هدي الصحابة والتابعين في مراعاة الأسباب
ومَن نظر في حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهم خير قرون هذه الأمة وأفضل أجيالها- وجدهم يكدحون ويعملون لمعاشهم، ولم ينقص ذلك من توكلهم على الله تعالى.
كان المهاجرون في مجموعهم أهل تجارة، وكان الأنصار أهل زرع.
ولما عرض سعد بن الربيع الأنصاري على عبد الرحمن بن عوف أن يقاسمه ماله وداره وأهله، قال له: بارك الله لك في مالك وأهلك ودارك إنما أنا امرؤ تاجر، فدلوني على السوق!
وعمر بن الخطاب يقول بعد سماع حديث الاستئذان ثلاثاً من أبي موسى الأشعري، وشهادة أبي سعيد الخدري بتأكيده: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
وأبو بكر، حينما بويع بالخلافة، أراد يذهب إلى السوق -على عادته- يقتات لأهله، ويتجر ليكسب لهم ما يكفيهم. وهذا -كما يقول أبو طالب المكي- في أتم أحواله، حين أُهِّل للخلافة وأقيم مقامة النبوة، حتى اجتمع المسلمون، فكرهوا له ذلك، فقال: لا تشغلوني عن عيالي، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين، لا وكس ولا شطط.
وقال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناساً من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. قال: بل أنتم المتأكلون. إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله عزَّ وجلَّ.
ومن المشهور عنه: أنه رأى جماعة يقعدون في المسجد بعد صلاة الجمعة، فأنكر عليهم، وقال: لا يقعدنَّ أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً! إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض. أما قرأتم قول الله تعالى: (فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)؟ (الجمعة: 10)
وقد حكوا عن شقيق البلخي -وهو من أهل العبادة والزهد- أنه ودَّع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة عزم عليها. ولم يلبث إلا مدة يسيرة، ثم عاد، ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله عما رجع به قبل أن يتم غرضه، فقصَّ عليه قصة شهدها، جعلته يغير وجهته ويلغي رحلته، ويعود قافلاً.
ذلك أنه نزل للراحة في الطريق، فدخل خربة يقضي فيها حاجته، فوجد فيها طائراً أعمى كسيحاً لا يقدر على حركة، فرَقَّ لحاله، وقال: من أين يأكل هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة؟ ولم يلبث أن جاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، وظل يراقبه عدة أيام وهو يفعل ذلك، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني! وقرر العودة.
وهنا قال له ابن أدهم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الذي ينتظر عون غيره، ولا تكون أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمرة ذلك على من حوله من العمي والمقعدين؟! أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى)؟.
فقام إليه شقيق وقبَّل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق!