Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع:تعريف الشرط....الدرس الثامن...!!!

  1. #1
    Administrator amira.salah's Avatar
    Join Date
    Oct 2012
    Location
    EGYPT
    Posts
    10,677
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    43

    مراجع:تعريف الشرط....الدرس الثامن...!!!



    البحر المحيط، للزركشي.



    الدرس الثامن

    تعريف الشرط
    الْمُخَصِّصُ الثَّانِي: الشَّرْطُ:
    قَالُوا: وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ ذَلِكَ فِي الشَّرَطِ بِالتَّحْرِيكِ، وَجَمْعُهُ أَشْرَاطٍ، وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، أَيْ عَلَامَاتُهَا: وَأَمَّا الشَّرْطُ بِالتَّسْكِينِ، فَجَمْعُهُ شُرُوطٌ فِي الْكَثِيرَةِ، وَأَشْرُطٌ فِي الْقِلَّةِ كَفُلُوسٍ وَأَفْلُسٍ.
    وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَذُكِرَ فِيهِ حُدُودٌ أَوْلَاهَا: مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ؛ فَاحْتُرِزَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَانِعِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ شَيْءٌ وَبِالثَّانِي مِنْ السَّبَبِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ.
    وَبِالثَّالِثِ مُقَارَنَةُ الشَّرْطِ وُجُودَ السَّبَبِ فَيَلْزَمُ الْوُجُودُ، أَوْ وُجُودَ الْمَانِعِ فَيَلْزَمُ الْعَدَمُ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ لِذَاتِهِ، بَلْ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَالشَّرْطُ لَا يَتَخَصَّصُ بِالْوُجُودِ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا؛ لِأَنَّا كَمَا نَشْتَرِطُ فِي قِيَامِ السَّوَادِ بِمَحَلِّهِ وُجُودَ مَحَلِّهِ، يُشْتَرَطُ عَدَمُ ضِدِّهِ، وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الْقَدْرِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ.
    هَلْ لِلشَّرْطِ دَلَالَةٌ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ؟:
    وَقَعَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ مِنْ "الْبُرْهَانِ" أَنَّ لِلشَّرْطِ دَلَالَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا مُصَرَّحٌ بِهَا، وَهِيَ إثْبَاتُ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ، وَالْأُخْرَى ضِمْنِيَّةٌ، وَهِيَ الِانْتِفَاءُ.
    وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا دَلَالَةَ لَهُ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ فِي جَانِبِ الِانْتِفَاءِ خَاصَّةً، وَلَوْ صَحَّ مَا قَالَهُ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ.
    وَأَمَّا تَمَسُّكُ الْإِمَامِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: إنْ جِئْتنِي أَكْرَمْتُك، فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ اسْتَحَقَّ الْإِكْرَامَ؛ لَكِنْ هَلْ ذَلِكَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ لِأَجْلِ الْإِكْرَامِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الشَّرْطِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهَا إذَا دَخَلَتْ الدَّارَ تَطْلُقُ، لَا لِاقْتِضَاءِ الشَّرْطِ ذَلِكَ؛ بَلْ لِلِالْتِزَامِ وَالْإِيقَاعِ مِنْ جِهَةِ الْمُطَلِّقِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إلَى وَضْعِ اللُّغَةِ.
    وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْفِقْهِ فَدُخُولُ الدَّارِ لَيْسَ هُوَ سَبَبُ الطَّلَاقِ، إذْ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ تَطْلِيقُ الزَّوْجِ الْمَوْقُوفُ عَلَى الدُّخُولِ.
    وَقَدْ طَوَّلَ الْإِبْيَارِيُّ مَعَهُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُنَيِّرِ، وَقَالَ: قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الشَّرْطَ يَدُلُّ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ صَرِيحًا، وَفِي جَانِبِ النَّفْيِ ضِمْنًا، وَمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا رُؤْيَتُهُ الْعِلَلَ تُسْتَعْمَلُ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ كَثِيرًا، فَاعْتَقَدَ أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ عِلَّةٌ.
    قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي أَعْذَرُ مِمَّنْ رَدَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ شَرْطٌ حَقِيقَةً قَالَ: وَالْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إنَّمَا هِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَإِلَّا فَالدُّخُولُ لَيْسَ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ شَرْعًا، وَهَذَا الرَّدُّ وَهْمٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الدُّخُولَ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ شَرْعًا ابْتِدَاءً؛ لَكِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لَهُ بِوَضْعِ الْمُطَلِّقِ وَغَرَضِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّضَ الشَّرْعُ إلَيْهِ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِلَا سَبَبٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ فِي وَضْعِ الْأَشْيَاءِ أَسْبَابًا، وَلِهَذَا لَا يُعَلَّقُ الطَّلَاقُ غَالِبًا إلَّا عَلَى وَصْفٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى حِكْمَةٍ عِنْدَهُ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الدَّارُ عَوْرَةً، أَوْ فِيهَا مَا يُنَافِي غَرَضَهُ فَإِذَا ارْتَكَبَتْ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ نَاسَبَ الْفِرَاقَ فِي غَرَضِهِ وَقَصْدِهِ، وَكَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ شَرْعًا بِدُخُولِ الدَّارِ، وَقَدْ صَارَ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ مَشْرُوطًا بِوَضْعِ الْمُعَلَّقِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَلَّلٍ شَرْعًا، وَيَصِيرُ مُعَلَّلًا بِوَضْعِ الْمُطْلَقِ فِعْلًا يَقْتَضِيهِ.
    وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَصَدَ ذَلِكَ وَكَانَ فَصِيحًا طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
    وَكَانَ الدُّخُولُ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ لَا شَرْطًا.




    البحر المحيط، للزركشي.



    الدرس الثامن

    أقسام الشرط
    وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
    شَرْعِيٌّ: كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الصَّلَاةِ وُجُودُ الطَّهَارَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الطَّهَارَةِ وُجُودُ الصَّلَاةِ.
    وَعَقْلِيٌّ: كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعِلْمِ وُجُودُ الْحَيَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْحَيَاةِ وُجُودُ الْعِلْمِ.
    وَعَادِيٌّ: كَالسُّلَّمِ مَعَ صُعُودِ السَّطْحِ، فَيَلْزَمُ مِنْ صُعُودِ السَّطْحِ وُجُودُ نَصْبِ السُّلَّمِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَصْبِ السُّلَّمِ صُعُودُ السَّطْحِ.
    وَلُغَوِيٌّ: مِثْلُ التَّعْلِيقَاتِ نَحْوُ إنْ قُمْت، وَنَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَالْمُخْتَصُّ الْمُتَّصِلُ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ اللُّغَوِيُّ.
    وَالشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ، وَلِهَذَا تَقُولُ النُّحَاةُ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ: بِسَبَبِيَّةِ الْأَوَّلِ وَمُسَبِّبِيَّةِ الثَّانِي، وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا بِتَبَيُّنِ حَقِيقَةِ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْمَانِعِ.




    البحر المحيط، للزركشي.



    الدرس الثامن

    الفرق بين الشرط والسبب والمانع
    الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ وَالْمَانِعِ:
    فَالسَّبَبُ: هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ.
    وَالْمَانِعُ: هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمَانِعِ وُجُودُهُ، وَفِي الشَّرْطِ عَدَمُهُ، وَفِي السَّبَبِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ وَمِثَالُهُ الزَّكَاةُ، فَالسَّبَبُ النِّصَابُ، وَالْحَوْلُ شَرْطٌ، وَالدَّيْنُ مَانِعٌ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ مَانِعًا.
    وَإِذْ وَضَحَتْ الْحَقِيقَةُ ظَهَرَ أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَالْعَادِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ فِي الْمَشْرُوطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ، فَقَدْ تُوجَدُ الشُّرُوطُ عِنْدَ وُجُودِهَا كَمُوجِبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ. وَقَدْ يُقَارِنُ الدَّيْنَ فَيَمْتَنِعُ الْوُجُوبُ.
    وَأَمَّا الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ الَّتِي هِيَ التَّعَالِيقُ نَحْوُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُ مِنْ الدُّخُولِ الطَّلَاقُ، وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ إلَّا أَنْ يَخْلُفَهُ سَبَبٌ آخَرُ.
    وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرْطِ عَلَى الْجَمِيعِ إمَّا بِالِاشْتِرَاكِ أَوْ الْحَقِيقَةِ فِي وَاحِدٍ وَالْمَجَازِ فِي الْبَوَاقِي أَوْ بِالتَّوَاطُؤِ إذْ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَهُوَ مُجَرَّدُ تَوَقُّفِ الْوُجُودِ عَلَى الْوُجُودِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
    ثُمَّ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ يَمْتَازُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إمْكَانُ التَّعْوِيضِ عَنْهُ، وَالْإِخْلَافُ وَالْبَدَلُ، كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ بِالْإِنْشَاءِ بَدَلًا عَنْ الْمُعَلَّقَةِ.
    وَكَمَا إذَا قَالَ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ هَذَا الدِّرْهَمُ، ثُمَّ يُعْطِيهِ إيَّاهُ قَبْلَ رَدِّ الْعَبْدِ هِبَةً، فَتَخْلُفُ الْهِبَةُ اسْتِحْقَاقَهُ إيَّاهُ بِالرَّدِّ.
    وَيُمْكِنُ إبْطَالُ شَرْطِيَّتِهِ كَمَا إذَا نَجَّزَ الطَّلَاقَ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى فَسْخِ الْجَعَالَةِ.
    وَالشُّرُوطُ الشَّرْعِيَّةُ لَا يَقْتَضِي وُجُودُهَا وُجُودًا، وَلَا تَقْبَلُ الْبَدَلَ وَلَا الْإِخْلَافَ، وَيُمْكِنُ قَبُولُهَا الْإِبْطَالَ، فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ يُبْطِلُ شَرْطِيَّةَ الطَّهَارَةِ لِلْعُذْرِ.




    البحر المحيط، للزركشي.



