Results 1 to 1 of 1

Thread: المرجع:مفهوم ومصطلح التيارات الأدبية الدرس 1

  1. #1
    Super Moderator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    5,367
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    347

    المرجع:مفهوم ومصطلح التيارات الأدبية الدرس 1

    ع1:
    مفهوم ومصطلح التيارات الأدبية
    ج1:
    معجم الرائد، لجبران مسعود.
    4- "التيار الفكري": الحركة الفكرية ذات الاتجاه الفكري المعين.
    ع2:
    التيار التقليدي
    ج1:
    الشعر والشعراء، لابن قتيبة.
    الجزء الأول:
    مقدمة المؤلف:
    قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: هذا كتاب ألفته في الشعراء، أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم في أشعارهم، وقبائلهم، وأسماء آبائهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم. وعما يستحسن من أخبار الرجل ويستجاد من شعره، وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطاء في ألفاظهم أو معانيهم، وما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون. وأخبرت فيه عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها ويستحسن لها إلى غير ذلك مما قدمته في هذا الجزء الأول.
    قال أبو محمد: وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، وفي النحو، وفي كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فأما من خفي اسمه، وقل ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقل من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضًا أخبارًا من هذه الطبقة، وإذ كنت أعلم أنه لا حاجة بك إلى أن أسمى لك أسماء لا أدل عليها بخبرٍ أو زمانٍ، أو نسبٍ أو نادرةٍ، أو بيتٍ يستجاد، أو يستغرب.
    ولعلك تظن رحمك الله أنه يجب على من ألف مثل كتابنا هذا ألا يدع شاعرًا قديمًا ولا حديثًا إلا ذكره ودلك عليه، وتقدر أن يكون الشعراء بمنزلة رواة الحديث والأخبار، والملوك والأشراف، الذين يبلغهم الإحصاء، ويجمعهم العدد.
    والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيطٌ أو يقف من وراءِ عددهم واقفٌ، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعرٌ إلا عرفه، ولا قصيدةٌ إلا رواها.
    حدثنا سهل بن محمد، حدثنا الأصمعي، حدثنا كردينُ بن مسمعٍ، قال: جاء فتيانٌ إلى أبي ضمضمٍ بعد العشاء، فقال لهم: ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئناك نتحدث، قال: كذبتم، ولكن قلتم، كبر الشيخ فنتلعبه عسى أن نأخذ عليه سقطةٌ ! فأنشدهم لمائة شاعرٍ، وقال مرة أخرى، لثمانين شاعرًا، كلهم اسمه عمروٌ.
    قال الأصمعي: فعددتُ أنا وخلفٌ الأحمر فلم نقدر على ثلاثين.
    فهذا ما حفظه أبو ضمضم، ولم يكن بأروى الناس، وما أقرب أن يكون من لا يعرفه من المسمين بهذا الاسم أكثر ممن عرفه.
    هذا إلى من سقط شعره من شعراء القبائل، ولم يحمله إلينا العلماء والنقلة.
    أخبرنا أبو حاتم حدثنا الأصمعي قال: كان ثلاثةٌ إخوة من بني سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب رجزهم، يقال لهم منذرٌ ونذير ومنتذرٌ، ويقال إن قصيدة رؤبة التي أولها:
    وقَاتِم الْأعْمَاق خَاوِى الُمخْتَرَقْ
    ........... لِمُنْتذِر

    قال أبو محمد: ولم أعرض في كتابي هذا لمن كان غلب عليه غير الشعر. فقد رأينا بعض من ألف في هذا الفن كتابًا يذكر في الشعراء من لا يعرف بالشعر ولم يقل منه إلا الشذ اليسير، كابن شبرمة القاضي، وسليمان بن قتة التيمي المحدث. ولو قصدنا لذكر مثل هؤلاء في الشعر لذكرنا أكثر الناس، لأنه قلَّ أحدٌ له أدنى مسكة من أدب. وله أدنى حظ من طبعٍ، إلا وقد قال من الشعر شيئًا. ولاحتجنا أن نذكر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلة التابعين، وقومًا كثيرًا من حملة العلم، ومن الخلفاء والأشراف، ونجعلهم في طبقات الشعراء.
    ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كلٌ شاعر مختارًا له، سبيل من في قلد، أو استحسن باستحسان غيره. ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره. بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظه، ووفرتُ عليه حقه.
    فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن ولا خص به قومًا دون قومٍ، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره، وكل شرفٍ خارجيةً في أوله، فقد كان جريرٌ والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدون محدثين. وكان أبو عمر وابن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته.
    ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمي والعتابي والحسن بن هانئ وأشباههم. فكل من أتى بحسنٍ من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله، ولا حداثة سنه. كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه.
    وكان حق هذا الكتاب أن أودعه الأخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم خطره، وعمن رفعه الله بالمديح، وعمن وضعه بالهجاء وعما أودعته العرب من الأخبار النافعة، والأنساب الصحاح، والحكم المضارعة لحكم الفلاسفة، والعلوم في الخيل، والنجوم وأنوائها والاهتداء بها، والرياح وما كان منها مبشرًا أو جائلًا، والبروق وما كان منها خلبًا أو صادقًا، والسحاب وما كان منها جهامًا أو ماطرًا، وعما يبعث منه البخيل على السماح، والجبان على اللقاء، والدني على السمو.
    غير أني رأيت ما ذكرت من ذلك في كتاب العرب كثيرًا، كافيًا، فكرهت الإطاعة بإعادته، فمن أحب أن يعرف ذلك، ليستدل به على حلو الشعر ومره. نظر في ذلك الكتاب، إن شاء الله تعالى.
    أقسام الشعر:
    قال أبو محمد: تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب.
    ضربٌ منه حسن لفظه وجاد معناه، كقول القائل في بعض بني أمية:
    في كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبقٌ
    مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ في عرْنِينِهِ شممُ
    يغْضِى حَيَاءً ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِةِ
    فَما يُكلَّمُ إلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ

    لم يقل في الهيبة شيءٌ أحسن منه.
    وكقول أوس بن حجر:
    أيَّتُهَا النَّفْسُ أَجْمِلى جَزَعَا
    إنَّ الَّذِي تَحْذرِينَ قَدْ وَقَعَا

    لم يبتد أحدٌ مرثيةٌ بأحسن من هذا.
    وكقول أبي ذؤيبٍ:
    والَّنْفُس رَاغِبَةٌ إذَا رَغَّبْتَهَا
    وإذَا تُرَد إلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ

    حدثني الرياشي عن الأصمعي، قال: هذا أبدع بيت قاله العرب.
    وكقول حميد بن ثورٍ:
    أَرَى بَصَرِي قَدْ رَابَني بَعْدَ صِحَّةٍ
    وحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَصِحَّ وتَسْلَمَا

    ولم يقل في الكبر شيءٌ أحسن منه.
    وكقول النابغة:
    كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ
    ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِىءِ الكَوَاكِب

    لم يبتد أحدٌ من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب.
    ومثل هذا في الشعر كثيرٌ، ليس للإطالة به في هذا الموضع وجهٌ، وستراه عنه ذكرنا أخبار الشعراء.
    وضربٌ منه حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، كقول القائل:
    ولَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجةٍ
    ومَسَّحَ بِالأَرْكانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
    وشُدَّتٌ على حُدْبِ المَهَارِى رحَالُنَا
    ولا يَنْظُرُ الغَادِي الذي هُوَ رَائحُ
    أَخَذْنَا بِأَطْرافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا
    وسَالَتْ بِأَعْنَاقِ المَطِىِّ الأَبَاطِحُ

    هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيءٍ مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح.
    وهذا الصنف في الشعر كثيرٌ. ونحوه قول المعلوط:
    إِنَّ الذين غَدَوْا بُلِّبكَ غادَرُوا
    وَشَلًا بِعَيْنِكَ مَا يَزَالُ مَعِينَا
    غيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وقُلْنَ لي
    مَاذَا لَقِيتَ مِنَ الْهَوَى ولَقِينَا

    ونحوه قول جريرٍ:
    يا أُخْتَ نَاجِيَةَ السَّلَامُ عَلَيْكُمُ
    قَبْلَ الرَّحِيلِ وقَبْلَ لَوْمِ العُذَّل
    لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ آخِرَ عَهْدكُمْ
    يَوْمُ الرَّحِيل فَعَلْتُ ما لم أَفْعَل

    وقوله:
    بَانَ الخلِيطُ ولوْ طُوِّعْتُ ما بَانَا
    وقَطَعُوا مِنْ حِبَالِ الوَصْل أَقْرَانَا
    إِنَّ العُيُونَ التي في طَرْفِهَا مَرَضٌ
    قَتَّلْنَنَا ثُمَّ لم يُحيينَ قَتْلاَنَا
    يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حتى لَا حَرَاكَ بِهِ
    وهُنَّ أَضْعَفُ خَلْق اللهِ أَرْكانا

    وضربٌ منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، كقول لبيد بن ربيعة:
    ما عَاتَبَ المَرْءَ الْكَريمَ كَنَفْسِهِ
    والمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيسُ الصَّالِحُ

    هذا وإن كان جيد المعنى والسبك فإنه قليل الماء والرونق.
    وكقول النابغة للنعمان:
    خَطَاطِيفُ حُجْنٌ في حِبَالٍ مَتِينَةٍ
    تَمُدُّ بِهَا أَيْدٍ إلَيْكَ نَوَازِعُ

    قال أبو محمد: رأيت علماءنا يستجدون معناه، ولست أرى ألفاظه جيادًا ولا مبينةً لمعناه، لأنه أراد: أنت في قدرتك على كخطاطيف عقفٍ يمد بها، وأنا كدلوٍ تمد بتلك الخطاطيف، وعلى أني أيضًا لست أرى المعنى جيدًا.
    وكقول الفرزدق:
    والشَّيْبُ يَنْهَضُ في الشَّبَاب كأَنَّه
    لَيْلٌ يَصِيحُ بجَانِبَيْهِ نَهَارُ

    وضربٌ منه تأخر معناه وتأخر لفظه، كقول الأعشى في امرأةٍ:
    وفُوها.....كَأَقَاحِيَّ
    غَذَاهُ دَائمُ الهَطْلِ
    كما شِيبَ برَاحٍ بَا
    رِد مِنْ عَسَل النَّحْل

