القوة
2. ومن هذه الثمار: القوة التي يحس بها المتوكل على الله. وهى قوة نفسية روحية تصغر أمامها القوة المادية، قوة السلاح، وقوة المال، وقوة الرجال .
وفي حديث ضعيف: "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده"
نجد ذلك واضحاً في موقف شيخ الأنبياء نوح، وقد كذبه قومه، واتهموه بالجنون، وأصروا واستكبروا استكباراً، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، فواجههم بقوله: (يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا ما إليَّ ولا تنظرون * فان توليتم فما سألتكم من أجرٍ، إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين) (يونس: 71، 72).
ونلمس هذه القوة في موقف نبي الله هود أمام قومه عاد الذين أنكر عليهم شركهم وفسادهم وتجبرهم، وهم الذين بنوا بكل ريع آية يعبثون، واتخذوا قصوراً ومصانع لعلهم يخلدون، وإذا بطشوا بطشوا جبارين، وهم الذين استكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا: من أشد منا قوة؟
لقد جابههم هود عليه السلام ودعاهم إلى التوحيد والاستقامة وتقوى الله فـ (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) (هود: 53، 54). ولم يبال هود بهذا الهراء ووقف يقول في يقين القوي، وقوة الموقن: (إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً، إن ربي على كل شيء حفيظ) (هود: 54 - 57).
فهو يقف موقف التحدي للمشركين وآلهتهم المزعومة، معتمداً على ربه ورب كل شيء، فهم جميعاً في جانب، وهو وحده في جانب، معهم القوة والعدد، وليس معه من الخلق أحد، بيد أن معه القوة التي لا تقهر، قوة الله الغالب، الآخذ بناصية كل دابة، الحكيم في صنعه وتدبيره، فلا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يدع شيئاً اعتباطاً: (إن ربى على صراط مستقيم).
ونشاهد هذه القوة في موقف سيدنا شعيب، حين (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (الأعراف: 88، 89).
ونبصر هذه القوة في موصف المؤمنين من أصحاب "طالوت"، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً (عدة أهل بدر) وقد لقوا عدواً أكثر عدداً وعدة، وهو "جالوت" وجيشه الكثيف، حتى قال من قال من رجال "طالوت": (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) (البقرة: 249). وهنا تجلى توكل الفئة المؤمنة وقوتها النفسية: (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله) (البقرة: 249 - 251).
وندرك هذه القوة في موقف صحابة رسول الله يوم الأحزاب، وقد تجمعت جيوشهم وحاصرت المدينة، فلم يفت ذلك في عضد المسلمين، بل كانوا كما وصفهم الله: (ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) (الأحزاب: 22). ثم ذكر لنا نموذجاً منهم فقال: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً) (الأحزاب: 23).
وأعظم من ذلك: موقفه صلى الله عليه وسلم، وهو يحفر الخندق، ثم هو يعد أصحابه بفتح اليمن، وفتح مملكتي كسرى وقيصر. وهو ما جعل أهل النفاق يتندرون ويسخرون: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً) (الأحزاب: 12).
وكذلك كان شأن المنافقين أبداً. يتهمون المؤمنين من أصحاب النبي الكريم بالتهور والغرور، وذلك لأنهم لا يبالون بعدد عدوهم ولا عدته، متوكلين على الله تعالى. ويقول القرآن في سورة الأنفال التي عقب فيها على غزوة بدر: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 49).
أجل .. عزيز لا يذل من لاذ بجنابه، حكيم لا يضيع من وثق بتدبيره.
وفي جهاد عصرنا رأينا الفئة القليلة تنتصر على الفئة الكثيرة بالتوكل على الله تعالى، والحرص على الشهادة في سبيل الله. كما في حرب الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، وكما في جهاد أفغانستان ضد الغزو الشيوعي السوفييتي، وكما في صمود إخوتنا في البوسنة ضد العدوان الصربي .
لقد بدا الاخوة في أفغانستان جهادهم بعدد قليل من المسدسات والبنادق القديمة، معتمدين على الله تعالى أن يشد أزرهم، ويوفقهم لأخذ السلاح من عدوهم. وما زالوا يقاتلون بإمكاناتهم المحدودة، حتى هيأ الله لهم الأسباب التي تمدهم بالسلاح، حتى من أعتى قوى الكفر، التي لا تريد خيراً للإسلام. فقد خوف الله بعضهم من بعض، وكان من وراء ذلك خير للمسلمين. وهذا ما كان يدعو به بعض السلف: اللهم اشغل الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين .