Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع الدرس الثانى : أهمية دراسة علم مقارنة الأديان

  1. #1
    Super Moderator hanan.taha's Avatar
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    3,908
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    1286

    مراجع الدرس الثانى : أهمية دراسة علم مقارنة الأديان

    ع3:
    أهمية دراسة علم مقارنة الأديان
    ج1:
    علم مقارنة الأديان نشأته ومناهجه، لجمال السيد.
    رابعًا: أهمية دراسة علم مقارنة الأديان:
    1- إن علم مقارنة الأديان علم عظيم الفائدة، إذ يقدم للمفكرين المسلمين أهم العناصر للدفاع عن الإسلام ضد التحديات التي تواجهه، ليس فقط تحديات الأديان الأخرى وإنما تحدي الحركات الإلحادية الكبرى المنتشرة في العالم أيضًا.
    2- إن الداعية الناجح لا يستطيع أن يدعو غير المسلمين بالتي هي أحسن إلا إذا درس ما عندهم من ديانات، ووقف على الملل والنحل التي يدين بها غير المسلمين، لذا كان من واجب الداعية ذي البصر النافذ والبصيرة أن يقف على الأمور من حوله يتبصرها ويرقبها حتى يعلم الحق من الباطل والهدى من الضلال.
    فإذا علم ذلك استطاع أن يدفع الباطل ويرده عن دعوته وأن يناصر الحق والصواب على المنهج القويم الذي رسمه الله -عز وجل- للدعاة إليه إلى الله تعالى في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.
    3- إن علم مقارنة الأديان يقدم للمسلمين معرفة قيمة عن الإسلام وقوة دليله ونصاعة برهانه ومتانة حجته ويسر كتابه، ومكانته العظمى من الكتب الأخرى ووضوح عقائده وكمال شرائعه وعلو آدابه وأخلاقه، وهذا هو الذي جذب كثيرًا من أكابر علماء اليهود والنصارى إليه، حيث هالهم ضعف دياناتهم واختلال عقائدهم وتناقض كتبها وانقطاع سندها فأسلموا وكتبوا وثائق نادرة رائدة أسهمت في تنمية علم مقارنة الأديان.
    4- إن دراسة علم مقارنة الأديان واجب علمي تقتضيه الضرورة الملقاة على عاتق الدعاة إلى الله تعالى؛ إذ بهذه الدراسة يستطيع الدعاة أو غيرهم من المثقفين الذين يهتمون بمقارنة الأديان أن يعرفوا تاريخ كل دين، وما حدث به من خلل أو انحراف خلال رحلته الطويلة، وستقود هذه الدراسة إلى حقيقة مهمة هي أن المسيحية الحالية مثلًا ليست هي مسيحية عيسى -عليه السلام- على الإطلاق، وأن اليهودية كذلك ليست هي الرسالة الحقيقية التي نزلت على موسى -عليه السلام- وأن المحاولات التي جرت للانحراف بالإسلام فشلت تمامًا وحافظ ديننا على نقائه وصفاته بفضل القرآن الكريم وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة، وإن ما دخل عليه من إسرائيليات أو استشراقيات هي الآن هدف هؤلاء الباحثين للقضاء عليها.
    5- إن هذه المقارنات التي تكون بين الإسلام من جهة وكل من اليهودية والمسيحية من جهة أخرى تؤكد ثقة المسلم في دينه من مقومات الأفضلية والامتياز، أما بالنسبة لغير المسلم من أبناء الدينين الآخرين فهو طريق إلزامي له أهميته في إثبات تفوق الإسلام على هذين الدينين من دونها بعناصر الصلاحية.
    6- إن علم مقارنة الأديان سلاح للمسلمين في الحاضر كما كان سلاحًا لهم في الماضي للدفاع عن الإسلام في مواجهة أصحاب الأديان الأخرى المهاجمين له الطاعنين فيه.
    ع1:
    الجذور القرآنية لعلم مقارنة الأديان
    ج1:
    علم مقارنة الأديان نشأته ومناهجه ، لجمال السيد.
    أولًا: تعريف علم مقارنة الأديان:
    جاء في اللغة: قارن الشيء بالشيء مقارنة وقرانًا: اقترن به، وصاحبه. وقارن بين القوم: سوى بينهم. وقارن بين الزوجين قرانًا: جمع بينهما. وقارن بالشيء: وازنه به. وقارن بين الشيئين أو الأشياء: وازن بينها؛ فهو مقارن. ويقال: الأدب المقارن أو التشريع المقارن، ويقال أيضًا: مقارنة الأديان.
    وبناءً على ذلك يمكن تعريف "علم مقارنة الأديان" عند المسلمين بأنه: علم يقارن بين الأديان لاستخلاص أوجه الشبه والاختلاف بينها، ومعرفة الصحيحة منها والفاسدة إظهارًا لحقيقة الإسلام بأدلة يقينية.
    أما مفهوم هذا العلم عند معظم المستشرقين فيختلف تمامًا عن مفهومه عند المسلمين، وذلك بناءً على هدفهم لهدم الإسلام بكل الوسائل، فاهتمامهم بعلم مقارنة الأديان يرجع إلى هدفهم لهدم الإسلام عن طريق هذا العلم، بأسلوب علمي أظهروا فيه إخلاصهم للأديان كلها، وهذا أمر في منتهى الخطورة؛ لأن غرضهم هو التسوية بين الأديان كلها، واقتنع بعض المسلمين بأهمية العلم بناء على مفهوم وخطة المستشرقين.
    ثانيًا: أهم الأسباب التي أدت إلى نشأة علم مقارنة الأديان:
    إن هناك أسبابًا متعددة أدت إلى نشأة علم مقارنة الأديان أهمها ما يلي:
    1- الحرية الفكرية في الإسلام، فكان الخليفة المأمون مثلًا يعقد المجالس للمناقشة في الأديان والمذاهب والفرق، وكان أستاذه فيها أبا الهذيل العلاف.
    2- تسامح الإسلام والمسلمين مع أهل الكتاب، فقد كان لتسامح الإسلام وبخاصة مع أهل الكتاب وتقريره لمبدأ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أثره في دفع المسلمين إلى التعرف على الأديان الأخرى ومناقشتها ودراستها.
    ولم يكن هذا العلم عند المسلمين وسيلة للحط من الأديان الأخرى، وإنما كان دراسة وصفية لا تعصب فيها تؤدي إلى نتائجها الطبيعية، ولذا دخل الآلاف والملايين في الإسلام بواسطة هذا العلم.
    3- الدفاع عن الإسلام بوصفه الدين الحق، ومواجهة تحديات الأديان الأخرى كتابية كانت أو وضعية.
    ولا شك أن هذا السبب يعد السبب الحقيقي لنشأة هذا العلم، حيث كان الغرض الحقيقي من المناقشات والجدل حول الديانات هو إظهار أن الدين الصحيح هو الإسلام، ويظهر هذا من مناقشة القرآن الكريم لأهل الديانات الأخرى، وكذلك أول رسالة وصلت إلينا في علم مقارنة الأديان والتي ألفها الجاحظ ورد فيها على النصارى، ودافع عن الإسلام وكذلك من الكتب التي بعد ذلك أيضًا.
    فلقد حاولت الديانات السابقة: وضعية، وكتابية، وكذلك المذاهب الفلسفية -شرقية أم غربية- أن تسرب إلى العقل المسلم بعض أفكارها ونظرياتها، مدثرة بألفاظ عربية ومظاهر إسلامية، مما أثر على بعض النشاطات العلمية، ومن الغريب أن بعض دعاة هذه الأديان والمذاهب كان يمارس نشاطاته علنًا مثل: يوحنا الدمشقي، يوحنا النيفي، وعدي بن يحيى وسعيد بن البطريق، وبعض اليهود أهل التناسخ وإنكار النبوات، والثنويين، الثنويين الذين يقولون بإلهين اثنين وهم المجوس والثنوية وغيرهم، وغلاة الفلاسفة وبقايا الحرانين وغير هؤلاء.
    وقد تصدى لرد هذه المحاولات علماء أكفاء كان لزامًا عليهم أن يدرسوا هذه الديانات، وأن يتعمقوا في كتبها وتاريخها وأصولها وفروعها للرد على دعاتها، وكان أكثرهم لا يتصدون للرد إلا إذا بلغوا في فهمها بعيدًا، ويعدل أو يفوق شأن علمائها وأربابها، ولقد حفل التراث الإسلامي بأسماء لامعة عميقة في مجال الأديان والجدل مع أصحابها.
    فمنهم على سبيل المثال:
    (الجاحظ، الكندي الفيلسوف، الإسكافي، ابن الإخشيد، أبو عيسى الوراق، المهدي، الحسن بن أيوب العامري، القاضي عبد الجبار، الأشعري، الباقلاني، الجويني، أبو حامد الغزالي، الفخر الرازي، الشهرستاني،ابن حزم، البيروني، اليعقوبي، المسعودي، أبو الوليد الباجي، القرطبي، علاء الباجي، ابن خلدون، الخزرجي القرطبي، ابن قوسين الطيب، أحمد بن إدريس القرافي، أحمد بن تيمية، ابن القيم، عبد الحق الإسلامي، عبد الله الترجمان، نصر بن يحيى المتطيب، موفق الدين البغدادي، عبد العزيز الدميري، المسعودي، سعيد بن زاده الجزيري"، وغير هؤلاء كثير ممن حفظت لنا كتبهم ورسائلهم أو ضاعت مع ما قد ضاع.
    ع2:
    تاريخ وتطور علم مقارنة الأديان
    ج1:
    علم مقارنة الأديان نشأته ومناهجه، لجمال السيد.
    ثالثًا: نشأة وتطور علم مقارنة الأديان:
    إن علم مقارنة الأديان قد مر بمراحل عديدة، شأنه في ذلك شأن بقية العلوم الإسلامية، بل العلوم كلها على الإطلاق، وهذه المراحل يمكن تقسيمها كما يلي:
    1- مرحلة التكوين: إن من مفاخر المسلمين أنهم هم الذين أنشئوا علم مقارنة الأديان؛ حيث إن العلم لم يظهر قبل الإسلام، لأن الأديان قبل الإسلام لم يعترف أي منها بالأديان الأخرى، وكان كل دين يعد ما سواه من الأديان والأفكار هرطقة وضلالًا، ويتضح هذا من موقف اليهودية من المسيحية والمسيح.
    فعندما قام المسيح -عليه السلام- بدعوته السامية ضد العنف والكراهية والحقد والبغضاء، داعيًا إلى المحبة والسلام والإخاء بين الناس ثار اليهود على رسالته وعلى دعوته، وأعلنوها حربًا شعواء تتسم بالمكر والخبث والغدر، وانتهت مؤامرتهم بالوقيعة بينه وبين الحاكم الروماني، وادعوا عليه بأنه ثائر على الحاكم الروماني وأنه يسعى لتكوين حزب سياسي، هدفه التخلص من الاستعمار الروماني وأنه يمهد لكي يكون ملكًا على اليهود.
    ومن هذه المؤامرات ما ورد في "إنجيل متى"، عندما سأله اليهود بخبث للوقيعة بينه وبين السلطة الرومانية، فقالوا له: أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم وقال: لماذا تجربونني يا مراءون... أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
    ولم يقف الأمر عند حد التآمر عليه؛ بل تطاولوا عليه كما تطاولوا على الأنبياء قبله، واتهموه بالكذب والتضليل والجنون والشعوذة في نسبه فقالوا: إنه ابن غير شرعي حملته أمه وهي حائض.
    وجاء في التلمود أيضًا: "أن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين الزفت والقطران والنار، وأن أمه مريم أتت به من العسكري باندار بمباشرة الزنا، وأن الكنائس النصرانية بمقام قاذورات وأن الواعظين فيها أشبه بالكلاب النابحة.
    وكذلك الحال بالنسبة لموقف النصرانية من اليهودية، فعندما قويت شوكة النصرانية اعتبرت نفسها وريثة لليهودية ولم ترَ مع وجودها وجودًا لليهودية.
    ومثل ذلك أيضًا موقف الهندوسية من البوذية، والبوذية من الهندوسية، ومثله موقف النصرانية من الإسلام والمسلمين في الأندلس، بل وصل الأمر إلى أبعد من ذلك؛ إذ أنكرت كل طائفة دينية جميع الطوائف الأخرى المنتسبة لنفس الدين، وعدت اتجاهاتها هرطقة وضلالًا، وربما حكمت كل طائفة منها على أتباع الأخرى بالإعدام. مثل ما حدث في مذبحة باريس في 24 أغسطس سنة 572م، التي سطا فيها الكاثوليك على ضيوفهم من البروتستانت.
    هؤلاء الذين دعوا إلى باريس لعمل تسوية تقرب وجهات النظر فقتلوا خيانة وهم نيام، فلما أصبحت باريس كانت شوارعها تجري بدماء هؤلاء الضحايا.
    والعجيب أن البروتستانت لما قويت شوكتهم مثلوا نفس دور القسوة مع الكاثوليك، ولم يكونوا أقل وحشية في معاملة خصومهم، فهذا هو "مارتن لوثر" الذي كان من أبرز رواد حركة الإصلاح الديني يوجب على الدولة بعد أن توطد نفوذه أن تفرض ما يبدو لها رأيًّا سليمًا، وأن تستأصل الهرطقة؛ لأنها رجس من عمل الشيطان، وجاهر بإعدام طائفة منكري التعميد بالسيف بعد انسلاخها عنه.
    ومن هنا فلم يوجد علم مقارنة الأديان قبل الإسلام،؛ لأن المقارنة نتيجة للتعدد وهذا التعدد لم يوجد قبل الإسلام؛ حيث إن كل دين ومذهب لا يعترف بالآخر، ولما جاء الإسلام انبثقت جذور علم مقارنة الأديان، فالإسلام قد جاء واعترف بالأديان السابقة عليه نظريًّا وواقعيًّا، فمن الناحية النظرية يعلن أنه الحلقة الأخيرة في سلسلة الرسالات السماوية، وبالتالي فقد ورث أهم ما في الأديان وأضاف إلى ذلك ما تحتاجه البشرية في مسيرتها إلى يوم الدين.
    قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}.
    وبذلك يصبح الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا دين سواه، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
    ويجمع المفكرون المسلمون على أن كل رسول يأتي برسالة تناسب زمانه وتحقق أغراضها في ذلك الزمان، وكلما تغير الزمان ودعت الحاجة إلى وجود رسالة أخرى جاءت هذه الرسالة تتفق مع الأديان السابقة في أصل الوحدانية، وتختلف في فروعها تبعًا لحاجة الإنسانية في ذلك الوقت، ولذلك يقول علماء الإسلام في تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}: إن الكفر بأي دين من الأديان التي نزلت بها الكتب المشار إليها ضلال يستحق مرتكبه العذاب الشديد.
    ومن الناحية الواقعية: فإن الإسلام يعترف بالوجود الفعلي لجماعات غير مسلمة، ويتحدث عن أهل الكتاب وأهل الذمة وينظم حقوقهم وواجباتهم، وفي ضوء هذا وجد علم مقارنة الأديان.
    وعلى سبيل المثال: قوله تعالى: {يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}.
    وقوله تعالى: {يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
    والقرآن الكريم نفسه يقدم لنا الدرس المنهجي الموضوعي الأول في مجال مقارنة الأديان، فلقد حفل بالحديث المفصل المستوعب عن الأديان والعقائد والملل والمذاهب المتنوعة.
    وحثنا على العناية بشأن تلك العقائد والديانات الأخرى والنظر فيها ومقارنتها بالدين الإسلامي؛ للتعرف من خلال النظر والمقارنة على صدق الإسلام وحقيقته وسلطان حجته، وعلى باطل الديانات الأخرى وتناقص كتبها ووهن عقائدها وضعف محتواها وفساد مبناها وتحريف كتبها وتزييف أصولها وتغيير فروعها.
    ولقد عرض القرآن الكريم -بفيض من الآيات الكريمة- للديانات السائدة إبان نزوله وضعية أو كتابية، وأورد عقائدها بدقة معجزة كما يدين أصحابها بها، ثم فندها ودحضها ودعا الناس إلى تبصر الدين الحق الخالص.
    وهذا إن دل فإنما يدل على أن القرآن الكريم قد وضع جذور علم مقارنة الأديان، فقال الله -تبارك وتعالى-: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} فالمجادلة بالحسنى هي مفهوم هذا العلم، ويشير صاحب "تفسير الظلال" إلى أن المجادلة بالحسنى هي مفهوم هذا العلم، والحكمة عنده لبيان حكمه مجيء الرسالة الجديدة والكشف عما بينها وبين الرسالات التي قبلها من صلة، والاقتناع بضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة الله الموافقة لما قبلها من الدعوات المكملة لها، وفق حكمة الله تعالى وعلمه بحاجة البشر، كما أن هناك آيات كريمة تدل على المقارنة بصفة مباشرة منها:
    قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
    فالآية الكريمة تقارن بين الإله الحق والآلهة الباطلة، وبينت أن الإله هو المستحق للعبودية بخلاف غيره وهو الرزاق الوحيد، وأما الآلهة الباطلة فلا تملك للإنسان شيئًا؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} فالآية هنا تقارن بين الإله الحق وهو الله تعالى، وبين الإله الباطل الذي لا يَخلق بل يُخلق.
    وقال تعالى أيضًا: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} ففي الآية مقارنة بين التوحيد والتعدد، وبيان أن التعدد يسبب الفساد.
    وفي القرآن الكريم آيات أخرى كثيرة تحمل اتجاه المقارنة، كما أنه تحدث كثيرًا عن مقالات السابقين عليه وفندها ودحضها، ومن ذلك ما ذكره لمقالات الملاحدة -الدهر- يبين، فيقول تعالى على لسانهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}.
    ويقول تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}.
    كما يسوق قول الذين أنكروا البعث والحياة الآخرة فيقول تعالى: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}.
    كما تحدث القرآن الكريم عن اليهود والنصارى وفصل مقالاتهم واعتقاداتهم ومذاهبهم، ولم يعالجها متعجلًا في نص أو نصين، وإنما جاء بفيض غزير زاخر يتناولها من أقطارها ويكشف كل حناياها وأبعادها،... وعلى سبيل المثال جاء الحديث عن بني إسرائيل في القرآن الكريم من أكثر المسائل نصوصًا بعد العقائد، ومن أشد المواقف القرآنية وضوحًا وتفصيلًا وحسمًا، فتحدث عنهم في المكي منه والمدني على السواء، وفي السبع الطوال وما بعدها من المثاني والمئين والمفصل، وتناولهم بالآية المفردة والجملة المتصلة من الآيات، وفي تاريخهم الأول والمتكرر حتى عهد النبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم- بل تحدث عما سيأتي من أحوالهم بعده باعتبارهم أمة واحدة في الضلالة والبهتان تعمل على شاكلتها، وكما قال -عز وجل-: {... وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}.
    وإذا كان القرآن الكريم في كثير من آياته يحمل اتجاه المقارنة بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فإن السنة النبوية المطهرة حملت كذلك اتجاه المقارنة مما يدل على أصالة هذه الدراسة في الإسلام، فقد سجلت كتب الأحاديث وكتب السيرة كثيرًا من المناقشات والمجادلات والمحاورات، التي جرت بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين اليهود حول الكتب المقدسة، وقضية الألوهية وقضية النبوة، وكان "محصور بن سبحان هو المتحدث عن اليهود فقال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: ما دليلك على أن القرآن من عند الله؟ فنزل قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}".
    ولقد نتج عن هذه المجادلات بالحسنى أن كثيرًا من قادة اليهود قد دخلوا في الإسلام مثل: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد، وأسد بن عبيد، وكذلك نصارى نجران الذين جادلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- في أمر عيسى -عليه السلام-.
    وقالوا له: كيف تقول في إلهنا! إنه عبد الله ورسوله ما هو إلا إله تولد من مريم الإلهة، إنه إله لأنه ولد من غير أب، لقد ولد من أم بلا أب، فنزل قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ}.
    يقول الإمام ابن كثير -عليه رحمة الله-: "كان سبب نزول هذه الآية وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران؛ أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى -عليه السلام- ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والألوهية، فأنزل الله صدر هذه السورة -آل عمران- ردًّا عليهم.
    يقول ابن إسحاق: "وكانوا ستين راكبًا".
    وقد جادلوا النبي -صلى الله عليهوسلم - فنزلت الآيات من الله تبين للنبي -صلى الله عليه وسلم- كيفية الرد عليهم، حيث علم الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- مجادلتهم بالحسنى والرد عليهم بالبينة المفحمة المبهتة قائلًا له: قل لهم يا محمد: إن كنتم تعتقدون أن عيسى إله لأنه خلق من أم بلا أب، فإن آدم -عليه السلام- خلق بلا أب ولا أم، وإن كنتم تؤلهون عيسى لأنه خلق بدون أم فأولى بكم أن تؤلهوا آدم -عليه السلام- لأنه أشد إعجازًا في الخلق من أمر عيسى -عليه السلام- أما وإنكم لا تعتقدون ذلك فبطل قولكم: إن عيسى إليه".
    ومن ثم نزلت الآيات: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فقدرة الله لا تتوقف على الأسباب والمسببات ولا ترتبط بالعلل والعلات، بل إن قدرته دائمًا بين الكاف والنون فسبحانه يقول للشيء: كن فيكون.
    وهذا العلم الذي علمه الله لنبيه إنما هو علم المجادلة والمقارنة، ولهذا يتضح لنا مدى أصالة هذا العلم، فهو يستمد أصوله من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
    وقد طبقه النبي -صلى الله عليه وسلم- عملًا بقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
    وإذا كان القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد وضعا البذور الأولى لنشأة علم مقارنة الأديان، فإن هذه النشأة أيضًا ناتجة عن طبيعة الدعوة الإسلامية، التي تواجه تحديات من تلك الأديان التي سبقت الإسلام في الوجود، فكان لزامًا على المسلمين أن يواجهوا اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم من أصحاب المذاهب والفلسفات الأخرى بمناقشاتهم ومحاوراتهم ومجادلاتهم بالحسنى.
    وبهذه الطريقة فإن حقائق الإسلام تظهر أمام العقول وتؤمن بها القلوب، وتظهر أمام المسلمين أن المقارنة سلاح من أهم الأسلحة لمواجهة التحديات من أصحاب الديانات الأخرى.
    2- مرحلة التدوين:
    لما جاء عصر التدوين في منتصف القرن الثاني الهجري، وبدأ المسلمون يكتبون الفقه والتفسير والحديث، اتجهوا كذلك للكتابة في علم مقارنة الأديان، فهو بذلك علم إسلامي كباقي العلوم الإسلامية، ومن المشاهير الذين كتبوا في مقارنة الأديان: النوبختي المتوفى سنة 202 هـ ألف كتابه "الآراء والديانات"، ويعتبر الباحثون هذا الكتاب أول كتاب في علم مقارنة الأديان.
    - والمسعودي المتوفى سنة 346 هـ ألف كتابين في الديانات:
    الأول: "المسائل والعلل في المذاهب والملل".
    الثاني: "سر الحياة".
    - والمسيحي المتوفى سنة 420 هـ وكتب كتابه "درك البغية في وصف الأديان والعبادات" وهو كتاب مطول يقع في حوالي ثلاثة آلاف ورقة.
    وكثر بعد ذلك التأليف في هذا المجال، ومن أبرز المؤلفين الذين كتبوا في هذا المجال من يلي:
    * أبو الحسن العامري المتوفى سنة 381 هـ ألف كتابه المشهور بـ: "مناقب الإسلام".
    * أبو الريحان البيروني المتوفى سنة 425 هـ ألف كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".
    * أبو منصور البغدادي المتوفى سنة 429 هـ ألف كتابه "الملل والنحل" رد فيه على الملل والنحل مدافعًا عن الإسلام.
    * ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456 هـ ألف كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل".
    * الشهرستاني المتوفى سنة 458 هـ ألف كتابه "الملل والنحل".
    * الغزالي المتوفى سنة 505 هـ ألف كتابه "الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل".
    * أبو البقاء صالح بن الحسين الجعفري المتوفى سنة 661 هـ ألف كتابه "تخجيل من حرف التوراة والإنجيل".
    * أحمد بن إدريس القرافي المتوفى سنة 684 هـ ألف كتابه "الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة".
    * أحمد بن تيمية المتوفى سنة 628 هـ ألف كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح".
    * ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ ألف كتابه "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى".
    * الشيخ عبد الله الترجمان ألف كتابه "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب".
    * الشيخ رحمت الله الهندي وكتابه "إظهار الحق".
    هذا قليل من كثير مما ألفه القدامى في مجال الملل والنحل.
    وفي عهد الخليفة هارون الرشيد وجدت ترجمة للتوراة والإنجيل قام بها أحمد بن عبد الله بن سلام بن خليفة، ربما كانت هناك ترجمات عربية أخرى لم تصل إلى علمنا، قام بها الذميون من اليهود والنصارى يستعينون بها في أداء عبادتهم والتفقه في دينهم.
    وفي عهد الخليفة المأمون عقدت مجالس للمناقشة في الأديان والمذاهب والفرق، وهذا إن دل فإنما يدل على تطور الدراسات في المقارنات بين الأديان، ولذلك يقول أحد الباحثين الغربيين: إن تسامح المسلمين في حياتهم مع اليهود والنصارى ذلك التسامح -الذي لم يسمع بمثله في العصور الوسطى أحد- كان سببًا في أن يلحق بمباحث علم الكلام شيء لم يكن قط من مظاهر العصور الوسطى وهو علم "مقارنة الأديان".
    ونشأة هذا العلم لم تكن من جانب المتكلمين، ومعنى ذلك أن هذا العلم لم يكن وسيلة عند المسلمين للحط من الأديان الأخرى، وإنما كان دراسة وصفية لا تعصب فيها إلى نتائجها الطبيعية، وبواسطة هذا العلم دخل الآلاف والملايين في الدين الإسلامي.
    3- مرحلة الظهور والاستمرار في الوجود:
    في هذه المرحلة تطور علم مقارنة الأديان تطورًا عظيمًا، وكثرت فيه الأبحاث والدراسات والمؤلفات وخاصة في القرن الثالث الهجري والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن، حتى القرن التاسع تجد فيه كتاب "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب" ألفه عبد الله الترجمان سنة 823 هـ، وطبع في مطبعة التمدن في القاهرة سنة 1904م.
    4- مرحلة الهبوط والاختفاء:
    بعد قرون من النشاط والحركة تسرب الضعف إلى علم مقارنة الأديان، وأدى ذلك إلى اختفائه لعدة أسباب منها:
    1- ازدحام قصور الملوك والخلفاء في عصور الضعف بزوجات من أهل الكتاب وبعدد من الأطباء والوزراء من غير المسلمين، فاستطاع هؤلاء بسبب نفوذهم أن يسكتوا أصوات المتحدثين والمؤلفين في علم مقارنة الأديان؛ لطعنه في عقائدهم المنحرفة، ولذا فقد ضعف هذا العلم.
    2- زحف الحملات الصليبية على الشرق الإسلامي، وهؤلاء لا يعرفون تسامحًا دينيًّا ولا مجادلة بالحسنى، فقابلهم المسلمون بالقوة فخفت صوت المجادلات والمحاورات التي يتولد منها علم مقارنة الأديان تحت صليل السيوف.
    3- غلبة الاشتغال بالفقه على الحركة العلمية في هذه المرحلة، مما أدى إلى تراجع اهتمام العلماء ودراستهم لعلم مقارنة الأديان والمذاهب.
    4- تبني بعض المسلمين الاتجاه الذي كان سائدًا لدى أتباع الديانات الأخرى، وهو عدم إمكان المقارنة بين الأديان، حيث لا يعترفون بغير دينهم وبالتالي لا يعترفون بإمكان المقارنة، ودان بعض المسلمين بهذا الاتجاه وهاجموا علم مقارنة الأديان على اعتبار أن الإسلام لا يقارن بسواه، ونسي هؤلاء أن القرآن الكريم كما اتضح سابقًا هو الذي وضع جذور هذا العلم.
    5- عدم اهتمام الحكام في تلك العصور بالعلم والعلماء كما كان أسلافهم من قبل، كالخليفة هارون الرشيد والمأمون والمعز لدين الله الفاطمي وغيرهم من الخلفاء والأمراء الذين كانوا يكرمون العلماء.
    5- انتقال علم مقارنة الأديان إلى الغرب:
    وإذ كان المسلمون في عصور الضعف قد أهملوا علم مقارنة الأديان لسبب أو لآخر، فإن موقف النصارى من هذا العلم كان مختلفًا تمامًا، فقد اهتموا بهذا العلم وهذا الاهتمام يرجع إلى ما قبل القرن التاسع عشر الميلادي؛ لأن اللقاءات السلمية التي كانت بين المسلمين والمسيحيين في الشام والأندلس وصقلية عرفتهم بمقارنة الأديان، وأثبتت لهم قيمة هذا العلم فراحوا يتعلمون ويحاولون الانتفاع به، ثم جاء عصر الاستعمار فقرر المبشرون -في الحقيقة هم منصرون- وقرر المنصرون أن الإنسان به نزعة دينية مهما كان ماديًّا أو تظاهر باللادينية، ثم إن معرفة الداعي لدين المدعو يساعد كثيرًا في التأثير عليه، وبناء على ذلك ازداد اهتمامهم بعلم مقارنة الأديان ليكون من وسائل التبشير أو التنصير ونشر المسيحية.
    كما ظهر اهتمامهم بهذا العلم بصورة ملحوظة في أوائل القرن العشرين بوجود دراسات وأبحاث ودوائر معارف كاملة عن الأديان، وفتح أقسام لهذا العلم في جامعاتهم مثل القسم الخاص بهذا المجال في جامعة بنسلفانيا بأمريكا، ووزعت هذه الجامعة المنشورات للإعلان عن افتتاح هذا القسم مع ذكر ألوان التيسيرات التي تقدم للطلاب.
    ومن المستشرقين الذين لهم نشاط بارز في علم مقارنة الأديان من يلي:
    1- "البارون كارادي فو" الذي عقد موازنة بين ما كتبه كل من البيروني والمسعودي عن المسيحية، ورأى أن البيروني أكثر معرفة من المسعودي بالمسيحية.
    2- "سخاو" الذي ترجم كتاب "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" للإنجليزية وطبع سنة 1910 ميلادية للمرة الثانية.
    3- "بروكلمان" و"فينان" لهما أعمال مشتركة في الموسوعة الإسلامية، ولا ننكر أن "بروكلمان" له "تاريخ الأدب العربي" وهو مجلدات كثيرة.
    4- الأب "بيناردي لابوليه" صاحب كتاب "الدراسات المقارنة للديانات".
    5- "آسين بلانيوس" نشر النص العربي لكتاب "الرد على اليهود" للرقيلي وكتاب "الرد على النصارى" لأبي القاسم القيسي مع ترجمته إلى الأسبانية في سنة 1909 ميلادية، وتوفي هذا المستشرق سنة 1944 ميلادية.
    6- "أرندونك" كاتب مادة ابن حزم في الموسوعات الإسلامية.
    ومن دوائر المعارف في الأديان التي أصدرها المستشرقون منذ بداية القرن العشرين ما يلي:
    1- دائرة معارف الدين والأخلاق التي نشرها الدكتور "ستنجر" لأول مرة عام 1908.
    2- دائرة المعارف الألمانية عن الدين في الماضي والحاضر وقد ظهرت طبعتها الأولى عام 1914 ميلادية ، والطبعة الثانية ظهرت عام 1927 ميلادية.
    3- دائرة المعارف الإسلامية لمجموعة من المستشرقين وقد ظهرت طبعتها الأولى سنة 1927 ميلادية بالإنجليزية والفرنسية والألمانية، وقد ترجمت بعض أجزائها إلى اللغة العربية.
    4- دائرة المعارف المختصرة عن الأديان التي نشرها الأستاذ "زينر" وهو أستاذ مقارنة الأديان بجامعة أكسفورد عام 1959.
    وهناك أعمال أخرى كثيرة في الأديان غير هذه الأعمال، لا شك أنهم قد نجحوا في أعمالهم واستطاعوا جذب انتباه المسلمين، وقد أفاد المسلمون من هذه الأعمال بلا شك.
    إلا أننا يجب ألا ننسى أن وراء هذه الأعمال أهدافًا أخرى تهدف في حقيقتها إلى هدم الإسلام والمسلمين بوسائل لا تحصى، وقد نبهنا الله -سبحانه وتعالى- إلى ذلك فقال: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}.
    والمستشرقون من اليهود والنصارى داخلون في هذه الآية الكريمة، فينبغي أن نكون على حذر عند الاطلاع على أعمال هؤلاء المستشرقين حتى لا نقع في شباكهم بدون وعي منا.
    المرحلة السادسة: عودة علم مقارنة الأديان إلى الساحة الإسلامية:
    أفاق المسلمون في العصر الحديث من غفوتهم بعد أن أهملوا هذا العلم واهتم به الغربيون، وراحوا يحاولون استعادة الزمام مرة أخرى وأن يحيوا من جديد علم مقارنة الأديان ليكون سلاحًا في الحاضر كما كان سلاحًا في الماضي، وقد قطع العلماء المعاصرون شوطًا كبيرًا في هذه الدراسات وبدأ الدعاة المسلمون يطبقون قوانين هذا العلم وهم يقومون بالدعوة إلى الإسلام، وبدأت المؤلفات تظهر من جديد في علم مقارنة الأديان إلا أنه لم يأخذ مكانه اللائق به في معاهد العلم الإسلامية، ونرجو أن يتجه الاهتمام بصورة أكبر حتى يأخذ مكانه اللائق في الدفاع عن الإسلام ورد العدوان عنه وكشف زيف وباطل أهل الديانات والمذاهب الأخرى.
    ولا شك أن الدراسة الواعية من قبل الدعاة والباحثين للخريطة العقدية للعالم المعاصر، والإلمام العميق بأسرار هذه الديانات والمذاهب والنحل، والاطلاع على مكامن ضعفها ووهنها وتناقضها وتهافتها لا شك أن كل ذلك يدفع حركة الدعوة إلى الله على بصيرة ويحركها من وجوه متعددة، وعليه فحق للمسلمين أن يفخروا ويعتزوا بهذا العلم الذي يعد ابتكارًا علميًّا لم يسبقنا غيرنا إليه، بل إن الإسلام وحده هو الذي ضمن وجود هذا العلم لما حوي من تشريع إلهي حكيم، وإن القرآن الكريم هو الذي وضع جذور هذا العلم فالمجادلة بالتي هي أحسن هي مفهوم هذا العلم، وقد دون هذا العلم في القرن الثاني الهجري كغيره من العلوم، والمؤلفات في ذلك خير شاهد ودليل، وإذ يتبين لنا أصول هذا العلم وجذوره فلا معنى إذًا للتشدق من هؤلاء المحْدثين الذين يدّعون أن هذا العلم إنما يستمد أصوله من علوم الغرب.
    ونقول لهؤلاء: أيهما أقدم حضارة وأيهما وجد أولًا: الإسلام بعلومه وأحكامه وآدابه وحضارته أم هذه العلوم والمعارف التي وجدت حديثًا؟
    ونخلص من ذلك أن علم مقارنة الأديان علم إسلامي أصيل، أبدعه المسلمون على أسس من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
    Attached Files Attached Files
    • File Type: pdf 2.pdf (119.9 KB, 20 views)


Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •