arabic website english website academic portal raqamiya learning material arabic forum
Arabic Website English Website Academic Portal Staff Portal Student Portal Magazine News Library Digital library Training Learning Material Mediu World Arabic Forum English Forum
Results 1 to 2 of 2

Thread: المرجع:مراثي أدب التراجم الذاتية الدرس 21

  1. #1
    Super Moderator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    8,265
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    347

    المرجع:مراثي أدب التراجم الذاتية الدرس 21

    ع1:
    مراثي أدب التراجم الذاتية
    ج1:
    فن السيرة، لإحسان عباس.

    تمثل السيرة الذاتية شكلًا من أشكال من الكتابة الأدبية التوثيقية، ولا تزال تمثل منجزًا أدبيًا لدى مختلف الثقافات، فكل شخص في هذه الحياة لا بد له من ذكريات في أي ناحية من نواحيها العلمية، والاجتماعية، أو الفكرية، أو السياسية هي حصيلة تجربة في الحياة التي لا تخلو من تجارب وعطاءات وعبر، وخاصة من بلغوا مرحلة الشيخوخة، وتوقفوا عن العطاء، وكان لهم دور مؤثر ومتميز.
    "السيرة" في اللغة: هي الطريقة، أو السنة والهيئة. وسار الوالي في الرعية سيرة حسنة، وأحسن السّيـْر. وهذا في سِيَــر الأولين.
    الترجمة الذاتية في مفهومها الحديث:
    لن يحدد دارس الترجمة الذاتية الطريق أمامه ممهدًا للوقوف على مفهوم لهذا المصطلح المستحدث؛ إذ أن القليل من الدراسات التي تتناولها لا تفي بالحاجة التي يتطلبها البحث، هناك نماذج عديدة من التراجم الذاتية التي كتبها أعلام هذا الفن، غير أن ما بينها من الاختلاف أكثر ما بينها من الاتفاق.
    على نحو ما يظهر عند الذين عرضوا لها بالنقد والتحليل والتفسير، كاختلافهم في معالمها الفنية، وفي مدى دلالة الترجمة الذاتية على شخصية كاتبها وميوله وأفكاره وإرادته، ولا يتسع المقام هنا للإشارة إلى اختلافات النقاد حول مفهوم الترجمة الذاتية.
    ويكفي أن نصل إلى نتائج عامة توضح لنا هذا المفهوم، ويجدر التنبيه إلى أن وضع الصور المختلفة للإنتاج الأدبي في إطار واحد يطلق عليه ترجمة ذاتية مما يتنافى مع وطبيعة الأشياء؛ لأنها تتباين فيما بينها تباينًا غير قليل، يؤيد ذلك: القول بفردية العمل الأدبي، على أن لكل عمل أدبي فرديته على ما نتوخاه "نظرية الأدب الحديث" التي تنظر إلى الدلالة الكلية للعمل الأدبي، وترى لكل كاتب أسلوبه، ولكن وأن كنا لا ننكر أن للكاتب أسلوبه الذي يجري فيه على تقاليد معينة، فإن هذه التقاليد لا تغض من الفردية الني يتسم بها كل عمل أدبي.
    وعلى هذا، يمكن أن ننتهي بشأن المفهوم الحديث للترجمة الذاتية إلى استخلاصه من السمات والملامح العامة التي تشترك في التراجم الذاتية. والترجمة الذاتية الفنية، ليست هي تلك التي يكتبها صاحبها على شكل "مذكرات "، يعني: بتصوير الأحداث التاريخية أكثر من عنايته بتصوير واقعي الذاتي، وليست هي التي تكتب على صورة "ذكريات" يعني فيها صاحبها بتصوير البيئة والمجتمع والمشاهدات أكثر من عنايته بتصوير ذاته، وليست هي المكتوبة على شكل "يوميات"، تبدو فيها الأحداث على نحو متقطع غير رتيب، وليست في آخر الأمر "اعترافات" يخرج فيها صاحبها على نهج الاعتراف الصحيح، وليست هي الرواية الفنية التي تعتمد في أحداثها ومواقفها على الحياة الخاصة لكاتبها، فكل هذه الأشكال فيها ملامح من الترجمة الذاتية، وليست هي؛ لأنها تفتقر إلى كثير من الأسس التي تعتمد عليها الترجمة الذاتية الفنية.
    والترجمة الذاتية كجنس أدبي يمكن أن ننتهي إلى نتائج بشأنها، تصلح أسسًا فنية لهذا الجنس، وتمنحنا مفهومًا له خصائصه المميزة، وأخص ملامح الترجمة الذاتية التي تجعلها تنتمي إلى الفنون الأدبية أن يكون لها بناء مرسوم واضح، يستطيع كاتبها من خلاله أن يرتب الأحداث والمواقف والشخصيات التي مرت به، ويصوغها صياغة أدبية محكمة بعد أن ينحى جانبًا كثيرًا من التفصيلات والدقائق التي استعادتها ذاكرته، وأفادها من رجوعه إلى ما قد يكون لديه من يوميات ووسائل ومدونات تعينه على تمثل الحقيقة الماضية.
    فإذا كانت السيرة الإنسانية في تعريفها الشائع هي ذلك النوع الأدبي الذي يتناول بالتعريف حياة إنسان ما تعريفًا يقصر أو يطول، فإن جانبًا كبيرًا من جوانب الحياة في هذه السيرة يقوم على التفكير والتأمل من جهة، والسلوك والعمل من جهة أخرى، ولكنها -إلى جانب هذا وذاك- فن أدبي جوهره التواصل اللغوي.
    السيرة الذاتية:
    تصور لنا أبعاد كاتبها الثلاثة من خلال رؤياه هو: الداخل، والخارج، والأعلى. والسيرة الذاتية تنبع من القاموس الإنساني الذي يحوي في معظم لغات البشر كلمات تعبر عن الوحدة، والعزلة، والانطواء، والتأمل، والاستبطان، والتفكير العقلي، والضمير والوعي الفردي، ومهما كان من أمر انشغال الإنسان بالعالم والآخرين، فإنه لا بد من أن تجيء عليه لحظه يجد نفسه فيها حوار مع نفسه. وإذا كنا نقول: إن الإنسان شخص، وليس مجرد فرد، فذلك لأنه يملك حياة باطنية تحول بينه وبين الاستغراق في المجموع إلى أقصى حد.
    أقسام السيرة الذاتية:
    " يمكن تقسيم التراجم الذاتية في التراث العربي -تبعًا لحوافزها- إلى الأنواع التالية:
    التبريرية:
    وهي التي كتبت للدفاع أو الاعتذار، ومن أمثلتها: ترجمة حنين بن إسحاق، التي عبر فيها عما أصابه به حساده من نكبات، وبرر أسباب كبدهم له، مدافعًا عن نفسه.
    الرغبة في اتخاذ موقف ذاتي من الحياة:
    كأن يصل إلى مذهب خاص أو سلوك بعينه، ومن أصدق الأمثلة في أدبنا العربي لهذا اللون الذي يصور الموقف الشخصي الذي اهتدى إليه صاحبه بعد طول بحث وتحري ما كتبه عن نفسه كل من محمد بن زكريا الرازي في "السيرة الفلسفية"، والغزالي في "المنقذ من الضلال"، وابن الهيثم في سيرته التي احتفظ لنا بها ابن أبي أصبيعة في كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء".
    التخفف من ثورة أو انفعال:
    وممن أفصح عن ثورة نفسية على بيئته ومجتمعه، وصور صراعه الهادر، أبو حيان في مثالب الوزيرين وفي رسالته في الصداقة والصديق، وفي كتابه "الإمتاع والمؤانسة"، رغم أنه لم يترك ترجمة ذاتية مستقلة، وكذلك أبو العلاء المعري في بعض رسائله.
    تصوير الحياة المثالية:
    وهي أشبه بنجوى الذات رغم أنها كتبت لكي يحتذيها الناس والأتباع، وهي تفصح لذلك عن حياة صاحبها وما أتيح له من خبرات روحية وخلقية وفكرية. ومن أمثلتها: ما كتبه عن نفسه كل من: عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه "لفتة الكبد في نصيحة الولد"، و"العلم الصوفي" عبد الوهاب الشعراني في "لطائف المنن"، وما كتبه عن نفسه كل من الحلاج، وابن عربي، والسهروردي.
    تصوير الحياة الفكرية:
    وهذا النوع يعمد فيه الكاتب إلى تسجيل كل ما أثر في تكوينه العقلي، وتطوره الفكري، وأدبنا القديم والوسيط يحفل كثيرًا بهذا النوع وعى الكثيرون من الكتاب به، منهم: البيروني، وابن الهيثم، والرازي، والسيوطي، وابن طولون الذي أفرد لهذه الغاية كتابه "الفلك المشحون في أحوال محمد بن طولون"، وترجمات هؤلاء الذاتية تشبه ترجمات جيبون، وجون ستيوارت ميل، وهربرت سبنسر.
    الرغبة في استرجاع الذكريات:
    من أمثلتها في الأدب العربي: كتاب "الاعتبار" لأسامة بن منقذ الذي قدم لنا فيه تصويرًا حيًا لشخصية الفارس الجسور، وللفروسية العربية، من خلال تصويره لحياته وشخصيته ومنها: كتاب "طوق الحمامة في الألفة والآلاف" لابن حزم الذي يجري فيه مجرى الاعتراف حين يبوح بذكريات شبابه العاطفية، ومنها: كتاب "النكت العصرية" لعمارة اليمني الذي يتحدث فيه عن ذكرياته مع الوزراء والكبراء في أواخر العهد الفاطمي.
    لمحة عن الترجمة الذاتية في التراث العربي:
    لكي نقف على تطور الترجمة الذاتية في الأدب العربي منذ عصوره القديمة، يخلق بنا أن نشير إشارة موجزة إلى مدى معرفة القدماء لهذا اللون الأدبي، وهي فيما يبدو إشارة لا غني عنها تضيء أمامنا السبيل لدراسة نماذجه في أدبنا الحديث.
    حتى نلم بمدى تطور الترجمة الذاتية في أدبنا العربي في عصوره المختلفة، ونتعرف موقف كل من القدماء والمحدثين من إدراكهم لهذا الفن، ونحصل بذلك على رصد أقرب إلى الدقة والوضوح لظاهرة من ظواهرنا الأدبية قد عرفناها منذ عصور بعيدة.
    وإذا نحن تتبعنا تطور الترجمة الذاتية في الأدب العربي في عصوره القديمة والوسطى، وجدنا أن لفظة "ترجمة"، و "سيرة" كانتا تدوران على معنى "تاريخ الحياة"، وقد اتخذ التاريخ للفرد صورًا مختلفة لدى العرب، وكانت السيرة أولى هذه الصور، وقصد بها حياة الرسول الكريم ومغازيه، وإن لم يمنع ذلك وجود سيرة معاوية، وبني أمية، كما يذكر ابن النديم، وقد ظهرت فيما يبدو في وقت ظهور "سيرة ابن إسحاق" المتوفى سنة 151، ثم تعددت أنواع التاريخ للأفراد بعد ذلك، فكان "الجرح والتعديل"، و"الطبقات"، ثم "التراجم" في العصور المتأخرة التي تلت عصر الرواية والتدوين.
    وكل هذه الأنواع هي الأقسام التي ينحل إليها التاريخ للأفراد عند العرب، وظلت السيرة عصورًا يقتصر استعمالها على بيان حياة الرسول، ثم تطور الاستعمال في عصور تالية، فاستعملت بمعنى: حياة الشخص بصفة عامة بليل ما يذكره صاحب "كشف الظنون" من ظهور سير كثيرة منذ القرن الرابع الهجري، ك"سيرة أحمد بن طولون " لابن الداية المتوفى سنة 334هـ، و"سيرة صلاح الدين" لابن شداد المتوفى سنة 622هـ .
    أما كلمة "الترجمة" فهي دخلت إلى العربية عن اللغة الآرمية، ولم يكن الاصطلاح قد جرى على استعمالها فيما يبدو إلى في أوائل القرن السابع الهجري حين استخدمها ياقوت في معجمه بمعنى: حياة شخص، ويرجح هذا الظن أن أبا الفرج في كتاب "الأغاني" لم يستعمل لفظة "ترجمة" عند كلامه على حياة الشعراء وغيرهم، وكان يسبق كلامه بمثل قوله: خبر أبي قطيفة ونسبه، أو أخبار بشار بن برد ونسبه.
    وعلى مر العصور نرى كلمة "ترجمة" يجري الاصطلاح على استعمالها لتدل على تاريخ الحياة الموجزة للفرد، وكلمة "سيرة" يصطلح على استعمالها لتدل على التاريخ المسبب للحياة. وإذا كان السابقون على ما نرى يفرقون في الاستعمال بين اللفظتين، فإن الاصطلاح الحديث لا يفرق بينهما كثرًا، بل يستخدم إحداهما مرادفة للأخرى، ومن ثم جاء الاصطلاح المعاصر "الترجمة أو السيرة الذاتية".
    الوظيفة الثقافية للسيرة الذاتية:
    وتتمثل هذه الوظيفة فيما تساعد عليه السيرة من خلال النشر الجماهيري من تطبيع وتنشئة اجتماعية، وتوحيد للمفاهيم وتقريب وجهات النظر بتوفير قاعدة عريضة مشتركة للأساليب أو الأنماط والقيم والخبرات المشتركة التي يتقاسمها أعضاء المجتمع.
    ويظهرنا النموذج الثقافي وظيفيًا على تأثير السيرة الذاتية على أخلاق الشباب بما تقدمه من نماذج للقدوة تتفق أو تختلف مع الأخلاق العامة والسيرة الذاتية في ضوء التفسير الإعلامي تقوم بدور هام في التنشئة الاجتماعية المعقدة قصدًا أو بدون قصد.
    العناصر الفنية للسيرة الذاتية:
    وإذا تساءلنا عن مدى حظ التراجم الذاتية في تلك العصور من العناصر الفنية التي تقربها من الترجمة الذاتية الحديثة، كان الجواب كثيرًا من هذه العناصر الأدبية قد توافرت في بعضها، وأن كثيرًا مما كتبه العرب عن أنفسهم صاغوه في أسلوب واضح سهل قائم على الإيجاز المحكم، والعبارة العذبة، وحسن العرض، وسلاسة السرد القصصي، والقدرة على إعادة الماضي، وبعث الحياة والحركة والحرارة في تصوير الأحداث، والتجارب، والشخصيات.
    وقد راعى كثير من هذه الترجمات الذاتية الصراحة والصدق والتجرد في كثير من النظرات والآراء والتجارب المتصلة بالذات وبالشخصيات، وبعضها صور أصحابها ما عانوه من صراع داخلي وخارجي تصويرًا داففًا بالحيوية والنمو، يكشف عن مدى ما أصاب شخصية أحدهم من تحول وتغير وتطور.
    وعنى كثير من هذه التراجم الذاتية بإثبات عنصري الزمان والمكان، والكشف عن أسماء الشخصيات والأماكن، وتعزيز الوقائع بإثبات التاريخ وبعض الوسائل والمدونات، مع محافظة الاسترسال وعلى السرد الأدبي الجالب للمتعة المرادة من العمل الأدبي، مما جعل الترجمة الذاتية تحظى بعناية عظيمة من جانب الأدباء، ويقابلها الجمهور بإقبال شديد؛ لأنها أرضت حاجة العرب إذ نقلت لهم الواقع الملموس في صورة قصصية سهلة عذبة، وكانت تقوم إلى جانب السير والتراجم الغيرية، بهذا الدور الأدبي على مدى أجيال طويلة.
    على أن أقرب التراجم الذاتية إلى الترجمة الذاتية الأدبية بمعناها الحديث، هي تلك التي كتبها كل من المؤيد والأمير عبد الله، وابن الهيثم، والرازي، وأسامة بن منقذ، وابن خلدون، والشعراني؛ لأنها توافر فيها أكبر قدر من المتعة، إلى جانب تصوير كل منها، ما نستدل منه على السمات المميزة لشخصية صاحبها، وعلى مدى التطور الذي طرأ عليها، وما دار في نفسه من ألوان مختلفة من الصراع، مع مهارة السرد الأدبي الذي يعتمد على كثير من عناصر الفن، وعلى الدقة والوضوح والسهولة والعذوبة، ويعتمد أيضًا على قدر من الترابط في أجزاء كل ترجمة ذاتية، مما يجعلها عملًا يقوم على وحدة البناء في أكثر أجزائه.
    وكلها من العوامل التي تحقق المتعة الأدبية، وتثير التعاطف الوجداني بين كاتب الترجمة الذاتية، وبين متلقيها، ويدعوه إلى المشاركة القوية في عديد من تجاربه وخواطره ومشاعره وانفعالاته، على أنه مما يقلل من هذه المتعة في السيرة الذاتية، التي كتبها المؤيد، ما كان يعمد إليه من محسنات لفظية وأسجاع ومجانسة، وصنعة وتكلف، تجهد الذهن، وتثقل حركته.
    ويذهب أنصار السيرة إلى أنها تصلح للتدريس للأسباب التالية:
    أولًا: أن الإنسان الفرد أبسط كموضوع للدراسة من القبيلة أو المدينة، أو الأمة التي ينتمي إليها.
    ثانيًا: أن للأطفال ميلًا طبيعيًا مفيدًا نحو الشخصيات، فهم يعيشون مع أبطالهم ويقاسمونهم، وبذلك تتسع دائرة خبراتهم بصورة لا تكاد تعقل في حالة دراسة الجماعات.
    ثالثًا: أن تعرف الشخصيات العظيمة النبيلة في التاريخ يخلق رغبة في التشبه بهم، ويبعث على بغض سلوك الشخصيات الشريرة.
    رابعًا: أن من الممكن أن نجعل الأفراد يمثلون الجماعات، بحيث تكون دراسة لخصائص الأفراد وخبراتهم، وبالتالي دراسة لخصائص الجماعات وخبراتها أيضًا.
    التقاء الثقافتين:
    عثر طه حسين على قالب الترجمة الذاتية الروائية لتكون له أداة فنية، يصور عبرها ذكرياته الماضية، وليصبح المجال أمامه متفسحًا رحيبًا، يجول فيه بما تختزنه ذاكرته من تلك الذكريات المتوارية المنزوية في بعد عميق من أبعاد هذه الذاكرة، وقد وجد في هذا القالب متنفسًا طليقًا يزيج به عن صدره ما اكتظ به من شعور ممض بالألم والسخط، كان مبعثه بيئته التي عاش فيها حياة غاصة بالجهل والقسوة والحرمان والصراع سواء في قريته أو في القاهرة حين وفد إليها يطلب العلم بالأزهر.
    تلك البيئة قد سلبته نعمة الإبصار صغيرًا، فقتلت فيه حاسة من الحواس الضرورية للإنسان، وحرمته منها لما يشيع فيها من تخلف وظلمة وسذاجة وتواكل، وهي عينها البيئة الجاهلية الجامدة المتزمتة التي لم تتح له ثقافة مستنيرة كتلك التي أتاحتها له الثقافة الأوروبية، بل إن هذه البيئة نفسها هي التي تريد أن تنقض عليه ثانية لتحول بينه وبين ثمرة تثقيفه الذاتي، وتسلبه عصارة نضجه الفكري، وتريق ذوب تكوينه الروحي؛ فتولد فيه الرغبة في الحرية وفي الحياة الأدبية، وفي الحياة الأدبية والفكرية كما يبتغيها لنفسه، وكما يبتغيها لأبناء بيئته هذه التي أفضى إليهم بها.
    ثم يعود ليستكمل ذكريات حياته عن الفترة التي قضاها في الدراسة بين الأزهر والجامعة الأهلية، إلى أن أحرز إجازة الدكتوراه عن ذكرى أبي العلاء في 15 من مايو سنة 1914 ثم سافر إلى فرنسا في 14من نوفمبر من السنة نفسها، رغم العقبات التي ألقتها هذه الجامعة في طريقه، ورغم ملابسات الحرب العالمية الأولى؛ إذ تقدم للحصول على بعثة لدراسة التاريخ بجامعات فرنسا مرت ثلاثا دون أن تتاح له الفرصة، واستطاع أن ينتصر على ما أقامته الجامعة أمامه من صعوبات، فألم بقدر من الفرنسية يسمح له بمتابعة المحاضرات، وتقدم برسالة الدكتوراه؛ ليتفادى عقبة شهادة البكالوريا التي كان لا يستطيع الحصول عليها بسبب علته، ثم سافر إلى فرنسا وخاض تجارب طويلة مضنية في سبيل تكوينه الثقافي هناك حتى حقق طموحه العلمي في الحصول على تثقيف ذاتي، يمثل التقاء الثقافتين أصدق تمثيل، وقد أفضى بكل تلك الذكريات في مذكرات طه حسين التي نشرت في عام 1967، وكان قدر نشر فصولها العشرين في مقالات متتابعة في مجلة آخر ساعة عام 1954.
    ولذلك نرى أن الأيام في السيرة الذاتية الحديثة مكانة لا تتطاول إليها أي سيرة ذاتية أخرى في أدبنا العربي لمزايا كثيرة منها: تلك الطريقة البارعة في القص، والأسلوب الجميل، والعاطفة الكامنة في ثناياه المستعلنة أحيانًا حتى تطغى على السطح، وتلك اللمسات الفنية في رسم بعض الصور الكاملة للأشخاص، والقدرة على السخرية اللاذعة في ثوب جاد حتى تظهر وكأنها غير مقصودة.
    لكن طه حسين أغفل تعزيز الحقيقة بما عمد إليه من إنكار للأسماء على نحو قلل معه الصراحة، ومن الصدق التاريخي، فأضعف بذلك عنصر الحقيقة في سيرتة حياته الشخصية، ومن ثم فقد أخل أيضًا بشرط أساسي من شروط الترجمة الذاتية.
    وكذلك أخل بشروط الترجمة الذاتية الفنية، حين عمد إلى ضمير الغائب في سرد حياته الشخصية؛ لأنه أخفى بذلك شخصيته التاريخية، وقلل من عنصر الذاتية في سيرة حياته، وكان يتخفى وراء صيغة الغائب.
    "حياتي" لأحمد أمين:
    تأثر الأستاذ أحمد أمين بكتاب "الأيام" حين كتب سيرته في كتاب أسماه "حياتي"، وليس سبب هذه التأثر ما أحرزه كتاب "الأيام" من شهرة أدبية فحسب، بل هو في تلك النشأة الأزعرية المشابهة لنشأة صاحب "الأيام"، وفي العلاقة بين الأديبين في حياتي يصف أحمد أمين صورة أزهرية أخرى، ويقف عند بعض العناصر التي وقف عندها طه حسين، ولكن إسهاب طه في تحليل شخصيات الطلبة بالربع، والأساتذة في حلقات الدرس، صرف أحمد أمين عن الاستقصاء في هذه الناحية، وجعله يتجه إلى وصف الشخصيات التي عرفها في الحي، ويحاول أن يرسم لها صورًا متنوعة كالتي رسمها زميله وصديقه من قبل. وكما أطنب طه في وصف فقده أخيه، وتأثره العميق لفقده، عرج أحمد أمين على حاثة مشابهة، فوصفها بتأثر شديد، وربما كان هذا من قبيل المصادفة والاتفاق.
    وانفرد صاحب "حياتي" بالإطناب في الحديث عن الشخصيات التي أثرت في نفسه حتى اكتملت له شخصية "الفتى المثقف"، فجمع إلى صورة أبيه -في هذه الناحية- صور كبار الأساتذة، وخاصة سيدتين انجليزيتين، كان لكل واحدة منهما أثر في نفسيته وشخصيته، وكما مضى الدكتور طه يصف الصدمات التي كانت تدفع به الثورة، مضى أحمد أمين يصف الخطوات الايجابية التي أدت به إلى الوصول، وغايته أن يصف كيف وصل.
    ع1:

    مراثي أدب التراجم الذاتية

    ج2:
    السيرة الذاتية في الأدب العربي لحديث، لمحمد الباردي.
    إنّ السّيرة الذّاتية ليست إلاّ شكلا من أشكال السّرد. وككلّ أشكال السّرد، للسّيرة الذّاتيّة مؤلّف يكتبها، وسارد يسردها، وقارئ فضوليّ يقرؤها. ثمّة مقام سرديّ ومقام كتابي، وما تتميّز به السّيرة الذّاتية هو هذا الالتباس القائم بين المقامين. فالسّارد نظريّا ليس كائنا ورقيّا من صنع المؤلّف، بل كائن أنطولوجي حقيقي هو المؤلّف ذاته، والقارئ ليس قارئا مفترضا يخاطبه السّارد، بل هو قارئ حقيقيّ يخاطبه المؤلّف، يبرّر لـه حياته -كما أسلفنا-، أو يعرض عليه شهادة، أو يعترف لـه بأخطاء كان قد اقترفها في حياته الخاصّة. ولكن هذا المؤلّف يتحوّل إلى سارد؛ لأنّه سيخضع مروياته لمقتضيات الفنّ والكتابة حتّى يصل إلى مخاطبه، وبالتّالي فنحن في السّيرة الذّاتيّة إزاء مقامين متطابقين: مقام السّرد، ومقام الكتابة. فنوال السّعداوي في "أوراقي، حياتي" هي الصّوت السّردي الّذي يتحدّث عن تجربته الخاصّة، وإذا فصلنا بين المؤلّفة والصوت السّردي، فإنّ السّيرة الذّاتيّة تفقد معناها.
    والسّؤال الآن أين يتجلّى صوت السّارد في السّيرة الذّاتيّة؟
    في كلّ النّصوص الّتي اعتمدناها باستثناء نصّين هما: "الأيّام" لطه حسين، و"رجع الصّدى" لمحمد العروسي المطوي، يظهر السّارد بواسطة ضمير نحوي هو ضمير المتكلّم المفرد. يبدأ الجزء الأوّل "بقايا صور" من سيرة حنّا مينه الذّاتيّة بقول السّارد: "كانوا يخرجون بأبي المريض على محمل وكانت أمّي تبكي وراءه..."، ويبدأ رفعت السعيد كتابه "مجرّد ذكريات" بهذا المقطع القصير: "شيئان لا يعرفهما إنسان أيّ إنسان، لحظة الابتداء، ولحظة الانتهاء، ولست أدري وحتّى بعد أن غالبت نفسي وغالبتها فتغلّبت على تمرّدها إزاء هذا الأمر، هل سيكون هذا الأمر ممكنا أم لا؟
    ويبدأ إدوارد سعيد سيرته الذّاتيّة بهذا المقطع: "تخترع العائلات آباءها وأبناءها، وتمنح كلّ واحد منهم قصّة وشخصيّة ومصيرًا، بل إنّها تمنحه لغته الخاصّة. وقع خطأ في الطّريقة الّتي تمّ بها اختراعي وتركيبي في عالم والديّ وشقيقاتي الأربع. وينهيها بهذه الجملة المركّبة: "والواقع أنّي تعلّمت وحياتي مليئة إلى هذا الحدّ بتنافر الأصوات، أن أؤثّر إلاّ أن أكون سويّا تماما، وأن أظلّ في غير مكاني".
    وعلى هذا النّحو يبدأ محمّد شكري "الخبز الحافي": "صباح الخير أيّها الليليون، صباح الخير أيّها النّهاريون، صباح الخير يا طنجة المنغرسة في زمن زئبقي، هاأنذا أعود لأجوس، كالسّائر نائما، عبر الأزقّة والذّكريات، عبر ما خطّطته عن "حياتي" الماضية الحاضرة. كلمات واستيهامات وندوب لا يلئمها القول، أين عمري من هذا النّسيج الكلامي؟". وكذا الشّأن بالنّسبة إلى فدوى طوقان التي تبدأ سيرتها الذّاتيّة بهذه الجملة: "ظللت، طيلة عمري الأدبي، أحسّ بانكماش ونفور من الإجابة على الأسئلة الّتي توجّه إليّ عن حياتي، والعوامل الّتي وجّهت هذه الحياة وأثّرت فيه".
    ويمكن أن نستعرض بدايات ونهايات بقيّة النّصوص الّتي اعتمدناها في هذه المدوّنة؛ لنؤكّد ملاحظتنا. وهذا يعني: أنّ السّارد الّذي يروي تجربة حياته هو الشّخص الّذي عاش هذه التّجربة. فثمّة تطابق لاشكّ بين السّارد والشّخصيّة موضوع السّرد. تعرض مدوّنة السّيرة الذاتيّة العربيّة -فيما أعلم- حالتين تشذّان عن هذه القاعدة العامّة تتمثّلان -كما أشرنا سابقا- في نصّين هامّين: نصّ تأسيسي هو "الأيّام" لطه حسين، ونصّ حديث ذهب مذهب "الأيّام" في أسلوبه، وطريقة سرده، وهو "رجع الصّدى" لمحمد العروسي المطوي. في هذين الكتابين ينفصل ظاهريّا السّارد عن الشّخصيّة موضوع السّرد. وإذا اعتبرنا أنّ السّارد لا يمكن أن يكون إلاّ الشّخصيّة موضوع السّرد بحكم الميثاق السير ذّاتي الذي ينبني عليه النصّان، فإنّ الالتباس يظلّ قائمًا.
    إنّ مسألة توظيف الضمير لا قيمة لها إذا لم تفدنا في تحديد وضعيّة السّارد في سرده. في النّصوص التي توظّف ضمير المتكلّم المفرد ندرك بسهولة أنّ الّذي يروي التجربة هو الشّخصيّة المركزيّة صاحبة التّجربة، وهذا يعني: أنّ السّارد مشارك أساسيّ في التّجربة باعتباره صاحبها، وهو يروي من داخل التّجربة ذاتها، ولا يمكن أن يكون البتّة خارجًا.
    إنّ الالتباس في النصّين الاستثنائيين يبدو واضحًا، فإذا اعتبرنا أنّ السّارد يطابق الشخصيّة موضوع التّجربة فهذا يعني أنّه مشارك فيها، وهذا أمر لا جدال فيه.
    ولكن توظيف ضمير الغائب في السّرد يوهم بأنّ السّارد الّذي يروي التّجربة يكون خارجها وهو يرويها، وهو وضع في السّيرة الذّاتية لا يمكن أن يكون، ولكن المسألة تظلّ مسألة إيهام لا غير، ففي الكتابين يكفي أن نحذف كلمة الصبيّ أو الفتى، ونعوّضها بضمير المتكلّم المفرد؛ حتّى لا يتغيّر شيء. ولكنّ الفصل العشرين من الجزء الأوّل من كتاب "الأيّام" يكشف اللّعبة؛ فهذا السّارد يخاطب ابنته ويحدّثها عن أبيها الّذي هو الصبيّ موضوع التّجربة، فكيف تكون هذه البنت هي في الوقت ذاته ابنة السّارد وابنة الشّخصيّة موضوع السّرد إذا لم يكن هذا ذاك. ولكن المسألة تعبّر عن هوس لدى أغلب كتّاب السّيرة الذّاتيّة، يتمثّل في محاولة الفصل ما أمكن لهم ذلك بين صوت السّارد، وصوت الشّخصيّة موضوع السّرد، وإنتاج ضرب من التعدّد الصّوتي سنحلّله في حينه.
    ينعكس الالتباس بين مقام السّرد ومقام الكتابة في السيّرة الذّاتيّة على وضع المسرود لـه. يعرض علينا كتاب "الأيّام" مثالًا منفردا لم يتكرّر في المدوّنة الّتي اعتمدناها عندما يخاطب السّارد مسرودا لـه داخل التّجربة، يتمثّل في شخص البنت الّتي إليها أشرنا: فنحن إذًا إزاء مقامين سرديين ظاهرين: مقام مركزي قوامه المؤلّف ساردا والمسرود لـه، هذا القارئ الحقيقي أي: الرأي العام الثّقافي الذي إليه يتوجّه طه حسين؛ ليبرّر لـه حياته ومواقفه وداخل هذا المقام ثمّة مقام ثانوي قوامه السّارد، وابنته مسرودا لـه. بيد أنّ كتاب "الأيّام" لا يخلو من مقامات سرديّة ثانويّة، يتحوّل فيها السّارد في أغلب الأحيان إلى مسرود لـه، ويمكن أن نذكر على سبيل المثال: ما كانت تقصّه أمّ الصبيّ على الصبيّ من حكايات: "ولم تكن أمّ الصبيّ تدع فرصة إلاّ قصّت فيها هذه القصّة"، وما كان يرويه أبو الصبيّ من قصص، وكان أبو الصبيّ لا يدع فرصة إلاّ ذكر فيها عن الشّيخ هذه القصّة. وتحدّد هذه الجملة، وكانت أمّ الصبيّ وأبوه يجدان لذّة في أن يتحدّث إلى أبنائهما بهذه الأخبار والأحاديث، طبيعة مثل هذه المقامات السّرديّة، فالشّخصيّة تصبح ساردا الأب أو الأم، والشّخصيّة المحوريّة موضوع التّجربة تصبح مسرودا لـه صحبة إخوته.
    لكنّنا في بعض المقامات لا نستطيع أن نحدّد السّارد الّذي يروي للشخصيّة موضوع التّجربة، فمن خلال عبارة: وقد قرئ لصاحبنا من هذا كلّه يصبح السّارد قارئا لا نستطيع أن نحدّد هويّته. أحيانا يتحوّل الصبيّ إلى سارد، فمن خلال هذه الجملة وقصّ الصبيّ هذا كلّه على أمّه، تبدو الأمّ، وهي إحدى شخصيّات التّجربة مسرودا لـه، ولئن كان السّارد في هذا المقام هو الصبيّ، فإنّه يحيل بطبيعة الحال على السّارد الرّئيسي. بيد أنّنا نلاحظ أنّ كلّ هذه المقامات السرديّة الدّاخليّة لا تتّصل بالأحداث الجوهريّة المتعلّقة بحياة الصبيّ الخاصّة، بل هي من باب الأحداث العامّة داخل الأسرة والمجتمع؛ لأنّ ما يتعلّق بالأحداث الخاصّة يرويه السّارد معبّرًا عن حال الصبيّ الذي عايش الحدث مباشرة، ولعلّ هذا الأمر أهمّ ما يميّز كتاب "الأيّام" في علاقته بالسّير الذّاتيّة اللاّحقة.
    تخلو بقيّة نصوص المدوّنة من هذا الالتباس الّذي أشرنا إليه. ثمّة دائما مقام سرديّ رئيسيّ، وهو في حقيقة الأمر مطابق لمقام الكتابة، السّارد يسرد ويروي بلسان المؤلّف والمسرود لـه قارئ مفترض بتطابق أيضا مع القارئ الحقيقي. وثمّة دائما داخل هذا المقام السّردي مجموعة من المقامات الدّاخليّة الّتي يعسر حصرها حصرًا علميّا دقيقا. بيد أنّ هذه المقامات تثير إشكالًا عندما تتعلّق بتطوّر الحياة الخاصّة الّتي يرويها السّارد.
    في ثلاثيّة حنّا مينة تكثر المقامات السرديّة الدّاخليّة، وهي مقامات عونها الأوّل ظاهر وجليّ، أي: السّارد الرّئيسي لهذه السّيرة الذّاتيّة الذي يروي باسم المؤلّف الحقيقي للنصّ، أمّا عونها السّرديّ الثّاني فهو يغيب أحيانا، ولا يمكن لنا تحديده. ففي بداية بقايا صور يروي السّارد الخطأ المتعلّق بحالته المدنيّة، وهو حدث لم يره السّارد، ولم يكن شاهدا عليه، وإنّما رُوي لـه، ومن ثمّة نقله، ورواه في سيرته الذاتيّة، لكنّه لا يحدّد الطّرف الّذي روى لـه الحادثة: "والدي لا يعرف كيف وقع الخطأ، ولست متأكّدا من اهتمامه به بعد أن عرف، لقد شتم المختار، وانتهر أمّي الّتي اعتبرت الأمر كارثة، يبدو أنّه ذهب إلى ذلك المختار برفقة قهوجي عجوز.." فقد تكون أمّه هي التي روت الحادثة أو أبوه ولكنّه لا يحدّد هذا العون السّردي تحديدا دقيقا.
    بيد أنّ حنّا مينة يعترف بأهميّة هذه المقامات السّرديّة الضمنيّة وكثرتها في سيرته الذّاتيّة، فهو يقول: "وبمقدار ما أفدت من قصص والدي عن الحياة العامّة، أفدت من ذكريات والديّ عن حياتنا الخاصّة"، ويلحّ على الدّور الذي لعبته أمّه في تأثيث ذاكرته وتنشيطها، وترميمها حتّى تكون صورة الحياة الخاصّة التي يرسمها صورة متكاملة: "لقد تحدّثت إلينا، إخواني وأنا، حديثا طويلا عن أيّامها وذكرياتها، والتقطت من حديثها ما جعلني ألصق صورًا رسمها غيري على مساحة العدم الّذي سبق الدّار"13" وعلى هذا النّحو فإنّ كلّ ما يتعلّق بحياة الأمّ قبل زواجها أو بعده بقليل كانت الأمّ قد روته لولدها الذّي نقله عنها، ويرويه للقارئ. وبالتّالي فإنّ الأبوين هما بمثابة ساردين هامّين داخل هذه المقامات السّرديّة المضمّنة، أحيانا كثيرة يكون المقام السّرديّ ظاهرًا، تكون الأم ّساردًا، والسّارد الرّئيسي مسرودا لـه، وثمّة حكاية تروى وتنقل إلى القارئ الحقيقي: "وتابعت أمّي قصّة الخال فقالت: "أيّام الصّيف، كان يأخذنا إلى "الرّغاط" في أراضي القطن، كان مقدّمنا وهو وحده بين المقدمين، يأخذ تعيينا من الخبز للصّغار.."، ثمّ يلتبس علينا سارد هذه الحكاية عندما يقول السّارد الأوّل: "نمت أنا على ركبة أمّي، قبل أن تنتهي القصّة سمعت بقيّتها فيما بعد... وعلمت حين تقدّم بي العمر أنّ والدي هو من نفس بلدة السّويديّة وصديق خالي، قد تزوّج أمّي اليتيمة الّتي لم يبق لها أحد"، ولكن كيف علم ذلك، ومن أنهى لـه بقيّة قصّة الخال حتّى يروي بدوره ما روى؟ إنّ النصّ لا يجيب عن هذا السّؤال.
    بيد أنّ ما يجدر ملاحظته في هذا السّياق أنّ السّارد في مثل هذه السّيرة الذّاتيّة لا ينفّك ينبّه إلى مقاماته السّرديّة، فهو يروي الحدث الّذي عاشه، أو كان شاهدا عليه بصفة مباشرة، ولكنّ الحدث الّذي لم يعشه، ولم يكن شاهدًا عليه، فإنّه في أغلب الحالات لا يرويه إلاّ بذكر مصدره، والإشارة إلى مقامه؛ ولذلك تكثر في هذا النصّ هذه العبارات المنبّهة: "كان، كما أخبرتني أمّي، بارعا في الميكانيك"، حدّثتنا بعد ذلك عن أبي فقالت: "وكانت الأمّ تؤكّد لنا"، "انتهت الصّور المحروقة في فيلم الذّاكرة، وبدأ تسلسل الأحداث والمشاهد"، "روى والدي"، كانت تروي، وهي على أشدّ ما يكون من الذّعر كيف نزلوا عليها، شاع بعد ذلك، كنت قد سمعت، وسنعرف نحن حين نكبر، وستحدّثنا الأمّ يوما عن كلّ ذلك، ستجعلنا تتذكّره، ونعيد تركيبه، ونستشعره رهبة لم نستشعرها عندما وقع، أنا لم أصادف تلك الأرملة أبدًا، ولا جاءني عن أولادها خبر، كلّ ما علمته عنها جاءني عن طريق والدتي، خرجت الأرملة كما روت الأمّ تطلب بقرتها على التّخم، لا أدري كيف تعرّف الوالد إلى هذا الإقطاعي، ولا من قاده إليه، ولكنّني من التّجربة الّتي ستعيشها العائلة، ومن الوضع الّذي سنجد أنفسنا فيه، وكذلك من الذّكريات والأقوال، سأعرف أنّ الوالد عقد صفقة خاسرة معه.
    إنّ مثل هذه التّعابير كثيرة، وهي متنوّعة في صيغتها، ولكنّها تؤكّد حرص السّارد الأوّل على ذكر مصادره في رواية الأحداث، والتّنبيه إلى مقاماته السّرديّة. إنّ هذا الحرص ينبع من الميثاق السّير الذّاتي نفسه، فإذا كان السّارد يحيل مباشرة على شخص أنطولوجي هو المؤلّف ذاته، ويروي أحداثا نفترض أنّها حقيقيّة عاشها بنفسه، فإنّه لا يمكن أن يروي إلاّ ما عاشه، أو تناهي إليه، أو سمعه؛ حتّى تكون هذه المرويات بالنّسبة إلى المتلقّي، أو القارئ أقرب إلى التّصديق.
    على هذا النّحو نرى أنّ السّارد في السّيرة الذّاتيّة يعلن أنّه يروي ولا يتخيّل عندما يشير إلى مصادره ورواته في "أوراقي حياتي" لنوال السّعداوي مقطع سرديّ أنيق، تتحدّث فيه عن ولادتها حديثا فيه تفاصيل كثيرة، لا يمكن أن يصدّقها القارئ إذا لم تنشئ المؤلّفة مقاما سرديّا ثانويّا داخل المقام الرّئيسي، وتشير إلى المصدر الّذي اعتمدته لترسم المشهد: "كنت أنا واحدة من هؤلاء البنات المولودات، لم أر المشهد بعيني رأسي، ضاعت الصّورة الأصليّة من ذاكرتي، أسترجعها عن طريق الخيال، أجمع في خيالي الكلمات الّتي سمعتها من جدّتي، وأنا في الخامسة من العمر لأرسم المشهد الحزين لأوّل مرّة خرجت فيها من بطن أمّي، ولمّا أدركت أنّ هذا المشهد -كما صيغ- كان أقرب إلى الخيال عادت للتّذكير بمصدرها، والتّنبيه إلى أهميّته، ربّما تبدو هذه اللّحظة بعيدة عن الواقع، لكن ما حدث كما حكت لي جدّتي الحاجة مبروكة، أمّ أبي، وكنّا نسمّيها: ستّي الحاجة".
    إنّ مثل هذه المقامات السّرديّة قليلة في ثلاثيّة نوال السّعداوي "أوراقي، حياتي"؛ لأنّ الحكايات الّتي ترويها والّتي تبتعد عن حياتها الخاصّة قليلة. تروي المؤلّفة بعض المقاطع من حياة جدّتها، ولكنّها تذكر أنّها تنقلها عن الجدّة ذاتها: "أتمدّد فوق الأرض وأنام، أفتح عيني، أرى النّجوم وصوت ستّي الحاجة لا يزال يحكي عن ليلة الدّخلة"، ثمّ تضيف لتؤكّد أنّها تنقل الحكاية، ولا تبتدعها بعد بضعة أعوام، ثلاثة أو أربعة، كما حكت ستّي الحاجة، ارتفع بطنها بالحمل، ثمّ ولدت أبي، لا شكّ ثمّة في هذه الثلاثيّة مقامات ضمنيّة كثيرة يدركها القارئ، وهو يقلّب صفحات حياة المؤلّفة، فعندما تقول على سبيل المثال: "كنت أسأل أمّي ما الّذي حدث لجدّتي آمنة حتّى تفقد سواد عينيها، تضع أمّي يدها فوق، فمي تكتم السّؤال، تهمس في أذني لأسكت. إنّ جدّي في البيت، وحين يكون في البيت فالكلّ يسكت دون أن تنطق أمّي، عرفت كلّ شيء، المعرفة كانت تسري في جسدي على شكل القشعريرة، ندرك أنّ مصادر المعرفة متعدّدة، وأنّها توصّلت إلى حكاية جدّها من أمّها عن طريق مقامات سرديّة متعدّدة كانت فيها دائما مسرودا لـه، ثمّ جمعت هذه المقامات وروتها، وهي تعترف أنّها أحيانا لا تستطيع أن تحدّد مقاماتها السرديّة الدّاخليّة تحديدًا دقيقًا عندما يتحوّل السّارد إلى كائن جمعي، لا يمكن تحديد هويّته: "حكايات كثيرة أسمعها عن ستّي الحاجة، وأمّها الغزاويّة، للنّساء تاريخ غير مكتوب، تتناقله الألسنة، جيلًا بعد جيل"، ثمّ تتدارك الأمر، وتذكر في هذا الموضع مصدرها الأساسي الّذي أخذت عنه هذه الحكايات: "أجلس إلى جوار ستّي الحاجة، أستمع إلى الحكايات، أمسك ذيل جلبابها إذا ذهبت إلى الحقل..".
    ومهما كان الأمر، فإنّ المقامات الصّريحة محدودة في هذه السّيرة الذّاتيّة بالمقارنة مع السّيرة الذّاتيّة الّتي كتبها حنّا مينة، فكأنّ نوال السّعداوي تريد أن توهم قارئها أنّ حياتها الشّخصيّة زاخرة بالأحداث والحكايات، وليست في حاجة إلى تلك الحكايات الثّانويّة الّتي لم تعشها مباشرة؛ لكي تؤثّث سيرتها في حين أنّ حنّا مينة ذاته يصرّح أنّه لم يكتب سيرته الذّاتية الخاصّة بقدر ما كتب سيرة ذاتيّة تتعلّق أساسا بحياة العائلة التي نشأ فيها، من ثمّة تكثر الحكايات المتعلّقة بحياة الأمّ أو الأب أو الشّخصيات المتّصلة بهما.
    في كتاب فدوى طوقان "رحلة جبليّة، رحلة صعبة" تقلّ المقامات السّرديّة الصريحة بصفة لافتة للانتباه، فباستثناء الإشارة إلى بعض ما يتعلّق بحياة الأمّ: "ولقد حدّثتني أكثر من مرّة كيف كانت تفقد شهيّتها للطّعام إذا سمح أبي أو عمّي لنساء العائلة بحضور مناسبة من مناسبات الأفراح لدى بعض العائلات في البلدة"، لا نجد حكايات ثانويّة ترويها المؤلّفة خارج حياتها الخاصّة. أمّا فيما يتعلّق بالحياة العامّة: فإنّ المؤلفة تعتمد بعض المراجع التاريخيّة كحديثها عن سقوط الإمبراطورية العثمانيّة، ونموّ الحركة القوميّة العربيّة، وإشارتها إلى المرجع الّذي اعتمدته: "جذور القضيّة الفلسطينيّة للدكتور إميل توم"، أو حديثها عن تاريخ عائلتها في مدينة نابلس، وإشارتها إلى الرحّالة التركي أوليا جلبي، أو إلى الرحّالة مصطفى اللقيمي الحسيني في رحلته المسمّاة: "موانح الأنس برحلتي لوادي القدس عند تعرّضها لمناخ مدينة نابلس؛ ولذلك لا نراها تنشغل كثيرًا بذكر مصادرها؛ إذ تكتفي أحيانا ببعض العبارات على نحو: "غير أنّ المعروف المتوارث منذ خمسة قرون يشير إلى أنّ أجداد العائلة.."، أو والمعروف بل المؤكّد أن بعض أحفاد أجدادنا الّذين نزحوا واستقرّوا في نابلس قد انخرطوا بعد الفتح العثماني في الجيش، وأحيانا أخرى تسكت عنها وتسقط مقامها السّردي. فهي على سبيل المثال تروي حكاية الشّيخة وهي حكاية طويلة نسبيّا في هذا الكتاب، ولكن لسنا ندري كيف وصلت هذه الحكاية إلى السّارد الرّئيسي؛ حتّى يرويها في هذا الكتاب الّذي نقرؤه، منذ فتحت عينيّ على الدّنيا لم أعرف "الشّيخة" إلاّ وهي صاحبة الهيبة والسّلطة والبوليس السرّي الّذي يعمل لحساب أرباب العائلة، ويقدّم لهم التّقارير بما يجري في البيت، وكان في تلك التّقارير الكثير من السمّ المدسوس، وفي الحقيقة تهتمّ هذه السّيرة الذّاتيّة برسم ملامح الشّخصيّة المعنيّة، وتحلّل الظروف الّتي أحاطت بها أكثر ممّا تروي، وتحكي؛ ولذلك نلاحظ ضآلة الحكايات المرويّة داخل المقام السّردي الرّئيسي، فالسّارد في هذا النصّ إمّا يسرد ما يعايش مباشرة، أو يعوّل على بعض المراجع فيما يتعلّق بالحياة العامّة، وعلى هذا النّحو تقلّ الحكايات من الدّرجة الثّانية، أو تكاد تختفي، وهي كتابات عادة تتّصل مباشرة بالحكاية المركزيّة أي: حكاية الحياة الشّخصيّة.