    الدرس الثامن

    صيغة الشرط
    الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي صِيغَتِهِ: وَهِيَ "إنْ" وَهِيَ أُمُّ الْأَدَوَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
    وَهِيَ لِلتَّوَقُّعِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
    وَ"إذَا" وَهِيَ لِلْمُحَقَّقِ كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّوَقُّعِ "كَإِنْ" مَجَازًا، يَجِيءُ شَرْطًا مِنْ الْأَسْمَاءِ "مَنْ، وَمَا، وَأَيُّ، وَمَهْمَا" وَمِنْ الظُّرُوفِ "أَيْنَ وَأَنَّى، وَمَتَى، وَحَيْثُمَا، وَأَيْنَمَا وَمَتَى، وَمَا، وَكَيْفَ" يُجَازِي بِهَا مَعْنًى لَا عَمَلًا خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ.
    الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مِنْ حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا عَلَى الْمُنْتَظَرِ: لِأَنَّ مَا انْقَضَى لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلَةً أَبَدًا، سَوَاءٌ كَانَ لَفْظُهَا مَاضِيًا مُضَارِعًا إلَّا أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ لَفْظِهَا مَا هُوَ، نَحْوُ إنْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقَدْ أَكْرَمْته.
    فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاءٌ، فَالْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؛ إلَّا فِي "كَانَ" وَحْدَهَا، فَإِنَّ الْمُبَرِّدَ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا تَبْقَى عَلَى مُضِيِّهَا، فَتَقُولُ: إنْ كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا قُمْتُ وَ"كَانَ" مَاضِيَةٌ، وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتُهُ}؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} قَدْ كَانَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مُسْتَغْرِقَةٌ لِلزَّمَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَخُصُّ زَمَانًا دُونَ غَيْرِهِ، وَزَعَمَ ابْنُ السَّرَّاجِ أَنَّ الْمُبَرِّدَ احْتَجَّ بِالْآيَةِ، قَالَ: وَفِيهَا نَظَرٌ، فَلَمْ يَجْزِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْآيَةَ قَطْعِيَّةً فِي الْمَقْصُودِ.
    وَالصَّحِيحُ عَدَمُ خُرُوجِهَا عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ، وَنَزَّلَ الْآيَةَ عَلَى أَنَّ "إنْ" دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُسْتَقْبَلٍ، إمَّا عَلَى إضْمَارِ: "يَكُنْ" أَيْ إنْ يَكُنْ قُلْته.
    وَإِمَّا عَلَى إضْمَارِ الْقَوْلِ، أَيْ: إنْ أَكُنْ فِيمَا اسْتَقْبَلَ كُنْت قُلْتُهُ، أَيْ مَوْصُوفًا بِهَذَا، أَوْ إنْ أَقُلْ كُنْتُ قُلْتُهُ.
    وَالصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَقْبَلِ الْمَعْنَى بِلَفْظِ "كَانَ" وَغَيْرِهَا إلَّا مُؤَوَّلًا، لَكِنْ مَا قَالَهُ مُسْتَدْرَكٌ "بِلَوْ، وَلَمَّا" الشَّرْطِيَّتَيْنِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا مَاضِيًا.
    وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ: الْمَشْرُوطُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي الِاسْتِقْبَالِ، نَقُولُ: لَا أَضْرِبُ زَيْدًا حَتَّى يَقُومَ عَمْرٌو، وَلَا يَحْسُنُ لَا أَضْرِبُ زَيْدًا بِالْأَمْسِ حَتَّى يَقُومَ عَمْرٌو.
    فَأَمَّا الشَّرْطُ، فَقَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْقُوبًا فِي الِاسْتِقْبَالِ.
    قَالَ الْقَاضِي: وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ يَقَعُ الشَّرْطُ كَائِنًا فِي الْحَالِ غَيْرَ مُسْتَقْبَلٍ، فَيَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: إنْ كَانَ زَيْدٌ الْيَوْمَ رَاكِبًا يَرْكَبُ غَدًا، فَيُوَافِقُ وُجُودَ الشَّرْطِ لِفِعْلِك، وَيَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ.
    قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَحْسُنُ إذْ مُخَاطِبُك يَعْرِفُ أَنَّ زَيْدًا الْيَوْمَ رَاكِبٌ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَعْرِفْ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ عِنْدَ الْجَهْلِ، فَكَأَنَّك قُلْت: إنْ كَانَ أَوْضَحَ لَنَا أَنَّ زَيْدًا رَاكِبٌ قُمْتَ غَدًا، فَهَذَا الشَّرْطُ إذَنْ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَرْقُوبٌ.




    البحر المحيط، للزركشي.



    الدرس الثامن

    أحكام الشرط
    الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مِنْ حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا عَلَى الْمُنْتَظَرِ: لِأَنَّ مَا انْقَضَى لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلَةً أَبَدًا، سَوَاءٌ كَانَ لَفْظُهَا مَاضِيًا مُضَارِعًا إلَّا أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ لَفْظِهَا مَا هُوَ، نَحْوُ إنْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقَدْ أَكْرَمْته.
    فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاءٌ، فَالْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؛ إلَّا فِي "كَانَ" وَحْدَهَا، فَإِنَّ الْمُبَرِّدَ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا تَبْقَى عَلَى مُضِيِّهَا، فَتَقُولُ: إنْ كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا قُمْتُ وَ"كَانَ" مَاضِيَةٌ، وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتُهُ}؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} قَدْ كَانَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مُسْتَغْرِقَةٌ لِلزَّمَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَخُصُّ زَمَانًا دُونَ غَيْرِهِ، وَزَعَمَ ابْنُ السَّرَّاجِ أَنَّ الْمُبَرِّدَ احْتَجَّ بِالْآيَةِ، قَالَ: وَفِيهَا نَظَرٌ، فَلَمْ يَجْزِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْآيَةَ قَطْعِيَّةً فِي الْمَقْصُودِ.
    وَالصَّحِيحُ عَدَمُ خُرُوجِهَا عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ، وَنَزَّلَ الْآيَةَ عَلَى أَنَّ "إنْ" دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُسْتَقْبَلٍ، إمَّا عَلَى إضْمَارِ: "يَكُنْ" أَيْ إنْ يَكُنْ قُلْته.
    وَإِمَّا عَلَى إضْمَارِ الْقَوْلِ، أَيْ: إنْ أَكُنْ فِيمَا اسْتَقْبَلَ كُنْت قُلْتُهُ، أَيْ مَوْصُوفًا بِهَذَا، أَوْ إنْ أَقُلْ كُنْتُ قُلْتُهُ.
    وَالصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَقْبَلِ الْمَعْنَى بِلَفْظِ "كَانَ" وَغَيْرِهَا إلَّا مُؤَوَّلًا، لَكِنْ مَا قَالَهُ مُسْتَدْرَكٌ "بِلَوْ، وَلَمَّا" الشَّرْطِيَّتَيْنِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا مَاضِيًا.
    وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ: الْمَشْرُوطُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي الِاسْتِقْبَالِ، نَقُولُ: لَا أَضْرِبُ زَيْدًا حَتَّى يَقُومَ عَمْرٌو، وَلَا يَحْسُنُ لَا أَضْرِبُ زَيْدًا بِالْأَمْسِ حَتَّى يَقُومَ عَمْرٌو.
    فَأَمَّا الشَّرْطُ، فَقَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْقُوبًا فِي الِاسْتِقْبَالِ.
    قَالَ الْقَاضِي: وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ يَقَعُ الشَّرْطُ كَائِنًا فِي الْحَالِ غَيْرَ مُسْتَقْبَلٍ، فَيَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: إنْ كَانَ زَيْدٌ الْيَوْمَ رَاكِبًا يَرْكَبُ غَدًا، فَيُوَافِقُ وُجُودَ الشَّرْطِ لِفِعْلِك، وَيَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ.
    قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَحْسُنُ إذْ مُخَاطِبُك يَعْرِفُ أَنَّ زَيْدًا الْيَوْمَ رَاكِبٌ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَعْرِفْ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ عِنْدَ الْجَهْلِ، فَكَأَنَّك قُلْت: إنْ كَانَ أَوْضَحَ لَنَا أَنَّ زَيْدًا رَاكِبٌ قُمْتَ غَدًا، فَهَذَا الشَّرْطُ إذَنْ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَرْقُوبٌ.
    الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مِنْ أَحْكَامِهِ إخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ عُلِمَ إخْرَاجُهُ كَأَكْرِمْ زَيْدًا إنْ اسْتَطَعْت، أَوَّلًا كَأَكْرِمْهُ إنْ قَامَ، ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ دَفْعَةً كَالتَّعْلِيقِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَ أَوَّلِ وُجُودِهِ، وَقَدْ يُوجَدُ عَلَى التَّعَاقُبِ كَالْحَرَكَةِ وَالْكَلَامِ؛ فَعِنْدَ آخِرِ جُزْءٍ، إذْ الْعُرْفُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، كَالطَّهَارَةِ لِمَنْ نَوَى وَهُوَ مُنْغَمِسٌ فِي الْمَاءِ، وَلِمَنْ تَوَضَّأَ نَاوِيًا، وَقُلْنَا: بِتَفْرِيقِ الِارْتِفَاعِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ دَفْعَةٍ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ وُجُودُهُ حَقِيقَةً، وَلَا تَحَقُّقَ لِوُجُودِهِ إلَّا كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الثَّانِي
    الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ قَدْ يَتَّحِدَانِ، نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَدْ يَتَعَدَّدُ الشَّرْطُ، وَيَتَّحِدُ الْمَشْرُوطُ، بِأَنْ يَكُونَ لِلْمَشْرُوطِ الْوَاحِدِ شَرْطَانِ، فَإِنْ كَانَا عَلَى الْجَمْعِ لَمْ يَحْصُلْ الْمَشْرُوطُ إلَّا بِحُصُولِهِمَا مَعًا، كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَكَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
    وَإِنْ كَانَ عَلَى الْبَدَلِ حَصَلَ الْمَشْرُوطُ بِحُصُولِ أَحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، أَوْ كَلَّمْت زَيْدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
    قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَمَتَى زِيدَ فِي شَرْطِهِ زِيدَ فِي تَخْصِيصِهِ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّهُ يَحُطُّهُ فِي كُلِّ دَفْعَةٍ عَنْ رُتْبَةِ الْإِطْلَاقِ، قَالَ: وَيَنْشَأُ مِنْ جَوَازِ مَشْرُوطٍ لِمَشْرُوطٍ أَنْ لَا يُشْعِرَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ بِانْعِكَاسِ حُكْمِ الْمَشْرُوطِ إلَّا فِي الْعُمُومِ وَقَدْ يَتَعَدَّدُ الْمَشْرُوطُ، وَيَتَّحِدُ الشَّرْطُ بِأَنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ الْوَاحِدِ مَشْرُوطَاتٌ، فَإِمَّا عَلَى الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: إنْ زَنَيْت جَلَدْتُك، وَعَزَّرْتُك، فَإِذَا حَصَلَ الزِّنَى حَصَلَ اسْتِحْقَاقُ الْأَمْرَيْنِ.
    وَإِمَّا عَلَى الْبَدَلِ، كَقَوْلِهِ جَلَدْتُك أَوْ عَزَّرْتُك، وَالْمُحَقَّقُ أَحَدُهُمَا.
    الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْمَشْرُوطِ فِي اللَّفْظِ، حَتَّى يَكُونَ كَالِاسْتِثْنَاءِ؛ بَلْ الْأَصْلُ تَقْدِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي الْوُجُودِ؛ وَلِأَنَّهُ قِسْمٌ مِنْ الْكَلَامِ، فَكَانَ لَهُ الصَّدْرُ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالتَّمَنِّي، وَيَجُوزُ تَأَخُّرُهُ لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
    قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ، وَتَأْخِيرِهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَوْلَى، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَحْرَى هُوَ التَّقْدِيمُ، خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ قُلْت: قَوْلُهُ لَا نِزَاعَ فِي تَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَرْدُودٌ، فَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الشَّرْطَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ كَالِاسْتِفْهَامِ، فَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ، فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ شُبِّهَ بِالْجَوَابِ، وَلَيْسَ بِجَوَابٍ، وَجَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ، فَنَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَا تَقْدِيرَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ؛ بَلْ هُوَ جَوَابٌ مُقَدَّمٌ مِنْ تَأْخِيرٍ، وَرَدٍّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا افْتَرَقَ الْمَعْنَيَانِ، وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ.
    فَفِي التَّقْدِيمِ مَبْنَى الْكَلَامِ عَلَى الْجَزْمِ، ثُمَّ طَرَأَ التَّوَقُّفُ، وَفِي التَّأْخِيرِ مَبْنَى الْكَلَامِ مِنْ أَوَّلِهِ عَلَى الشَّرْطِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ الْإِمَامِ: إنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الشَّرْطِ، وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْفَرَّاءِ غَرِيبٌ.
    وَقَالَ الصَّفِيُّ: فِي صِحَّةِ النَّقْلِ نَظَرٌ وَإِنْ صَحَّ النَّقْلُ فَضَعْفُهُ بَيِّنٌ وَقَالَ شَارِحُ "اللُّمَعِ": يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الشَّرْطُ فِي اللَّفْظِ، كَمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
    قَالَ: وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقْصِدَ إلَى الشَّرْطِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْعَادَةِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَصْدُ وَجْهَانِ كَالِاسْتِثْنَاءِ، قُلْت: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت، فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً يَقَعُ، وَلَوْ قَالَ: إنْ شِئْت طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً، قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَوَافَقَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ وَاحِدَةٌ لِجَوَازِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِهِ.
    الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَدْ يَرِدُ الْكَلَامُ عَرِيًّا عَنْ الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِهِ مُرَادًا فِيهِ، وَيُبَيَّنُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ}، فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ}.
    الشَّرْطُ مُخَصِّصٌ لِلْأَحْوَالِ لَا لِلْأَعْيَانِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: نَقَلَ صَاحِبُ "الْمَصَادِرِ" عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى مَنْعَ كَوْنِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَقَالَ: الشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ.
    وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ "الْمَصَادِرِ" فَقَالَ: لَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَقْلِيلٌ فِي الْعَدَدِ قَطْعًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَك: أَعْطِ الْقَوْمَ إنْ دَخَلُوا الدَّارَ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ خَارِجٌ مِنْ الْعَطِيَّةِ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْكُلُّ فَيَسْتَحِقُّوا الْعَطِيَّةَ، فَإِذَنْ الشَّرْطُ غَيْرُ مُخَصِّصٍ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَعْيَانِ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصِّصٌ لِأَحْوَالٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَطِيَّةِ لَوْ كَانَ مُطْلَقًا لَا يَسْتَحِقُّونَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِذَا شُرِطَ بِدُخُولِ الدَّارِ يُخَصَّصُ بِتِلْكَ الْحَالِ الَّتِي هِيَ دُخُولُ الدَّارِ.
    قَالَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ أَنَّ الشَّرْطَ بِ "إنْ" يُخَصِّصُ مَا دَخَلَهُ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلتَّأْكِيدِ فَلَا، كَقَوْلِهِ: إنْ تَطَهَّرْت فَصَلِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّحْقِيقِ. انْتَهَى.
    وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ وَالشَّرْطَ جُمْلَتَانِ صَيَّرَهُمَا حَرْفُ الشَّرْطِ كَلَامًا وَاحِدًا، فَيَتَقَيَّدُ إحْدَاهُمَا بِقَيْدِ الْأُخْرَى وَتَخْصِيصُهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ كَذَلِكَ، وَبِذَلِكَ أَشْبَهَ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ، فَإِذَا قُلْت: أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إنْ كَانُوا عُلَمَاءَ، صَارَ كَقَوْلِك أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا جُهَّالًا.
    وَكَذَا إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَك مِنْ النَّاسِ فَأَكْرِمْهُ، وَمَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ.
    غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إخْرَاجٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالشَّرْطُ يُقَيَّدُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِخْرَاجُ إلَّا عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
    وَقَالَ ابْنُ الْفَارِضِ فِي "النُّكَتِ": الِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ، وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ.
    وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: مِنْ حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ يَخُصَّ الْمَشْرُوطَ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ.
    وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إنَّمَا يَكُونُ الشَّرْطُ لِلتَّخْصِيصِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ مِنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ}، وَحُكْمُهَا فِي الْعِدَّةِ مَعَ وُجُودِ الرِّيبَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ.
    وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يَكُونُ تَخْصِيصًا إلَّا أَنْ يَقَعَ مَوْقِعَ التَّأْكِيدِ، أَوْ غَالِبُ الْحَالِ يُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَنْ حُكْمِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: {إنْ خِفْتُمْ}، فَإِنَّ الْخَوْفَ تَأْكِيدٌ لَا شَرْطٌ وَقَوْلُهُ: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}.
    الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ اتِّصَالِ الشَّرْطِ فِي الْكَلَامِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ تَقَيُّدُ الْكَلَامِ بِشَرْطٍ يَكُونُ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، قَالَهُ الْإِمَامُ.
    قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا يَجِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى مَا عُلِمَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَا يُجْهَلُ فِيهِ الْحَالُ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ، وَلَوْ بِشَرْطٍ لَا يَبْقَى مِنْ مَدْلُولَاتِهِ شَيْءٌ، كَقَوْلِك: أَكْرِمْ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ إنْ أَكْرَمَك وَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُكْرِمْهُ.
    الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ إذَا تَعَقَّبَهَا شَرْطٌ، هَلْ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ؟ عَلَى طَرِيقَيْنِ:
    أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِمَّنْ حَكَاهَا الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ الدَّلَائِلِ، فَقَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَرْجِعُ إلَى مَا يَلِيهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْكُلِّ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ إرَادَةِ الْبَعْضِ ثُمَّ اخْتَارَ الصَّيْرَفِيُّ رُجُوعَهُ إلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَقَعَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يَكُنْ آخِرَ الْمَعْطُوفَاتِ أَوْ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَأُمْضِيَ عَلَى عُمُومِهِ.
    وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ الْأَشْعَرِيَّةِ عَدَمَ عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ.
    قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي "النُّكَتِ": الَّذِي فِي كُتُبِ عُلَمَائِنَا كَثِيرًا رُجُوعُهُ إلَى الْجَمِيعِ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ، قَالَ: وَوَجَدْت بَعْضَ الْأُدَبَاءِ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الرُّجُوعِ إلَى مَا يَلِيهِمَا.
    وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَطْعُ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ مَنْزِلَتُهُ التَّقَدُّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ، فَإِذَا أُخِّرَ لَفْظًا كَانَ كَالْمَصْدَرِ فِي الْكَلَامِ، وَلَوْ صَدَرَ لَتَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ، فَكَذَا الْمُتَأَخِّرُ.
    وَعَلَى هَذَا جَرَى ابْنُ مَالِكٍ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ "شَرْح التَّسْهِيلِ"، فَقَالَ: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَعَلُّقِ الشَّرْطِ بِالْجَمِيعِ فِي نَحْوِ: لَا تَصْحَبْ زَيْدًا وَلَا تَزُرْهُ وَلَا تُكَلِّمْهُ إنْ ظَلَمَنِي، وَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
    انْتَهَى.
    وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَا: إلَّا أَنْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ، وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِيهِ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا، لَكِنْ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ، أَنَّ الشَّرْطَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخِيرَةِ.
    وَنَقَلَ أَصْحَابُ "الْمُعْتَمَدِ" وَ"الْمَصَادِرِ" وَ"الْمَحْصُولِ" وِفَاقَ أَبِي حَنِيفَةَ لَنَا عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيَّ حَكَيَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اخْتِصَاصَهُ بِالْأَخِيرَةِ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
    قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ غَلَطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} إلَى قَوْلِهِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ}، فَهُوَ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لَا إلَى الرَّقَبَةِ.
    وَمَثَّلَ الْقَفَّالُ وَالصَّيْرَفِيُّ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ الْمَعْطُوفَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَصَرَ الشَّرْطَ عَلَى الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، لِدَلِيلٍ قَامَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ رَدُّهُ إلَى الْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَوْ اقْتَرَنَ بِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ.
    أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ أُمَّهَاتِ نِسَائِنَا أُمَّهَاتُ أَزْوَاجِنَا، وَهِيَ نِسَاؤُكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ فَكَيْفَ تَرَوْنَ أُمَّهَاتِ أَزْوَاجِنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؟ وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وَصْفٌ لِلرَّبِيبَةِ.
    أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ رَبِيبَةٌ لِامْرَأَةٍ لِي، قَدْ دَخَلْتُ بِهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ أُمُّ امْرَأَتِي مِنْ امْرَأَةٍ لَمْ أَدْخُلْ بِهَا، وَلِهَذَا بَطَلَ رُجُوعُهُ إلَى الْأُولَى.
    وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ إلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ إذَا صَلُحَ أَنْ يُذْكَرَ مَقْرُونًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا سَبَقَ. انْتَهَى كَلَامُ الْقَفَّالِ.
    وَشَرَطَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ لِلْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ مَا سَبَقَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
    فَقَالَ: إذَا كَانَ الْخِطَابُ عَلَى جُمَلٍ مِنْهَا مُسْتَقِلٍّ، وَلَوْ نِيطَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِشَرْطٍ لَمْ يَقْتَضِ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّ، وَكَذَا إذَا تَوَالَتْ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ يَثْبُتُ الْمُخَصِّصُ فِي بَعْضِهَا لَمْ يُوجِبْ التَّخْصِيصَ فِيمَا عَدَاهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} الْآيَةَ.
    وَاخْتَارَ الرَّازِيَّ التَّوَقُّفَ هُنَا، وَلَا بُعْدَ فِي تَوَقُّفِ الْقَاضِي فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَتَكَلُّفُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا ضَعِيفٌ.
    تَنْبِيهَاتٌ:
    حُكْمُ الشَّرْطِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْمَعْطُوفِ:
    الْأَوَّلُ: هَذَا إذَا تَأَخَّرَ الشَّرْطُ فَإِنْ تَقَدَّمَ قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: اخْتَصَّ بِمَا يَلِيهِ عِنْدَ مَنْ خَصَّهُ بِجُمْلَةٍ.
    قُلْت: وَصَرَّحَ الصَّيْرَفِيُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَعْطُوفَاتِ كَحُكْمِهِ إذَا تَأَخَّرَ فِي الْعَدَدِ إلَى الْكُلِّ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ، وَمَالِي صَدَقَةٌ، وَقَصْدُ الشَّرْطِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ.
    وَصَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ بِأَنَّهُ إذَا قُدِّرَ لِلْعُمُومِ شَرْطٌ مُتَقَدِّمٌ أَوْ مُتَأَخِّرٌ اقْتَضَى تَخْصِيصَ الْمَشْرُوطِ.
    وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ "أَدَبِ الْجَدَلِ": مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَوْدُ الشَّرْطِ إلَى الْجَمِيعِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الشَّرْطُ الْجُمَلَ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ رَجَعَ إلَى جَمِيعِ مَا يُذْكَرُ عَقِبَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ رَجَعَ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ. انْتَهَى. وَهَذَا التَّفْصِيلُ غَرِيبٌ.
    وَجَعَلَ شَارِحُ "اللُّمَعِ" الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ الْبَعْضِ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَمِيعِ تَعَيَّنَ قَطْعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ} الْآيَةَ، فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا رَجَعَ إلَيْهَا كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى الطَّلَاقِ لَا إلَى الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ، فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ.
    إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ مَنْطُوقًا بِهِ، فَهَلْ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ؟:
    الثَّانِي: هَذَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ مَنْطُوقًا بِهِ، فَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ؛ وَلَكِنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ فِي بَعْضِ الْمَذْكُورَاتِ، فَهَلْ يَكُونُ كَالْمَنْطُوقِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
    وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَرِيبَةٌ لَمْ أَرَهَا إلَّا فِي تَعْلِيقِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي بَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ: إنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى يَسْتَحِقُّونَهُ مَعَ الْغِنَى، بِخِلَافِ الْيَتَامَى فَإِنَّهُ شَرَطَ فِيهِمْ الْحَاجَةَ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الشَّرْطَ عِنْدَكُمْ إذَا نِيطَ بِآخِرِ الْكَلَامِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً رَجَعَ إلَى أَوَّلِهِ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَكُمْ فِي الْيَتَامَى أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مَعَ الْحَاجَةِ، فَوَجَبَ عَوْدُ هَذَا الشَّرْطِ إلَى ذَوِي الْقُرْبَى.
    قِيلَ لَهُ: هَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ خَطَأٌ، وَنَحْنُ نُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ.
    هَذَا لَفْظُهُ.
    الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ:
    الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَمَا يُفَارِقُ فِيهِ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ.
    قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: الشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ، فَيَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِهَةِ إثْبَاتِهِمَا حُكْمًا وَنَفْيِهِمَا آخَرَ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ، وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ.
    قَالَهُ ابْنُ الْفَارِضِ فِي "النُّكَتِ":
    وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْطَ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي حَالِ وُجُودِهِ وَيَنْفِيهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَرُبَّمَا يَتَقَدَّمُ الْحُكْمَ شَرْطٌ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إثْبَاتٌ وَلَا نَفْيٌ، وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ مِنْ الْحَقِيقَةِ كَآيَةِ الْعِدَّةِ.
    وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النُّطْقِ بِهِ فِي الزَّمَانِ عَنْ الْمَشْرُوطِ قَطْعًا، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلٍ.
    وَمِنْهَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ جَمِيعَ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَيَبْطُلَ حُكْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَجُوزَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّرْطَ كَلَامٌ يُبْطِلُ جَمِيعَهُ بِالْإِجْمَاعِ كَقَوْلِهِ: أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ، فَلَا تَدْخُلُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَيَبْطُلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ. انْتَهَى.
    وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي بِلَا نِزَاعٍ، بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلٍ.
    الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: يَصِحُّ دُخُولُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ، فَيَكُونُ الثَّانِي شَرْطًا فِي الْأَوَّلِ وَيُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ اعْتِرَاضَ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} وَمَعْنَاهُ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ، وَشَرَطَ ابْنُ مَالِكٍ فِي تَوَالِي الشَّرْطَيْنِ عَدَمَ الْعَطْفِ، قَالَ: فَلَوْ عُطِفَا فَالْجَوَابُ لَهُمَا مَعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، إنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا}، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مِنْ تَوَالِي فِعْلَيْ شَرْطٍ لَا مِنْ تَوَالِي شَرْطَيْنِ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فِي "النِّهَايَةِ" أَنَّ حُكْمَهُ بِالْعَطْفِ كَحُكْمِهِ مَعَ عَدَمِهِ.
    الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْمَشْرُوطُ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الشَّرْطِ أَوْ عَقِبَهُ؟ قَالَ صَاحِبُ "النُّكَتِ": ذَكَرَ أَبُو هَاشِمٍ فِي "الْبَغْدَادِيَّاتِ" أَنَّهُ يَقَعُ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ، قَالَ: وَالْمَحْكِيُّ عَنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ الشَّرْطِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْإِيقَاعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْإِيقَاعِ.
    قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي قَوْلِهِمْ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ عِنْدَ أَبِي هَاشِمٍ، وَيُلْغَى الشَّرْطُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ مَعَ حُصُولِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ هُوَ الْعَقْدُ وَالْمَشْرُوطُ حَلُّهُ، وَالْعَقْدُ وَحَلُّهُ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَجَبَ أَنْ يَلْغُوَ الشَّرْطُ وَيَصِحَّ الْعَقْدُ، وَعَلَى قَوْلِ مُخَالِفِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ يَقَعُ بَعْدَ الشَّرْطِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الْأَوَّلِ، وَيَنْحَلُّ فِي الثَّانِي.
    وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ "شَارِحُ الْمَحْصُولِ": الْعِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ تَتَقَدَّمُ عَلَى مَعْلُولِهَا بِالذَّاتِ لَا بِالزَّمَانِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعْقُولِ.
    وَالشَّرْطُ مَعَ الْمَشْرُوطِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ، فَإِذَا وُجِدَ وُجِدَ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ، وَالْمُؤَثِّرُ التَّامُّ يُقَارِنُهُ وُجُودُ الْأَثَرِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ الشَّرْعِيَّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُؤَثِّرِ الْعَقْلِيِّ، وَذَلِكَ لِمُطَابَقَةِ الشَّرِيعَةِ الْحَقِيقَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُمَا مَعًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَرَتُّبِهِ.
    وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَقِبَهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَقَعْ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْأَصَحِّ.
    الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَا يَلْزَمُ فِي الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ بَيْنَهُمَا ضَرُورِيًّا بِالْعَقْلِ، بَلْ تَكْفِي الْمُلَازَمَةُ بِالْوَضْعِ، فَإِذَا قُلْت: إنْ جَاءَ زَيْدٌ أَكْرَمْته، فَهَذَا لَازِمٌ بِالْوَضْعِ، أَيْ وَضْعِ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ الْإِكْرَامُ لَازِمًا لِلْمَجِيءِ، وَكَلَامُ ابْنِ خَرُوفٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ الْعَقْلِيَّ؛ فَإِنَّهُ قُدِّرَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأَدْخِلْ يَدَك فِي جَيْبِك تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَخْرِجْهَا، تَخْرُجُ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إدْخَالِهَا خُرُوجُهَا، وَ"تَخْرُجْ" مَجْزُومٌ عَلَى الْجَوَابِ، فَاحْتَاجَ أَنْ يُقَدِّرَ جَوَابًا لَازِمًا وَشَرْطًا مَلْزُومًا حَذْفًا؛ لِأَنَّهُمَا نَظِيرَا مَا أَثْبَتَ لَكِنْ وَقَعَ فِي تَقْدِيرِ مَا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهُ إنْ أَدْخَلَهَا تَدْخُلُ.
    وَالصَّوَابُ -وَبِهِ قَالَ ابْنُ الصَّائِغِ مِنْ النَّحْوِيِّينَ- أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِدْخَالَ سَبَبٌ فِي خُرُوجِهَا بَيْضَاءَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَيْضًا مِنْ إخْرَاجِهَا أَنْ تَخْرُجَ بَيْضَاءَ لُزُومًا ضَرُورِيًّا إلَّا بِضَرُورَةِ صِدْقِ الْوَعْدِ؟
    الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْجَزَاءُ وَحْدَهُ، وَالشَّرْطُ قَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ وَالْحَالِ، حَتَّى إنَّ الْجَزَاءَ إنْ كَانَ خَبَرًا فَالشَّرْطِيَّةُ خَبَرِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ إنْشَاءً فَإِنْشَائِيَّةٌ، وَعِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّ مَجْمُوعَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ، دَلَّ عَلَى رَبْطِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، وَثُبُوتُهُ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الِانْتِقَاءِ عِنْدَ الِانْتِفَاءِ، وَكُلٌّ مِنْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَفَرَّعُ مَذْهَبُنَا فِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَعَلَى الثَّانِي يَتَفَرَّعُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي إنْكَارِهِ، وَسَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.



    Attached Files Attached Files
    • File Type: pdf 8.pdf (154.9 KB, 0 views)

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •