من بواعث التوكل
[IMG]file:///C:/Users/Admin/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.jpg[/IMG]
لكل عمل -من أعمال القلوب أو الجوارح- بواعث تدفع إليه، وتحض عليه. ومما يبعث على التوكل، ويعين عليه جملة أمور :
معرفة الله بأسمائه الحسنى
أولها: حُسن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا. فمن عرف ربه رحماناً رحيماً، عزيزاً حكيماً، سميعاً عليماً، حياً قيوماً، غنياً حميداً، خبيراً بصيراً، قهاراً قديراً، رزاقاً ذا قوة متيناً، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، فعالاً لما يريد، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وجد نفسه مدفوعاً إلى الاستناد إليه، والتوكل عليه .
ولذا نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رضي الله عنهما: أن التوكل لا يصح ولا يتصور من فيلسوف، ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضاً من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات.
فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه؟ ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ومشيئة، ولا يقوم به صفة. فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف، كان توكله أصح، وأقوى.
ومن ثم كان التوكل من خصائص دين التوحيد، المتجسد في دين المسلمين، الذي تميز بإثبات صفات الكمال المطلق لله تعالى من العلم والحكمة، والمشيئة والقدرة، والغنى والرحمة، والحيان والقيومية، وسائر الكمالات الإلهية. بخلاف غيرهم -كالغربيين- الذين يرون أن الله خلق العالم أزلاً ثم تركه يسير بالنواميس، ولم يعد يدبر فيه أمراً!
أما عندنا -نحن المسلمين- فالملك كله بيد الله، وتحت سلطانه، يبسط ويقبض، ويعطى ويمنع، ويخفض ويرفع، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه .
فكلما قويت معرفة المرء بربه، وقدره حق قدره، وتجلت له معاني أسمائه وصفاته، قوي اعتصامه به، واعتماده عليه، وكان له نعم الوكيل، ونعم المولى، ونعم النصير.
ولهذا نجد القرآن يربط التوكل بعدد من أسماء الله الحسنى، لما لها من إيحاء ودلالة وتأثير.
أكثرها وأعظمها: لفظ الجلالة وهو الاسم الجامع لكل الكمالات: (فتوكل على الله) (آل عمران: 159)، (وعلى الله فتوكلوا) (المائدة : 22)، (على الله توكلنا) ( الأعراف: 89).
ومنها: اسم "الرحمن" منفرداً: (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) (الملك: 29)، واسم " الرحيم" مقروناً بغيره: (وتوكل على العزيز الرحيم) (الشعراء: 217) والرحمن الرحيم لا تضيق رحمته الواسعة بمن لجأ إليه واعتمد عليه .
ومنها: اسم "العزيز" مقرونا بغيره كالرحيم والحكيم: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال : 49) ..عزيز: أي لا يذل من لاذ بجنابه وأوى إلى حماه، حكيم: لا يضيع من وثق بحسن تدبيره لمن تولاه.
ومنها: اسم "الرب" كما في قوله تعالى: (قل هو ربي لا اله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب) (الرعد:30).
ومنها: اسم "الحي" كما قي قوله: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) (الفرقان : 58)، فالذي يعتمد على الخلق يعتمد على حي يعتريه الموت. أما من يعتمد على الله، فهو يعتمد على حي لا يموت: (كل شيء هالك إلا وجهه) (القصص: 88).
ومنها: اسما "السميع العليم" كما في قوله: (وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم) (الشعراء: 217 - 220)؛ فهو يسمع دعاء من دعاه، جهراً أو سراً، ويعلم ما تكنه الصدور: (يعلم السر وأخفى) (طه: 7).
ولذا ذكر ابن القيم: أن التوكل من أعم المقامات تعلقاً بالأسماء الحسنى، فإن له تعلقاً بعامة أسماء الأفعال، وأسماء الصفات .
فله تعلق باسم "الغفار والتواب والعفو والرؤوف والرحيم"، وتعلق باسم "الفتاح والوهاب والرزاق والمعطي والمحيي"، وتعلق باسم "المعز المذل، الخافض الرافع المانع" من جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضهم ومنعهم أسباب النصر، وتعلق بأسماء "القدرة والإرادة"، وله تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى، ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه: "المعرفة بالله".
إن الإنسان إذا اعتمد على مخلوق مثله، وكان ذا كفاية وهمة، قال له: لا تحمل هماً، لقد اعتمدت على رجل! كما قيل: فنبه لها عمراً ثم نم! فكيف بالاعتماد على الرب الأعلى؟