    تتّخذ السّيرة الذاتيّة الّتي كتبها إدوارد سعيد "خارج المكان" شكل الرّسم الذّاتي "autoـ portrait". في هذه السّيرة الذاتيّة يميل السّارد إلى رسم ملامح شخصيّته المتطوّرة عبر رحلة الحياة الّتي عاشها؛ ولذلك لا تتباعد الحكايات القصيرة الّتي يرويها عن الحكاية المركزيّة أي: حكاية السّارد الخاصّة. لقد تحدّث السّارد في بداية الكتاب عن حياة أبيه وأمّه، ولكنّه رواها تدعيما لبعض ملامح شخصيّته باعتبارها ملامح كانت إلى حدّ ما استجابة لعمل الوراثة، وأثر تربية الطّفولة. ولكن العجيب أنّ السّارد كلّما روى قصّة خارج تجربته المباشرة يذكر مصدر قصّته، وأشار إلى مقامه السّرديّ إشارة دقيقة. فقد يكون من العادي -كما أشرنا- أن يذكر السّارد كيف تلقى الحكاية الّتي يرويها، ولم يعش وقائعها مباشرة، فهو على سبيل المثال عندما يتعرّض إلى حياة أبيه يذكر أنّه أخذ الخبر عن أبيه نفسه: "عن أبي أعلم أنّه درس في مدرسة سان جورج في القدس، وبرع في كرة القدم، والكريكت.."، ولكنّه من غير العادي أن ينشغل السّارد بالمقام السّردي، فيذكر السّارد والمسرود لـه، وكيفيّة سرده وتعليق السّارد الرّئيسي عليه، كأن يقول في سياق حديثه عن حياة أبيه، وما كان يرويه الأب عنها، غير أنّ أيّا ممّا تقدّم لم يُعط لي وفق سياقه الزّمني، أو القصّة الأخرى الّتي كان أبي يكرّرها باستمرار تتعلّق بسباق سباحة نظّمته جمعيّة الشبّان المسيحيين، أو بعد أميركا، تكتسب القصّة وتيرة متسارعة، وتبتعد كليّا عن التشبّه بروايات هواشيو آلجر الرّومانسيّة، وأحيانا يشير السّارد الأصلي في مثل هذه المقامات السرديّة إلى دوره في إثارة سارد الحكاية، وإلغاء المقام برمته؛ إذ يكرّر الأب سرد حكاية سباق السّباحة، ولكن عندما بلغت مطلع الثلاثينات لاح لي فجأة أنّ وديعا كان من البطء والعناد بحيث أخّر سائر النّشاطات، وهذا أمر لا يستحقّ الثّناء فقلت لأبي بعجرفة: مواطن تحرّر حديثا، لكنّه لا يزال ضعيف القدرات، إنّ شعار لا تستسلم أبدًا، قد يعني أيضا أنّك آفة اجتماعيّة تعرقل نشاط الآخرين، أشاح بنظره من دون أن ينبس ببنت شفة، وكانت تلك آخر مرّة رويت فيها تلك القصّة، وتظلّ أهمّ المقامات في هذا الكتاب المقام المركزي، وهو مقام الكتابة، فالسّارد يلحّ على ذكر الظروف الّتي أحاطت بكتابة هذه السّيرة الذّاتيّة، وهي ظروف المرض الّذي لا أمل من الشّفاء منه، وما تخلّلها من بعض الأعمال العاديّة الّتي تتقاطع مع كتابة السّيرة الذّاتيّة، فها هو يخاطب نفسه وقارئه معا في شأن هذه الظّروف قائلا: "هذه التّفاصيل مهمّة؛ لأنّها الوسيلة الّتي أفسّر بها لنفسي، وللقارئ مدى ارتباط زمن هذا الكتاب بزمن مرضي، بحقباته وطلعاته ونزلاته وتقلّباته كافّة، ولمّا كنت خلال أعمالي الأخرى، كتابة المقالات، وإلقاء المحاضرات، والتّدريس، والمهمّات الصّحفيّة، أعبر المرض مؤقّتا تلك الأعمال، بما يشبه القسر بواسطة مواعيد التّسليم، ودورات بدايات النّصوص، ومتونها والنّهايات، إذا أنا في هذه السّيرة تجرفني فترات العلاج والإقامات في المستشفيات، والألم الجسدي، والكرب الذّهني، وتتحكّم بكيفيّة الكتابة، وموعدها، ودوامها، ومكانها.
    في الخبز الحافي، يروي محمد شكري أحداثا عاشها، ولا يروي حكايات استمع إليها، وعندئذ تغيب الحكايات الثانويّة، وتختفي المقامات السرديّة الدّاخليّة. ثمّة مقام سرديّ واحد، وهو المقام الرّئيسي، فالسّارد لا يروي إلاّ الأحداث الحيّة الّتي عاشها، فالسّيرة الذّاتيّة كلّها هي من باب رواية الأفعال، ورواية الأقوال؛ ولذلك سنتبيّن أنّ أسلوب السّرد في هذا الكتاب أقرب إلى السّرد الرّوائي، لكنّ أسلوب السّرد يتغيّر في "زمن الأخطاء"، ومن المفيد أن نلاحظ عناية السّارد في هذا الجزء من السّيرة الذاتيّة، بتحديد الظروف الحافة بمقامه السّرديّ الرّئيسي في أكثر من موضع، فهو يذكر أنّه كتب فصولا منه: "في المقابر اليهوديّة والنّصرانيّة والإسلاميّة خاصّة المقابر الّتي يرجع عهدها إلى القرن التّاسع عشر في طنجة؛ ربّما لأنّ المقابر القديمة أكثر إيحاءً"، أو لأنّه يحبّ القديم، وفي موضع آخر يصف الحالة الموسيقيّة الّتي كان عليها، وهو يكتب سيرته: "أكتب الآن هذه المذكّرات على نشيد السّعادة في السّنفونيّة التّاسعة، واللّيلة الأولى لشوبان، سأترك للقارئ حريّة مزجهما في مخيّلته، وفي موضع ثالث يشير إلى أنّه يكتب فصلًا من فصول هذه السّيرة الذاتيّة في مستشفى الأمراض العقليّة على السّاعة الخامسة صباحًا.
    من خلال ما تقدّم نستنتج إذًا أنّ السّيرة الذّاتيّة يمكن أن تتضمّن مقامات سرديّة متعدّدة، ولكنّها تفضّل أن تكون هذه المقامات إن وجدت مقامات صريحة، بيد أنّ طبيعة هذه المقامات السرديّة إن وجدت ترتبط بتنوّع أشكال السّيرة الذّاتيّة، واختلاف أساليب السّرد فيها.
    ع1:
    مراثي أدب التراجم الذاتية
    ج3:
    السيرة الذاتية في الأدب العربي لحديث، لمحمد الباردي.
    عندما ألّف طه حسين كتاب "الأيّام"، وهو النصّ التّأسيسي الأوّل لجنس السّيرة الذّاتيّة في الأدب العربي الحديث، اختلف النقّاد في تحديد هويّته، وقد كان عبد المحسن طه بدر أوّل من أثار الإشكاليّة المنهجيّة المتعلّقة بجنس هذا الكتاب. فهو من ناحية يرى أنّ الباحث قد يظلم طه حسين لو اكتفى بأن يطبّق مقاييس الرّواية الفنيّة على الكتاب، ثمّ ينفض يده بعد ذلك من الأمر كلّه، ثمّ يلاحظ من ناحية أخرى أنّنا لا نستطيع أن نعتبر كتاب "الأيّام": مجرّد ترجمة ذاتيّة للمؤلّف وقف عند هذا الحدّ، ولئن لم يستطع عبد المحسن طه بدر أن يضبط الحدود الفاصلة بين الرّواية الفنيّة، والتّرجمة الذاتيّة، فإنّ كتاب "الأيّام" يظلّ في الحقيقة كتابا سجاليّا إلى الآن. فعندما نسعى إلى الاستفادة من أساليب البحث الحديثة نلاحظ أن الكتاب جاء خاليا من ميثاقه السّير ذاتي، بل لعلّه ميثاق ينأى بنا عن السّيرة الذّاتيّة، ويدنو من الكتابة التّسجيليّة التّاريخيّة، إذ تحيل أيّام طه حسين لفظا على أيّام العرب في ذهن المتلقّي، ويعسر تأكيد علاقة التّطابق بين الأطراف الرّئيسيّة الثلاثة التي تؤسّس السّيرة الذاتية، وهي السّارد، والمؤلّف، والشّّخصيّة إلاّ عبر معادلة رياضيّة نستنتجها استنتاجا من الفصل الأخير من الجزء الأوّل من كتاب "الأيّام"؛ ولذلك يكتسي هذا الفصل بالنّسبة إلى الباحث أهميّة قصوى، فهو مفتاح الكتاب؛ لأنّه يجيب عن الإشكاليّات الفنيّة المتعلّقة بجنس الكتاب ويرفع اللّبس الّذي أشار إليه عبد المحسن طه بدر.
    للمرّة الأولى يرفع السّارد قناعه ويكشف عن وجهه، وهو يخاطب ابنته، وهي في التّاسعة من عمرها؛ ليفصح عن بعض سماته المميّزة لـه: إنّك يا ابنتي لساذجة سليمة القلب، طيّبة النّفس، أنت في التّاسعة من عمرك، في هذه السنّ الّتي يعجب فيها الأطفال بآبائهم وأمهاتهم، ويذكر زوجته ذكرا يبطن امتنانا، وتقديرا وحبّا، لقد حنا يا ابنتي هذا الملك على أبيك، فبدله من البؤس نعيما، ومن اليأس أملا، ومن الفقر غنى، ومن الشّقاء سعادة وصفوا، ثمّ يذكر عاهته ذكرا يثير الشّفقة عندما يشبه نفسه بأوديب الذي مضى في طريقه بلا بصر، رأيتك ذلك اليوم تسمعين هذه القصّة مبتهجة من أوّلها، ثمّ أخذ صوتك يتعثّر قليلًا قليلًا. وما هي إلاّ أن أجهشت بالبكاء، وانكببت على أبيك لثما وتقبيلًا، وفهمت أمّك وفهم أبوك، وفهمت أنا أيضا أنّك إنّما بكيت لأنّك رأيت أوديب الملك كأبيك مكفوفًا لا يبصر.
    إنّها إشارات قليلة، ولكنّها ذات أهميّة قصوى؛ لأنّها تطرح العلاقة الممكنة بين السّارد ولشّخصيّة والمؤلّف، وتحديد هذه العلاقة يتّصل أساسًا بتحديد جنس هذا الكتاب.
    بيد أنّ هذه العلاقة من خلال هذا الفصل، لا تخلو من تعقيد ولبس، فالسّارد يصرّح بأنّه يخاطب ابنته، لقد عرفته يا ابنتي في هذا الطّور من أطوار حياته، وهو يصرّح كذلك أنّ هذه البُنيّة التي هو أبوها، هي في الوقت ذاته ابنة الشّخصيّة المركزيّة في الكتاب أي: ذاك الّذي كان طفلًا، وحرمته الحياة من متعة البصر والنّور، وإنّي لأخشى لو حدّثتك بما عرفت من أمر أبيك حينئذ أن يملكك الإشفاق وتأخذك الرّأفة فتجهشي بالبكاء، وإنّي لأخشى يا ابنتي إن حدّثتك بما كان عليه أبوك في بعض أطوار صباه أن تضحكي منه قاسية لاهية وما أحبّ أن يضحك طفل من أبيه.
    فإذا كانت البنيّة في الوقت ذاته ابنة السّارد وابنة الشّخصيّة المحوريّة، فالسّارد وفق عمليّة رياضيّة بسيطة هو الشّخصيّة المحوريّة.
    وإذا كان المؤلّف كما نعلم ذلك من خارج النصّ، هو طه حسين، هذا الرّجل الّذي فقد بصره منذ كان طفلا وهو متزوّج من هذه المرأة الفرنسيّة الّتي يتحدّث عنها في النصّ، وهو أبو أمينة، ومؤنس عند تأليف هذا الجزء الأوّل من كتاب "الأيّام"، ويعلمنا فضاء السّيرة الذّاتية، ما نعلم عن علاقة المؤلّف بهذه المرأة الفرنسيّة يؤكّده النص ذاته عندما يقول سارد السيرة الذّاتيّة، ليس دين أبيك لهذا الملك بأقلّ من دينك فلتتعاونا على أداء هذا الدّين وما أنتما ببالغين من ذلك بعض ما تريدان، فإذا كان الأمر على هذا النّحو فإنّ السّارد يتطابق مع المؤلّف، وهكذا تتحقّق المعادلة في هذا الكتاب، ونجملها في الصّيغة الرّياضيّة التّالية: السّارد = المؤلّف= الشّخصيّة.
    كذلك تتمثّل أهميّة هذا النصّ في علاقته بسارده، فهو الفصل الوحيد الّذي يستعمل فيه السّارد ضمير المتكلّم عوضا عن ضمير الغيبة الّذي ساد الجزء الأوّل من كتاب "الأيّام" كامله، إنكّ يا ابنتي لساذجة سليمة القلب، طيّبة النّفس، أليس الأمر كما أقول، ولكن استعمال ضمير المتكلّم استثناء، وليس قاعدة في هذا الجزء من كتاب "الأيّام"، كما أنّ استعمال ضمير الغيبة يُعدّ في حدّ ذاته استثناءً في السّيرة الذّاتيّة دائما.
    ولكنّ الكاتب في هذا النصّ عوّض ضمير الغيبة بهذا الفصل الواضح والمعلن بين السّارد والشّخصيّة أي: بين السّارد الأب، وبين الشّخصيّة الأب، وهو فصل مصطنع -كما أسلفنا- غايته: تأكيد التّباعد بين السّارد والشّخصيّة الّتي يتحدّث عنها، وهو أمر يثير إشكالا عميقا في هذا الكتاب. فقد فُسّر هذا التّباعد المتمثّل في استعمال ضمير الغيبة، أو في الفصل بين السّارد والشّخصيّة شأن هذا النص بأنّ المؤلّف لا يريد أن يعرض لصوره ومواقفه من زاوية الصبيّ وحده، ولا يريد أن يلوّن هذه الصّور والمواقف باللّون الذي يتلاءم مع التطوّر النّفسي والعقلي للطّفل، وهو في هذه الحالة لا يستطيع أن يقف من هذه المواقف موقف المعلّق والمحلّل والمفسّر.
    كما انّه لا يستطيع أيضا أن يبعد عن الصبيّ ويهمله ليتحدّث عن بيئته، ويحلّل مظاهر تخلّفها كما فعل في كتاب "الأيّام" بأجزائه المختلفة. إنّ الفصل بين السّارد وبين الصبيّ موضوع السّرد بواسطة ضمير الغائب يعفي السّارد من كلّ هذه القيود، ويمنحه مزيدا من الحريّة، فيستطيع -والحالة هذه- أنّ يصوّر المواقف من خلال إحساس الصبيّ، ويعلّق عليها من وجهة نظره، وأن يترك الصبيّ أحيانا كثيرة أو يهمله؛ ليتحدّث عن البيئة كما يحلو لـه. ثمّ إنّ توظيف ضمير الغائب يمنح السّارد الفرصة للفصل بين وجوده لحظة الكتابة، وبين هذه الذّكريات المرّة الّتي يريد أن يؤكّد انتصاره عليها، والّتي لا يريد لابنته ولا لأبناء النّاس جميعا أن يتعرّضوا لها كما صرّح بذلك في هذا النص عندما يقول: أليس الأمر كما أقول؟ الست ترين أنّ أباك خير الرّجال وأكرمهم؟ أليس ترين أنه قد كان كذلك خير الأطفال وأنبههم؟ ألست مقتنعة أنّه كان يعيش كما تعيشين أو خيرا ممّا تعيشين؟ ألست تحبّين أن تعيشي الآن كما كان يعيش أبوك حين كان في الثّامنة من عمره؟ ومع ذلك فإنّ أباك يبذل من الجهد ما يملك، ويتكلّف من المشقّّة ما يطيق وما لا يطيق ليجنّبك حياته حين كان صبيّا. ما حلّلناه إذا لا يعدو أن يكون وجها من وجوه تفسير هذا الفصل المقصود والمتعمّد بين السّارد، والكاتب، والشّخصيّة، وهو فصل زائف يوغل في الإيهام كما أسلفنا.
    أمّا الوجه الثّاني: فهو يتمثّل في رغبة واضحة لدى الكاتب في الاستعلاء على الموقف في حدّ ذاته أي: على كلّ هذا العالم الّذي يصوّره في كتاب "الأيّام". فطه حسين يتعمّد الفصل بين شخصيّة المؤلّف وبين شخصيّات الكتاب، فهو مثلًا يشير إلى والده أي: والد الصبيّ بلفظ "الشّيخ"، وهو فعل يؤكّد موقف الاستعلاء تجاه هذه الشّخصيات؛ ذلك أنّ غاية المؤلّف القصوى هي إبراز حرمان "بطل" الكتاب، وهو ما دفعه إلى اتّخاذ موقف موحّد تجاهها، وهو موقف يتمثّل في عدم التّعاطف معها باستثناء الأخت والأخ اللذّين مات، وهو تبعا لذلك، لا يرسمها إلاّ من جانب واحد، وهو جانب القسوة فيها، فيشير مثلًا إلى ظلم أبيه، وإهمال أمّه لـه كأن يقول مثلًا: أحسّ أنّ الحياة مملوءة بالظّلم والكذب، وأنّ الإنسان يظلمه حتّى أبوه، وأن الأبوّة والأمومة لا تعصم الأب والأم من الكذب، والعبث، والخداع.
    تلك هي بعض وجوه تفسير موقع السّارد في هذا الكتاب، وهو موقع إشكاليّ؛ لأنّ استعمال ضمير الغائب يخرج الكتاب في كثير من الأحيان من سرد الحياة الخاصة إلى وصف الحياة العامّة، فثمّة فصول عديدة يهمل السّارد فيها صبيّه؛ ليتحدّث عن بعض العادات والتقاليد، وأساليب التّعليم في الكتّاب، وانتشار الجهل في المجتمع الرّيفي، وكلّ هذه المقاطع الوصفية التأمّليّة هي أقرب إلى المقاطع المتّصلة بالسّرد الرّوائي.
    و لهذا السّبب يكتسي هذا النصّ أهميّة خاصّة، فكأنّ طه حسين قد فطن إلى هذا الأمر، فأنهى كتابه بفصل مغاير تماما إذ يترك زمن الوقائع والتّجربة ليعود إلى زمن الكتابة، ويعقد مع القارئ ما يشبه الميثاق السير الذّاتي غير المعلن من خلال هذه المعادلة الّتي أشرنا إليها مذكّرا بأنّه رغم كلّ شيء لا يزال يروي سيرته الذّاتيّة. ورغم هذه الإشكاليّات الّتي أشرنا إليها يظلّ "كتاب "الأيّام"" بالنّسبة إلينا النصّ التأسيسي الأوّل للسّيرة الذّاتيّة في الأدب العربي الحديث.
    بيد أنّ هذا الكتاب لم يرسم النّهج، ولم يجمع مريدين إلاّ في زمن متؤخّر. لقد كان لعبّاس محمود العقّاد قبل وفاته مشروع كتابة تأليف في حياته الشّخصيّة عنّي، وكان يعتزم تقسيمه إلى جزئين، يتعلّق الجزء الأوّل بحياته الشّخصيّة، ويؤرّخ الجزء الثّاني لحياته الأدبيّة، والسّياسيّة، والاجتماعيّة، ولكنّه ر حل قبل إنجاز المشروع، ومع ذلك ظهر للنّاس كتاب "أنا" .
    يقول العقّاد جوابا على طلب طاهر الطناحي رئيس تحرير مجلّة الهلال: سأكتب هذا الكتاب، وسيكون عنوانه: "عنّي"، وسيتناول حياتي من جانبين:
    الأوّل: حياتي الشّخصيّة بما فيها من صفات وخصائص وشأني، وتربيتي البيتيّة، والفكريّة، وآمالي، وأهدافي، وما تأثّرت به من بيئة وأساتذة، وأصدقاء، وما طبع، وانطبع في نفسي من إيمان، وعقيدة، ومبادئ، أو بعبارة أخرى عبّاس العقّاد الإنسان الّذي أعرفه أنا وحدي لا عبّاس العقّاد كما يعرفه النّاس، ولا عبّاس العقّاد كما خلقه اللّه.
    والجانب الثّاني: حياتي الأدبيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة المتّصلة بمن حولي من النّاس أو بالأحداث الّتي مرّت بي وعشت فيها، أو عشت معها، وخضت بسببها عدّة معارك قلميّة، وكانت صناعة القلم أبرز ما فيها أو بعبارة أخرى حياة قلمي الّذي عاش معي، وعشت معه منذ بدأت أكتب في الصّحف السياسيّة والأدبيّة، وأنا في السّادسة عشرة حتّى الآن.
    و قد عرض عليهم على أنّه سيرة ذاتيّة، لكنّ للكتاب قصّة إشكاليّة مثيرة فهو قبل أن يظهر كان في الأصل مجموعة فصول كتبت في أزمنة متفاوتة، وبطلب من مجلّة الهلال الّتي نشرت لـه سنة 1933 فصلا موسوما بـ "بعد الأربعين"، وفيه وصف حياته النّفسيّة، وحالته الفكريّة في سنّ الأربعين، وتحدّث عن فلسفته بين الشّباب والكهولة، وعن تجاربه الشّخصيّة بين العشرين والأربعين وفي سنة 1943 أصدر مقالًا بعنوان: وفي الخمسين تناول فيه حياته وحياة أمثاله ممّن بلغوا سنّ الخمسين، وما يعتور أصحابها من حالات نفسيّة، ونظرات جديدة إلى الحياة تختلف عن نظرات أبناء العشرين والثّلاثين والأربعين، ونشر عام 1947 مقالا حمل عنوان: "إيماني"، ثمّ مقال "أبي"، وغيرها من المقالات، وقد صدرت كلّها متقطّعة في مجلّة الهلال بطلب من محرّرها الطّاهر الطنّاحي، وبعض المجلاّت الأخرى، ثمّ جمعت فيما بعد لتنشئ كتاب "أنا" لعبّاس محمود العقّاد بعد وفاته.
    و عندما نتأمّل في هذا الكتاب يبدو لنا مؤلّفا غريبًا، فهو في الحقيقة تأليف بين نصوص كان قد نشرها العقّاد في بعض الصّحف والمجلاّت، وفصول كانت قد صدرت في بعض الكتب الأخرى الّتي كان العقّاد قد نشرها، فالفصل التّاسع من الكتاب يتضمّن ثلاثة مقالات هي: في مكتبتي، بين كتبي، وفي بيتي، وهي في الحقيقة فصول كان قد اجتثّها طاهر الطنّاحي من كتاب يحمل عنوان: "في بيتي" كان العقّاد قد نشره من قبل، وفي الحقيقة لم يحذف النّاشر من هذا الكتاب إلاّ ما يفوق الثّلاثين صفحة، وهي صفحات ينقد فيها العقّاد الشيوعيّة والشيوعيين، وقد حاول رضا اليعقوبي أن يفسّر هذا الحذف بالظروف السياسيّة التي حفّت بصدور هذا الكتاب.
    و لا شكّ أنّ الباحث يدرك أهميّة الدّور الّذي لعبه ناشر الكتاب رئيس تحرير مجلّة الهلال آنذاك، وهو طاهر الطنّاحي فهو الّذي دعا المؤلّف عبّاس محمود العقّاد إلى كتابة هذه الفصول المتعلّقة بحياته الشخصيّة، وهو الّذي رتّبها على النّحو الّذي نقرؤه في كتاب "أنا"، وهو الّذي اصطفاها، وانتقاها من بعض المجلاّت والصّحف الّتي كان العقّاد قد نشر مقالاته فيها. وبالتّالي يعدّ النّاشر شريكًا بصفة ما في كتابة هذه السّيرة الذّاتيّة وقد علقنا على هذا الكتاب سابقا بقولنا "إنّ السّارد في هذا الكتاب ذو وجهين، فهو من ناحية عبّاس محمود العقّاد مؤلّف فصول الكتاب، وهو من ناحية أخرى كائن أجنبيّ، وهو طاهر الطنّاحي مرتب هذه الفصول ومصطفيها وجامعها؛ ولذلك يحمل الكتاب في اعتقادنا ازدواجة أكيدة إذ يتّخذ من ناحية شكل السّيرة الذّاتيّة؛ إذ اعتبرنا أنّ العقّاد يتحدّث عن نفسه، ويتّخذ من ناحية أخرى شكل سيرة فقط؛ إذ يمكن أن نعتبره كتابا عن عبّاس محمود العقّاد وضعه محرّر مجلّة الهلال، وقد عقّب رضا اليعقوبي في أطروحته "عبّاس محمود العقّاد مترجما لذاته" قائلا: ونحن على اضطرار إلى مخالفة هذا الرّأي؛ لأنّه لا يمثّل واقع هذا الكتاب في التّأليف والكتابة، ولعلّه من الأصحّ أن نقول: إنّ الطنّاحي هو مؤلّف الفصول بمعنى: الجامع لمقالاتها والمؤلّف بينها، فليس لـه مقال واحد شارك به في تأليف هذا الكتاب، وذلك بصرف النّظر طبعا عن المقدّمة وعنوانها: "الكاتب والكتاب".
    و لا شكّ أنّ القارئ يدرك أنّ القصد من الشّراكة ليس إدراج فصول بقلم ناشر الكتاب ومقدّمه، ولكنّها شراكة بمعنى: أنّ المؤلّف يحمل روح النّاشر واختياراته، وقد لاحظ رضا يعقوبي ذاته أنّ النّاشر قد حذف صفحات تبطن موقفا من الكاتب تجاه الشّيوعيّة والشّيوعيين، وحذفه هو موقف للنّاشر يبرزه الكتاب ونستشفّه منه، وبالتّالي فإنّ كتاب "أنا" يحمل في الوقت ذاته روح مؤلّفه وروح ناشره ولكنّ مثل هذا الأمر في كتابة السّيرة الذّاتيّة ليس جديدا. فثمّة كتّاب ألّفوا سيرهم الذّاتيّة بصياغة غيرهم ويكفي أن نذكر على سبيل المثال أنّ السّيرة الذاتيّة للشّاعر الفرنسي الكبير فكتور هوغو صاغتها ابنته ولم يضعها هو بنفسه. فهي بالتّالي تحمل ازدواجيّة أكيدة فكأنّها سيرة كتبها مؤلّف، ولكنّها سيرة أقرّها صاحبها، ونُسبتْ إليه وحملت اسمه، فتحوّلت إلى سيرة ذاتيّة.
    نضيف إلى هذه الإشكاليّة ما يتعلّق بزمن الكتابة، وهو في الحقيقة زمن متقطّع؛ ذلك أنّ هذه السّيرة الذّاتيّة هي مجموعة من الفصول المستقلّة بعضها عن بعض كانت قد صدرت في شكل مقالات في الصّحف والمجلاّت في أزمنة متفاوتة تفصل بينها أشهر وعقود، وخضعت لظروف وأسباب مختلفة، وبالتّالي فهي تفتقر إلى الاسترسال الضروري الّذي يوحّد زمن الكتابة، ويعرض الأسباب والدّوافع الموضوعيّة الّتي جعلت عبّاس محمود العقّاد يكتب سيرته الذّاتيّة.
    بيد أنّ عبّاس محمود العقّاد ألّف كتابا ثانيًا بعنوان: "حياة قلم"، وكتب أغلب فصوله طيلة شهرين ونصف تقريبا، ولكنّ موضوعه اقتصر على وصف جانب واحد من حياته، وهو ما يتعلّق بحياته الصحفيّة منذ انخراطه في العمل الصحفي إلى أنّ أصبح كاتبا صحافيّا مشهورًا، وقد استغرق هذا الجانب الفصول الثّمانية الأولى. بيد أنّ الفصول الخمسة الأخيرة لا علاقة لها بالسّيرة الذّاتيّة، فهي أقرب إلى مجموعة من البحوث يتّصل بعضها بمشاهداته في فلسطين قبل التّقسيم، وكان بعضها الآخر بمثابة مقالات في الأدب، والفلسفة، والشّعر، والدّين، وهي مقالات لم تنشر في كتبه المألوفة، فضمّها الطنّاحي إلى هذا الكتاب.
    و لئن رسم الكاتب بعض ملامح شخصيّته في هذا الكتاب فإنّه من الصّعب أن نعتبر هذا الكتاب سيرة ذاتيّة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة؛ لأنّه يقتصر على وجه واحد من وجوه شخصيّة صاحبه، وهو وجه عام وليس وجها خاصّا، فهو بالتّالي ليس قصّة حياة شخصيّة، فينتفي السّرد الّذي يميّز القصّة مهما كان نوعها إضافة إلى هيمنة النّزعة التّحليليّة، وتسلّط التّفكير العقلي على حساب الوجدان والذّات، وعلى هذا النّحو يظلّ كتاب "أنا"، رغم الإشكاليّات الّتي طرحناها أقرب نصوص العقّاد إلى السّيرة الذاتيّة.
    لقد كان إبراهيم عبد القادر المازني صديقًا حميمًا للعقّاد، ولكنّه أصدر كتابه "قصّة حياة"، وهو على قيد الحياة، وهو كتاب في السّيرة الذّاتيّة لاشكّ يختلف اختلافا جوهريّا عن كتابيه إبراهيم الكاتب، وإبراهيم الثّاني، ومع ذلك فهو يثير بعض الإشكاليّات الفنيّة المتّصلة بطبيعة الجنس الأدبي وحدوده، فالمؤلّف يصدّر كتابه بهذه العبارة: هذه ليست قصّة حياتي، وإن كان فيها كثير من حوادثها، والأولى أن تعدّ قصّة حياة، ولسنا ندري بالتّحديد المعنى الّذي يقصده مؤلّف حصاد الهشيم، فهل تغلّب طبع المرح، شأن المؤلّف دائما، فأراد أن يراوغ ويباعد، أم كان المؤلّف وهو يصدر كتابه على وعي بطبيعة كتابه، وبطبيعة الجنس الأدبي الّذي ينتمي إليه؟ والكتاب في الحقيقة متقطّع، يكثر فيه الاستطراد الّذي يفسّره الكاتب، وهو على وعي بخطورته في كتاب يريد أن يكون في السّيرة الذّاتيّة فيقول مثلًا: ولماذا أكتب كلّ هذا؟ ما صلته بموضوع الكتاب؟ لا أدري، سوى أنّي لطول اعتباري أن أتدبّر نفسي، وأدير عيني في جوابها، أصبحت أعتقد أنّي أستطيع أن أعرّف النّاس بنفوسهم إذا وسعني أن أكشف لهم عن عيونهم صورة صافية، لا مزوّرة ولا مموّهة، من هذا الإنسان الّذي هو أنا والّذي هو أيضا كلّ امرئ وغيري، وهو في موطن آخر من الكتاب يستطرد كذلك على هذا النّحو: وأمر آخر أردته وأظنّه ممّا ساقني فاستطردت، ذلك أنّ النّاس أشباه متماثلون وإن تفاوتت بهم الأموال.
    و نتج عن هذه الاستطرادات الكثيرة في النصّ: أن تعطّل السّرد وتقطّع القصّ لكي يقف تماما في الفصول الستّة الأخيرة؛ ليتحوّل السّارد إلى متأمّل في الحياة، فيتحدّث عن انقباضه من النّاس، وتشاؤمه، ويتحدّث عن السّلوك، وتغيّر الأحوال، وعن إعادة طبع ديوانه الشّعري؛ لينهي كتابه بضرب من الاعترافات قائلًا: يمكن أن أقول: ويمكن أن يصدّق القارئ أنّي كنت في شبابي أواقع الحياة مواقعة الهواء، أمّا الآن فإنّي أواقعها مواقعة المحترف، وقد صارت الحياة عندي حرفة تعلّمتها، وحذفت منها الجانب الذّي طلبته، ورأيته أوفق لي والفرق بين الهاوي، والمحترف لا يحتاج إلى بيان، وهي اعترافات تستوفي الفصل الأخير من الكتاب، وتؤكّد على صورة الموت، واضطراب المؤلّف النّفسي، وجزعه منه؛ ولذلك تُثقل هذه الفصول الأخيرة الكتاب، وتخرجه عن سياقه السّير الذّاتي.
    ولقد كتب أحمد أمين عام 1950 سيرته الذّاتيّة "حياتي"، لكن مؤلّف "فجر الإسلام" لم يكن قصّاصا أو روائيّا شأن الروّاد المصريّين السّابقين؛ إذ مارسوا فنّ السّرد، بل كان باحثا؛ ولذلك جاءت سيرته الذاتيّة أقرب إلى المقال، فقد هيمنت النّزعة التّحليليّة فلا يأتي المقطع السّردي في أغلب الأحيان إلاّ لكي يكون استشهادا على فكرة وتأكيدا لموضوع، ثمّ إنّ الكتاب يجمع بين التّحليل لأبعاد شخصيّة صاحب السّيرة الذّاتيّة، ومكوّناتها عبر مسيرتها التّاريخيّة، وبين المذكّرات المؤرخة، وبين المشاهدات الّتي تكون أقرب إلى أدب الرّحلة، فقد وصف رحلاته إلى العراق، والحجاز، وتركيا، وفرنسا في استطرادات تخرج بالكاتب والقارئ عن سياق السّيرة الذاتيّة.
    لكنّ مثل هذه الإشكاليّات تتّخذ في كتاب "سبعون" لميخائيل نعيمة شكلًا آخر فإضافة إلى الاستطرادات الكثيرة المتمثّلة في تحديد مواقفه من بعض المسائل الفكريّة والأدبيّة والاجتماعيّة، وفي
    عرض تأمّلاته في الحياة والموت يضمّن كتابه عددًا من الرّسائل، وهو يبرّر هذا المنهج في التّأليف
    بقوله: و هذه الرّسائل هي الآن بين يدي، وقد وقعت في بعضها على أشياء حريّة بأن تأخذ مكانها
    من هذا الكتاب، أليس أنّي أروي حكاية عمري؟ وفيما سأنقله جانب من تلك الحكاية، بيد أنّ ما
    يلفت الانتباه أكثر هو ميل مؤلّف "سبعون" إلى الاقتباس ممّا ورد في كتبه. فالفصل الموسوم ب"ثورة
    وهدنة" تضمّن نصوصا كاملة من كتاب مراحل، وفصل ساعة الكوكو يتضمّن القصّة القصيرة الّتي تحمل
    العنوان ذاته، ونشرت في مجموعة "كان ما كان"، واقتبس فصل "بذور" من مجموعة مقالات وردت في
    كتاب "زاد المعاد" واقتبس فصل مع الطّبيعة من كتاب "النّور والديجور"، وكذلك يحتوي فصل "ماتت التي
    ولدتني" اقتباسا طويلًا من مقال "قلوب الوالدات" الوارد في كتابه "صوت العالم"، إضافة إلى تضمين
    بعض قصائده.
    إنّ هذا المنهج في التّأليف يرهّل بنية الكتاب، ويعطّل بدوره السّرد، ويجعل السّيرة الذّاتيّة أشبه ب
    الجنس الهجين، شأنه شأن الرّواية، يجمع بين قصّة الحياة الشّخصيّة والرّسائل والتأمّلات والخواطر
    الفكريّة والأدبيّة والمقتبسات الأدبيّة.
    و هكذا يتّضح لنا أن نصوص التّأسيس عامّة تعدّدت فيها المسارب، واختلفت الأساليب فأضحى من
    الصّعب أن نتحدّث عن شكل قار ونهائي في السّيرة الذاتيّة، وبالتّالي يظلّ السّؤال الجوهري قائما:
    هل يمكن الحديث في النّصوص الّتي تتّخذ من الحياة الشّخصيّة لمؤلّفيها موضوعا لها ومرويّا أساسيّا
    عن جنس أدبيّ متميّز قائم بذاته نسمّيه سيرة ذاتيّة، أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال
    التّعبير يأخذ من أجناس الحكي المختلفة وهو لا يقوم بذاته؟
    وممّا تقدّم نستنتج: أنّ هذه النّصوص التّأسيسيّة الأولى كانت متنوّعة في أساليبها ومختلفة في طرقها، فلئن جمع بينهما هدف واحد وهو الإحساس في لحظة من لحظات العمر بوطأة الزّمن وبضرورة تسجيل مرحلة من مراحل الحياة تأكيدا للذّات، ودفعا لشبح الموت، وتتويجا لرحلة عمر، أو قولًا حاسمًا في بعض الآراء الجداليّة الّتي واجهت هذا الكاتب أو ذاك في حياته السّابقة، فإنّها لم تعرض على اللاّحقين شكلًا نهائيّا واضح المعالم، فلقد كان كتاب العقّاد "أنا" جملة من المباحث تتعلّق بمواضيع مختلفة، تتّصل بحياته وتجاربه في الحياة بأسلوب العالم حينا، والمحلّل النّفسي حينا آخر، والمفكّر الفيلسوف أحيانا كثيرة؛ ولذلك فهي أقرب إلى التأمّلات في الحياة، والوجود من أن تكون قصّة حياة شخصيّة، وكذا كانت قصّة حياة المازني في قسمها الأخير خاصّة، كما كان كتاب "حياتي" لأحمد أمين مزيجا من السّيرة الذّاتيّة، ومن المذكّرات اليوميّة في شكله العامّ؛ لينتهي إلى ما يشبه الرّسم الذّاتي Auto portrait ذلك أنّ أحداث الحياة الخاصّة تدعّم الصّفة الأخلاقيّة والجسديّة، ومنها تنبثق العبر، ويقلّ السّرد، ويخفت ليقوى الوصف الأخلاقي والفزيولوجي، وتأتي الحادثة المسرودة لتدعّم صفة وتقوّيها. فتلك هي سمات السّيرة الذّاتيّة في نصوصها الأدبيّة الأولى.
    ع2:
    الترجمة الغيرية والسير
    ج1:
    الموسوعة العربية العالمية.

    السّيرة لغةً: الطريقة والهيئة. وسار فلان سيرة حسنة: إذا سلك في حياته مسلكًا حسنًا. وسَيَّر سيرةً: حدّث أحاديث الأوائل. أمّا في الاصطلاح، فالسّيرة نوع أدبي يعرّف بحياة عَلَم أو مجموعة من الأعلام. وهي قسمان:
    السّيرة وهي قصة حياة شخص يكتبها شخص غيره، والسّيرة الذاتية وهي قصة حياة شخص يكتبها بنفسه عن نفسه.
    وهناك أنواع كثيرة من السّير منها السّيرة الشعبية والتاريخية والأدبية، وتُعد تراجم الأعلام سيرًا، إلا أنها مختصرة تتناول أهم الأحداث في حياة المترجم له.
    السّيرة في الأدب العربي: عرف تراث الأدب العربي سيرًا شتى، في مقدمتها سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن هشام، ثم سير الشخصيات الأخرى، مثل سيرة ابن طولون، للبلوي، و سيرة صلاح الدين لابن شدّاد.
    ولعل ابن زولاق المؤرخ (ت 387هـ، 997م) من أنشط من كتبوا في سير الآخرين، إذ كتب سيرة سيبويه المصري، وهو شخصية غريبة الأطوار ولا تخلو من طرافة، كما كتب أيضًا مجموعة سير أخرى، مثل سيرة الإخشيد و سيرة جوهر الصّقلّي و سيرة المعز لدين الله الفاطمي، وباستثناء سيرة سيبويه، وأجزاء من سير أخرى، فإن مؤلفات ابن زولاق لم يُعثَر عليها. ومن الواضح أن صفة التاريخ لا الأدب كانت الصفة التي حكمت مؤلفات ابن زولاق وطائفة أخرى من كتّاب السّير، ومن هنا عُدّت هذه السّير مصادر للمؤرخين أكثر منها نماذج أدبية. ومع هذا، فإن هذه السّير كانت تمثل تيارًا قويًا غزير الإنتاج، عُرف من بين كُتّابه، عدا ابن زولاق، أسماء أخرى، مثل: ابن عبد الحكم، وابن الداية، والبلوي، واليازوري وزير المستنصر الفاطمي بمصر، ومحيي الدين بن عبد الظاهر وابن دقماق والعيني، وقد حظيت مصر بنصيب وافر من كتابة السّيرة التاريخية.
    ع3:
    الرحلات وتدوينها
    ج1:
    الموسوعة العربية العالمية.

    أدب الرحلات ذلك الأدب الذي يصور فيه الكاتب ما جرى له من أحداث وما صادفه من أمور في أثناء رحلة قام بها لأحد البلدان. وتُعد كتب الرحلات من أهم المصادر الجغرافية والتاريخية والاجتماعية، لأن الكاتب يستقي المعلومات والحقائق من المشاهدة الحية، والتصوير المباشر، مما يجعل قراءتها ممتعة مسلية.
    عرف العرب أدب الرحلات منذ القدم، وكانت عنايتهم به عظيمة في سائر العصور. ولعل من أقدم نماذجه الذاتية، رحلة التاجر سليمان السيرافي بحرًا إلى المحيط الهندي في القرن الثالث الهجري، ورحلة سلام الترجمان إلى حصون جبال القوقاز عام 227هـ، بتكليف من الخليفة العباسي الواثق، للبحث عن سدّ يأجوج ومأجوج، وقد روى الجغرافي ابن خُرْدَاذْبُهْ (ت 272هـ) أخبار هذه الرحلة. ثم تأتي رحلات كل من المسعودي (ت346هـ) مؤلف مروج الذهب، والمقدسي صاحب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، والإدريسي الأندلسي في نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، هذا إلى رحلة الرحالة المؤرخ عبد اللطيف البغدادي (ت 629هـ).
    وتأتي رحلة البيروني (ت 440هـ)، المسماة تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، نموذجًا فذًّا مخالفًا لكل ما سلف، إذ تُعد وثيقة تاريخية هامة تجاوزت الدراسة الجغرافية والتاريخية إلى دراسة ثقافات مجتمعات الهند قديمًا، ممثلة في لغاتها وعقائدها، وعاداتها، مع عناية خاصة باللغة السنسكريتية، وهي لغة الهند القديمة، إذ يتناولها البيروني بالتحليل، ويقارن بينها وبين اللغة العربية على نحو جديد. وقد أعانه على ذلك إتقانه اللغة السنسكريتية، وثقافته الواسعة، وميله إلى التحقيق والدقة، فضلًا عن إقامته الطويلة بالهند، حيث قاربت الأربعين عامًا. وكان البيروني قد دخلها برفقة السلطان محمد الغزنوي عند فتحه الهند، ثم انطلق سائحًا متأمِّلا.
    ويعد القرن السادس الميلادي وما يليه من أكثر القرون إنتاجًا لأدب الرحلات. وهنا يطالعنا ضمن النماذج العديدة نموذجان هما: رحلة ابن جبير الأندلسي (ت 614هـ). انظر: الجبير. وهي في الواقع ثلاث رحلات، أولاها إلى مكة للحج، وثانيتها للمشرق وقد استغرقت عامين (585 - 587هـ، 1189 - 1191م)، والثالثة للمشرق أيضًا، قام بها وهو، آنذاك، شيخ كبير أراد أن يتعزَّى عن فقد زوجته عام 601هـ، ولم يعد، بعدها، للأندلس بلده، بل مكث قرابة عشر سنوات متنقلًا بين مكة وبيت المقدس والقاهرة مشتغلًا بالتدريس إلى حين وفاته بالإسكندرية، وسجل لنا مقاومة المسلمين للغزو الصليبي بزعامة نور الدين وصلاح الدين، كما وصف مظاهر الحياة في صقلية وبلاط النورمان، في لغة أدبية وتصوير شائق، هذا فضلًا عن وصفه مظاهر الرغد والحياة المزدهرة في مكة المكرمة.
    والنموذج الثاني في أدب الرحلات يمثله ابن بطوطة (ت779هـ). انظر: ابن بطوطة. وهو أعظم رحالة المسلمين، وقد بدأت رحلته عام 725هـ من طنجة بالمغرب إلى مكة المكرمة، وظل زهاء تسع وعشرين سنة يرحل من بلد إلى بلد، ثم عاد في النهاية ليملي مشاهداته وذكرياته على أديب كاتب يدعى: محمد بن جُزَيّ الكلبي بتكليف من سلطان المغرب وسمَّى ابن بطوطة رحلته تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. وروى ابن بطوطة مشاهداته لبلدان إفريقية وكان هو أول مكتشف لها، كما صور الكثير من العادات في مجتمعات الهند بعد ثلاثة قرون من الفتح الإسلامي لها. والرحلة، في عمومها، صورة شاملة دقيقة للعالم الإسلامي خلال القرن الثامن الهجري، وإبرازٌ لجوانب مشرقة للحضارة الإسلامية والإخاء الإسلامي بين شعوبه، بما لا نجده في المصادر التاريخية التقليدية.
    وهناك في أدب الرحلات، في القرن الثامن الهجري، كتاب خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف لأديب غرناطة الشهير: لسان الدين بن الخطيب (776هـ). انظر: ابن الخطيب، لسان الدين. ولابن خلدون، في أدب الرحلات، نفاضة الجراب في علالة الاغتراب وصف فيه مشاهداته في بلاد المغرب، خلال نفيه إليها، وهو في ثلاثة أجزاء. هذا بالإضافة إلى كتاب ابن خلدون (807هـ) التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا وهو مزيج من السيرة الذاتية وأدب الرحلات مكتوب بلغة سلسة، مع وصف دقيق لرحلته إلى كل من بلاد الأندلس حين أقام فيها منفيًّا، وبلاد الفرنجة حين أوفده أحد أمراء بني الأحمر إليها، ثم مصر التي أقام فيها قرابة ربع قرن متقلِّبا بين مناصب التدريس والقضاء.
    وفي العصر الحديث، أصبح أدب الرحلات شكلًا فنيًا داخلًا في الأدب، وليس دراسة تاريخية وجغرافية حيّة كما كان من قبل، ومن نماذجه في القرن التاسع عشر: تخليص الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة رافع الطهطاوي (ت1873م)، الذي رافق البعثة التي أرسلها محمد علي للدراسة في فرنسا، ليكون واعظًا وإمامًا. وتصور رحلة الطهطاوي انبهاره بمظاهر النهضة الأوروبية، مع نقد لبعض عوائدهم في أسلوب أدبي.
    كما يلقانا أحمد فارس الشدياق (ت 1887م) بكتابه: الواسطة في أحوال مالطة، وقد وصف صنوفًا من العادات والتقاليد، وبخاصة النساء المالطيات.
    وبقدر ما يُعد كتاب حديث عيسى بن هشام إرهاصًا بظهور أدب الرواية العربية الحديثة، فإنه معدود أيضًا من كتب الرحلات الخيالية، إذ يقص رحلة قام بها البطل عيسى بن هشام برفقة أحد باشوات مصر، بعد أن خرج هذا الباشا من قبره، وكان قد مات منذ زمن بعيد، ثم خرج يتجوَّل في شوارع مصر ودوائرها الحكومية، ومنها المحاكم، ويصف لنا، بأسلوب أدبي ساخر، مظاهر التحول السلبي التي أصابت الحياة. كما تلقانا رحلة أمين الريحاني التي أسماها الريحانيات، وقد سجل مشاهداته في بلدان عربية ووصف عادات أهلها، كما زار بعض ملوك العرب ومن بينهم المغفور له الملك عبد العزيز رحمه الله، وسجل لنا بعض أحاديثه وآرائه، هذا إلى رحلات الأديب المصري حسين فوزي التي سمّاها السندباد العصري، ورحلة توفيق الحكيم المسماة زهرة العمر وفيها يتناول بحس مسرحي قصصي جوانب من الحياة في باريس.
    وكما شاع -من أدب الرحلات في تراثنا- أدب الرحلات الحجازية، فكذلك عرف الأدب الحديث نماذج منها: الرحلة الحجازية للبتانوني، ورحلة شكيب أرسلان: الارتسامات اللِّطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف. وهي تمضي، بشكل عفوي، على طريقة القدماء، وفيها قابل الملك عبد العزيز، يرحمه الله،، وسجل لنا صورة إعجاب بشخصيته، كما اعتبر موسم الحج فرصة لاجتماع الصف الإسلامي وتحقيق الوحدة الإسلامية.
    وتعد رحلات حمد الجاسر لونًا جديدا في أدب الرحلات إذ سجل لنا رحلاته إلى مكتبات أوروبا بحثا عن المخطوطات المتصلة بالجزيرة العربية، وسرد أسماء العديد من المخطوطات ومحتوياتها وآراءه عنها، مع سرد لبعض النوادر والمواقف، التي تدخل بهذه الرحلات مجال الأدب الشائق الطريف.

    Attached Files Attached Files

  2. #2
    مساهم كبير | Senior Contributor
    Join Date
    Sep 2017
    Posts
    521
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    41

    Post One Tree H

    هذه المشاركة تتطلب منك الضغط على "شكراً لهذه المشاركة" لمشاهدة المحتوى
    Attached Files Attached Files
    • هذه المشاركة تتطلب منك الضغط على "شكراً لهذا" لكي تشاهد الأرتباطات

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •