المحققون يردون على معطلي الأسباب
الحق أن المعرضين عن الأسباب بالكلية لا سند لهم من قرآن ولا سُنَّة، ولا من عمل الصحابة وتابعيهم بإحسان. وهم في حاجة إلى الاعتذار عنهم مما ارتكبوه، لا التأسِّي لهم فيما فعلوه!
ولو أن المسلمين في خير القرون ساروا على هذا النهج، ما انتصر لهم دين ولا قامت لهم دولة، ولا تأسست لهم حضارة، ولا مُكِّن لهم في الأرض، فإن هذا التوجه السلبي غريب على العقل الإسلامي، والروح الإسلامي، والنهج الإسلامي، الذي يعمل لتكوين الفرد الصالح، والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح، والأمة الصالحة، والدولة الصالحة.
والدليل على أنه ليس فضيلة محمودة، ولا فريضة مطلوبة: أنه لا يمكن تعميمه وطلبه من الناس كافة، لأنه غير موافق لشرع الله وأمره، ولا لسُنَّته الثابتة في ربط المسببات بالأسباب.
ولذا أنكره فقهاء الأمة المتبوعون، وأئمتها المعتبرون.
فهذا الإمام سفيان بن سعيد الثوري -وهو إمام في الفقه، وفي الحديث، وفي الزهد واليقين- يقول:
"العالِم إذا لم تكن له معيشة صار وكيلاً للظلمة، والعابد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه، والجاهل إذا لم تكن له معيشة صار وكيلاً للفُسَّاق".
وقال الإمام أبو جعفر الطبري: "قيل: لا يستحق التوكل إلا مَن لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة، حتى السبع الضاري، والعدو العادي، ولا مَن لم يسع في طلب رزق أو مداواة ألم! والحق أن مَن وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، اتباعاً لسُنَّته (تعالى) وسُنَّة رسوله، فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشِّعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: (اعقلها وتوكل) ، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل".
وممن نقد الصوفية في مسلكهم هذا نقداً موضوعياً، وإن لم يخل من حرارة وشدة: الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الشهير"تلبيس إبليس". فقد ذكر حكاياتهم، وعقَّب عليها بالرد في ضوء الأصول الشرعية.
نقل رحمه الله عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان، ولا جعلنا لباب الدار غلقاً مخافة اللصوص.
وعن ذي النون المصري أنه قال: سافرتُ سنين وما صحَّ لي التوكل إلا وقتاً واحداً: ركبتُ البحر فكسر المركب، فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي: إن حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة؟ فخليت الخشبة، وقطعت على الماء، فوقعت على الساحل!
أخبرنا محمد قال: سألت أبا يعقوب الزيَّات عن مسألة في التوكل، فأخرج درهماً كان عنده ثم أجابني، فأعطى التوكل حقه، ثم قال: استحييت أن أجيبك وعندي شيء.
وعلَّق ابن الجوزي على ذلك فقال: قلة العلم أوجبت هذا التخليط. ولو عرفوا ماهِّيَة التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد. وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب، ولا ادخار المال. فقد قال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) (النساء: 5) أي قواماً لأبدانكم. وقال صلى الله عليه وسلم: (نِعم المال الصالح مع الرجل الصالح)، وقال صلى الله عليه وسلم (إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).
قال: واعلم أن الذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: (خذوا حذركم) (النساء: 71)، وقال: (وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ) (الأنفال: 60)، وقال: (فأسر بعبادي ليلاً) (الدخان: 23)، وقد ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وشاور طبيبين، واختفى في الغار. وقال: (من يحرسني الليلة)؟ وأمر بغلق الباب. وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغلق بابك). وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز (أي في قوله: اعقلها وتوكل).
وقال الإمام ابن عقيل: "يظن أقوام أن الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل. وأن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ، وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط، الذي يقتضي من العقلاء التوبيخ والتهجين، ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز واستفراغ الوسع في التحفظ. فقال تعال: (وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله) (آل عمران: 159)، فلو كان التعلق بالاحتياط قادحاً في التوكل لما خص الله به نبيه حين قال له: (وشاورهم في الأمر) وهل المشاورة إلا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو؟ ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم، حتى نص عليه، وجعله عملاً في نفس الصلاة وهي أخص العبادات. فقال: (فلتقم طائفةٌ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم) (النساء: 102)، وبيَّن عِلَّة ذلك بقوله تعالى: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتِكم وأمتعتِكم فيميلون عليكم ميلةً واحدةً) (النساء: 102)، ومن علم أن الاحتياط هكذا لا يقال: إن التوكل عليه ترك ما علم. لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة. قال عليه الصلاة والسلام: (اعقلها وتوكل). ولو كان التوكل ترك التحرز لخص به خير الخلق صلى الله عليه وسلم في خير الأحوال، وهي حالة الصلاة. وقد ذهب الشافعي رحمه الله إلى وجوب حمل السلاح حينئذ لقوله: (وليأخذوا أسلحتهم )، فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز، فإن موسى عليه السلام لما قيل له: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ) (القصص: 20) خرج. ونبينا صلى الله عليه وسلم خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه، ووقاه أبو بكر رضي الله عنه بسد أثقاب الغار. وأعطى القوم التحرز حقه، ثم توكلوا، وقال عزَّ وجلَّ في باب الاحتياط: (لا تقصص رءياك على إخوتك) (يوسف: 5) وقال: (لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ) (يوسف: 67)، وقال: (فامشوا في مناكبها) (الملك: 15) وهذا لأن الحركة للذَبِّ عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى. وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمه المبداة، يريل إظهار ودائعه، فلا وجه لتعطيل ما أودع، اعتماداً على ما جاد به. لكن يجب استعمال ما عندك ثم اطلب ما عنده.
وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عُدّة وأسلحة تدفع عنها الشرور، كالمِخلب والظُّفر والناب، وخلق للآدمي عقلاً يقوده إلى حمل الأسلحة، ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع. ومَن عَطَّل نعمة الله تعالى بترك الاحتراز فقد عَطَّل حكمته، كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعاً أو مرضاً. ولا أبله ممن يدَّعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء. إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب، وقلبه ساكن مُفَّوض إلى الحق، منع أو أعطى. لأنه لا يرى إلا أن الحق سبحانه وتعالى لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة. فمنعه عطاء في المعنى. وكم زيَّن للعجزة عجزهم، وسوَّلت لهم أنفسهم أن التفريط توكل، فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة، والخور حزماً. ومتى وُضِعت أسباب فأُهمِلت كان ذلك جهلاً بحكمة الواضع. مثل وضع الطعام سبباً للشبع، والماء للري، والدواء للمرض. فإذا ترك الإنسان ذلك إهواناً بالسبب، ثم دعا وسأل، فربما قيل له: قد جعلنا لعافيتك سبباً، فإذا لم تتناوله كان إهواناً لعطائنا، فربما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب. وما هذا إلا بمثابة مَن بين قراحه وماء الساقية رفسة بمسحاة، فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلباً للمطر، فانه لا يُستسحن منه ذلك شرعاً ولا عقلاً ".
قال ابن الجوزي رحمه الله: "فإن قال قائل: كيف احترز مع القدر؟ قيل له: وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدِّر؟ فالذي قدر الذي أمر. وقد قال تعالى: (وخذوا حذركم) (النساء: 102).
عن أبي عثمان قال: كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقَدَر؟ قال: نعم. قال: فألق نفسك من الجبل وقل: قدر عليّ! فقال: يا لعين؛ الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى.
قال ابن الجوزي: وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب أنه قد لبَّس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب.
عن محمد بن عبد الله الرازي قال: سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع: أنحن مُستعبَدون بالكسب أم بالتوكل؟ فقال: التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم والكسب سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما سُنَّ الكسب لمن ضعف عن التوكل، وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله، فمن أطلق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونة، لا كسب اعتماد عليه، ومَن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبيح له طلب المعاش في الكسب، لئلا يسقط عن درجة سُنَّته حين سقط عن درجة حاله.
وعن يوسف بن الحسين قال: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب، فليس يجيء منه شيء.
قال ابن الجوزي رحمه الله: قلت: هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل، وظنوا أنه ترك الكسب، وتعطيل الجوارح عن العمل، وقد بيَّنا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح، ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلين؛ فقد كان آدم عليه السلام حرَّاثاً، ونوح وزكريا نجَّارين، وإدريس خيَّاطاً، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجراً. وكان سليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه، وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة، صلوات الله عليهم أجمعين.
وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (كنت أرعى غنماً لأهل مكة بالقراريط). فلما أغناه الله عزَّ وجلَّ بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب. وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله تعالى عليهم بزَّازين. وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزَّازين. وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزَّازين، وكذلك أبو حنيفة. وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل، وكان عثمان بن طلحة خيَّاطاً. وما زال التابعون ومَن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب.
وعن عطاء بن السائب قال: لما استُخْلِف أبو بكر رضي الله عنه أصبح غادياً إلى السوق، وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد؟ فقال: السوق. قالا: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟
وذكر ابن سعد بسنده عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لما استُخْلِف أبو بكر جعلوا له ألفين. فقال: زيدوني فإن لي عيالاً، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة.
قال ابن الجوزي رحمه الله: قلت: لو قال رجل للصوفية: من أين أطعم عيالي؟ لقالوا: قد أشركت! ولو سُئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا: ليس بمتوكل ولا موقن، وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين. ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم. لكنهم بين أمرين: أما الغالب من الناس، فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجدياً، ومنهم من يبعث غلامه، فيدور بالزنبيل فيجمع له. وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين، وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح، كما لا يخلو الدكان من أن يُقصد للبيع والشراء!
عن إبراهيم بن أدهم قال: كان سعيد بن المسيِّب يقول: من لزم المسجد، وترك الحرفة، وقبل ما يأتيه، فقد ألحف في السؤال.
وكان أبو تراب يقول لأصحابه: من لبس منكم مرقعة فقد سأل، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل.
قال ابن الجوزي رحمه الله: وقد كان السَّلَف ينهون عن التعرض لهذه الأشياء ويأمرون بالكسب.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا معشر الفقراء، ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.
وعن محمد بن عاصم قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا رأى غلاماً فأعجبه سأل عنه: هل له حرفة؟ فإذ قيل: لا، قال: سقط من عيني.
وعن سعيد بن المسيِّب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في تجر الشام. منهم طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد ( وهما من العشرة المبشَّرة بالجنَّة ).
وسُئل أحمد بن حنبل: ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، واستدل بالحديث المعروف في التوكل، وفيه ذكر: (الطير تغدو خماصا) فذكر أنها تغدو في طلب الرزق. قال تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) (المزمل: 20)، وقال: (ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربكم) (البقرة: 198)، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، ولنا القدوة بهم. قال ابن الجوزي:
"وقد ذكرنا فيما مضى عن أحمد أن رجلاً قال له: أريد الحج على التوكل؟ فقال له: فاخرج في غير القافلة! قال: لا. قال: فعلى جراب الناس توكلت!
وروى الخلَّال عن أبي بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: هؤلاء المتوكِّلة يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله عزَّ وجلَّ! فقال: هذا قول رديء. أليس قد قال الله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (الجمعة: 9)، ثم قال: إذا قال: لا أعمل، وجيء إليه شيء قد عُمل واكتُسِب، لأي شيء يقبله من غيره؟!
قال الخلَّال: وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم يقولون: نتوكَّل على الله ولا نكتسب! فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله. ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب. هذا قول إنسان أحمق.
قال الخلَّال: وأخبرني محمد بن علي: قال صالح: إنه سأل أباه -يعني أحمد ابن حنبل- عن التوكل فقال: التوكل حسن، ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل.
قال: وسُئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون: نحن المتوكلون، فقال: هؤلاء مبتدعون.
قال الخلَّال: وأخبرنا المروزي أنه قال لأبي عبد الله: إن ابن عيينة كان يقول: هم مبتدعة. فقال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا!
وقال الخلَّال: وأخبرنا المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته وقال: أجلس وأصبر وأقعد في البيت ولا أطلع على ذلك أحداً! فقال: لو خرج فاحترف كان أحب إليَّ، فإذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا. قلت إلى أي شيء يخرجه؟ قال: يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يُرسِل إليه.
قال الخلَّال: وحدثا أبو بكر المروزي قال: سمعت رجلاً يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إني في كفاية، قال: الزم السوق تصل به الرحم وتعود به على عيالك (أي إن الإمام أحمد رحمه الله طلب من الرجل السعي وإن كان عنده كفايته، ليعود بالنفع على غيره، وبخاصة أرحامه).
وقال لرجل آخر: اعمل وتصدَّق بالفضل على قرابتك.
وقال أحمد بن حنبل: قد أمرتهم -يعني أولاده- أن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة.
قال الخلَّال: وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن محمد بن زياد حدَّثهم قال: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق ويقول: ما أحسن الاستغناء عن الناس.
وروى الخلَّال عن أحمد بن حنبل قال: أحب الدراهم إليَّ درهم من تجارة، وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان.
قال ابن الجوزي: وكان إبراهيم بن أدهم يحصد، وسلمان الخوَّاص يلقط، وحذيفة المرعشي يضرب اللَّبِن".
وقد اعتذر لهم أبو حامد الغزالي، فقال لا يجوز دخول المفازة بغير زاد إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون الإنسان قد راض نفسه حيث يمكنه الصبر عن الطعام أسبوعاً ونحوه.
والثاني: أن يمكنه التقوت بالحشيش، ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدمي بعد أسبوع أو ينتهي إلى حلة أو حشيش يرجى به وقته.
وعلَّق ابن الجوزي على الغزالي بقوله: "أقبح ما في هذا القول أنه صدر من فقيه! فإنه قد لا يلقى أحداً: وقد يضل، وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش، وقد يلقى مَن لا يطعمه، ويتعرَّض بمن لا يضيّفه، وتفوته الجماعة قطعاً، وقد يموت ولا يليه أحد. أي لا يلي أمر تلقينه وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. إلخ.
ثم قد ذكرنا ما جاء في الوحدة ( أي من النهي )، ثم ما المخرج إلى المحن، إن كان يعتمد فيها على عادة أو لقاء شخص والاجتزاء بالحشيش؟ ومن فعل هذا من السَّلَف؟ وكأن هؤلاء القوم يجزمون على الله سبحانه: هل يرزقهم في البادية؟ ومَن طلب الطعام في البرية فقد طلب ما لم تجر به العادة. ألا ترى أن قوم موسى عليه الصلاة والسلام لما سألوا من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها، أوحى الله إلى موسى أن (اهبطوا مصراً) (البقرة: 61) وذلك أن الذي طلبوه في الأمصار، فهؤلاء القوم على غاية الخطأ في مخالفة الشرع والعقل والعمل بموافقات النفس".