    وكقول:
    إنَّ مَحَلاًّ وإِنَّ مُرْتَحَلا
    وإِنَّ في السَّفْرِ ما مَضَى مَهَلا
    اسْتَأْثَرَ اللهُ بِالوَفَاءِ وَبِاْل
    حَمْدِ وَوَلَّى المَلَامَةَ الرَّجُلا
    والأَرْضُ حَمَّالَةٌ لمَا حَمَّلَ الَّل
    ـهُ وَمَا إِنْ تَرُدُّ ما فَعَلَا
    يَوْمًا تَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ الْ
    عَصْب ويَوْمًا أَدِيمُهَا نَغِلَا

    وهذا الشعر منحولٌ، ولا أعلم فيه شيئًا يستحسن إلا قوله:
    يَا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ الْمَطِىَّ ولَا
    يَشْرَبُ كَأْسًا بِكَفِّ مَنْ بَخِلَا

    يريد أن كل شاربٍ يشرب بكفه، وهذا ليس ببخيل فيشرب بكف من بخل، وهو معنًى لطيف.
    وكقول الخليل بن أحمد العروضي:
    إِنَّ الخَليطَ تَصَدَّعْ
    فَطِرْ بِدَائِكَ أَوْقَعْ
    لَوْلَا جَوَارٍ حِسَانٌ
    حُورُ الْمَدَامِع أَرْبَعْ
    أُمُّ البَنِينَ وأَسْمَا
    ءٌ والرَّبَابُ وبَوْزَعْ
    لَقُلْتُ لِلرَّاحِلِ ارْحَلْ
    إِذَا بدا لَكَ أَوْ دَعْ

    وهذا الشعر بين التكلف رديء الصنعة. وكذلك أشعار العلماء، ليس فيها شيءٌ جاء عن إسماحٍ وسهولة، كشعر الأصمعي، وشعر ابن المقفع وشعر الخليل، خلا خلفٍ الأحمر، فإنه كان أجودهم طبعًا وأكثرهم شعرًا. ولو لم يكن في هذا الشعر إلا أم البنين وبوزع لكفاه! فقد كان جررٌ أنشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته التي أولها:
    بانَ الخَلِيطُ بِرَامَتَيْنِ فَوَدَّعُوا
    أَوَ كُلَّمَا جَدُّوا لِبَيْنٍ تَجْزَعُ
    كَيْفَ العَزَاءُ ولم أَجِدْ مُذْ بِنْتُمُ
    قَلْبًا يَقِرُّ ولا شَرَابًا يَنْقَعُ

    وهو يتحفز ويزحف من حسن الشعر، حتى إذا بلغ إلى قوله:
    وتَقُولُ بَوْزَعُ قَدْ دَبَبْتَ عَلَى العَصَا
    هَلاَّ هَزِئْتِ بِغَيْرِنَا يَا بَوْزَعُ

    قال له: أفسدت شعرك بهذا الاسم وفتر.
    قال أبو محمد: وقد يقدح في الحسن قبح اسمه، كما ينفع القبيح حسن اسمه، ويزيد في مهانة الرجل فظاعة اسمه، وترد عدالة الرجل بكنيته ولقبه. ولذلك قيل: اشفعوا بالكنى، فإنها شبهةٌ.
    وتقدم رجلان إلى شريحٍ، فقال أحدهما: ادع أبا الكويفر ليشهد، فتقدم شيخٌ فرده شريحٌ ولم يسأل عنه، وقال: لو كنت عدلًا لم ترض بها، ورد آخر يلقب أبا الذبان ولم يسأل عنه.
    وسأل عمر رجلًا أراد أن يستعين به على أمرٍ عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سراق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك ولم يستعن به.
    وسمع عمر بن عبد العزيز رجلًا يدعو رجلًا: يأبا العمرين، فقال: لو كان له عقلٌ كفاه أحدهما! ومن هذا الضرب قول الأعشى:
    وقَدْ غَدَوْتُ إلى الحَانُوتِ يتْبَعُني
    شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشَلٌ شَوِل

    وهذه الألفاظ الأربعة في معنىً واحد، وكان قد يستغنى بأحدها عن جميعها، وماذا يزيد هذا البيت أن كان للأعشى أو ينقص؟ وقول أبي الأسد، وهو من المتأخرين الأخفياء:
    ولَائِمَة لَامَتْكَ يَا فَيْضُ في النَّدَى
    فَقُلْتَ لَها لَنْ يَقْدَحَ اللَّوْمُ في البَحْرِ
    أَرَادَتْ لِتَثْنِي الفَيْضَ في كُلِّ بَلْدَةٍ
    مَوَاقِعُ ماءِ المُزْنِ في البَلَدِ القَفْر
    لتثنى الغيض عن عادة الندى
    ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر
    مَوَاقِعُ جَوُدِ الفَيْضِ في كُلِّ بَلْدَةٍ
    مَوَاقِعُ ماءِ المُزْنِ في البَلَدِ القَفْر
    كَأَنَّ وُفُودَ الفَيْضِ حِينَ تَحَمَّلُوا
    إلى الْفَيِض وَافَوْا عْندَةُ لَيْلَةَ القَدْرِ


    وهو القائل:
    لَيْتَكَ آذَنْتَنِي بِوَاحدَاةٍ
    تَكُونُ لي مِنْكَ سَائِرَ الأَبَدِ
    تَحْلِفُ أَلاَّ تَبَرَني أَبَدًا
    فَإنَّ فِيهَا بَرْدًا على كَبدِي
    إِنْ كانَ رِزْقي إِلَيْكَ فَارْمِ بِهِ
    في نَاظِرَيْ حَيَّةٍ على رَصَدِ

    ومن هذا الضرب أيضًا قول المرقش:
    هَلْ بِالدِّيَارِ أَنْ تُجِيبَ صَمَمْ
    لَوْ أَنَّ حَيًّا نَاطِقًا كَلمْ
    يَأْبي الشَّبَابُ الأَقْوَرِينَ ولاَ
    تَغْبِطْ أَخَاكَ أَنْ يُقَالَ حَكَمْ

    والعجب عندي من الأصمعي، إذ أدخله في متخيره، وهو شعرٌ ليس بصحيح الوزن ولا حسن الروي، ولا متخير اللفظ، ولا لطيف المعنى ولا أعلم فيه شيئًا يستحسنُ إلا قوله:
    النَّشرُ مِسْك والوُجُوهُ دنَا
    نِيرُ وأَطْرَاف الأَكُفِّ عَنَمْ

    ويستجاد منه قوله:
    لَيْسَ على طُولِ الحيَاةِ نَدَمْ
    ومنْ وَرَاءِ المَرْء مَا يُعْلَمْ

    وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله:
    وكَأْسٍ شَرِبْتُ على لَذةٍ
    وأُخْرَى تَدَاوَيْتُ منْهَا بهَا

    حتى قال أبو نواس:
    دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ
    وَدَاوِني بالتي كانَتْ هِي الدَّاءُ

    فسلخه وزاد فيه معنًى آخر، اجتمع له به الحسنُ في صدره وعجزه، فللأعشى فضل السبق إليه، ولأبي نواسٍ فضل الزيادة فيه.
    وقال الرشيد للمفضل الضبي: اذكر لي بيتًا جيد المعنى يحتاج إلى مقارعة الفكر في استخراج خبيئه ثم دعني وإياه، فقال له المفضل: أتعرف بيتًا أوله أعرابي في شملته، هاب من نومته، كأنما صدر عن ركبٍ جرى في أجفانهم الوسن فركد، يستفزهم بعنجهية البدو، وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق، قد غذى بماء العقيق؟ قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل بن معمر:
    أَلاَ أَيُّهَا الرَّكْبُ النيَامُ أَلاَ هُبُّوا
    .......................

    ثم أدركته رقة المشوق، فقال:
    أسائلكم: هل يقتل الرجل الحب؟
    قال: صدقت، فهل تعرف أنت الآن بيتًا أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي ونبل العظة، وآخره إبقراط في معرفته بالداء والدواء؟ قال المفضل: قد هولت علي، فليت شعري بأي مهرٍ تفترع عروس هذا الخدر؟ قال: بإصغائك وإنصافك، وهو قول الحسن بن هاني:
    دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ
    وَدَاوِني بالتي كانَتْ هِي الدَّاءُ

    قال أبو محمد: وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظغن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم عن ماءٍ إلى ماءٍ، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة، والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه، لأن التشبيب قريبٌ من النفوس، لائطٌ بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحدٌ يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسببٍ، وضاربًا فيه بسهمٍ، حلالٍ أو حرامٍ، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحل الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكأفاة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل.
    فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمآءٌ إلى المزيد.
    فقد كان بعض الرجاز أتى نصر بن سيارٍ وإلى خراسان لبنى أمية، فمدحه بقصيدةٍ، تشبيبها مائة بيتٍ، ومديحها عشرة أبياتٍ، فقال نصرٌ: والله ما بقيت كلمةٌ عذبةً ولا معنى لطيفًا إلا وقد شغلته عن مديحي بتشبيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في التسيب، فأتاه فأنشده:
    هَلْ تَعْرِفُ الدَّارَ لأُمِّ الغَمْرِ
    دَعْ ذَا وحَبّرْ مدْحَةً في نَصْرِ

    فقال نصر: لا ذلك ولا هذا ولكن بين الأمرين.
    وقيل لعقيل بن علفة: ما لك لا تطيل الهجاء؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
    وقيل لأبي المهوش الأسدي: لم لا تطيل الهجاء؟ فقال: لم أجد المثل السائر إلا بيتًا واحدًا.
    وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزلٍ عامر، أو يبكى عند مشيد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر، والرسم العافي. أو يرحل على حمارٍ أو بغلٍ ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجواري، لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة.
    قال خلفٌ الأحمر: قال لي شيخٌ من أهل الكوفة، أما عجبت من الشاعر قال:
    أَنْبَتَ قَيْصُومًا وجَثْجَاثَا

    فاحتمل له، وقلت أنا:
    أَنْبَتَ إِجَّاصًا وتُفَّاحَا

    فلم يحتمل لي؟ وليس له أن يقيس على اشتقاقهم، فيطلق ما لم يطلقوا.
    قال الخليل بن أحمد: أنشدني رجلٌ:
    تَرَافعَ العِزٌّ بِنَا فارْفَنْعَعا

    فقلت. ليس هذا شيئًا، فقال: كيف جاز للعجاج أن يقول:
    تَقاعَسَ العزُّ بِنَا فَاقْعَنْسَسا

    ولا يجوز لي؟! ومن الشعراء المتكلف والمطبوع: فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف، ونقحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهيرٍ والحطيئة، وكان الأصمعي يقول: زهيرٌ والحطيئة وأشباههما من الشعراء عبيد الشعر، لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين، وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المنقح الممحكك. وكان زهيرٌ يسمى كبر قصائده الحوليات.
    وقال سويد بن كراعٍ، يذكر تنقيحه شعره:
    أَبِيتُ بِأَبْوابِ القَوَافي كَأَنَّمَا
    أُصَادي بها سِرْبًا مِنَ الوَحْش نُزَّعَا
    أُكَالِئُهَا حَتَّى أعَرِّسَ بَعْدَ ما
    يكُونُ سُحَيْرًا أَوْ بُعْيَدُ فأَهْجَعا
    إِذَا خفْتُ أَنْ تُرْوَى علَّى رَدَتْتُهَا
    وَرَاءَ التَّرَاقيِ خَشْيَةً أَنْ تَطَلَّعا
    وَجَشَّمَني خَوفُ ابْنِ عَفَّانَ رَدَّهَا
    فَثَقَّفْتُهَا حَوْلًا جَرِيدًا ومَرْبَعا
    وقَدْ كان في نَفْسِي عليْها زِيَادَةٌ
    فَلَمْ أَرَ إلاَّ أَنْ أُطِيعَ وأَسْمَعا

    وقال عدي بن الرقاع:
    وقَصيدَةٍ قَدْ بِت أَجْمَعُ بَيْنَها
    حَتَّى أُقَوِّمَ مَيْلَها وسِنَادَها
    نَظَرَ المُثَقِّفِ في كُعُوبِ قَنَاتِهِ
    حَتَّى يُقِيمَ ثِقَافُهُ مُنَآدَها

    وللشعر دواعٍ تحث البطيء وتبعث المتكلف، منها الطمع، ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب.
    وقيل للحطيئة، أي الناس أشعر؟ فأخرج لسانًا دقيقًا كأنه لسان حية، فقال: هذا إذا طمع.
    وقال أحمد بن يوسف الكاتب لأبي يعقوب الخريمي: مدائحك لمحمد بن منصور بن زياد، يعني كاتب البرامكة، أشعر من مراثيك فيه وأجود؟ فقال: كنا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بونٌ بعيد.
    وهذه عندي قصة الكميت في مدحه بني أمية وآل أبي طالبٍ، فإنه كان يتشيع وينحرف عن بني أمية بالرأي والهوى، وشعره في بني أمية أجود منه في الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلا قوة أسباب الطمع وإيثار النفس لعاجل الدنيا على آجل الآجرة.
    وقيل لكثيرٍ: يا أبا صخرٍ كيف تصنع. إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: أطوف في الرباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلى أحسنه.
    ويقال أيضًا إنه لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجاري والشرف العالي والمكان الخضر الخالي.
    وقال الأحوص:
    وأَشْرَفْتُ في نَشْزٍ مِنَ الأَرْضِ يَافِعٍ
    وقَدْ تَشْعَفُ الأَيْفَاعُ مَنْ كانَ مُقْصَدا

    وإذا شعفته الأيفاع مرته واستدرته.
    وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهية: هل تقول الآن شعرًا؟ فقال: كيف أقول أنا للشنفري ما أشرف ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه.
    وقيل للشنفري حين أسر: أنشد، فقال: الإنشاد على حين المسرة، ثم قال:
    فَلاَ تَدْفنُوني إِنَّ دَفني مُحَرَّمٌ
    عليْكُمْ ولكِنْ خَامِرِي أَمَّ عَامِر
    إِذَا حَمَلُوا رأسِي وفي الرأسِ أَكثَرِى
    وغودِرَ عِنْدَ المُلْتَقَى ثَمَّ سَائِرى
    هُنالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّني
    سَميَر الليالي مُبْسَلًا بالجَرَائرِ

    وللشعر تاراتٌ يبعد فيها قريبه، ويستصعب فيها ريضه. وكذلك الكلام المنثور في الرسائل والمقامات والجوابات، فقد يتعذر على الكاتب الأديب وعلى البليغ الخطيب، ولا يعرف لذلك سببٌ، إلا أن يكون من عارض يعترض على الغريزة من سوء غذاءٍ أو خاطر غم.
    وكان الفرزدق يقول: أنا أشعر تميمٍ عند تميمٍ، وربما أتت على ساعةٌ ونزع ضرس أسهل على من قول بيت.
    وللشعر أوقاتٌ يسرع فيها أتيه، ويسمح فيها أبيه. منها أول الليل قبل تغشى الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في الحبس والمسير.
    ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل الكتاب.
    وقالوا في شعر النابغة الجعدي: خمارٌ بواف ومطرفٌ بآلاف.
    ولا أرى غير الجعدي في هذا الحكم إلا كالجعدي، ولا أحسب أحدًا من أهل التمييز والنظر، نظر بعين العدل وترك طريف التقليد، يستطيع أن يقدم أحدًا من المتقدمين المكثرين على أحد من إلا بأن يرى الجيد في شعره أكثر من الجيد في شعر غيره.
    ولله در القائل: أشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرغ منه.
    وقال العتبي: أنشد مروان بن أبي حفصة لزهير فقال: زهير أشعر الناس، ثم أنشد للأعشى فقال: بل هذا أشعر الناس، ثم أنشد لامرئ القيس فكأنما سمع به غناءً على شراب، فقال: امرؤ القيس والله أشعر الناس.
    وكل علمٍ محتاجٌ إلى السماع. وأحوجه إلى ذلك علم الدين، ثم الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة، واللغات المختلفة، والكلام الوحشي، وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه. فإنك لا تفصل في شعر الهذليين إذا أنت لم تسمعه بين شابة وساية وهما موضعان ولا تثق بمعرفتك في حزم نبايع، وعروان الكراث، وشسى عبقر، وأسد حلية، وأسد ترجٍ، ودفاقٍ، وتضارع، وأشباه هذا لأنه لا يلحق بالذكاء والفطنة، كما يلحق مشتق الغريب.
    وقرئ يومًا على الأصمعي في شعر أبي ذؤيب:
    .......................
    بِأَسْفَل ذاتِ الدَّيْرِ أُفْرِدَ جَحْشُهَا

    فقال أعرابي حضر المجلس للقارئ: ضل ضلالك أيها القارئ! إنما هي ذات الدبر وهي ثنيةٌ عندنا، فأخذ الأصمعي بذلك فيما بعد.
    ومن ذا من الناس يأخذ من دفتر شعر المعذل بن عبد الله في وصف الفرس:
    مِنَ السُّحِّ جَوالًا كَأَنَّ غُلاَمَهُ
    يُصَرِّف سِبْدًا في العنَان عَمَّردَا

    إلا قرأه سيدًا يذهب إلى الذئب، والشعراء قد تشبه الفرس بالذئب وليست الرواية المسموعة عنهم إلا سبدًا، قال أبو عبيدة: المصحفون لهذا الحرف كثير، يروونه سيدًا أي ذئبًا، وإنما هو سبدٌ بالباء معجمة بواحدة، يقال فلانٌ سبدٌ أسبادٍ أي داهية دواه.
    وكذلك قول الآخر:
    زَوْجُكِ يا ذاتَ الثَّنَايَا الغُرِّ
    الرِّتِلاَتِ والجَبِينِ الحُرِّ

    يرويه المصحفون والآخذون عن الدفاتر الربلات وما الربلات من الثنايا والجبين؟ وهي أصول الفخذين، يقال: رجل أربل إذا كان عظيم الربلتين، أي عظيم الفخذين وإنما هي الرتلات بالتاء يقال: ثغرٌ رتلٌ إذا كان مفلجًا.
    وليس كل الشعر يختار ويحفظ على جودة اللفظ والمعنى، ولكنه قد يختار ويحفظ على أسبابٍ: منها الإصابة في التشبيه، كقول القائل في وصف القمر:
    بَدَأَنَ بنا وابْنُ اللَّيَالي كَأَنَّهُ
    حُسَامٌ جَلَتْ عَنْهُ القُيُونُ صَقِيلُ
    فما زِلْتُ أُفْنى كُلَّ يَوْمٍ شَبَابَهُ
    إلى أَنْ أَتَتْكَ العيسُ وهْوَ ضَئِيلُ

    وكقول الآخر في مغن:
    كَأَنَّ أَبَا الشُّمُوس إِذَا تَغَنَّى
    يُحَاكي عَاطِسًا في عَيْنِ شَمْسِ
    يَدُوكُ بلَحْيِهِ طَوْرًا وطَوْرًا
    كَأَنَّ بلَحْيِهِ ضَرَبَانَ ضِرْسِ

    وقد يحفظ ويختار على خفة الروي، كقول الشاعر:
    يا تَمْلكُ يَا تَمْلي
    صِليني وذَرِى عَذْلِى
    ذَريني وسِلاَحي ثُ
    مَّ شُدَّى الكفَّ بِالغَزْلِ
    ونَبْلى وفُقَاهَا كَعَ
    رَاقِيبِ قَطًا طُحْلِ
    ومِنِّى نَظْرَةٌ بَعْدِي
    ومِنَّى نَظْرَةٌ قَبْلي
    وثَوْبَاىَ جَدِيدَانِ
    وأُرْخِى شُرْكَ النَّعْل
    وإِمَّا مُتُّ يا تَمْلي
    فَكُونِي حُرَّةً مِثْلي

    وهذا الشعر مما اختاره الأصمعي بخفة رويه.
    وكقول الآخر:
    ولَو أُرْسِلْتُ مِنْ حُب
    كِ مَبْهُوتًا مِنَ الصِّينْ
    لَوَافَيْتُكِ قَبْل الصُّب
    حِ أَوْ حِينَ تُصَلِّينْ

    وكان يتمثل بهذا كثيرًا وقال: المبهوت من الطير الذي يرسل من بعد قبل أن يدرج.
    وقد يختار ويحفظ لأن قائله لم يقل غيره، أو لأن شعره قليلٌ عزيز، كقول عبد الله بن أبي بن سلولٍ المنافق:
    مَتَى ما يَكُنْ مَوْلاَكَ خَصْمَكَ لا تَزَلْ
    تَذِلُّ ويَعْلُوكَ الَّذِينَ تُصَارِعُ
    وهلْ ينْهَضُ البَازِي بَغْيرِ جَنَاحِهِ
    وإنْ قُصَّ يَوْمًا رِيشُهُ فَهْوَ وَاقِعُ

    وقد يختار ويحفظ لأنه غريبٌ في معناه، كقول القائل في الفتى:
    لَيَس الفَتَى بفتًى لا يُسْتَضَاءُ بِهِ
    ولا يكُونُ له في الأَرْضِ آثَارُ

    وكقول آخر في مجوسي:
    شهدْتُ عَلَيْكَ بِطِيب المُشَاشِ
    وأَنَّكَ بَحْرٌ جَوَادٌ خِضَمْ
    وأَنَّكَ سَيِّدُ أَهْلِ الجَحِيمِ
    إذَا مَا تَرَدَّيْتَ فِيمَنْ ظَلَمْ
    قَرينٌ لِهَامَانَ في قَعْرِهَا
    وفِرْعَوْنَ والمُكْتَنى بالحَكَمْ

    وقد يختار ويحفظ أيضًا لنبل قائله، كقول المهدي:
    تُفَّاحَةٌ مِنْ عِنْدِ تُفّاحَةِ
    جَاءَتْ فماذا صَنَعَتْ بالفُؤادْ
    واللِه ما أَدْرِي أَأَبْصَرْتُها
    يَقْظَانَ أَمْ أَبْصَرْتُهَا في الرُّقَادْ

    وكقول الرشيد:
    النَّفْسُ تَطْمَعُ والأَسْبَابٌ عاجِزَةٌ
    والَّنْفسُ تَهْلِكُ بَيْنَ اليَأْسِ والطَّمعِ


    وكقول المأمون في رسول:
    بعَثَتُكَ مُشْتَاقًا فَفُزْتَ بِنَظْرَةٍ
    وأَغْفَلْتَني حتَّى أَسَأْتُ بِكَ الظَّنَّا
    ونَاجَيْتَ مَنْ أَهْوَى وكُنْتَ مُقَرَّبًا
    فَيَالَيْتَ شِعْرِي عَنْ دُنُوِّكَ ما أَغْنَى
    ورَدَّدْتَ طَرْفًا في مَحَاسِنِ وجْهِهَا
    ومَتَّعْتَ باسْتماعِ نَغْمتِهَا أَذُنَا
    أَرَى أَثَرًا مِنْها بِعَيْنَيْكَ لَمْ يَكُنْلقد
    سَرقَتْ عَيْنَاكَ مِنْ وجْههَا حُسْنَا

    وكقول عبد الله بن طاهر:
    أَمِيلٌ مَعَ الذَّمَامِ على ابْنِ عَمِّى
    وأَحْمِلُ للِصَّدِيقِ على الَّشقِيق
    وإنْ أَلْفَيْتَني مَلِكًا مُطَاعًا
    فإِنَّكَ واجِدِي عَبْدَ الصَّدِيقِ
    أُفَرِّقُ بَيْنَ مَعْرُوِفي ومَنِّى
    وأَجْمَعُ بَيْنَ مَالي والحُقُوقِ

    وهذا الشعر شريفٌ بنفسه وبصاحبه.
    وكقوله:
    مُدْمِنُ الإِغْضَاء مَوْصُولُ
    ومُدِيمُ العَتْبِ مَمْلُولُ
    ومَدِينُ البِيضِ في تَعَبٍ
    وغَرِيمُ البِيضِ مَمْطُولُ
    وأَخُو الوَجْهَيْنِ حَيْثُ وهَي
    بَهَواهُ فَهْوَ مَدْخُولُ

    وكقول إبراهيم بن العباس لابن الزيات:
    أَبَا جَعْفَرٍ عَرِّجْ عَلَى خُلَطَائِكَا
    وأقْصِرْ قَلِيلًا مِنْ مَدَى غُلَوَائكا
    فإِنْ كُنْتَ قَدْ أُوتِيتَ في اليَوْمِ رِفْعَة
    فإِنَّ رَجَائي في غَدِ كَرَجَائِكا

    والمتكلف من الشعر وإن كان جيدًا محكمًا فليس به خفاءٌ على ذوي العلم، لتبينهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكر، وشدة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجةٌ إليه، وزيادة ما بالمعاني غنًى عنه. كقول الفرزدق في عمر بن هبيرة لبعض الخلفاء:
    أَوَلَّيْتَ العِرَاقَ ورَافِدَيْهِ
    فَزَارِيَّا أَحَذَّ يَدِ القَمِيصِ

    يريد: أوليتها خفيف اليد، يعني في الخيانة، فاضطرته القافية إلى ذكر القميص، ورافداه: دجلة والفرات.
    وكقول الآخر:
    مِنَ اللَّوَاتي والتي والَّلاتي
    زَعَمْنَ أَنى كَبَرتْ لِدَاتي

    وكقول الفرزدق:
    وعَضُّ زَمَانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ
    مِنَ المَالِ إِلاَّ مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ

    فرفع آخر البيت ضرورةً، وأتعب أهل الإعراب في طلب العلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشيءٍ يرضي، ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به من العلل احتيالٌ وتمويه؟ وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه إياه فشتمه وقال: علي أن أقول وعليكم أن تحتجوا! وقد أنكر عليه عبد الله بن إسحاق الحضرمي من قوله:
    مُسْتَقْبِلِين شَمالَ الشَّأْم تَضْرِبُنَا
    بحَاصِبٍ مِن نَديفِ القُطْن مَنْثُورِ
    على عَمَاعنا تُلْقِى وأَرْحُلُنا
    على زَوَاحِفَ تُزْجَى مُخُّهَا رِيرُ
    مرفوعٌ فقال أَلاَّ قلتَ
    على زَوَاحِفَ نُزْجِيهَا مَحَاسيرِ

    فغضب وقال:
    فلَوْ كانَ عَبْدُ اللهِ مَوْلًى هَجَوْتُهُ
    ولكِنَّ عبدَ الله مَوْلَى مَوَالِيَا

    وهذا كثير في شعره على جودته.
    وتتبين التكلف في الشعر أيضًا بأن ترى البيت فيه مقرونًا بغير جاره، ومضمومًا إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجإٍ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟ فقال: لأني أقول البيت وأخاه، ولأنك تقول البيت وابن عمه.
    وقال عبد بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحاف إذا شئت! فقال رؤبة: وكيف ذلك؟ قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعرًا له أعجبني، قال رؤبة: نعم، ولكن ليس لشعره قرانٌ. يريد أنه لا يقارن البيت بشبهه. وبعض أصحابنا يقول قرآن بالضم، ولا أرى الصحيح إلا الكسر وترك الهمز على ما بينت.
    والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي، وأراك في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت على شعره رونق الطبع ووشى الغزيرة، وإذا امتحن لم يتعلثم ولم يتزحر.
    وقال الرياشي حدثني أبو العالية عن أبي عمران المخزومي قال: أتيت مع أبي واليًا على المدينة من قريش، وعنده ابن مطيرٍ، وإذا مطرٌ جودٌ، فقال له الوالي، صفه، فقال: دعني حتى أشرف وأنظر، فأشرف ونظر، ثم نزل فقال:
    كَثْرَتْ لِكَثْرَةِ قَطْرِهِ أطْبَاؤُهُ
    فإِذَا تَحَلَّبَ فَاضَتِ الأَطْبَاءُ
    وكَجَوْفِ ضَرَّتِهِ التي في جَوْفهِ
    جَوْفُ السَّمَاءِ سِبَحْلَةٌ جَوْفَاءُ
    ولَهُ رَبَابٌ هَيْدَبٌ لِرَفيفِهِ
    قَبلَ التَّبَعُّق ديمَةٌ وطْفَاءُ
    وكأَنَّ بَارِقَهُ حَرِيقٌ يَلتَقي
    رِيحٌ عليهِ وعَرْفَجٌ وأَلاَءُ
    وكَأَنَّ رَيّقِهُ ولَمَّا يَحْتَفِلْ
    وَدْقُ السَمَاء عَجَاجَةٌ كَدْرَاءُ
    مُسْتَضْحِكٌ بِلَوَامِع مُسْتَعْبِرٌ
    بِمَدَامِعٍ لَمْ تَمْرِهَا الأَقْذَاءُ
    فَلَهُ بِلاَ حُزْنٍ ولا بِمَسَرَّةٍ
    ضَحْكٌ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ وبُكاءُ
    حَيْرَانُ مُتَّبَعٌ صَبَاهُ تَقُودُهُ
    وجَنُوبُهُ كِنْفٌ لَهُ ووِعاءُ
    ودَنَتْ لَهُ نَكْبَاؤُهُ حتَّى إِذا
    مِنْ طُولِ مَا لَعِبَتْ بِهِ النَّكْبَاءُ
    ذَابَ السَّحَابُ فَهُو بَحْرُ كُلُّهُ
    وعلى البُحُور مِنَ السَّحَابِ سَمَاءُ
    ثَقُلَتْ كُلاَهُ فنَهَّرَتْ أَصْلاَبَهُ
    وتَبَعَّجَتْ مِنْ مَائِهِ الأَحْشَاءُ
    غَدَقٌ يُنَتِّجُ بالأَبَاطِحِ فُرَّقًا
    تَلِدُ السُيُولَ وما لَهَا أَسْلاَءُ
    غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ دوَالحُِ ضُمِّنَتْ
    حَمْلَ اللِّقَاحِ وكُلُّهَا عَذْرَاءُ
    سُحْمٌ فَهُنَّ إِذَا كَظَمْنَ فَوَاحِمٌ
    سُودٌ وهُنَّ إِذَا ضَحِكْنَ وِضَاءُ
    لَوْ كانَ مِن لُجَجِ السَّوَاحِلِ مَاؤُهُ
    لم يَبْقَ مِن لُجَجِ السَّوَاحِل مَاءُ

    قال أبو محمد: وهذا الشعر، مع إسراعه فيه كما ترى، كثير الوشي لطيف المعاني.
    وكان الشماخ في سفرٍ مع أصحابٍ له، فنزل يحدو بالقوم فقال:
    لم يَبْقَ إِلاَّ مِنْطَقٌ وأَطْرَافْ
    ورَيْطَتَانِ وقَمِيصٌ هَفْهَافْ
    وشُعْبَتَا مَيسٍ بَرَاهَا إِسْكَافْ
    يَا رُبَّ غَازٍ كارِهٍ للأِيجَافْ
    أَغْدَرَ في الحَيِّ بَرُودَ الأَصْيَافْ
    مُرْتَجَّةَ البُوِص خَضِيبَ الأَطْرافْ

    ثم قطع به هذا الروي وتعذر عليه، فتركه وسمح بغيره على إثره، فقال:
    لَمَّا رَأَتْنَا وَاقِفِي المَطِيَّاتْ
    قَامَتْ تَبَدَّى لي بِأَصْلَتِيَّاتْ
    غُرٍ أَضَاءَ ظَلْمُهَا الثَّنِيَّاتْ
    خَوْدٌ مِنَ الظَّعَائِنِ الضَّمْرِيَّاتْ
    حَلاّلَةُ الأَوْدِيِة الغَوْرِيَّاتْ
    صَفِىُّ أَتْرَابٍ لَهَا حَيِيَّاتْ
    مِثْلِ الأَشَاءَاتِ أَوِ البَرْدِيَّاتْ
    أَوِ الغَمَامَاتِ أَو الوَدِيَّات
    أَوْ كَظِبَاءِ السِّدْرِ العُبْرِيَّاتْ
    يَحْضُنَ بِالقَيْظِ على رَكِيَّاتْ
    وَضَعْنَ أَنْمَاطًا على زرْبِيَّاتْ
    ثُمَّ جلسْنَ بِرْكَةَ البُخْتِيَّاتْ
    مَنْ رَاكِبٌ يُهْدِي لَهَا التَّحِيَّاتْ
    أَرْوَعُ خَرَّاجٌ مِنَ الدَّاوِيَّاتْ
    يَسْرِى إِذَا نَامَ بَنُو السَّرِيَّاتْ
    .........................

    قال أبو عبيدة: اجتمع ثلاثةٌ من بني سعد يراجزون بني جعدة، فقيل لشيخٍ من بني سعدٍ: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يومًا إلى الليل لا أفثج، وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يومًا إلى الليل ولا أنكف، وقيل للثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يومًا إلى الليل ولا أنكش، فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا ولم يراجزوهم.
    والشعراء أيضًا في الطبع مختلفون: منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء. ومنهم من يتيسر له المراثي ويتعذر عليه الغزل.
    وقيل للعجاج: إنك لا تحسن الهجاء؟ فقال: إن لنا أحلامًا تمنعنا من أن نظلم، وأحسابًا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيًا لا يحسن أن يهدم.
    وليس هذا كما ذكر العجاج، ولا المثل الذي ضربه للهجاء والمديح بشكل، لأن المديح بناءٌ والهجاء بناءٌ، وليس كل بانٍ بضربٍ بانيًا بغيره. ونحن نجد هذا بعينه في أشعارهم كثيرًا، فهذا ذو الرمة، أحسن الناس تشبيهًا، وأجودهم تشبيبًا، وأوصفهم لرمل وهاجرةٍ وفلاةٍ وماءٍ وقرادٍ وحيةٍ، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع. وذاك أخره عن الفحول، فقالوا: في شعره أبعار غزلانٍ ونقط عروسٍ! وكان الفرزدق زير نساءٍ وصاحب غزل، وكان مع ذلك لا يجيد التشبيب. وكان جريرٌ عفيفًا عزهاةً عن النساء، وهو مع ذلك أحسن الناس تشبيبًا، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجه مع عفته إلى صلابة شعري، وما أحوجني إلى رقة شعره لما ترون.
    ع3:
    فن الموشحات
    ج1:
    الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لأبي الحسن علي بن بسام الشنتريني.
    فصل في ذكر الأديب أبي بكر عبادة بن ماء السماء، وإثبات:
    جملة من شعره مع ما يتعلق به من ذكره:
    قال ابن بسام: هو عبادة بن عبد الله الأنصاري من ذرية سعد بن عبادة، وقيل له ابنم ماء السماء لجدهم الأول، ولحق بقرطبة الدولة العامرية والحمودية ومدح رجالها. وكان أبو بكر في ذلك العصر شيخ الصناعة، وإمام الجمعة، سلك إلى الشعر مسلكًا سهلًا، فقالت له غرائبه مرحبًا وأهلًا. وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا منآدها، وقوم ميلها وسنادها، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت إلا عنه، واشتهر بها اشتهارًا غلب على ذاته، وذهب بكثير من حسناته.
    وهي أوزان كثر استعمال أهل الأندلس لها في العزل والنسيب، تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب. وأول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها -فيما بلغني- محمد بن محمود القبري الضرير. وكان يصنعها على أشطار الأشعار، غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز، ويضع عليه الموشحة دون تضمين فيها ولا أغصان. وقيل إن ابن عبد ربه صاحب كتاب "العقد" أول من سبق إلى هذا النوع من الموشحات عندنا.
    ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي فكان أول من أكثر فيها من التضمين في المراكيز، يضمن كل موقف يقف عليه في المركز خاصة. فاستمر على ذلك شعراء عصرنا كمكرم بن سعيد وابني أبي الحسن. ثم نشأ عبادة هذا فأحدث التضفير، وذلك أنه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيضمنها، كما اعتمد الرمادي مواضع الوقف في المركز.
    وأوزان هذه الموشحات خارجة عن غرض هذا الديوان إذ أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب.
    وقد أثبت من شعر عبادة في هذا الفصل ومن سائر كلامه، ما يدل على تقدمه وإقدامه.
    جملة من شعره في أوصاف شتى:
    أخبرني الفقيه أبو بكر بن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال، أخبرني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم أن أبا بكر عبادة كان حيًّا في صفر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وكان البرد المشهور خبره في ذلك الوقت الذي لم ير مثله، فقال عبادة:
    يا عبرة أهديت لمعتبر
    عشية الأربعاء من صفر
    رسل ملء الأكف من برد
    جلامدًا تنهمي على البشر
    فيا لها آيةً وموعظةً
    فيها نذير لكل مزدجر
    كاد يذيب القلوب منظرها
    ولو أعيرت قساوة الحجر

    قال أبو عبد الله الحميدي: وذكر أبو عامرٍ بن شهيد أن عبادة هذا مات في شوال سنة تسع عشرة بمالقة، ضاعت له مائة مثقال فاغتم عليها وكانت سبب وفاته. فلا أدرى من وهم منهما، وأبو محمد بن حزم أعلم بالتواريخ وأحفظ للتقييد، والله أعلم.
    وقال:
    لا تشكون إذا عثر
    ت إلى خليط سوء حالك
    فيريك ألوانًا من ال
    إذلال لم تخطر ببالك
    إياك أن تدري يمي
    نك ما يدور على شمالك
    واصبر على نوب الزما
    ن وإن رمت بك في المهالك
    وإلى الذي أغنى وأق
    نى اضرع وسله صلاح حالك

    وقال يتغزل:
    إذا رمت قطف الورد ساورني الصدغ
    بعقرب سحر في فؤادي له لدغ
    غزال بجسمي فترة من جفونه
    وفي أدمعي من لون وجنته صبغ
    زيارته أخفى خفاءً من السها
    ودون فراغي من محبته الفرغ

    وقال:
    ما مر يوم علي لم أرك
    إلا وجدت الضمير صورك
    ولا مبيتي وأنت لست معي
    إلا مبيت القطاة في الشرك
    أما أنا فالبعاد غيرني
    وأنت خوف الرقيب غيرك
    يا لعبة صورت لسفك دمي
    غطي بفضل النقاب محجرك



    وقد رويت هذه الأبيات لابن القطان.
    نقلت من خط الوزير أبي عامر بن مسلمة قال: أنشدني أبو بكر عبادة لنفسه.
    اجل المدامة فهي خير عروس
    تجلو كروب النفس بالتنفيس
    واستغنك اللذات في عهد الصبا
    وأونه لا عطر بعد عروس

    قال: وأنشدني أيضًا له:
    اشرب فعهد الشباب مغتنم
    وفرصة في فواتها ندم
    وعاطنيها بكف ذي غيدٍ
    ألحاظه في النفوس تحتكم
    كأنها صارم الأمير وقد
    خضب حديه من عداه دم
    واحد بتذكاره الكؤوس فما
    يلذ نقلًا سوى ثناه فم

    وقال أيضًا:
    وليلةٍ لسرور كان لها
    بحسن ساق كحسن خلخال
    قصيرةٍ أقصر الغرام بها
    كأنها مستهل شوال
    ناولني الماس بدرها بيدٍ
    عنابها من طريف أنقال
    يعلني ريقة الحياة فم
    قضى بتعطيل كل علال

    وقال أيضًا:
    سقى الله أيامي بقرطبة المنى
    سرورًا كري المنتشي من شرابه
    وكم مزجت لي الراح بالريق من يدي
    أغر يريني الحسن ملء ثيابه
    أوان عذاري لم يرع بمشيبه
    شبابي ولم يوحش مطار غرابه
    تعللني فيه الأماني بوعدها
    وهيهات أن أروى بورد سرابه
    سل العنم البادي من السجف دانفًا
    لتعذيب قلبي هل دمي من خضابه

    وقال أيضًا:
    فهل ترى أحسن من أكؤس
    يقبل الثغر عليها اليدا
    يقول للساقي: أغثني بها
    وخذ لجينًا وأعد عسجدا
    أغرق فيها الهم لكن طفا
    حبابها من فوقها مزبدا
    كأنما شيبها شارب
    أمسكها في كفه سرمدا

    وهذا البيت أراه اخترع معناه.
    وله من أخرى في القاسم بن حمود:
    ما ضيع الله ملكًا أنت راعيه
    ولا أباح ذمارًا أنت حاميه
    لله درك من مولًى عوارفه
    لم تبق في الأرض إلا من يواليه
    تهديه والناس قد ضلوا كواكب من
    آرائه في سماء من معاليه
    مكفلًا برضاه همةً أنفًا
    ترمي إلى الغرض الأقصى فتصميه
    كانت خلافتنا في الغرب مظلمةً
    كأن أيامنا فيها لياليه
    سياسة أبرأت بالرفق في مهل
    داء الخلاف وقد أعيا مداويه
    وحكمة خضعت هام الملوك لها
    عزًا فلا حر موجود بواديه
    مؤيد جاءت الدنيا إلى يده
    عفوًا ولبته من قرب أمانيه
    جلت أياديه حتى إن أنفسنا
    وما ملكناه جزء من أياديه

    قال يتغزل من قصيدة:
    مستجبر لا يطيبه بالرضا
    أحد ولا يجري الوفاء بباله
    دارت دوائر صدغه فكأنما
    حامت على تقبيل نقظة بباله
    رشأ توحش من ملاقاة الورى
    حتى توحش من لقاء خياله
    فلذاك صار خياله لي زائرًا
    إذ كنت في الهجران من أشكاله
    ولقد هممت به ورمت حرامه
    فحماني الإجلال دون حلاله
    وحببته حب الأكارم رغبةً
    في خلقه لا رغبةً في ماله

    وهذا ينظر إلى قول المتنبي:
    وأغيد يهوى نفسه كل عاقل
    عفيف ويهوى جسمه كل فاسق

    وقال عبادة في الحاجب بن أبي عامر:
    لنا حاجب حاز المعالي بأسرها
    فأصبح في أخلاقه واحد الخلق
    فلا يتغرر منه الجهول ببشره
    فمعظم هول الرعد في أثر البرق

    قال عبادة: أول شعر قلته أني وقفت على هدف الرمي بعدوة النهر بقرطبة، وثم غلمان من أبناء العبيد ينتضلون، فقلت:
    وما راعني إلا سهام رواشق
    إلى هدف بنحوه كل يدي ظبي
    أقاموه كي يرموا إليه فلم يكن
    لهم غرض حاشا فؤادي في الرمي

    وهو القائل في ميمون بن الغانية وكان وسيمًا:
    قمر المدينة كيف منك خلاص
    أو أين عنك إلى سواك مناص
    ما أنت إلا درة الحسن التي
    قلبي عليها في الهوى غواص
    والشادن الأحوى الذي في طرفه
    سحر يصاد بسهمه القناص
    أمن جفونك من مغبة ما جنت
    فينا فليس على الملاح قصاص

    وقال عبادة من قصيدة يمدح ابن حمود:
    أبسل عليك الماء حتى يشوبه
    دم والكرى حتى تقض المضاجع
    أجم جيادًا أدمن الغزو نهكها
    فمنها حسير في الجهاد وظالع
    وأغمد سيوفًا تشتكيك جفونها
    كما تشتكي نجل العيون البراقع
    وسكن عجاج الركض شيئًا فقلما
    يرى الجو مما هجته وهو ناصع
    وآنس قصورًا طال إيحاشها به
    فقد أشفقت مما صنعت المصانع
    وهل ضرك الباغي بسهم مكيدة
    وأنت بواقي عصمة الله دارع
    وأي يدٍ قراعك بعدما
    رأينا يد الجبار عنك تقارع

    وهذه المعاني كلها متداولة، وألفاظها متناقلة، وإن كان قد تشبث بها معان أخر، فهي أشهر من أن تذكر، منها قول المتنبي:
    فقد مل ضوء الصبح مما تغيره
    ومل سواد الليل مما تزاحمه
    ومل القنا مما تدق صدوره
    ومل حديد الهند مما تلاطمه

    وقال عبادة فيه من أخرى:
    صلى عليك الله يا ابن رسوله
    ووليه المختص بعد خليله

    ومنها:
    وله من السعد المتاح معدل
    يغني أخا التنجيم عن تعديله

    وهذا كقول المتنبي:
    يقر له بالفضل من لا يوده
    ويقضي له بالسعد من لا ينجم

    وأبين منه قول ابن شرف:
    ونجوم آمالي طوالع بالمنى
    والسعد يستغني عن التقويم

    وفيها يقول عبادة:
    كم يبعث الباغون رسلهم إلى
    من كتبه من زرقه ونصوله
    وزع الإله ببأسه وعقابه
    ما لم يزع بالنص من تنزيله
    هذا علي ناصر الدين الذي
    نظمت له غرر السنا بحجوله

    وهذا البيت الثالث منها كقول المتنبي:
    ولا كتب إلا المشرفية عنده
    ولا رسل إلا الخميس العرمرم

    وكرره في موضع آخر فقال:
    ورب جواب عن كتاب بعثته
    وعنوانه للناظرين قتام
    حروف هجاء الناس فيه ثلاثة:
    جواد ورمح ذابل وحسام

    وقال المعري:
    ولا قول إلا الضرب والطعن عندنا
    ولا رسل إلا ذابل وحسام

    ومعنى البيت الرابع منها نظمه من قول الحسن بن أبي الحسن البصري: "يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
    وكان عبادة يظهر التشيع في شعره، من ذلك قوله في يحيى بن حمود:
    فها أنا ذا يا ابن النبوة نافث
    من القول أريًا غير ما ينفث الصل
    وعندي صريح في ولائك معرق
    تشيعه محض وبيعته بتل
    ووالي أبي قيس أباك على العلا
    فخيم في قلب ابن هند له غل

    وله من أخرى في علي بن حمود الحسني:
    أطاعتك القلوب ومن عصي
    وحزب الله حزبك يا علي
    فكل من ادعى معك المعالي
    كذوب مثل ما كذب الدعي
    أبى لك أن تهاض علاك عهد
    هشامي وجد هاشمي
    وما سميت باسم أبيك إلا
    ليحيا بالسمي له السمي
    فإن قال الفخور أبي فلان
    فحسبك أن تقول أبي النبي

    قوله: "عهد هشامي" قد تقدمت الإشارة به، والوجه الذي قاله بسببه، في أخبار الخليفة سليمان، المفتتح باسمه هذا الديوان.
    وله من أخرى يرثيه ويهنئ أخاه القاسم بالخلافة:
    صلى على الملك الشهيد مليكه
    وسقاه في ظل الجنان الكوثر
    مولىً دهته عبيده، وغضنفر
    تركته أيدي العفر وهو معفر
    كانت تهيبه الأسود فغاله
    في قصره مستضعف مستحقر
    لم يثن عز الملك عنه منونه
    فسمت له من حيث لم يك يحذر
    ختلته سرًّا والقبائل درع
    تحميه لكن المنايا جسر
    ولو إنها رامته جهرًا لانثنت
    والبيض تقرع والقنا يتكسر

    ثم خرج إلى المدح فقال:
    ما غاب بدر التم إلا ريثما
    جلى الدجى عنا الصباح الأزهر
    إن يهو من أفق الخلافة نير
    يهدي السبيل فقد تلاه نير
    بالقاسم المأمون أفرخ روعنا
    فالقسم وافٍ والنصيب موفر

    قوله: "ختلته سرًّا"... البيت مع الذي يليه، معنى قد طوي ونشر، كسف رواؤه مما ابتذل، وأسن ماؤه مما عل به ونهل، ومنه قول المهلبي يرثي جعفرًا المتوكل:
    جاءت منيته والعين هادئة
    هلا أتته المنايا والقنا قصد
    فخر فوق سرير الملك منجدلًا
    لم يحمه ملكه لما انقضى الأمد

    ومنه قول الأسدي أيضًا يرثيه، وألم بهذا المعنى فيه:
    هكذا فلتكن منايا الكرام
    بين ناي ومزهر ومدام
    بين كأسين أردياه جميعًا
    كأس لذاته وكأس الحمام
    لم يزل نفسه رسول المنايا
    بصنوف الأوجاع والأسقام
    هابه معلنًا فدب إليه
    في كسور الدجى بحد الحسام

    وأخذ هذا المعنى عبد الكريم التميمي فقال يرثي صاحب خراج المغرب، وكان تناول فمات بسببه:
    سنايا سددت الطرق عنها ولم تدع
    لها من ثنايا شاهق متطلعا
    فلما رأت سور المهابة دونها
    عليك ولما لم تجد لك مطمعا
    ترقت بأسباب لطاف ولم تكد
    تواجه موفور الجلالة أروعا
    فجاءتك في سر الدواء خفيةً
    على حين لم تحذر لداء توقعا

    وقد أخذ أيضًا هذا المعنى أهل وقتنا وهو أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، فقال من قصيدة يرثى بها الوزير أبا المطرف ابن الدباغ الكاتب:
    ثارت إليه المنايا من مكانها
    سرًا على غفلة الحراس والسمر
    أولى لهن وأولى لو هممن به
    والمنع ذو راحة والدفع ذو حذر

    في أبيات غير هذه هي ثابتة في موضعها من هذا المجموع.
    ولله در صريع الغواني فإنه أخذ عليهم ثنايا البديع في هذا المعنى، وإن كان بينهم بعد كما ترى، حيث يقول:
    ألم تعجب له أن المنايا
    فتكن به وهن له جنود

    وقال أبو الطيب:
    تخون المنايا عهده في سليله
    وتنصره بين الفوارس والرجل



    ع3:
    فن الموشحات
    ج2:
    دار الطراز في عمل الموشحات، لابن سناء الملك.
    القسم الأول: الموشحات المغربية:
    على ترتيب الأمثلة:
    الموشح التام:
    ضاحك عن جمان
    سافر عن بدر
    ضاق عنه الزمان
    وحواه صدري
    آه مما أَجِدْ
    شفنّي ما أَجْدُ
    قام بي وقعد
    باطشٌ متُئدُ
    كلّما قلت قدْ
    قال لي أَين قدُ
    وانثنى خُوطَ بان
    ذا مهَزٍّ نَضْرِ
    عابثته يدان
    للصَّبا والقَطْرِ
    ليس لي منك بُدّ
    خذ فؤادي عن يد
    لم تدَعْ لي جَلَد
    غير أَني أَجهد
    مُكرع من شُهْد
    واشتياقي يشهد
    ما لبنتِ الدنان ولذاك الثَّغر
    أَين مُحيّا الزمان من حُميَّا الخمر
    بي هوًى مضمرُ
    ليت جهدي وَفْقُه
    كلما يظهرُ
    ففؤادي أْفقْهُ
    ذلك المنظرُ
    لا يُداوي عشقُه
    بأبي كيف كان فلكيٌ دُرِّي
    راق حتى استبان عذره وعذري
    هل إليك سبيل
    أو إلى أن أَيأسا
    ذُبت إلا قليلْ
    عَبْرَةّ أو نَفَسا
    ما عسى أن أقول
    ساء ظني بعسى
    وانقضى كل شان وأنا أَستَشْري
    خالِعًا من عِنان جزعي وصبري
    ما على يلوم
    لو تناهى عّنَي
    هل سوى حُبّ ريم
    دينه التجني
    أنا فيه أهيم
    وهو بي يغني
    قد رأيتك عَيان ليس عليك سَاتدري
    سايطول الزمان وستنسى ذِكري

    الموشح الأقرع:
    سطوة الحبيب
    لأحلا من جَنَى النحل
    وعلى الكئيب
    أن يخضع للذل
    أنا في حُروب
    مع الحدق النُّجل
    ليس لي يدان بأحور فتان
    من رأى جفونه فقد أَفسدت دينه
    ينبغي التجنّي
    لمثلك في الإنس
    لو قبلتَ مني
    اتهتَ على الشمس
    غايةَ التمنّي
    هلمَّ إلى الأنُس
    أنت مهرجاني وخدك بستاني
    غَطِّ ياسمِينَه إن الناس يَجنونَه
    خطط الوزير
    بخُطه إيثارِ
    فانتهى السرور
    إلى غير مقار
    رُدّت الأمور
    إلى أسد ضار
    ثابتُ الجَنان صفوحٌ عن الجاني
    قد حَمَى عرينه بالرّزق المسْنُونه
    خَلِّ كل مَيْن
    إلى الحق منقادا
    من رأى بعين
    في ذا الخلق من سادا
    كأبي الحسين
    ويفديه من جادا
    كل ذي امتنان لا بل كل هتان
    رام أني كون جودًا فأتى دونه
    أظهر المُقام
    في الغربة حراما
    فأنا أُلام
    إسرارًا وإعلانا
    قلت والكلام
    يصرَّح أحيانا
    فزُت بالأماني ما جاد بإحسان
    صاحب المدينة أعلى الله تمكينه

    المركب قفله من جزأين:
    شمس قارنت بدرًا
    راح ونديم
    أور أكؤس الخمر عبرية النشر
    إن الروض ذو بشر
    وقد دَرّع النهرا
    هبوبُ النسيم
    وسلّت على الأفق يد الغرب
    والشرق سيوفًا من البرق
    وقد أضحك الزهرا
    بكاء الغيوم
    ألا إنّ لي مولى تَحكَّم
    فاستولى أما إنه لولا
    دموعٌ تفضح السرا
    لكنتُ كتوم
    أنّى لي كتمان ودمعيَ
    طوفان شبَّت فيه نيران
    فمن أبصر الجمرا
    في لُجّ يعوم
    إذا لامني فيه من رأى
    تجنّيه شدوت أُغنّيه
    لعل له عذرا
    وأنت تلوم

    المركب قفله من ثلاثة أجزاء:
    حلّت يد الأمطار
    أزرّة النُوّار فيأخذني
    اشرب طاب الصبَّوح
    في ذا اليوم
    في روضة تفوح
    لدى الغيم
    قد أشرقت تلوح
    لذي القوم
    ووجه ذا النهارِ مغُطّى
    بِخمِارِ من الدَّجنِ
    ظَلمتَ إذ بَعٌدْت
    عن الصب

    فَعُد كما قد كنت

    إلى قربي
    غدرت ونفرت
    فيا حبِي
    أفديك من غدّار تدين
    بالنَّفَار ولا تدني
    هذا الهوى يجور
    فما صنُعْي
    قد ضاق با منصور
    به ذرعي
    إذ ليس لي نصير
    سوى دمعي
    فيا ضعفَ انتصاري إذ أدمعي
    أنصاري على حزني
    محبوبي هَبْ رضاكا
    وخذ عمري
    وعَلّني لَماكا
    من الثغر
    بما حوت عيناكا
    من السحر
    بَرِّدْ غليل نَاري وَشِم
    ظبُي الأشفار لا تقتلني
    لَمَّا أطال حزني
    ولم يَرْحَم
    وزاد في التجني
    وما سَلّم
    شدوته أُغني
    غِنا مغرم
    حبيبي أَنت جاري دارك
    بجنْبِ داري وتهجرني؟

    المركب قفله من أربعة أجزاء:
    أدر لنا أكواب يُنسى بها الوجد
    واستحضر الجُلاس كما اقتضى الودّ
    دِنْ بالصِبا شرعًا
    ما عشت يا صاح
    ونزّه السمعا
    عن منطق اللاَّحي
    فالحكم أن تسعى
    عليك بالراح
    أناملُ العُنَّاب ونُقْلك الورد
    حُفَّ بصُدغَي آس يلويهما الخدّ
    لله أيام
    دارت بها الخمر
    والروض بسّام
    باكره القطر
    وَصلٌ وإلمام
    وأوجهٌ زهُر
    فنحن بالأصحاب قد ضَمَّنا عقد
    ويا أبا العباس لا خانك الجدُّ
    خليفةٌ مِنْكا
    فينا أبو بكر
    ناب لنا عنكا
    في النهي والأمر
    لا نتّقي ضنكًا
    من نُوَبِ الدهر
    وأنتم أرباب ما شَيّد المجد
    وإنْ بَلَونْا الناس فهم لكم ضِدّ
    حَلِيتِ الدنيا
    من بعد تعطيل
    وجاءنا يحيى
    بين البهاليل
    أغَرّ بالعليا
    من فوق تحجيل
    يختال في أثواب طرّزها الحمد
    وأفرط الإيناس فما له حد
    بينا أنا شارب
    للقهوة الصِّرف
    وبين أنا تايب
    لكن على حرف
    إذ قال لي صاحب
    من حلّبْة الظرَّف
    نديمنا قد تاب غَنِّ له وأشدو
    واعرض عليه الكاس عساه يرتَدُّ

    المركب قفله من خمسة أجزاء:
    يا مَنْ أجود ويبخل
    على شحّي وافتقاري
    أهواك وعندي زيادة
    منها شوقي وادكاري
    أما يستحي مطالك
    من طول ما اشتكيه
    وهلا كان وصالك
    أدنى لمن يرتجيه
    وأين غاب خيالك
    مذ ساحت المزن فيه
    ولا تقل ربما ضّلَّ
    أثناء تلك المساوي
    ذكراك قد أورى زنادَه
    مِن وجدي ومن أُواري
    أنا المشتاق المعنَّى
    ولكني لا أبوح
    إن كان الكتمانُ معنى
    فلي لفظة الفصيح
    يا من جَنَى وتجنَّى
    شكوى لو كانت تريح
    صِلْ وما أراك تفعل
    ولكن عيل اصطباري
    حاشاك من شكوى مُعَادَه
    تَحُشٌ نارًا بنار
    ما لي وللشوق يَهْمِي
    عيني ويَهيمُ قلبي
    وكيف رأيتَ سُقْمي
    وتدّعي جهلَ حبي
    سَلْ بيَ من انسابيَ اسمي
    واستعدَى على لُبي
    ولا تأمن حين تسأل
    حسَّادي زهر الدراري
    عيناك أولى بالشهادة
    وأدرى بما أدراي
    مولايَ أبا العلاء
    ولي لو شيتَ مقالُ
    وما أكنى بالآباء
    إلا ليزهى الجمالُ
    هل بعد وشك التنائي
    قطيعة أو وصالُ
    هبني أُقيم وترحل
    والدهر جم العِثَار
    مضُناكْ من يَغْشَى وسادَه
    في ضيق ذاك الإسارِ
    تَعَرُّضًا للوصال
    طفتُ بتلك الربوع
    طوافًا غير حلال
    جماري فيها دموعي
    فَغَنِّ عن الدلال
    وراسل عن الخضوع
    بالله يا طيرًا مدلّل
    ومرّبى في القِفار
    إياك تجرَّك العادة
    ترمي صخيرة فِداري

    المركب قفله من ستة أجزاء:
    مَيْتات الدِّمَنْ أحيَيْن كربي وهل
    يتمكن عزاء لقلبي مت يا عزاه شاه
    يا رسْمَ الذي
    أتاح حَيْني
    ظَمِيت فَذِي
    دموع عيني
    تَهْمِي فاغتذِ
    منها بعين
    بل يا منْ ظعنْ عليك ذنبي فقد آن
    لي أن أقضيَ نحبي فويلتاه واه
    يا ربع الهوى
    هل أنت مُودِي
    فذاك الجوى
    إلى مَزيد
    أتتك النوى
    إثر الصدود
    فيا ممتحن بكل خطب كم تأسى
    وتحزن وتشفى بحب سالٍ هواه لاه
    عذالي لا
    أروم سَلْوَة
    أنا المبتلَى
    بريم ذِروَة
    ذكراه على
    حشاي حلوة
    فكل حَسَن ذكراه دابي أسا وأحسن
    وموضع لُبَي عمن سواه ساه
    كم يطمعُني
    طيف الخيال
    ويمنعُني
    طيب الوصال
    لو يسمعنُي
    شكوتُ حالي
    ولكنّ لنْ يرثي لصَب أسرَّ وأعلن
    وكم من محبّ إذا دعاه تاه
    كم أمسى وكم
    أضحى نديمي
    نُقلي منه فم
    دُرٍّ نظيم
    وقول نعم
    يُدني نعيمي
    وكل ددَن معي وحسبي أحوى باسِمُ
    عن حُلو الطعم عذب أمص فُّاه زاه
    قلت والردى
    إليّ ساعي
    إذا قال غدا
    أمضي زماعي
    ومَدٍّ يدا
    إلى وداعي
    استودع مَن ودعت ربي وأسأله
    أن يصبَر قلبي على نواه آه

    المركب قفله من ثمانية أجزاء:
    على عيون العين رَعَى الدرّاري
    مَنْ شُغِف بالحب
    واستعذب العَذاب والتذّ حاليه
    من أسف وكرب
    نُجْل العيون سقت
    نفوسنَا كأس الرحيق
    أحداقها أحدقت
    بكل بستانِ أنيق
    من وَجْنَةٍ شُقّقت
    عن سوسنِ وعن شقيق
    وتحت نور الجبين آسُ
    عِذارِ ينعطف كي يُنبي
    بأن ماء الرضاب حام
    حواليه منصَرِف عن قربي
    لا كان يومُ النوى
    مَنْ مُلبسي ثوب الضنى
    الوى غزال اللِوَى
    فيه بصبري إذ رنا
    وظنّ أن الهوى
    ذنب فضنَ بالمُنى
    فقد أصار الضنين نور
    اصطباري في سَدَف من نحبي
    والقلب خوف العقاب رجا حنانَيه
    فاعترف بالذنب
    شرَّدَ عيني الكرى
    فبتُّ أَشكو ما أجد
    إلى جياد ترى
    متونها بي تطّر
    وما حَمِدت السُّرى
    حتى رأيت المعتمد
    رأَيت دنيا ودين به نباري
    من سلف فَيُربي
    وكلُّ َمْن فيه عاب يلقى جنابَيْه
    مِن شرف في حجب
    مؤيّدُ نصره
    لَدْن القنا عَضْبُ الحسام
    يندى به دهره
    لدى الرياض بالغمام
    كأنما ذكره
    آيات ذِكْرٍ في الأنام
    حالاه شَدٌّ ولين فقل حذارٍ
    إن وقف في حرب
    وقل بأن السحاب لو شام كَفَّيه
    لم يَكفِ من رعب
    وطير حُسْنٍ نزل
    بمنزلي عند الغروب
    حول شِبَاكِ الحِيَل
    يلقط حبات القلوب
    ما حَلّ حتى رحل
    فكان من شدو الكئيب
    لو رأيتم مُقْلَين نزل بداري
    ووقف بجنبي
    لما أي المحناب سوّى جناحيه
    وانصرف بقلبي

    الموشح الختلف الأقفال:
    بأبي عِلْقُ
    بالنفس عليق
    هويت هِلالًا
    في الحسن فريدًا
    أعار الغزالا
    ألحاظا وجيدا
    وتاه جمالًا
    لم يبغ مزيدا
    بدر يتلالا
    في حُسْنِ اعتدال زانه
    رَشْقُ والقَدُّ رشيق
    بدرٌ يتغلّب
    بالحسر المبين
    عِذارٌ مُعَقْرَب
    على ياسمين
    سوسانٌ مُكَتَّب
    بِورْدِ مصون
    لَمَّا لاحَ يسحب
    ذيولَ الجَمَال عَنَّ لي
    خَلْق بالعشق خليق
    جفاني يعيش
    لوقفي عليه
    لو بالنفس ريش
    لطرتُ إليه
    للحسن جيوش
    على مقلتيه
    واللحظ المَرِيش

    بالسحر الحلال فله
    مَشْقُ والقلب مشوق
    تَعَمَّدَ هَجْري
    مُذْ دنت بوده
    وَبَدَّتْ صبري
    على طول صَدِّه
    ماءُ الحُسْن يجري
    بصفحة خدَهِّ
    ثناياه تُزري
    بنظم اللآلي فَمُهُ
    حُقُّ باللثم حقيق
    لَمَّا أن تسربل
    ثوب الحسن زيًّا
    أدرتُ أُقَبِّل
    لَمَاه الشهيا
    فقال تمثَّلْ
    بالشعر أبِيَّا
    ومال تدلل
    بأحلى مقالِ أنا أقول
    قوقو لَيْس بالله تذوقوا

    أمثلة الأبيات:
    الموشح الذي بيته ثلاثة أجزاء مفردة:
    أأُفردْتَ بالحسن
    أم خَلقك إبداع
    أرى لك مهنّد أحاط به
    الإثمد فجرَّد ما جرَّد
    فيا ساحر الجفن
    حسامك قطاع
    أيا فتنة القلب خَفِ الله
    في صَبِّ قتيلٍ من الحب
    تُمَنّيه بالمزن
    وبرقك خداع
    متى يُقْتضي دين يُدان
    به البين عليَّ لكمُ عين
    فما تنثني مني
    عيونٌ وأسماع
    ركايبكم شَدٌّوا وفي سيرهم
    جَدُّوا سَلّمت وماردُوا
    وقد عَلِموا أني
    من البيت مرتاع
    لقيت من البُعد أسًى جلَّ
    عن حَدّ فقلت من الوجد
    حبيبي مضى عني
    متى نجتمع ماعو

    الموشح الذي بيته أربعة أجزاء مفردة:
    كم ذا يؤرقني ذو حَدَقِ
    مرضى صحاح لا بُلينَ بالأرق
    قد باح دمعي بما أكتمه
    وحَنَّ قلبي لمن يظلمه
    رشًا تمرَّن في لا فَمُهُ
    كم بالمنى أبدًا ألثمه
    يفترُّ عن اؤاؤ متسق
    مَنْ للأقاحِ بنسيمه العَبقِ
    هل من سبيل لرشف القبل
    هيات من نيل ذاك الأمل
    كم دونه من سيوف المقل
    سلّت بلحظ وقاح خجل
    أبدى لنا حمرة في يَقَقِ
    خَدُّ الصباح فيه حمرة الشفق
    من لي بمدح بني عبَّاد
    ومَنْ بحمدهم إحمادي
    تلك الهبات بلا ميعاد
    عَذَرتُ من أجلها حسادي
    حكتْنَي الوُرْق بين الوَرَق
    راشوا جناحي ثم طوقوا عنُقُي
    لله مَلْك عليه اعتمدا
    من يَعْرُبٍ وهو اسناهم يدا
    وهم إذا عنّ وَفْدٌ وَفَدا
    سالوا بحارًا وصالوا أسّدا
    إن حوربوا أو دُعُوا في نسق
    راحوا براح للندى وللعلّقِ
    طاب الزمان لنا واعتدلا
    في دولة أورثتنا جَذَلا
    ردّت علينا الصبِّا والغزلا
    فقلت حين حبيبي رحلا
    أهْدِ السلام لصَبٍّ قَلِق
    من الرياح بالأنام لا يثق

    أمثلة الأبيات التي أجزاؤها مركبة:
    ما تركب بيته من فقرتين وثلاثة أجزاء:
    كذا يقتاد سنا الكوكب الوقَّاد
    إلى الجلاس مشعشعة الأكواس
    أقم عذري
    فقد آن ان أعكُف


    ع3:
    فن الموشحات
    ج1:
    توشيع التوشيح، لصلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي.
    فصل لا بأس بإيراده:
    الموشح فن تفرد به أهل المغرب، وامتازوا به على أهل المشرق، وتوسعوا في فنونه، وأكثروا من أنواعه وضروبه. وقيل: انه أول من نظم الموشحات بالمغرب الإمام أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد. وقال ابن بسام: أول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا، واخترع طريقها -فيما بلغني- محمد بن محمود القبري الضرير. وقيل: ابن عبد ربه. ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي وأكثر منها.
    قال الأستاذ الأديب أبو الحسن علي بن سعد الخير. رحمه الله تعالى، من جملة كلام: ووجدنا بعض المتأخرين كمهيار الديلمي، وأبي محمد القاسم الحريري، وغيرهما، قد استنبطوا من تلك الأعاريض أقسامًا مؤلفة على فقر مختلفة وقواف مؤتلفة. قلت: يعني بذلك أشعار العرب في أبحر العروض. قال: وسموها ملاعب. واستنبط منها أيضًا أهل الأندلس ضربًا قسموه على أوزان مؤتلفة، وألحان مختلفة، وسموه موشحًا، وجعلوا ترصيع الكلام وتنميق الأقسام توشيحًا، وكانوا أول من سن هذه الطريق ونهجه، وأوضح رسمه ومنهجه، انتهى.
    قلت: ورسم الموشح هو: كلام منظوم، على قدر مخصوص، بقواف مختلفة.
    قال القاضي السعيد ابن سناء الملك -رحمه الله تعالى-: وهو ما يأتلف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات ويقال له التام، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويقال له الأقرع. فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات.
    قال: والأقفال هي أجزاء مؤلفة يلزم أن يكون كل قفل منها متفقا مع بقيتها في وزنها وقوافيها وعدد أجزائها. قلت: ينبغي أن تزاد هذه العبارة قوله يُبتدأ الموشح بالقفل ويختم. قال: والأبيات هي أجزاء مؤلفة مفردة أو مركبة يلزم في كل بيت منها أن يكون متفقًا مع بقية أبيات الموشح، في وزنها وعدد أجزائها إلا في قوافيها، بل يحسن أن تكون قوافي كل بيت منها مخالفة لقوافي البيت الآخر. قال: وأقل ما يتركب القفل من جزأين فصاعدًا إلى ثمانية أجزاء، وعشرة أجزاء. والجزء من القفل لا يكون إلا مفردًا، والجزء من البيت قد يكون مفردًا، وقد يكون مركبًا، والمركب لا يتركب إلا من فقرتين أو ثلاث فقر، وقد يتركب في الأقل من أربع فقر.
    القفل المركب من جزأين، مثاله:
    شمسٌ قارنت بدرا
    كأسٌ ونديم

    القفل المركب من ثلاثة أجزاء، مثاله:
    حلَّت يد الأمطار
    أزرَّة النوار فيا خدني

    المركب من أربعة أجزاء، مثاله:
    أدر لنا أكواب يُنسى بها الوجد
    واستحضر الجُلاس كما اقتضى الودّ

    المركب من خمسة أجزاء، مثاله:
    يا مَنْ أجود ويبخل
    على شحّي وافتقاري
    أهواك وعندي زيادة
    منها شوقي وادكاري

    المركب من ستة أجزاء، مثاله:
    مَيْتات الدِّمَنْ أحيَيْن كربي وهل
    يتمكن عزاء لقلبي مت يا عزاه شاه

    المركب من سبعة أجزاء، مثاله:
    من شاني عن شاني به جفني قد استعبر
    وقد عبر عن المضمر بما عندي

    المركب من ثمانية أجزاء، مثاله:
    على عيون العين رَعَى الدرّاري
    مَنْ شُغِف بالحب
    واستعذب العَذاب والتذّ حاليه
    من أسف وكرب

    وقد ينتهي في التركيب إلى اثني عشر جزءًا.
    ع4:
    التيار الإسلامي وبدايته
    ج1:
    أدب الكتاب، للصولي.
    قال الصولي: سألت أبا خليفة بن حباب الجمحي عن ابتداء الكتاب بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال: سأل ابن عائشة عبيد الله بن محمد بن حفص عن ذلك، فقال: حدثني أبي أن قريشًا كانت تكتب في جاهليتها "باسمك اللهم"، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك، ثم نزلت سورة "هود" وفيها {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}؛ فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يكتب في صدر كتبه: "بسم الله"، ثم نزلت في سورة "بني إسرائيل": {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، فكتب: "بسم الله الرحمن"، ثم نزلت في سورة "النمل": {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. فجعل ذلك في صدر الكتب إلى الساعة. وكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول كل سورة من القرآن، إلا في أول سورة "التوبة"، فإنه يروى عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال: "لم يكتب بين "الأنفال" بسم الله الرحمن الرحيم، و"الأنفال" من أول ما أنزل الله في المدينة، و"براءة" من آخره، إلا أنها تشبهها، وقصتها كقصتها. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- ربما تلا الآيات فيقول: "هذه مكانها في سورة كذا، فاجعلها تليها". وهذا بفضل من الله -عز وجل- عليهم.
    Attached Files Attached Files
    • File Type: pdf 1.pdf (308.1 KB, 0 views)

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •