القلوب مكانة، ولدى النفوس منزلة؛ لأنه عنصر من عناصر الخير والنماء. وهو إفراز أصيل، يدرك عظمة الأمانة وقدر المسئولية وتبعة العطاء، ينبوع متدفق من الخير والعطاء؛ لأنه يحب ويعطي عن أريحية ورضى، سيّما وأن الشفقة على الخلق إحدى سماته وصفاته، يرى المنكر فلا يسكت عليه، بل يصوغه في قالب خطابي تربوي مؤثر، يوقظ الوسنان ويروي الظمآن، ويؤنس الرجفان، ويقود العميان إلى دروب الحق وميادين المعرفة.
    وأخيرا أقول: إن الخطيب الناجح لا تؤثر فيه الأحداث، بل هو الذي يؤثر فيها، ويحولها إلى إشراقة من الفأل الحسن، والثقة المبتغاة، فلا يزيده القهر إلا إرادة صلبة قوية، لا تتفتت أو تلين، ولا يزيده الظلم إلا عفوًا وعزّا، ولا تزيده المكاره إلا مضاء وعزمًا. يستلهم الحَدَث ليربي به تلك الجموع الغفيرة التي قدمت إليه، وانساقت له، ورغبت فيه، فلا يمكن أن يمر حدث على الخطيب الناجح دون حسّ تربوي مؤثر، أو موعظة بليغة، أو ربط جيد بالآخرة، أو استنفار وبعث بالأمل بامتداد أنفاس الحياة، والتهوين من أمر الدنيا. وهو الذي يسأل نفسه عندما يقوم بإعداد مادته: ما الذي أريده من عرض هذا الموضوع دون غيره، والغاية من سرد هذه القضية، وما هي الوسيلة المثلى لبسطها وعرضها؟ وبمعني آخر: يسأل نفسه: هل أريد معالجة فكرة جديدة؟ أم تثبيت مبدأ أصيل؟ أم محاربة عادة مقيتة ذميمة والعالمين؟





    Attached Files Attached Files

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •