توكل الأنبياء وورثتهم في إقامة الدين
وهذا هو توكل الرسل والأنبياء، وهو الذي حكاه عنهم القرآن، حيث تحداهم أقوامهم متعنتين، فواجهوهم بقوة التوكل متثبتين (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) (إبراهيم: 12).
وهذا هو موقف ورثة الأنبياء من العلماء والدعاة في كل عصر، ولا سيما في عصرنا الذي احتشدت فيه القوى المعادية للإسلام، من يهودية غادرة، وصليبية ماكرة، وشيوعية كافرة، ووثنية فاجرة. وصدق فيهم قول الله تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) (الأنفال: 73).
ولكن حملة رسالات الله لن يتراجعوا عن دعوتهم، ولن ييئسوا من روح الله، وسيمضون في طريقهم متوكلين على ربهم، موقين أن الله ولي المؤمنين والمدافع عنهم، إن تخلى عنهم المدافعون، وتآمر عليهم المتآمرون، ومكر بهم الماكرون، فإن الله أسرع مكراً، وأقوى كيداً: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (الأنفال: 30) ، (إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً * فمهل الكافرين أمهلهم رويداً) (الطارق: 15 - 17).
ما عليهم إلا أن يستمسكوا بشريعة الله ولا يبالوا بأعدائها، وأن يوقنوا بقوله تعالى لرسوله: (ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتَّبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، وإن الكافرين بعضهم أولياء بعضٍ، والله ولي المتقين) (الجاثية: 18، 19).
إن الذي نصر أصحاب طالوت وهم قِلَّة، ونصر المسلمين في بدر وهم أذلة، ونصر المسلمين يوم الخندق وهم محاصرون، قادر على أن ينصرهم اليوم وهم من كل صوب يُهاجمون، وفي كل أرض يُضطهدون.
إن الملائكة التي نزلت في بدر والأحزاب وحُنين، يمكن أن تنزل اليوم على المؤمنين المحاصرين المغلوبين: في فلسطين، وفي البوسنة والهرسك، وفي جامو وكشمير، وفي الفليبين، وفى إريتريا والحبشة، وفي بلاد إسلامية كثيرة يُحارب فيها الإسلام جهرة وخفية، تحت أسماء وعناوين شتَّى: الرجعية، أو الأُصولية، أو التطرف، أو الإرهاب، حتى غدا التمسك بآداب الإسلام كالحجاب للمرآة، واللِّحية للرجل، والحرص على شعائر الإسلام، كصلاة الفجر في المسجد، والدعوة إلى تحكيم شريعة الله في دنيا الناس، والتنادي بتوحيد كلمة الأمة تحت راية الخلافة، وإعادة "دار الإسلام" من جديد .. كل ذلك من دلائل التطرف، ومداخل العنف والإرهاب. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أمام هذه المحن الضارية، والهجمات المتتالية، والضربات الباغية، ليس أمام دعاة الإسلام إلا التوكل على الله، يقفون على بابه، ويلوذون بجنابه ويعتصمون بحبله: (ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيم) (آل عمران: 101).
ليس أمامهم إلا أن يقولوا ما قال الإمام حسن البنا حين بغى عليه باغون، وافترى عليه مفترون: "سنستعدي على الباغين سهام القَدَر، ودعاء السَحَر، وكل أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه".
ليس أمام المستضعفين والمقهورين إذا أُغلقت في وجوههم الأبواب، إلا باب واحد لا يُغلق أبداً، هو باب الله الكريم، يقرعونه بدعائهم وابتهالهم وتضرعهم، إلى من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وينصر المظلوم المغلوب، يرفع دعوته فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول جل جلاله: (لأنصرنك ولو بعد حين).
قد يضحك الطغاة من دعواتهم ويسخرون، وقد يهزؤون باستغاثتهم ويتغامزون. وقد سمعنا أحدهم يقول للمعتقلين مستكبراً مغروراً: هاتوا ربكم وأنا أحطه معكم في زنزانة!! ثم كان مصيره أن صدمته سيارة فقطعته إرباً إرباً.
لقد عوّدنا القَدَر الأعلى أن يسخر من هؤلاء الساخرين، فيجعل نهايتهم أسوأ النهايات، ويختم روايتهم اقبح المشاهد، ولسان الحال يقول لكل طاغية منهم:

أتهزأ بالدعـاء وتزدريـه؟
وما يدريك ما صنع الدعاء؟
سهام الليل لا تخطي، ولكن
لها أمـد، وللأمد انقضـاء!
فيمسكها -إذا ما شاء- ربي
ويـرسلها إذا نفذ القضـاء!