ومن معتركات النزاع في باب التوكل بين: قضية الطب والتداوي.
فالغالب على الصوفية الإعراض عن التداوي، وعن الرجوع إلى الأطباء، اتكالاً على الله تعالى، ورضاً بما قضاه وقدَّره.
وربما استدلوا في ذلك بحديث: (السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب)، ووصفهم بأنهم: (الذين لا يسترقون ولا يكتوون).
والاسترقاء -طلب الرقية من الغير- نوع من التداوي بالروحانيات، والاكتواء من التداوي بالماديات.
وقد ورد في حديث: (مَن اكتوى، واسترقي فقد برئ من التوكل).
وقال أحد الصحابة وهو عمران بن حصين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحن ولا أنجحن (يعني الكيات)، وفي رواية للترمذي: فما أفلحنا ولا أنجحنا.
وفي الصحيحين من حدث جابر: (وإن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم، أو شربة من عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي).
وفي لفظ: (وأنا أنهى أمتي عن الكي).
أما الفقهاء فهم يعارضون غلاة الصوفية في أمر التداوي وسؤال الأطباء، بناء على قاعدة الأسباب الثابتة بحكم سنن الله الكونية، وأحكامه الشرعية جميعاً، واتباعاً لما صحَّت به سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ونطقت به سيرته، وأفصحت عنه الأدلة المحكمة الناصعة، ولهذا خصصت مصنفات الحديث المؤلَّفة على الموضوعات كتاباً خاصاً للطب. كما في الصحيحين والسنن وغيرها.
دلَّت الأحاديث المستفيضة على العناية بصحة الأجسام وقوتها، وقررت أن للبدن حقاً في الراحة إذا تعب، وفي الشبع إذا جاع، وفي الدفء إذا برد، وفي النظافة إذا اتسخ، وفي العلاج إذا مرض. ووردت أحاديث شتَّى في الطب الوقائي، وفي الطب العلاجي.
فمن الطب الوقائي الأحاديث التي أقرت سُنَّة الله في العدوى، مثل قوله: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، ولا يعارض هذا حديث: (لا عدوى)، لأن المقصود أن الأشياء لا تعدي بذاتها، بل بمشيئة لله وتقديره. وهو الذي وضع النواميس والأسباب.
(إذا وقع (أي الطاعون) بأرضٍ وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تدخلوها).. دلالة على وجوب الحَجْر الصحي، لمحاصرة الوباء في أضيق رقعة.
(لا يوردن مُمْرض على مُصِح).
والمصح: صاحب الإبل الصحاح السليمة، والممرض: صاحب الإبل المريضة بداء الجرب، فلا يورد إبله الجُرْب عند الشرب، فتحتك بالسليمة فتعديها، فأقرَّ سُنَّة العدوى في الحيوان، كما أقرَّها في الإنسان.
إلى غير ذلك من الأحاديث.
ومن الطب العلاجي: ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم لعلاج أمراض كثيرة معينة، وأُلِّفت فيه كتب "الطب النبوي"، وأفاض فيه ابن القيم في "زاد المعاد" حتى استغرق جزءاً كاملاً في إحدى طبعاته.
هذا إلى أحاديث كثيرة قررت مبادئ مهمة في أمر الطب والتداوي، نذكر منها:
روى مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عزَّ وجلَّ).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاء).
وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث زياد بن علاقة، عن أُسامة ابن شريك، قال: (كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله؛ أنتداوى؟ فقال: (نعم يا عباد الله تداووا، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يضع داءً إلا وضع له شفاء غير داء واحد)، قالوا: ما هو؟ قال: (الهِرم).
وفي لفظ: (إن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاء، علمه مَن علمه وجهله مَن جهله).
وفي المسند من حدث ابن مسعود يرفعه: (إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاء، علمه مَن عمله، وجهله مَن جهله).
وفي المسند والسنن عن أبي خزامة، قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت رقَى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: (هي من قدر الله).
ذكر الإمام ابن القيم هذه الأحاديث في الهَدْي النبوي ثم قال: "فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول مَن أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: (لكل داء دواء) على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عزَّ وجلَّ قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمَها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلاً، لأنه لا علم للخلق إلا ما علَّمهم الله، ولهذا علَّق النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضده، وكل داء له ضد من الدواء يُعالج بضده، فعلَّق النبي صلى الله عليه وسلم البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نقله إلى داء آخر، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصراً، ومتى لم يقع المداوى على الدواء، أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحاً لذلك الدواء، لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثَمَّ مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البرء لعدم المصادفة، ومتى تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولابد، وهذا أحسن المحملين في الحديث.
والثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص، ولا سيما والداخل في اللَّفظ أضعاف أضعاف الخارج منه.
ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية، والوحدانية، والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغني بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته.
وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه، من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزاً ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً.
وفيها رد على مَن أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قُدِّر، فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قُدِّر، فكذلك، وأيضاً، فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يُدفع ولا يُرد، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما أفاضل الصحابة، فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع والعطش، والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكلٌ من قدر الله: الدافع والمدفوع والدفع.
ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرَّة، لأن المنفعة والمضرة إن قُدِّرتا، لم يكن بُدٌ من وقوعهما، وإن لم تُقدَّرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالَم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه، كالمشركين الذين قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) (الأنعام: 148)، و (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيءٍ نحن ولا آباؤنا) (النحل: 35) فهذا قالوه دفعاً لحجة الله عليهم بالرسل.
وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، وهو أن الله قدَّر كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبَّب، وإلا فلا.
فإن قال: إن كان قدَّر لي السبب، فعلته، وإن لم يُقدِّره لي لم أتمكن من فعله.
قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك، وولدك، وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرتَه به ونهيته عنه فخالفك؟ فإن قبلته، فلا تلم مَن عصاك، وأخذ مالك، وقذف عِرضك، وضيَّع حقوقك. وإن لم تقبله، فكيف يكون مقبولاً منك في دفع حقوق الله عليك. وقد روي في أثر إسرائيلي: أن إبراهيم الخليل قال: يا ربِّ؛ ممن الداء؟ قال: منّي، قال: فممن الدواء؟ قال: منّي. قال فما بال الطبيب؟ قال: رجل أُرسل الدواء على يديه.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (لكل داء دواء) تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواءً يزيله، تعلَّق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سبباً لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح، قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته.
وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه. وأمراض الأبدان على وزن أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضاً إلا جعل له شفاءً بضده، فإن علمه صاحب الداء واستعمله، وصادف داء قلبه، أبرأه بإذن الله تعالى"