معرفة الإنسان بنفسه وعجزه
وثالث هذه البواعث على التوكل: معرفة الإنسان بضعفه الفطري، وعجزه الذاتي، ومحدودية علمه وإرادته وقدرته، فقد خلقه الله ضعيفاً، وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئاً، وأعطاه أدوات السمع والبصر والفؤاد، ليتعلم ما لم يكن يعلم. كما منحه من الإرادة والقدرة ما يمكنه من أداء رسالته في الأرض .
ولكن يظل علمه علم بشر، وإرادته إرادة بشر، وقدرته قدرة بشر. أي مخلوق محدث مسبوق بالعدم، وملحوق بالموت. فوجوده وحياته وعلمه وكينونته كلها ليست بذاته ولا من ذاته، بل بربه ومن ربه عز وجل: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) (الإنسان: 1، 2)، (أو لا يذكر الإنسان إنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً) (مريم: 67).
ومن هنا يعلم الإنسان حق العلم، ويرقن حق اليقين: أن لا حول له ولا قوة إلا بالله، الذي خلقه فسواه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة. فما به من نعمة العلم، أو نعمة القدرة، أو نعمة الحياة والوجود، فهي من الله وبالله: (وما بكم من نعمة فمن الله) (النحل: 53).
وهذا من أعظم البواعث لتعلق العبد بربه: تعلق العاجز بالقدير، والضعيف بالقوي،والفقير بالغني، والجهول بالعليم، والمحدث بالقديم، والذليل بالعزيز، والفاني بالباقي .. وبعبارة أخرى: تعلق المربوب بالرب، والمخلوق بالخالق، والميت بالحي الذي لا يموت. تعلق من لا يملك شيئاً بمن يملك كل شيء، ومن لا يقدر على شيء بمن هو على كل شيء قدير، ومن لا يعلم متى يموت، ولا أين يموت، ولا كيف يموت، بمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا التعلق بالله تعالى والالتجاء إليه، والاعتماد عليه سبحانه هو: التوكل.
إن معرفة الإنسان بنفسه باب إلى معرفة ربه. ولهذا قال العارفون: "من عرف نفسه فقد عرف ربه".
ولهذا كان أبعد الخلق عن التوكل المغرورون بأنفسهم، المعجبون بعلمهم، المعتزون بقوتهم، المزهوون بما يملكون من ثروة أو موهبة، بحيث يحسبون أنهم استغنوا عن الله تعالى. كما قال سبحانه: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى) (العلق:6، 7)، فسبب طغيانه: رؤيته لنفسه في حالة استغناء عن غيره، وربما توهم أنه مستغن عن ربه جل شأنه .
حسب ابن نوح الكافر أن قوته ستعصمه من الغرق، إذا جاء الطرفان، وأنه يستطيع أن يأوي إلى جبل يحميه، وجهل أنه لا عاصم من أمر الله إذا حكم القضاء.
وزعم قارون أن كنوزه -التي تنوء مفاتحها بالعصبة أولي القوة- ستحميه من بأس الله إذا جاء، ولم يستمع لنصيحة قومه بشأن ماله: (قال إنما أوتيته على علم عندي) (القصص:78)، حتى خسف الله به وبداره الأرض (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) (القصص: 81).
سمعت قصة رجل من كبار الأثرياء المتغطرسين، خوفه بعض جلسائه يوماً من غدرات الزمن وتقلبات الأيام، فقال: إن عندي أموالاً تكفيني أعماراً بعد عمري، وهي تزيد ولا تنقص. ولو أن الفقر ركب جواداً سريعاً لمدة سنة أو أكثر ليلحق بي، لم يستطع!
قال محدثي: لقد عشت حتى رأيت هذا الرجل يقبل الصدقة من بعض من كانوا يعملون عنده أُجراء.
إن المعجب المغرور محجوب عن رؤية نفسه، فهو لذلك محجوب عن معرفة ربه. ومن عميت بصيرته إلى هذه الدرجة لم يتصور منه الاتكال على ربه. ولم يوقن بحقيقة قوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد) (فاطر: 15).
إنما يتصور التوكل ممن يشعر بالافتقار إلى مولاه، وأنه لا يمكنه الاستغناء عنه طرفة عين ولا ما هو أقل منها .
وكان مما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته في علاج الكرب والضيق قوله: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت".
وقال لابنته وأحب الناس إليه: فاطمة الزهراء رضي الله عنها: "ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به: أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث! أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".
ولذلك مثل المربون الصالحون حال المتوكل على الله -الذي غمره الشعور بالحاجة الدائمة إليه- بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيرها، بل لا يعرف غيره، وليس في قلبه التفات إلى شيء سواه. كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل، لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه. كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه!